إشترك في النسخة الرقمية لجريدة الصباح و LE TEMPS

2022 سنة التوتر الاجتماعي.. و"الحرقة" بامتياز..

 
تونس – الصباح 
أعداد ملفتة سجّلها المنتدى التونسي للحقوق الاقتصادية والاجتماعية سنة 2022 فيما يتعلق بالتحركات الاجتماعية والانتحار ومحاولات الانتحار والهجرة غير النظامية. أعداد تؤكد من جديد أن الأزمة الاجتماعية والاقتصادية متواصلة في ظل الوضع السياسي الحالي والأزمة الاقتصادية على المستوى الوطني والدولي. 
وكشفت أرقام المنتدى عن خطورة تفشي ظاهرة الهجرة غير النظامية وتحولها من هجرة نظامية تقليدية لا تقتصر إلا على المعطلين عن العمل والمنقطعين عن التعليم إلى ظاهرة أتت على الجميع وأصبحت عائلات وأسر بأكملها وقُصر وأصحاب شهائد عليا وغيرهم مشمولين بها ليرتفع عدد المهاجرين غير النظامين إلى الآلاف في غضون أشهر قليلة. 
فعدد التونسيين الواصلين سنة 2022 إلى السواحل الإيطالية إلى حدود شهر نوفمبر الماضي بلغ 17 ألفا 443 شخصا، منهم 13 ألفا و301 رجل و832 امرأة، ومن بينهم 977 قاصرا مع مرافقة و2333 قاصرا دون مرافقة، ومن المرجح أن يفوق عدد الواصلين 18 ألف شخص باحتساب شهر نوفمبر، وكان لشهر أوت الماضي النصيب الأكبر من المهاجرين غير النظاميين بعدد بلغ 4284 شخصا. في المقابل بلغ عدد المجتازين الذين وقع ايقافهم 37 ألفا و188 شخصا، وبلغ عدد عمليات الاجتياز المحبطة قرابة 3 آلاف عملية اجتياز. 
مقابل ذلك سنة 2021 بلغ عدد التونسيين الواصلين إلى السواحل التونسية 15 ألفا و671 تونسيا، أما عدد عمليات الاجتياز التي تمّ إحباطها بلغت 1748 كما تم إيقاف 25 ألفا و657 مجتازا للحدود التونسية.  
أما بخصوص التحركات الاحتجاجية في سنة 2022 تمّ تسجيل 7 آلاف و754 تحركا احتجاجيا إلى حدود شهر نوفمبر حيث سجل أكبر عدد في شهر جانفي وبلغ 1218، أما في سنة 2021 بلغ عدد الاحتجاجات 12 ألفا و79 احتجاجا كان لشهر جانفي أيضا النصيب الأكبر بـ1502 احتجاج.
في سنة 2022 وإلى حدود شهر نوفمبر بلغ عدد حالات الانتحار ومحاولات الانتحار 111 حالة، وسجل أكبر عدد في شهر جانفي وسبتمبر بـ 15 حالة. مقابل ذلك بلغت سنة 2021 عدد حالات الانتحار ومحاولات الانتحار 182 حالة وسجل شهر نوفمبر أكبر عدد بـ 28 حالة. 
 
إعداد إيمان عبد اللطيف
 
رمضان بن عمر  لـ"الصباح":  هذه السنة سنة المآسي بامتياز بخصوص الهجرة غير النظامية.. ومأساة جرجيس واحدة منها
 
 
 
قال الناطق الرسمي باسم المنتدى التونسي للحقوق الاقتصادية والاجتماعية رمضان بن عمير في تصريح لـ "الصباح" إنّ "تحولات كبيرة رافقت الهجرة غير النظامية هذه السنة، أولا الأرقام المرصودة لم يتمّ رصدها منذ انطلاق هذه الظاهرة أي منذ بداية فرض تأشيرة "شانغان". والأرقام سواء من حيث الواصلين إلى الفضاء الأوروبي أو من حيث عدد الذين تمّ منعهم وهي أرقام تجاوزت أرقام سنة 2011". 
وأضاف "في سنة 2022، لدينا أكثر من 35 ألف واصل إلى فضاء "شانغان"، منهم 18 ألفا وصلوا عبر البحر إلى إيطاليا و17 ألفا حسب التقديرات الأوروبية وصلوا عبر طريق الشرق وهو طريق تركيا – صربيا، إضافة إلى عمليات الاجتياز التي تمّ منعها والتي تجاوزت إلى حدود نهاية السنة أكثر من 3 آلاف عملية اجتياز.
هذه الأرقام الكبيرة تُبين أوّلا تعمّق العوامل الدافعة إلى ذلك وهي العوامل السياسية والاقتصادية والاجتماعية وخاصة العامل السياسي الذي كان محدّدا هذه السنة في القرار الهجري باعتبار الغموض وحالة الإحباط وتواصل هذه الأزمة السياسية وتراجع الخدمات العمومية".
وبيّن رمضان بن عمر أنّ "التحولات التي برزت أيضا تتعلق بملامح المهاجر غير النظامي التي لم تعد الملامح التقليدية التي نعرفها، فاليوم أصبحنا نرى فئات اجتماعية عديدة. فهذه السنة لدينا أكثر من 3 آلاف قاصر، وأكثر من 700 عائلة وصلوا إلى السواحل الإيطالية". 
أيضا "ما ميّز هذه السنة هو المقاربة الأمنية التي اعتمدتها السلط التونسية في معالجة الظاهرة وهي مقاربة جاءت متناقضة مع الخطاب السياسي، ففي كل مرة يتحدث فيها رئيس الجمهورية عن الهجرة غير النظامية يقول بأن المقاربة الأمنية وحدها ليست الحل للحد من هذه الظاهرة، ولكن في المقابل لا يعتمد إلا هذه المقاربة".
وقال "هذه المقاربة دفعت بنا إلى هذه الحصيلة من الأرقام، وكانت لها للأسف كلفة إنسانية باهظة، ففي هذه السنة سجلنا أكثر من 580 ضحية ومفقودا على الشواطئ التونسية وهو العدد الأعلى منذ سنة 2012".
وأوضح بن عمر "هذا يُبيّن أن السلطات التونسية أولويتها هي المنع من الاجتياز وليس البحث والإنقاذ، لذلك كانت هذه السنة سنة المآسي بامتياز ومأساة جرجيس واحدة منها والتي لا تزال فصولها متواصلة إلى حد الأن".
وأفاد أيضا أنّ "ما ميّز هذه السنة هو تواصل الضغوط الأوروبية على تونس وأساسا الفرنسية والإيطالية والتي حاولت ونجحت في ابتزاز تونس وفرضت عليها تعاونا معينا يتمثل في عسكرة السواحل التونسية ولعب دور الحارس، والتعاون في التعرف على هويّة المهاجرين الواصلين إلى الأراضي الإيطالية وفي مجال الترحيل القسري وما نسميه بالرحلات الخفية التي تنطلق من المطارات الإيطالية والألمانية والفرنسية وهي رحلات في أغلبها غير معلنة ولا نجد لها أثرا هنا في تونس أو أي معطيات عنها. وبالتالي هذه الرحلات جسدت فصلا آخر من فصول الخضوع إلى هذا الابتزاز الأوروبي وانتهاك حقوق المهاجرين باعتبار الملابسات التي ترافقها وعدم احترامها للتراتيب والإجراءات القانونية والالتزامات الحقوقية التي وقعت عليها تلك الدول". 
أما بالنسبة للاحتجاجات الاجتماعية، قال رمضان بن عمر "صحيح أن الأرقام هذه السنة تراجعت مقارنة بالسنة الماضية التي كانت فيها هزة اجتماعية كبيرة خاصة في بدايتها. لكن هذه الأرقام تُكذب ربما بعض السرديات القائلة إن الاحتجاج الاجتماعي تقلّص أو اختفى بعد 25 جويلية. فالاحتجاج مازال موجودا تقريبا بنفس الخارطة التي عهدناها منذ سنوات".
وأضاف "أهمّ الاحتجاجات الاجتماعية استأثر بها القطاع العمومي بـ43،8 بالمائة من المجموع خلال هذه السنة وهذا يُبين أن هذا القطاع في انهيار متواصل ونعني القطاع الصحي، النقل، والبنية التحتية، والخدمات. والمسألة الثانية الطاغية خلال سنة 2022، هي الاحتجاجات في المجال التربوي بنسبة 23،1 بالمائة وشملت الاطار العامل وأيضا العائلات المحتجة على عدم ضمان الحق في التعليم وعلى البنية التحتية وأيضا على العنف في المؤسسات التربوية. وهو أكثر احتجاج يُبيّن عمق الأزمة التي ستتواصل باعتبار أن الحلول التي طرحتها الدولة هي حلول هشّة".
أما "من حيث التوزيع الجغرافي للاحتجاجات الاجتماعية، فإن الخارطة لم تتغير كثيرا. ومن حيث الأقاليم فإن إقليم الوسط الغربي هو الإقليم الأكثر احتجاجا بنسبة 24 بالمائة، يليه الجنوب الغربي بنسبة 21 بالمائة حيث تظهر التباينات الاقتصادية والاجتماعية بهما. ثم في المرتبة الثالثة يأتي إقليم الشمال الشرقي بـ17 بالمائة. 
وبالنسبة للولايات الأكثر احتجاجا هي ولاية قفصة بـ1281 تحركا احتجاجيا تليها تونس الكبرى بـ959 احتجاجا اجتماعيا. هذه الاحتجاجات صحيح أنها لم تكن لها القدرة التعبوية ولكن كانت موجودة ورمزية في أغلبها بسبب الانتهاكات التي كانت تطالها وكانت أغلبها بنسبة 78 بالمائة عشوائية وتعبير عن الغضب الكبير". 
واستطرد بن عمر قائلا:"الاحتجاج الاجتماعي في حالة انتظار باعتبار أنه أصبح اليوم مرتبط بغياب الأمل لأن الفاعلين والمحتجين أضحوا لا أمل لهم بأن احتجاجهم سيحقق تغييرا باعتبار أيضا أن الدولة عاجزة سواء على المستوى المحلي أو الجهوي أو المركزي. وربما أيضا الاحتجاجات الأخرى كالهجرة غير النظامية ساهمت في تراجع هذا المنسوب".
 
 
زهير بن جنات أستاذ علم الاجتماع لـ"الصباح": جرجيس واحدة منها
 
 
أوضح أستاذ علم الاجتماع زهير بن جنات في تصريح لـ"الصباح" أنّه "بشكل عام، ما يُلاحظ هو أن نسبة التحركات الاحتجاجية هي مازالت مرتفعة جدّا كامل الفترة، ولكن عندما نقارنها بالسنوات الماضية هناك بعض الانخفاض على مستوى الانتحار ومحاولات الانتحار وعلى عكس الهجرة غير النظامية التي ارتفعت نسبها خاصة في سنة 2022".
وأضاف بن جنات "هذا يُفسّر أساسا بمعطيين، المعطى الأوّل هو أنه بعد 25 جويلية وتحوّل السياق السياسي الذي أفرز واقعا جديدا كان هناك نوع من الأمل بالنسبة للشباب وبعض الفئات بشكل عام. وهذا انعكس بشكل مباشر على المناخ الاجتماعي والشعور الجماعي بالأمان وانخفاض منسوب اللاّأمان واليأس والإحباط".
لكن، وفق قوله، "الواضح جدّا أنّ المسألة تغيّرت خلال سنة 2022، بمعنى أنه في النصف الثاني من سنة 2021 كانت النسب في انخفاض باستثناء الهجرة، لتعود إلى الارتفاع خاصة بالنسبة للهجرة النظامية وأيضا بالنسبة للانتحار ومحاولات الانتحار".
وأوضح أستاذ علم الاجتماع "سنة 2022، بشكل عام، عاد الشعور باللايقين وباللاأمن بالنسبة للتونسي هذا يؤدي بطبيعته إلى انتشار مختلف الاحتجاجات الاجتماعية في عديد المسائل. ولا ننسى أنه عند ارتفاع عدد هذه الاحتجاجات سواء على الماء أو التشغيل أو على الظروف الاجتماعية والاقتصادية وفي المجال المهني فإنه ينعكس على المناخ العام والشعور العام بالأمن من عدمه لبقية الفئات الاجتماعية".
في سياق متصل، قال زهير بن جنات "بالنسبة للهجرة غير النظامية المسألة تُفهم بطريقة أخرى. ففي سنة 2021 وبعد 25 جويلية كان هناك نوع من التراخي الأمني ومعروف جدا أنه عندما يكون السياق السياسي متأزم جدا فإن هذا يُحسن إمكانية اجتيازهم للحدود ثم كذلك كان هناك إمكانية أفضل لقبولهم في المجال الأوروبي سواء كان بداعي اللجوء السياسي أو اللجوء الإنساني".
وأضاف "بالنسبة لسنة 2022، واضح جدّا أنه بالإضافة إلى ما سبق ذكره، هناك تواصل للأزمة السياسية وانسداد للأفق الاقتصادي والاجتماعي بالنسبة للشباب خاصة وأيضا للعائلات. ولا ننسى أنه بعد تجربة كورونا تحدثنا في العديد من المرات عن تراجع كبير لموارد الأسرة في مقابل تنامي كبير لاحتياجاتها في إطار الأزمة الاقتصادية الخانقة والارتفاع المشطّ للأسعار وارتفاع في نسب التضخم لذلك أصبحت الأسر نفسها تخاطر بالهجرة غير النظامية". 
في ذات الاتجاه قال زهير بن جنات "نلاحظ ارتفاعا كبيرا لعدد القاصرين الذين غادروا وهذا يُؤكد أن الوضع الاقتصادي والاجتماعي يؤدي إلى تأزم وضعية الأسر وإلى البحث عن حلول جديدة ونعلم أنّ القصر عندما يكونون مرافقين لعائلاتهم يكون هناك فرص أكبر لقبولهم في المجال الأوروبي وفي عديد الدول".
وأضاف "لا ننسى أيضا أن الإجراءات التي تمّ اتخاذها في المجال الاقتصادي تؤكد أن الأزمة ستدوم وهذا يؤدي إلى مسألتين أولا بالنسبة للشباب العاطل عن العمل الباحث عن أفق جديد تُصبح الهجرة هي الحل الأنسب. ثم المسألة الثانية متعلقة بالعائلات التي تعلم جيدا أنه أضحى من الصعب جدا لأبنائهم الحصول على عمل ولذلك انخرطت في تمويل عمليات الهجرة سواء كان بطريقة نظامية أو غير نظامية بمعنى سواء عن طريق عقود العمل أو الزواج الأبيض أو السفر عن طريق صربيا أو عن طريق البحر". 
وقال بن جنات "بعد كورونا العائلات التونسية أصبحت تُعبّئ مواردها وتخصص جزءا وتقوم بالمستحيل حتى تُمول مشاريع هجرة غير نظامية لأبنائها وهذا مفهوم لأن الأفق الاقتصادي مسدود مع ارتفاع نسب البطالة والحال أن الشباب في حاجة إلى العمل". 
وأضاف "لا ننسى أن قانون المالية الحالي سيكون له انعكاس كبير جدا على المستوى الاجتماعي وستكون كل المؤشرات المرتبطة به مرتفعة جدا لأن هناك إجراءات ستمسّ بشكل مباشر وضعية العائلات. وأهم شيء أن هناك مسألة جديدة سنعيشها في تونس خلال السنوات القادمة وهي أن الاحتجاجات ستصبح احتجاجات عائلية لن تكون احتجاجات أفراد معنيين بقضايا معينة، فالأسر هي التي أصبحت تعيش في أزمات خانقة لن تستطيع مجاراة متطلبات حياتها".
وقال بن جنات بخصوص احتجاجات سنة 2022 والتراجع النسبي في عددها "أكثر شيء أعتقده أنه كانت هناك بارقة أمل، فالحركات الاحتجاجية من المستحيل أن تخمد، في السنة الماضية كان هناك أمل لدى الناس الذين كانوا على استعداد لانتظار التغيير. ولكن كان هناك احباط لذلك هناك نوع من الرجوع والخوف أن تكون العودة قوية ولا يمكن التحكم فيها ومراقبتها. ولا أتصور أن القمع الأمني هو سبب في التراجع النسبي لعدد الاحتجاجات فهو موجود منذ الأزل ولا أعتقد أن الفاعلين في الحراك الاجتماعي قد تعبوا من ذلك لأن الأزمة متواصلة وبالتالي ستعود هذه التحركات بشكل أكبر".
 
 
 
 
 
2022  سنة التوتر الاجتماعي.. و"الحرقة" بامتياز..
 
تونس – الصباح 
أعداد ملفتة سجّلها المنتدى التونسي للحقوق الاقتصادية والاجتماعية سنة 2022 فيما يتعلق بالتحركات الاجتماعية والانتحار ومحاولات الانتحار والهجرة غير النظامية. أعداد تؤكد من جديد أن الأزمة الاجتماعية والاقتصادية متواصلة في ظل الوضع السياسي الحالي والأزمة الاقتصادية على المستوى الوطني والدولي. 
وكشفت أرقام المنتدى عن خطورة تفشي ظاهرة الهجرة غير النظامية وتحولها من هجرة نظامية تقليدية لا تقتصر إلا على المعطلين عن العمل والمنقطعين عن التعليم إلى ظاهرة أتت على الجميع وأصبحت عائلات وأسر بأكملها وقُصر وأصحاب شهائد عليا وغيرهم مشمولين بها ليرتفع عدد المهاجرين غير النظامين إلى الآلاف في غضون أشهر قليلة. 
فعدد التونسيين الواصلين سنة 2022 إلى السواحل الإيطالية إلى حدود شهر نوفمبر الماضي بلغ 17 ألفا 443 شخصا، منهم 13 ألفا و301 رجل و832 امرأة، ومن بينهم 977 قاصرا مع مرافقة و2333 قاصرا دون مرافقة، ومن المرجح أن يفوق عدد الواصلين 18 ألف شخص باحتساب شهر نوفمبر، وكان لشهر أوت الماضي النصيب الأكبر من المهاجرين غير النظاميين بعدد بلغ 4284 شخصا. في المقابل بلغ عدد المجتازين الذين وقع ايقافهم 37 ألفا و188 شخصا، وبلغ عدد عمليات الاجتياز المحبطة قرابة 3 آلاف عملية اجتياز. 
مقابل ذلك سنة 2021 بلغ عدد التونسيين الواصلين إلى السواحل التونسية 15 ألفا و671 تونسيا، أما عدد عمليات الاجتياز التي تمّ إحباطها بلغت 1748 كما تم إيقاف 25 ألفا و657 مجتازا للحدود التونسية.  
أما بخصوص التحركات الاحتجاجية في سنة 2022 تمّ تسجيل 7 آلاف و754 تحركا احتجاجيا إلى حدود شهر نوفمبر حيث سجل أكبر عدد في شهر جانفي وبلغ 1218، أما في سنة 2021 بلغ عدد الاحتجاجات 12 ألفا و79 احتجاجا كان لشهر جانفي أيضا النصيب الأكبر بـ1502 احتجاج.
في سنة 2022 وإلى حدود شهر نوفمبر بلغ عدد حالات الانتحار ومحاولات الانتحار 111 حالة، وسجل أكبر عدد في شهر جانفي وسبتمبر بـ 15 حالة. مقابل ذلك بلغت سنة 2021 عدد حالات الانتحار ومحاولات الانتحار 182 حالة وسجل شهر نوفمبر أكبر عدد بـ 28 حالة. 
 
إعداد إيمان عبد اللطيف
 
رمضان بن عمر  لـ"الصباح":  هذه السنة سنة المآسي بامتياز بخصوص الهجرة غير النظامية.. ومأساة جرجيس واحدة منها
 
 
 
قال الناطق الرسمي باسم المنتدى التونسي للحقوق الاقتصادية والاجتماعية رمضان بن عمير في تصريح لـ "الصباح" إنّ "تحولات كبيرة رافقت الهجرة غير النظامية هذه السنة، أولا الأرقام المرصودة لم يتمّ رصدها منذ انطلاق هذه الظاهرة أي منذ بداية فرض تأشيرة "شانغان". والأرقام سواء من حيث الواصلين إلى الفضاء الأوروبي أو من حيث عدد الذين تمّ منعهم وهي أرقام تجاوزت أرقام سنة 2011". 
وأضاف "في سنة 2022، لدينا أكثر من 35 ألف واصل إلى فضاء "شانغان"، منهم 18 ألفا وصلوا عبر البحر إلى إيطاليا و17 ألفا حسب التقديرات الأوروبية وصلوا عبر طريق الشرق وهو طريق تركيا – صربيا، إضافة إلى عمليات الاجتياز التي تمّ منعها والتي تجاوزت إلى حدود نهاية السنة أكثر من 3 آلاف عملية اجتياز.
هذه الأرقام الكبيرة تُبين أوّلا تعمّق العوامل الدافعة إلى ذلك وهي العوامل السياسية والاقتصادية والاجتماعية وخاصة العامل السياسي الذي كان محدّدا هذه السنة في القرار الهجري باعتبار الغموض وحالة الإحباط وتواصل هذه الأزمة السياسية وتراجع الخدمات العمومية".
وبيّن رمضان بن عمر أنّ "التحولات التي برزت أيضا تتعلق بملامح المهاجر غير النظامي التي لم تعد الملامح التقليدية التي نعرفها، فاليوم أصبحنا نرى فئات اجتماعية عديدة. فهذه السنة لدينا أكثر من 3 آلاف قاصر، وأكثر من 700 عائلة وصلوا إلى السواحل الإيطالية". 
أيضا "ما ميّز هذه السنة هو المقاربة الأمنية التي اعتمدتها السلط التونسية في معالجة الظاهرة وهي مقاربة جاءت متناقضة مع الخطاب السياسي، ففي كل مرة يتحدث فيها رئيس الجمهورية عن الهجرة غير النظامية يقول بأن المقاربة الأمنية وحدها ليست الحل للحد من هذه الظاهرة، ولكن في المقابل لا يعتمد إلا هذه المقاربة".
وقال "هذه المقاربة دفعت بنا إلى هذه الحصيلة من الأرقام، وكانت لها للأسف كلفة إنسانية باهظة، ففي هذه السنة سجلنا أكثر من 580 ضحية ومفقودا على الشواطئ التونسية وهو العدد الأعلى منذ سنة 2012".
وأوضح بن عمر "هذا يُبيّن أن السلطات التونسية أولويتها هي المنع من الاجتياز وليس البحث والإنقاذ، لذلك كانت هذه السنة سنة المآسي بامتياز ومأساة جرجيس واحدة منها والتي لا تزال فصولها متواصلة إلى حد الأن".
وأفاد أيضا أنّ "ما ميّز هذه السنة هو تواصل الضغوط الأوروبية على تونس وأساسا الفرنسية والإيطالية والتي حاولت ونجحت في ابتزاز تونس وفرضت عليها تعاونا معينا يتمثل في عسكرة السواحل التونسية ولعب دور الحارس، والتعاون في التعرف على هويّة المهاجرين الواصلين إلى الأراضي الإيطالية وفي مجال الترحيل القسري وما نسميه بالرحلات الخفية التي تنطلق من المطارات الإيطالية والألمانية والفرنسية وهي رحلات في أغلبها غير معلنة ولا نجد لها أثرا هنا في تونس أو أي معطيات عنها. وبالتالي هذه الرحلات جسدت فصلا آخر من فصول الخضوع إلى هذا الابتزاز الأوروبي وانتهاك حقوق المهاجرين باعتبار الملابسات التي ترافقها وعدم احترامها للتراتيب والإجراءات القانونية والالتزامات الحقوقية التي وقعت عليها تلك الدول". 
أما بالنسبة للاحتجاجات الاجتماعية، قال رمضان بن عمر "صحيح أن الأرقام هذه السنة تراجعت مقارنة بالسنة الماضية التي كانت فيها هزة اجتماعية كبيرة خاصة في بدايتها. لكن هذه الأرقام تُكذب ربما بعض السرديات القائلة إن الاحتجاج الاجتماعي تقلّص أو اختفى بعد 25 جويلية. فالاحتجاج مازال موجودا تقريبا بنفس الخارطة التي عهدناها منذ سنوات".
وأضاف "أهمّ الاحتجاجات الاجتماعية استأثر بها القطاع العمومي بـ43،8 بالمائة من المجموع خلال هذه السنة وهذا يُبين أن هذا القطاع في انهيار متواصل ونعني القطاع الصحي، النقل، والبنية التحتية، والخدمات. والمسألة الثانية الطاغية خلال سنة 2022، هي الاحتجاجات في المجال التربوي بنسبة 23،1 بالمائة وشملت الاطار العامل وأيضا العائلات المحتجة على عدم ضمان الحق في التعليم وعلى البنية التحتية وأيضا على العنف في المؤسسات التربوية. وهو أكثر احتجاج يُبيّن عمق الأزمة التي ستتواصل باعتبار أن الحلول التي طرحتها الدولة هي حلول هشّة".
أما "من حيث التوزيع الجغرافي للاحتجاجات الاجتماعية، فإن الخارطة لم تتغير كثيرا. ومن حيث الأقاليم فإن إقليم الوسط الغربي هو الإقليم الأكثر احتجاجا بنسبة 24 بالمائة، يليه الجنوب الغربي بنسبة 21 بالمائة حيث تظهر التباينات الاقتصادية والاجتماعية بهما. ثم في المرتبة الثالثة يأتي إقليم الشمال الشرقي بـ17 بالمائة. 
وبالنسبة للولايات الأكثر احتجاجا هي ولاية قفصة بـ1281 تحركا احتجاجيا تليها تونس الكبرى بـ959 احتجاجا اجتماعيا. هذه الاحتجاجات صحيح أنها لم تكن لها القدرة التعبوية ولكن كانت موجودة ورمزية في أغلبها بسبب الانتهاكات التي كانت تطالها وكانت أغلبها بنسبة 78 بالمائة عشوائية وتعبير عن الغضب الكبير". 
واستطرد بن عمر قائلا:"الاحتجاج الاجتماعي في حالة انتظار باعتبار أنه أصبح اليوم مرتبط بغياب الأمل لأن الفاعلين والمحتجين أضحوا لا أمل لهم بأن احتجاجهم سيحقق تغييرا باعتبار أيضا أن الدولة عاجزة سواء على المستوى المحلي أو الجهوي أو المركزي. وربما أيضا الاحتجاجات الأخرى كالهجرة غير النظامية ساهمت في تراجع هذا المنسوب".
 
 
زهير بن جنات أستاذ علم الاجتماع لـ"الصباح": جرجيس واحدة منها
 
 
أوضح أستاذ علم الاجتماع زهير بن جنات في تصريح لـ"الصباح" أنّه "بشكل عام، ما يُلاحظ هو أن نسبة التحركات الاحتجاجية هي مازالت مرتفعة جدّا كامل الفترة، ولكن عندما نقارنها بالسنوات الماضية هناك بعض الانخفاض على مستوى الانتحار ومحاولات الانتحار وعلى عكس الهجرة غير النظامية التي ارتفعت نسبها خاصة في سنة 2022".
وأضاف بن جنات "هذا يُفسّر أساسا بمعطيين، المعطى الأوّل هو أنه بعد 25 جويلية وتحوّل السياق السياسي الذي أفرز واقعا جديدا كان هناك نوع من الأمل بالنسبة للشباب وبعض الفئات بشكل عام. وهذا انعكس بشكل مباشر على المناخ الاجتماعي والشعور الجماعي بالأمان وانخفاض منسوب اللاّأمان واليأس والإحباط".
لكن، وفق قوله، "الواضح جدّا أنّ المسألة تغيّرت خلال سنة 2022، بمعنى أنه في النصف الثاني من سنة 2021 كانت النسب في انخفاض باستثناء الهجرة، لتعود إلى الارتفاع خاصة بالنسبة للهجرة النظامية وأيضا بالنسبة للانتحار ومحاولات الانتحار".
وأوضح أستاذ علم الاجتماع "سنة 2022، بشكل عام، عاد الشعور باللايقين وباللاأمن بالنسبة للتونسي هذا يؤدي بطبيعته إلى انتشار مختلف الاحتجاجات الاجتماعية في عديد المسائل. ولا ننسى أنه عند ارتفاع عدد هذه الاحتجاجات سواء على الماء أو التشغيل أو على الظروف الاجتماعية والاقتصادية وفي المجال المهني فإنه ينعكس على المناخ العام والشعور العام بالأمن من عدمه لبقية الفئات الاجتماعية".
في سياق متصل، قال زهير بن جنات "بالنسبة للهجرة غير النظامية المسألة تُفهم بطريقة أخرى. ففي سنة 2021 وبعد 25 جويلية كان هناك نوع من التراخي الأمني ومعروف جدا أنه عندما يكون السياق السياسي متأزم جدا فإن هذا يُحسن إمكانية اجتيازهم للحدود ثم كذلك كان هناك إمكانية أفضل لقبولهم في المجال الأوروبي سواء كان بداعي اللجوء السياسي أو اللجوء الإنساني".
وأضاف "بالنسبة لسنة 2022، واضح جدّا أنه بالإضافة إلى ما سبق ذكره، هناك تواصل للأزمة السياسية وانسداد للأفق الاقتصادي والاجتماعي بالنسبة للشباب خاصة وأيضا للعائلات. ولا ننسى أنه بعد تجربة كورونا تحدثنا في العديد من المرات عن تراجع كبير لموارد الأسرة في مقابل تنامي كبير لاحتياجاتها في إطار الأزمة الاقتصادية الخانقة والارتفاع المشطّ للأسعار وارتفاع في نسب التضخم لذلك أصبحت الأسر نفسها تخاطر بالهجرة غير النظامية". 
في ذات الاتجاه قال زهير بن جنات "نلاحظ ارتفاعا كبيرا لعدد القاصرين الذين غادروا وهذا يُؤكد أن الوضع الاقتصادي والاجتماعي يؤدي إلى تأزم وضعية الأسر وإلى البحث عن حلول جديدة ونعلم أنّ القصر عندما يكونون مرافقين لعائلاتهم يكون هناك فرص أكبر لقبولهم في المجال الأوروبي وفي عديد الدول".
وأضاف "لا ننسى أيضا أن الإجراءات التي تمّ اتخاذها في المجال الاقتصادي تؤكد أن الأزمة ستدوم وهذا يؤدي إلى مسألتين أولا بالنسبة للشباب العاطل عن العمل الباحث عن أفق جديد تُصبح الهجرة هي الحل الأنسب. ثم المسألة الثانية متعلقة بالعائلات التي تعلم جيدا أنه أضحى من الصعب جدا لأبنائهم الحصول على عمل ولذلك انخرطت في تمويل عمليات الهجرة سواء كان بطريقة نظامية أو غير نظامية بمعنى سواء عن طريق عقود العمل أو الزواج الأبيض أو السفر عن طريق صربيا أو عن طريق البحر". 
وقال بن جنات "بعد كورونا العائلات التونسية أصبحت تُعبّئ مواردها وتخصص جزءا وتقوم بالمستحيل حتى تُمول مشاريع هجرة غير نظامية لأبنائها وهذا مفهوم لأن الأفق الاقتصادي مسدود مع ارتفاع نسب البطالة والحال أن الشباب في حاجة إلى العمل". 
وأضاف "لا ننسى أن قانون المالية الحالي سيكون له انعكاس كبير جدا على المستوى الاجتماعي وستكون كل المؤشرات المرتبطة به مرتفعة جدا لأن هناك إجراءات ستمسّ بشكل مباشر وضعية العائلات. وأهم شيء أن هناك مسألة جديدة سنعيشها في تونس خلال السنوات القادمة وهي أن الاحتجاجات ستصبح احتجاجات عائلية لن تكون احتجاجات أفراد معنيين بقضايا معينة، فالأسر هي التي أصبحت تعيش في أزمات خانقة لن تستطيع مجاراة متطلبات حياتها".
وقال بن جنات بخصوص احتجاجات سنة 2022 والتراجع النسبي في عددها "أكثر شيء أعتقده أنه كانت هناك بارقة أمل، فالحركات الاحتجاجية من المستحيل أن تخمد، في السنة الماضية كان هناك أمل لدى الناس الذين كانوا على استعداد لانتظار التغيير. ولكن كان هناك احباط لذلك هناك نوع من الرجوع والخوف أن تكون العودة قوية ولا يمكن التحكم فيها ومراقبتها. ولا أتصور أن القمع الأمني هو سبب في التراجع النسبي لعدد الاحتجاجات فهو موجود منذ الأزل ولا أعتقد أن الفاعلين في الحراك الاجتماعي قد تعبوا من ذلك لأن الأزمة متواصلة وبالتالي ستعود هذه التحركات بشكل أكبر".