إشترك في النسخة الرقمية لجريدة الصباح و LE TEMPS

2023 آن الأوان للمرأة العربية أن تتحرَّرَ

بقلم: خديجة توفيق معلَّى(*)

هل يمكن أن تكون نساء الثلاثينات والأربعينات أكثر تحررا من نساء العشريات الأخيرة، في المنطقة العربية؟ في ذهننا جميعا أمثلة للعديد من النساء اللاتي تألقن كطبيبات أو فنانات أو وزيرات...في بداية القرن العشرين. وبالرجوع للأفلام وإلى جمهور حفلات السيدة أم كلثوم، أو المجتمع المدني النسائي في الكويت، وسوريا والعراق، وبالطبع تونس...والعديد من الأمثلة الأخرى، نُحسُّ بالفرق الشاسع لواقع هذه النساء، مقارنة بالواقع الحالي.
فعلا، فالمُتمعّن في واقع نساء المنطقة العربية في العشريات الخمس الأخيرة، يلاحظ التأخر الكبير الذي حلَّ بالمرأة في كل دول المنطقة بدون استثناء، علاوة على وجود العديد من التناقضات. فمثلا تتصدر المرأة المراتب العليا بالنسبة للتحصل على شهادات التعليم العالي، ولكن تتغيب بعد ذلك من سوق العمل أومن المراكز السياسية العليا. وهذا التراجع في الحقوق والحريات والقوانين وخاصة السلوك التمييزي ضد المرأة لا تفسير له. فالمتعارف عليه هو أنه من المفترض أن تتقدم المجتمعات نحو الأفضل والأرقى والأحسن لأفرادها. لكن، بالنسبة لمجتمعات المنطقة العربية، يجب أن نعترف لأنفسنا، أنه بالرغم من كل الجهود المبذولة وكل الأنشطة والبرامج والتمويلات... فهي قد شاهدت تأخرا لنسائها على كل المستويات، وفي كل المجالات.
وإذا أردنا التساؤل عن الدوافع التي تسببت في هذا التراجع، فالسبب الوحيد والرئيسي الذي يتبادر إلى الذهن هو نشأة واكتساح الأصولية الدينية في كل المجتمعات، في كل المجالات، وعلى جميع الأصعدة. اكتساح شبيه بالسرطان الذي يدخل الجسم وشيئا فشيئا يتسرب إلى كل الخلايا. وهذا الاكتساح يؤثر على القوانين والقواعد والاستراتيجيات وصولا لسلوك الرجال والنساء. فمثلا، تمويلات الفكر الأصولي سمحت بفرض استراتيجية التعريب، في تونس، في أواخر السبعينيات وبداية الثمانينات، مما أدى إلى تدهور التعليم إلى أبعد الحدود. فكل أساتذة الفلسفة الذين كانوا يدرِّسُون الفلسفة باللغة الفرنسية استبعدوا وطُلب منهم تدريس اللغة الفرنسية مع أنهم لم يُدَّربوا على ذلك. في حين أوتي بمدرسين للفلسفة باللغة العربية ولم يكن لديهم أي خبرة في ذلك. علاوة على التأثير على مواد أخرى مثل الرياضيات وغيرها.
ويمكن ذكر المئات من الأمثلة التي حَصُلت بالتوازي في عديد دول المنطقة، وهذا لدليل قاطع على أن كاتب السيناريو هو نفسه ومُمثليه هم أنفسهم، مع تغيير الأسماء. فعلا، هو تنظيم دولي سَخَّر كل الإمكانيات لبسط نفوذه والتَّمكن من كل المجالات والمؤسسات والهياكل. وأكثر مجالا ركَّزوا كل مجهوداتهم للسيطرة عليه هو حرمان المرأة من حقوقها وسلبها من حرياتها. مع أنه لا مجال لتحقيق أية تنمية لأي مجتمع يقرر إقصاء نصفه من العملية الاقتصادية والمساهمات الاجتماعية والثقافية. وهذا أيضا يدُلُّ على عدم اهتمام الأصولية الدينية بتنمية مجتمعاتها، ولا برُقي أوطانها ولا ببث الأمل في شبابها.
وبعد هذا التشخيص الذي يحتاج لتحليل مُعمَّق من جميع الأخصائين، من علوم الاجتماع والنفس والأنثروبولوجيا، والتاريخ والفلسفة... لفهم ما حدث، والقيام بالعديد من الحوارات لتبادل الآراء حول الحلول، توجد العديد من الأسئلة التي تَطرح نفسها:
1-  ما الذي يُفسِّر السُبات العميق والعقيم الذي انزلقت فيه نساء المنطقة، والذي جعلهن يقبلن كل ما يحصل لهن بدون أية ردة فعل؟
2-  لماذا حتى المُثقفات يقبلن التأويلات والفتاوى التي هي لا علاقة لها بصحيح الدين، وعوض فتح النص القرآني أوالاستعانة بالأبحاث التي تقدِّمها الباحثات في كليات الشريعة وأصول الدين، فهن يقبلن أراء أيمة، في أغلبيتهم، لا يفقهون في الدين شيئا.
 3-  لماذا لم تنجح النُخبة وخاصة الجمعيات النسائية في الأغلبية، في مواجهة الأصولية الدينية، ولا القضاء على خطاب الكراهية والتكفير، وغيرها من مشاريع التمكين الذي فرضوه على معظم المجتمعات؟ لماذا اقتصر معظم عمل المجتمع المدني على القيام بلقاءات نسوية أقصت الرجل منها. فمثلا عند الفشل في مواجهة العنف ضد المرأة، اقتصرت الجمعيات على فتح مآوى آمنة للنساء، مع العلم أن ذلك لا يمثل بحلول جذرية للقضاء على العنف من أساسه. وكان من المفروض التركيز على تغيير السلوك العنيف لمرتكبه بالاعتماد على كل المنهجيات العلمية التي أثبتت جدواها في العديد من المبادرات. لأنه حتى النجاح في سنِّ قوانين لمناهضة العنف، غير كافي، لأنه يجب في نفس الوقت خلق البيئة الداعمة لتطبيق هذه القوانين.
4-    ما هو الحل لاستيقاظ هِمم أكثر من 200 مليون امرأة في المنطقة، والتزامهن بتحرير أنفسهن، وبناتهن وعائلاتهن؟ كيف يمكن الوصول لهن بالرسائل وبالمنهجيات العلمية الصحيحة التي أثبتت جدواها وخاصة التي هي مبنية على "منظور الوعي الكامل".
5-    كيف يُمكن تحقيق لُحمة حقيقية ومساندة غير مشروطة بين كل نساء المنطقة عبر كل الطبقات الاقتصادية وتنمية الإحساس بالمسؤولية لمساعدة كل النساء بعضهن لبعض؟
6-    كيف يُمكن الإقناع بأهمية الوصول إلى مساندة كل النساء من جنسيات أخرى اللاتي يعملن في دول المنطقة من آسيا وإفريقيا، والإحساس بالمسؤولية لحمايتهن وعدم السماح بالمساس بحقوقهن الكونية وحرياتهن الفردية؟
7-    كيف يُمكن إعادة الثقة في النفس لكل النساء وتنمية قناعتهن على القدرة على إدارة المجتمعات كي تصبح مجتمعات مُتزنة، سعيدة، أصيلة، تُحترم فيها حقوق الجميع بدون استثناء، وتؤدَّى الواجبات بكل مسؤولية. مجتمعات لها القدرة والإرادة للتحرر من هيمنة الأصولية الدينية التي تبيع وتشتري الضمائر باسم الدين، وتستبيح دم النساء أيضا باسم الدين، والمثال الإيراني الحالي، لدليل صارخ على ذلك.
وفي الختام، وجب التذكير بأن جميع دول المنطقة التزمت بتطبيق والوصول إلى أهداف التنمية المستدامة السبعة عشر. ولكن لا يوجد أي أمل بضمان التنمية لمنطقة تُقصِي وتَقهر وتُعنف نصف سكانها، وذلك في كنف صمت رهيب للأغلبية. لقد آن الأوان كي تتحد كل النساء الوطنيات مع بعضها البعض وبالشراكة مع الرجال الوطنيين لضمان تطبيق هذه الأهداف حسب أجندة 2030 الذي به كل الحقوق الكونية للجميع.
 
*استاذة جامعية وخبيرة لدى الامم المتحدة 
 
 2023  آن الأوان للمرأة العربية أن تتحرَّرَ

بقلم: خديجة توفيق معلَّى(*)

هل يمكن أن تكون نساء الثلاثينات والأربعينات أكثر تحررا من نساء العشريات الأخيرة، في المنطقة العربية؟ في ذهننا جميعا أمثلة للعديد من النساء اللاتي تألقن كطبيبات أو فنانات أو وزيرات...في بداية القرن العشرين. وبالرجوع للأفلام وإلى جمهور حفلات السيدة أم كلثوم، أو المجتمع المدني النسائي في الكويت، وسوريا والعراق، وبالطبع تونس...والعديد من الأمثلة الأخرى، نُحسُّ بالفرق الشاسع لواقع هذه النساء، مقارنة بالواقع الحالي.
فعلا، فالمُتمعّن في واقع نساء المنطقة العربية في العشريات الخمس الأخيرة، يلاحظ التأخر الكبير الذي حلَّ بالمرأة في كل دول المنطقة بدون استثناء، علاوة على وجود العديد من التناقضات. فمثلا تتصدر المرأة المراتب العليا بالنسبة للتحصل على شهادات التعليم العالي، ولكن تتغيب بعد ذلك من سوق العمل أومن المراكز السياسية العليا. وهذا التراجع في الحقوق والحريات والقوانين وخاصة السلوك التمييزي ضد المرأة لا تفسير له. فالمتعارف عليه هو أنه من المفترض أن تتقدم المجتمعات نحو الأفضل والأرقى والأحسن لأفرادها. لكن، بالنسبة لمجتمعات المنطقة العربية، يجب أن نعترف لأنفسنا، أنه بالرغم من كل الجهود المبذولة وكل الأنشطة والبرامج والتمويلات... فهي قد شاهدت تأخرا لنسائها على كل المستويات، وفي كل المجالات.
وإذا أردنا التساؤل عن الدوافع التي تسببت في هذا التراجع، فالسبب الوحيد والرئيسي الذي يتبادر إلى الذهن هو نشأة واكتساح الأصولية الدينية في كل المجتمعات، في كل المجالات، وعلى جميع الأصعدة. اكتساح شبيه بالسرطان الذي يدخل الجسم وشيئا فشيئا يتسرب إلى كل الخلايا. وهذا الاكتساح يؤثر على القوانين والقواعد والاستراتيجيات وصولا لسلوك الرجال والنساء. فمثلا، تمويلات الفكر الأصولي سمحت بفرض استراتيجية التعريب، في تونس، في أواخر السبعينيات وبداية الثمانينات، مما أدى إلى تدهور التعليم إلى أبعد الحدود. فكل أساتذة الفلسفة الذين كانوا يدرِّسُون الفلسفة باللغة الفرنسية استبعدوا وطُلب منهم تدريس اللغة الفرنسية مع أنهم لم يُدَّربوا على ذلك. في حين أوتي بمدرسين للفلسفة باللغة العربية ولم يكن لديهم أي خبرة في ذلك. علاوة على التأثير على مواد أخرى مثل الرياضيات وغيرها.
ويمكن ذكر المئات من الأمثلة التي حَصُلت بالتوازي في عديد دول المنطقة، وهذا لدليل قاطع على أن كاتب السيناريو هو نفسه ومُمثليه هم أنفسهم، مع تغيير الأسماء. فعلا، هو تنظيم دولي سَخَّر كل الإمكانيات لبسط نفوذه والتَّمكن من كل المجالات والمؤسسات والهياكل. وأكثر مجالا ركَّزوا كل مجهوداتهم للسيطرة عليه هو حرمان المرأة من حقوقها وسلبها من حرياتها. مع أنه لا مجال لتحقيق أية تنمية لأي مجتمع يقرر إقصاء نصفه من العملية الاقتصادية والمساهمات الاجتماعية والثقافية. وهذا أيضا يدُلُّ على عدم اهتمام الأصولية الدينية بتنمية مجتمعاتها، ولا برُقي أوطانها ولا ببث الأمل في شبابها.
وبعد هذا التشخيص الذي يحتاج لتحليل مُعمَّق من جميع الأخصائين، من علوم الاجتماع والنفس والأنثروبولوجيا، والتاريخ والفلسفة... لفهم ما حدث، والقيام بالعديد من الحوارات لتبادل الآراء حول الحلول، توجد العديد من الأسئلة التي تَطرح نفسها:
1-  ما الذي يُفسِّر السُبات العميق والعقيم الذي انزلقت فيه نساء المنطقة، والذي جعلهن يقبلن كل ما يحصل لهن بدون أية ردة فعل؟
2-  لماذا حتى المُثقفات يقبلن التأويلات والفتاوى التي هي لا علاقة لها بصحيح الدين، وعوض فتح النص القرآني أوالاستعانة بالأبحاث التي تقدِّمها الباحثات في كليات الشريعة وأصول الدين، فهن يقبلن أراء أيمة، في أغلبيتهم، لا يفقهون في الدين شيئا.
 3-  لماذا لم تنجح النُخبة وخاصة الجمعيات النسائية في الأغلبية، في مواجهة الأصولية الدينية، ولا القضاء على خطاب الكراهية والتكفير، وغيرها من مشاريع التمكين الذي فرضوه على معظم المجتمعات؟ لماذا اقتصر معظم عمل المجتمع المدني على القيام بلقاءات نسوية أقصت الرجل منها. فمثلا عند الفشل في مواجهة العنف ضد المرأة، اقتصرت الجمعيات على فتح مآوى آمنة للنساء، مع العلم أن ذلك لا يمثل بحلول جذرية للقضاء على العنف من أساسه. وكان من المفروض التركيز على تغيير السلوك العنيف لمرتكبه بالاعتماد على كل المنهجيات العلمية التي أثبتت جدواها في العديد من المبادرات. لأنه حتى النجاح في سنِّ قوانين لمناهضة العنف، غير كافي، لأنه يجب في نفس الوقت خلق البيئة الداعمة لتطبيق هذه القوانين.
4-    ما هو الحل لاستيقاظ هِمم أكثر من 200 مليون امرأة في المنطقة، والتزامهن بتحرير أنفسهن، وبناتهن وعائلاتهن؟ كيف يمكن الوصول لهن بالرسائل وبالمنهجيات العلمية الصحيحة التي أثبتت جدواها وخاصة التي هي مبنية على "منظور الوعي الكامل".
5-    كيف يُمكن تحقيق لُحمة حقيقية ومساندة غير مشروطة بين كل نساء المنطقة عبر كل الطبقات الاقتصادية وتنمية الإحساس بالمسؤولية لمساعدة كل النساء بعضهن لبعض؟
6-    كيف يُمكن الإقناع بأهمية الوصول إلى مساندة كل النساء من جنسيات أخرى اللاتي يعملن في دول المنطقة من آسيا وإفريقيا، والإحساس بالمسؤولية لحمايتهن وعدم السماح بالمساس بحقوقهن الكونية وحرياتهن الفردية؟
7-    كيف يُمكن إعادة الثقة في النفس لكل النساء وتنمية قناعتهن على القدرة على إدارة المجتمعات كي تصبح مجتمعات مُتزنة، سعيدة، أصيلة، تُحترم فيها حقوق الجميع بدون استثناء، وتؤدَّى الواجبات بكل مسؤولية. مجتمعات لها القدرة والإرادة للتحرر من هيمنة الأصولية الدينية التي تبيع وتشتري الضمائر باسم الدين، وتستبيح دم النساء أيضا باسم الدين، والمثال الإيراني الحالي، لدليل صارخ على ذلك.
وفي الختام، وجب التذكير بأن جميع دول المنطقة التزمت بتطبيق والوصول إلى أهداف التنمية المستدامة السبعة عشر. ولكن لا يوجد أي أمل بضمان التنمية لمنطقة تُقصِي وتَقهر وتُعنف نصف سكانها، وذلك في كنف صمت رهيب للأغلبية. لقد آن الأوان كي تتحد كل النساء الوطنيات مع بعضها البعض وبالشراكة مع الرجال الوطنيين لضمان تطبيق هذه الأهداف حسب أجندة 2030 الذي به كل الحقوق الكونية للجميع.
 
*استاذة جامعية وخبيرة لدى الامم المتحدة