محطات سياسية فارقة عرفتها تونس خلال سنة 2022، لعل أبرزها تنظيم الاستشارة الوطنية خلال الفترة الممتدة بين 15 جانفي و20 مارس، وحل المجلس الأعلى للقضاء يوم 12 فيفري، ثم حل مجلس نواب الشعب يوم 30 مارس، فتغيير تركيبة الهيئة العليا المستقلة للانتخابات والقانون المنظم للهيئة يوم 22 أفريل، وإحداث الهيئة الوطنية الاستشارية من أجل جمهورية جديدة برئاسة العميد الصادق بلعيد يوم 19 ماي، وتنقيح القانون الانتخابي يوم غرة جوان، ونشر مشروع دستور جديد للبلاد يوم 30 جوان وعرض هذا المشروع على الاستفتاء يوم 25 جويلية ثم تعديل القانون الانتخابي مرة أخرى يوم 15 سبتمبر وتنظيم انتخابات تشريعية يوم 17 ديسمبر..
وتواصل خلال هذه السنة وإلى غاية صدور الدستور في شهر أوت الماضي العمل بالتدابير الاستثنائية التي جاء بها الأمر عدد 117 لسنة 2021 المؤرخ في 22 سبتمبر 2021 هذا الأمر الذي خول لرئيس الجمهورية المسك بجميع السلطات، والذي تحدث أيضا عن التوجه نحو "إعداد مشاريع التعديلات المتعلقة بالإصلاحات السياسية بالاستعانة بلجنة على أن تهدف مشاريع هذه التعديلات إلى التأسيس لنظام ديمقراطي حقيقي يكون فيه الشعب بالفعل هو صاحب السيادة ومصدر السلطات ويمارسها بواسطة نواب منتخبين أو عبر الاستفتاء ويقوم على أساس الفصل بين السلط والتوازن الفعلي بينها ويكرس دولة القانون ويضمن الحقوق والحريات العامة والفردية وتحقيق أهداف ثورة 17 ديسمبر 2010 في الشغل والحرية والكرامة الوطنية، ليعرضها رئيس الجمهورية على الاستفتاء للمصادقة عليها"، لكن الرئيس لم يتقيد بهذا الأمر في خارطة طريقه السياسية التي أعلن عنها يوم 14 ديسمبر 2021 وانطلق في تنفيذها مطلع سنة 2022 بإطلاق فعاليات الاستشارة الوطنية.
إعداد: سعيدة بوهلال
استشارة الكترونية
وتمثل الهدف من الاستشارة الوطنية كما ورد في الموقع الرسمي لها في إتاحة الفرصة لجميع التونسيات والتونسيين، سواء داخل حدود الوطن أو خارجه، للتعبير عن أرائهم وتطلعاتهم بكل حرية وشفافية لتدعم التحول الديمقراطي في تونس، وذلك وفق آلية غير تقليدية، في نهج تشاركي يتيح المفهوم المشترك لمستقبل تونس، إذ تمكن منصة الاستشارة الوطنية من اقتراح أفكار لتطوير رؤى ومقاربات جديدة تهتم بإدارة الشؤون العامة للجمهورية التونسية في جوانبها المختلفة. كما تهدف إلى جعل المواطن التونسي فاعلاً حقيقياً في عملية تطوير مفاهيم جديدة للخيارات الأساسية المرتبطة بالنظام السياسي والانتخابي والاجتماعي والاقتصادي والثقافي في تونس وحسب ما جاء في موقع الاستشارة الوطنية، ستتيح هذه الاستشارة للشعب التونسي المالك الوحيد للسلطة، تحديد الإصلاحات الرئيسية التي يتطلع إليها. وستضع إطارًا ديمقراطيًا للتداول حول مختلف المقترحات التي من شأنها أن تساعد في مواجهة التحديات الحالية في مختلف المجالات. وتعلقت الأسئلة المعروضة صلب الاستشارة الوطنية بستة مجالات وهي الشأن السياسي والانتخابي والشأن الاقتصادي والمالي والشأن الاجتماعي إضافة إلى التنمية و الانتقال الرقمي وكذلك الصحة وجودة الحياة وأخيرا الشأن التعليمي والثقافي.
ولقيت هذه الاستشارة الوطنية ترحيبا من قبل الأحزاب المساندة لمسار 25 جويلية مثل حركة الشعب وحراك 25 جويلية وفي المقابل هناك قوى سياسية مثل التيار الديمقراطي ومجموعة مواطنون ضد الانقلاب قاطعتها لأن رئيس الجمهورية حسب رأيها أراد من خلالها احتكار السلطة التأسيسية ولأنها غير شفافة وغير خاضعة تقنيا لأي شكل من أشكال الرقابة. وإلى جانب الأحزاب السياسية عبرت بعض المنظمات عن احترازها على الاستشارة، وفي هذا السياق قالت الهيئة الإدارية الوطنية للاتحاد العام التونسي للشغل في بيانها بتاريخ 4 جانفي 2022 إن الاستشارة الالكترونية لا يمكن أن تحل محل الحوار الحقيقي لكونها لا تمثل أوسع شرائح المجتمع وقواه الوطنية فضلا عن غموض آلياتها وغياب سبل رقابتها ومخاطر التدخل في مسارها والتأثير في نتائجها واكتفائها باستجواب محدود المجالات قابل لكلّ الاحتمالات قد لا يختلف كثيرا عن نتائج سبر الآراء. وعبر أعضاء الهيئة الإدارية عن توجّسهم من أنّ آلية الاستشارة الالكترونية قد تكون أداة لفرض أمر واقع والوصول إلى هدف محدّد سلفا، علاوة على أنها إقصاء متعمد للأحزاب والمنظمات التي لم تتورط في الإضرار بمصالح البلاد، ووصفوها بالسعي المُلتبس الذي قد يُفضي إلى احتكار السلطة وإلغاء المعارضة وكل سلطة تعديل أخرى.
أما رئيس الجمهورية قيس سعيد فوجه أصابع الاتهام لمعارضي الاستشارة الوطنية التي سماها مرة بالاستفتاء الالكتروني ومرة أخرى بالاستشارة الشعبية عن طريق وسائل التواصل الحديثة، وقال في أحد خطاباته "إن بعض من يدعون المعرفة يرون أنه لا وجود لهذا النوع من الاستفتاء والحال أنه موجود ويمكن أن يوجد خاصة عن طريق وسائل التواصل الاجتماعي". وذكر أن وزير تكنولوجيا الاتصال بذل جهدا كبيرا لتأمين هذه العملية من كل تدخل ومن كل محاولات للانحراف بالاستفتاء عن مقاصده الأصلية وفسر أنه بعد هذه الاستشارة سيتم التأليف بين مختلف الآراء التي سيقع وضعها في هذه المنصات الالكترونية ثم تأتي لجنة ثالثة لتتولى تجسيد هذه المقترحات في نصوص قانونية. كما أعلن سعيد أن الاستشارة تنطلق في غرة جانفي 2022 وتتواصل إلى حدود تاريخ الاستقلال أي 20 مارس 2022 ليتم بعدها تنظيم استفتاء حول الإصلاحات الدستورية والإصلاحات القانونية بوجه عام ومنها على وجه الخصوص القانون الانتخابي، وفي 17 ديسمبر يتم تنظيم انتخابات تشريعية بناء على إرادة الشعب لا إرادة من حاول أن ينحرف بإرادة الشعب وفق تعبيره. ولكن الاستشارة تعثرت ولم تنطلق في موعدها وإنما انطلقت في 15 جانفي 2022، وبلغ عدد المشاركين فيها 534915 وعند الإعلان عن نتائجها في غرة أفريل قال سعيد إن موقع الاستشارة تعرض إلى 120 ألف محاولة اختراق تم إحباطها ووجه يومها خطابا شديد اللهجة ضد خصومه ووصفهم بالانقلابيين وقال أين هؤلاء من الإسلام فنحن على أبواب شهر رمضان لكن هؤلاء لا يعرفون مقاصد الإسلام الحقيقية..، ولم يصوب الرئيس سهامه نحو معارضيه السياسيين فحسب بل هاجم في إحدى المناسبات الإعلام وقال إن الصحفيين كل يوم يضعون عبارة الاستفتاء الالكتروني بين ظفرين وإنهم لو وضعوا أنفسهم بين ظرفين لكان أفضل لأنهم يشوهون الحقائق وحرية التعبير في نظرهم شتم وثلب وقال إن هناك لوبيات مالية تقف وراءهم وإنه تنسحب عليهم مقولة مظفر النواب يكذب يكذب يكذب كنشرة الأخبار..، وإن الشعب التونسي لم تعد تنطلي عليه الأراجيف والأكاذيب والادعاءات..
حل مجلس القضاء والبرلمان
بالتزامن مع الاستشارة الوطنية، وفي الليلة الفاصلة بين 6 و7 فيفري وفي اجتماع عقده بوزارة الداخلية أقر رئيس الجمهورية بحل المجلس الأعلى للقضاء، ليتم بعدها مباشرة تطويق مقر المجلس من قِبَل قوات الأمن، وفي 12 فيفري صدر المرسوم عدد 11 لسنة 2022 المؤرّخ في 12 فيفري 2022 المتعلق بإحداث المجلس الأعلى المؤقت للقضاء المتركب من المجالس الثلاثة المؤقتة للقضاء العدلي والإداري والمالي، وكانت هذه الخطوة صادمة للهياكل القضائية وللتعبير عن رفضهم المساس بالمجلس نفذ القضاة تحركات احتجاجية ووجدوا مساندة كبيرة من قبل المجتمع المدني ولكن في المقابل هناك من رحب بحل المجلس الأعلى للقضاء لأنه لم يقم بدوره كاملا في تطهير القضاء من القضاة الفاسدين وغض الطرف عن تجاوزات عدد من القضاة.
وإضافة إلى حل المجلس الأعلى للقضاء تم حل مجلس نواب الشعب في 30 مارس مباشرة إثر جلسة عامة برلمانية عبر وسائل التواصل عن بعد، للتصويت على إنهاء العمل بالتدابير الاستثنائية وذلك بناء على قرار مكتب المجلس الملتئم عن بعد يوم 28 مارس تحت إشراف راشد الغنوشي، وهو قرار تم الطعن فيه أمام القضاء من قبل رئيسة كتلة الحزب الدستوري الحر عبير موسي التي حذرت من تبعاته السياسية ومما سيفرزه من تنازع للشرعيات.
وشارك في الجلسة العامة البرلمانية التي انعقدت يوم 30 مارس عن بعد وترأسها طارق الفتيتي النائب الثاني لرئيس المجلس 121 نائبا، وبمائة وستة عشر صوتا ودون اعتراض ودون احتفاظ تمت المصادقة على مقترح قانون يتعلق بإنهاء العمل بالأوامر الرئاسية والمراسيم الصادرة بداية من 25 جويلية 2021. ونص مقترح القانون المذكور على ما يلي: قانون عدد 1 لسنة 2022 مؤرخ في 30 مارس 2022 متعلق بإلغاء الأوامر الرئاسية والمراسيم الصادرة بداية من تاريخ 25 جويلية 2021. إن مجلس نواب الشعب،وعملا بأحكام الدستور وخاصة الفصول 3 و51 و80 و102 و110 منه يصدر القانون الآتي نصه:
ـ الفصل الأول: تلغى جميع الأوامر الرئاسية والمراسيم الصادرة بداية من تاريخ 25 جويلية 2021، وبالخصوص الأمر عدد 80 لسنة 2021 المؤرخ في 29 جويلية 2021 المتعلق بتعليق اختصاصات مجلس نواب الشعب والأمر عدد 109 لسنة 2021 المتعلق بالتمديد في التدابير الاستثنائية والأمر عدد 117 لسنة 2021 المؤرخ في 22 سبتمبر 2021 المتعلق بتدابير استثنائية، والمرسوم عدد 11 لسنة 2022 المؤرخ في 12 فيفري 2022 المتعلق بإحداث " المجلس الأعلى المؤقت للقضاء.
ـ الفصل الثاني: ينشر هذا القانون بالرائد الرسمي للجمهورية وبموقع مجلس نواب الشعب ويُعمّم بكل وسائل النشر الممكنة، ويدخل حيّز النفاذ بداية من لحظة التصويت عليه من الجلسة العامة لمجلس نواب الشعب وينفذ كقانون من قوانين الدولة التونسيّة.
وبعد المصادقة على هذا المقترح نظر مجلس نواب في مشروع لائحة تعبر عن عدم اعترافه بأي شرعية للمجلس الأعلى للقضاء المنصب وتندد بمحاكمة المدنيين أمام القضاء العسكري وتدعو إلى حوار وطني شامل حول سبل إنقاذ البلاد من أزمتها الاقتصادية والاجتماعية وفك عزلتها الدولية وإقرار الإصلاحات السياسية الضرورية لعودة الاستقرار السياسي من خلال ديمقراطية تمثيلية شفافة كما نصت اللائحة على أن يبقى مكتب مجلس نواب الشعب في حالة انعقاد دائم لمتابعة مختلف التطورات في البلاد.
وردا على الجلسة العامة المذكورة قرر الرئيس قيس سعيد حل البرلمان ووصف المشاركين في تلك الجلسة بالمتآمرين على أمن الدولة وتوعدهم بالملاحقة الجزائية، واستند في قراره القاضي بحل مجلس نواب الشعب إلى أحكام الفصل 72 من الدستور وذلك حفاظا على الدولة وعلى مؤسساتها وعلى الشعب التونسي، وفق تعبيره، وأضاف أن وزيرة العدل تولت فتح دعوى لدى النيابة العمومية ضد النواب المشاركين في الجلسة العامة، وأشار خلال اجتماع لمجلس الأمن القومي إلى وجود محاولة انقلابية لكنها محاولة فاشلة، وقال إن الواجب يقتضي منه حماية الشعب والوطن بناء على أحكام الدستور لأن رئيس الجمهورية هو رمز الدولة ورمز وحدتها. وطمأن سعيد الشعب التونسي بأن مؤسسات الدولة قائمة وأن ما حصل هو محاولة فاشلة للانقلاب، وذكر أن الشعب سيعبر عن إرادته لكن في إطار سلمي وفي إطار احترام قوانين الدولة، وحذر من أن أي لجوء إلى العنف "سيواجه بالقانون وفي إطار احترام القانون بقواتنا المسلحة العسكرية وبقواتنا المسلحة المدنية لان الدولة لا يمكن أن تكون لعبة بين أيدي هؤلاء الذين يريدون الانقلاب عليها". وقال إن الشعب سيحقق مطالبه وآماله وانه يتحمل المسؤولية أمام التاريخ وأمام الشعب وأن المسؤولية تقتضي المحافظة على الدولة وعلى استمراريتها واستنكر رئيس الجمهورية ما أقدم عليه البرلمان من سن قانون يلغي الأوامر والمراسيم.. وقال إنه ضامن للحريات لكنهم خطر على الحريات وعلى الدولة. وأشار إلى أن الدولة قائمة وستستمر وأن الجمهورية ستستمر..
اتهامات بالعمالة
وجوبه قرار حل البرلمان بصد كبير من قبل أغلب الأحزاب السياسية والكثير من النواب وهناك منهم من قاموا بتحركات خارجية بحثا عن كسب تأييد المجتمع الدولي، وهو ما جعل الرئيس سعيد في اجتماع مجلس الوزراء المنعقد يوم 9 أفريل يتهمهم بالعمالة، وقال إنه سيتم العمل في الأيام القليلة القادمة على مواصلة الحوار، لكن هذا الحوار لن يكون إلا مع من وصفهم بالصادقين والوطنيين، وذكر أنه ليس هو الذي يوزع صكوك الوطنية وإنما الشعب وحده المخول لتوزيعها وستأتي الانتخابات وفق تأكيده بناء على نظام جديد للاقتراع كما اتضح ذلك من خلال الاستشارة الوطنية التي تم تنظيمها، وشدد بالخصوص على أن الحوار لن يكون مع:"من اختار نهج العمالة والارتماء في أحضان الخارج ليؤلبه على وطنه، فلا الخارج سيكافئه ولا الشعب سيصفح عنه". وأضاف أن التدخل الخارجي مرفوض وأن تونس ليست ضيعة أو أرضا مهملة يدخلها من يشاء وأن الدولة ذات سيادة، والسيادة فيها للشعب.
وحسب رئيس الجمهورية، لن تكون الدولة قوية في الخارج وتمنع التدخل في شؤونها إلا إذا كانت قوية في الداخل وتقوم على السيادة الحقيقة للشعب. وقال متحدثا عن النواب المجمدين الذين استنجدوا بالخارج لإرجاع ما وصفوه بالمسار الدستوري وللتعبير عن رفضهم تجميد البرلمان ورفع الحصانة عن أعضائه في مرحلة أولى وحل البرلمان في مرحلة لاحقة، إن هؤلاء الذين يتحدثون عن السيادة لكنهم يذهبون إلى الخارج ويتمسحون على أعتاب بعض القوى التي تريد التدخل في تونس أبعد عن معرفة السيادة، وأضاف قائلا:"نحن لن نقبل بأن يتدخل فينا احد فنحن أحرار ونحن أوفياء لدماء الشهداء.. وتونس يحكمها التونسيون ولا يمكن أن تعود، وكما يبحث عنه البعض، إلى حكم القناصل"..
وبعد أيام قليلة من حل البرلمان، حل بتونس وفد من البرلمان الأوروبي في زيارة امتدت أيام 11 و12 و13 أفريل للقيام بمشاورات حول مسار تونس نحو الإصلاحات السياسية والعودة إلى الاستقرار المؤسسي، وفي اليوم الأول من الزيارة التقى الوفد رئيس الجمهورية قيس سعيد و رئيسة الحكومة نجلاء بودن، وتضمن برنامج الزيارة وفق ما ورد في بلاغ صادر عن البرلمان الأوروبي إجراء لقاءات مع ممثلين عن المجتمع المدني وبعض الأحزاب السياسية لمناقشة كيفية مواصلة الاتحاد الأوروبي دعم تونس في عملية الإصلاحات السياسية وتعزيز الديمقراطية، والتّأكيد على الحاجة إلى حوار سياسي شامل واحترام سيادة القانون والحريات المدنية وحقوق الإنسان، والحاجة إلى وجود نظام سياسي يقوم على المبادئ الديمقراطية خاصة منها مبدأ الفصل بين السّلط الذي يتمّ ضمانه من خلال الضّوابط والموازين المؤسّسية وحول إمكانية وكيفية دعم البرلمان الأوروبي لتونس في عملية الإعداد للانتخابات المتوقعة نهاية سنة 2022، وحول الطريقة المثلى التي يمكن بها للاتحاد الأوروبي أن يدعم السلطات التونسية في تنفيذ الإصلاحات الاقتصادية.
وفي لقائه بالوفد الأوربي أبدى الرئيس قيس سعيد رئيس الجمهورية تمسكه بخارطة الطريق وبالحفاظ على وحدة الدولة التونسية واستمرارها وضمان سيادتها واستقلالية قرارها الوطني، والتصدي لكل محاولات ضربها من الداخل أو الالتفاف على إرادة الشعب التونسي..
تغيير هيئة الانتخابات
وبعد حل المجلس الأعلى للقضاء ومجلس نواب الشعب، أطلق قيس سعيد رئيس الجمهورية يوم 22 أفريل صاروخا جديدا صوبه هذه المرة في اتجاه الهيئة العليا المستقلة للانتخابات التي يترأسها نبيل بفون، إذ تم إصدار المرسوم عدد 22 لسنة 2022 الذي غير تركيبة الهيئة العليا واختصاصات أعضائها وكيفية تعيينهم ومدة عهدتهم، ونص على أن مجلس الهيئة العليا المستقلة للانتخابات يتركب من سبعة أعضاء يتم تعيينهم بأمر رئاسي. وأثار هذا المرسوم مخاوف الكثير من السياسيين والناشطين في المجتمع المدني، واعتبروه ضربا لاستقلالية هيئة الانتخابات. وبمقتضى أمر رئاسي عدد 459 لسنة 2022 مؤرّخ في 9 ماي 2022 تمت تسمية أعضاء مجلس الهيئة العليا المستقلة للانتخابات وهم على التوالي: فاروق بوعسكر رئيسا، وسامي بن سلامة ومحمد التليلي منصري والحبيب الربعي وماهر الجديدي ومحمود الواعر ومحمد نوفل الفريخة أعضاء.
ومنذ انتصابها شرعت الهيئة في الاستعداد لتنظيم الاستفتاء في مشروع الدستور ولكن مجلسها آجل المصادقة على الرزنامة عدة مرات وتمسك بمطالبة رئيس الجمهورية بمراجعة القانون الانتخابي في اتجاه يتيح للهيئة إمكانية التسجيل الآلي ويعفيها من الإجراءات الخاصة بالصفقات وفعلا استجاب رئيس الجمهورية لهذه الرغبة وتم تعديل القانون الانتخابي بمقتضى المرسوم عدد 34 لسنة 2022 المؤرّخ في 1 جوان 2022 . ولكن مجلس الهيئة سرعان ما واجه صعوبات كبيرة في تركيز الهيئات الفرعية نظرا لمقاطعة الهياكل القضائية للمسار الانتخابي، وجاءت هذه المقاطعة والإضراب الاحتجاجي عن العمل ردا على الأمر الرئاسي القاضي بإعفاء 57 قاضيا، وعلى المرسوم عدد 35 المؤرخ في 1 جوان 2022 المتعلّق بإتمام المرسوم عدد 11 لسنة 2022 المؤرخ في 12 فيفري 2022 المتعلق بإحداث المجلس الأعلى المؤقت للقضاء، وهو مرسوم يتيح لرئيس الجمهورية، في صورة التأكّد أو المساس بالأمن العام أو بالمصلحة العليا للبلاد، وبناء على تقرير معلّل من الجهات المخوّلة، إصدار أمر رئاسي يقضي بإعفاء كل قاض تعلّق به ما من شأنه أن يمس من سمعة القضاء أو استقلاليته أو حُسن سيره. وحسب نفس المرسوم تُثار ضدّ كل قاض يتم إعفاؤه الدعوى العمومية، ولا يمكن الطعن في الأمر الرئاسي المتعلق بإعفاء قاض إلا بعد صدور حكم جزائي بات في الأفعال المنسوبة إليه.
مشروع الدستور
وقبل تعديل القانون الانتخابي واستفحال أزمة القضاء، وفي كلمة وجهها للشعب يوم عيد الفطر في غرة ماي أعلن رئيس الجمهورية انه عملا بالأمر المتعلق بالتدابير الاستثنائية ستتشكل لجنة بهدف الإعداد لتأسيس جمهورية جديدة وقال إن هذه اللجنة ستنهي أعمالها في ظرف أيام معدودات..
ورفضا لهذه الخطوة أعلن الحزب الدستوري الحر عن اعتزامه خوض جملة من التحركات النضالية ضد ما وصفته رئيسة الحزب عبير موسي بعملية اختطاف الدولة من قبل الرئيس سعيد، أما حركة النهضة فقد قررت الدخول في مشاورات مع بقية مكونات جبهة الخلاص التي يتزعمها أحمد نجيب الشابي قصد الرد المناسب على مخططات الرئيس، في حين جددت حركة الشعب المطالبة بحوار حقيقي تشارك فيه المنظمات الوطنية والخبراء والأحزاب الداعمة لمسار 25 جويلية حوار لا يحدد مربعه بصفة مسبقة ولا يكون حول نصوص جاهزة.
وفي يوم 20 ماي كلف الرئيس سعيد العميد الصادق بلعيد بمهمة الرئيس المنسق للهيئة الوطنية الاستشارية من أجل جمهورية جديدة.، وقبلها بيوم واحد صدر المرسوم المتعلق بإحداث هذه الهيئة.
وتوصلت الهيئة الوطنية الاستشارية من أجل جمهورية جديدة بعد اجتماعات عديدة وجدل صاخب إلى صياغة مشروع دستور وكان لـ"دار الصباح" السبق في نشره وتضمن هذا المشروع توطئة و 142 فصلا.
وفي يوم 24 جوان، ولإصلاح النظام السياسي في تونس، عرض الاتحاد العام التونسي للشغل على النقاش العام مبادرة لتعديل دستور 2014 ولمراجعة نظام الاقتراع وحظيت هذه المبادرة باهتمام المجتمع المدني والإعلام..
وفي نهاية المطاف أصدر رئيس الجمهورية يوم 30 جوان أمرا رئاسيا يتعلّق بنشر مشروع الدستور الجديد للجمهورية التونسية موضوع الاستفتاء المقرر ليوم الاثنين 25 جويلية 2022 في الرائد الرسمي، ونزل المشروع نزول الصاعقة على رئيس الهيئة الوطنية الاستشارية العميد الصادق بلعيد الذي كتب رسالة نشرتها جريدة "الصباح" وأعلن من خلالها أن الهيئة بريئة تماما من المشروع الذي طرحه رئيس الجمهورية على الاستفتاء وأن هذا النص لا يمت بصلة للنص الذي أعدته الهيئة وقدمته للرئيس. وتضمن نص مشروع الدستور المعروض على الاستفتاء بسملة وتوطئة طريفة و142 فصلا..
وتم من خلاله تغيير الفصلين الأول والثاني من دستور 2014 المتعلقين بدين الدولة ومدنية الدولة وهو ما أثار جدلا سياسيا وفلسفيا وقانونيا وإيديولوجيا وحقوقيا ساخنا. وحافظ المشروع على جل الحقوق والحريات التي كرسها دستور 2014 لكنه أدخل تغييرات جوهرية على النظام السياسي، إذ تم الانتقال من نظام هجين إلى نظام جديد يحتل فيه رئيس الجمهورية المكانة الأبرز في الدولة، وهناك من المعارضين من قال إن رئيس الجمهورية أصبح فوق جميع المؤسسات وأنه تم ضرب مبادئ الفصل بين السلط. وحول المشروع السلطات التشريعية والتنفيذية والقضائية إلى وظائف، وألغى جميع الهيئات الدستورية المستقلة باستثناء هيئة الانتخابات وغير تركيبة المحكمة الدستورية وطريقة تعيين أعضائها وأعاد ترتيب الجماعات المحلية وبمقتضى نفس المشروع تمت دسترة المجلس الأعلى للتربية والتعليم..
وقبل عرض مشروع الدستور على الاستفتاء في 25 جويلية 2022 أصدر الرئيس أمرا صحح بمقتضاه ما وصفه بالأخطاء التي تسربت لهذا المشروع .. ووصف منتقدي مشروع الدستور بالمفترين. وفي المقابل كان هناك شبه إجماع لدى أساتذة القانون بأن الدستور ملغم وخطير ويضرب مبدأ التفريق بين السلط والتوازن فيما بينها ويكرس النظام الرئاسوي ويمهد للنظام القاعدي الذي سبق لسعيد أن تحدث عنه في بيانه الانتخابي.. كما أن العديد من الأحزاب سياسية عبرت عن رفضها مشروع الدستور وقامت بتحركات احتجاجية واسعة في مختلف أنحاء الجمهورية لدعوة التونسيين إلى مقاطعة الاستفتاء، فعلى سبيل الذكر أطلقت خمسة أحزاب سياسية حملة وطنية لإسقاط الاستفتاء، وهذه الأحزاب هي حزب القطب، وحزب التيار الديمقراطي، وحزب التكتل من أجل العمل والحريات والحزب الجمهوري وحزب العمال، ولكن الرئيس قيس سعيد تمسك بعرض مشروع الدستور على الاستفتاء.. استفتاء بلغ عدد المشاركين في حملته 148 مشاركا.
وقبل عشرة أيام من عرضه على الاستفتاء وببادرة من ائتلاف المجتمع المدني المتكون من النقابة الوطنية للصحفيين التونسيين والاتحاد العام التونسي للشغل والرابطة التونسية للدفاع عن حقوق الإنسان والجمعية التونسية للنساء الديمقراطيات وعديد الجمعيات والمنظمات الأخرى، تم تنظيم لقاء علمي حول مشروع الدستور حضره عدد كبير من الحقوقيين والجامعيين والمثقفين، وخلال النقاش كان هناك شبه إجماع على أن هذا المشروع يمثل خطرا داهما على تونس وشعبها.
وتنفيذا لخارطة طريقه السياسية، استفتى رئيس الجمهورية قيس سعيد يوم الاثنين 25 جويلية 2022 الشعب التونسي في مشروع الدستور الجديد وطلب في أمر دعوة الناخبين من الناخب أن يجيب بكلمة "نعم" أو "لا" عن سؤال هل توافق على مشروع الدستور الجديد للجمهورية التونسية. وجاء في قرار هيئة الانتخابات عدد 22 لسنة 2022 المؤرّخ في 16 أوت 2022 المتعلّق بالتصريح بالنتائج النهائية للاستفتاء أن العدد الجُملي للناخبين المسجلين يساوي 9278541 ناخبا والعدد الجملي للناخبين الذين قاموا بالتصويت بلغ 2830094 وعدد الأصوات التي تحصلت عليها الإجابة بنعم هو مليونان وستّمائة وسبعة آلاف وثمانمائة وأربعة وثمانون صوتا وعدد الأصوات التي تحصلت عليها الإجابة بلا مائة وثمانية وأربعون ألفا وسبعمائة وثلاثة وعشرون صوتا وتبعاً لتحصُّل الإجابة "نعم" على الأغلبيّة من مجموع الأصوات التي تحصّلت عليها كِلا الإجابتيْن، تُصرّح الهيئة العليا المستقلّة للانتخابات بقبول مشروع نصّ الدستور الجديد للجمهوريّة التونسيّة المعروض على الاستفتاء ويدخل الدستور الجديد حيّز النفاذ ابتداء من تاريخ إعلان الهيئة العليا المستقلّة للانتخابات عن نتيجة الاستفتاء النهائيّة، وبعد أن يتولّى رئيس الجمهوريّة ختمه وإصداره والإذن بنشره في عددٍ خاصّ بالرائد الرسمي للجمهوريّة التونسيّة. ويُنفّذ كدستور للجمهوريّة التونسيّة.
ووصفت المعارضة الاستفتاء بالمزور وفي هذا السياق دعت جبهة الخلاص إلى حوار وطني عاجل واقترحت تشكيل حكومة إنقاذ تنبثق عن حوار جامع ويصادق عليها مجلس نواب الشعب في جلسة عامة افتراضية، وطالب الخماسي المتكون من أحزاب العمال والتيار الديمقراطي والتكتل من أجل العمل والحريات والجمهوري والقطب، التونسيات والتونسيين بالتصدي بقوة إلى الدستور الذي اقترحه رئيس الجمهورية قيس سعيد نظرا لما يشكله من مخاطر كبيرة على الدولة والمجتمع من ناحية، ومن ناحية أخرى، لأنه مر عبر استفتاء مزور.
مرسوم انتخابي جديد
وبعد ساعات قليلة من الاستفتاء في مشروع الدستور وفي لقائه برئيسة الحكومة نجلاء بودن شدد رئيس الجمهورية قيس سعيد على ضرورة إعداد مشروع مرسوم يتعلق بالانتخابات لانتخاب أعضاء مجلس نواب الشعب القادم ثم لانتخاب أعضاء المجلس الوطني للجهات والأقاليم وفي 15 سبتمبر صدر المرسوم الانتخابي عدد 55 المتعلق بانتخاب أعضاء مجلس نواب الشعب في 17 ديسمبر، وعسر هذا المرسوم شروط الترشح لهذه الانتخابات خاصة من خلال إقرار 400 تزكية معرف عليها بإمضاء ناخبين مسجلين في الدائرة الانتخابية للمترشح على أن يكون نصف المزكين من النساء وأن لا يقل عدد المزكين من الشباب دون سن 35 سنة عن 25 بالمائة.. كما غير المرسوم تقسيم الدوائر الانتخابية وقلص من عدد مقاعد البرلمان من 217 إلى 161 وأقر إجراء سحب الوكالة من النائب وقلص من حظوظ النساء. ويجرى التصويت في الانتخابات التشريعيّة على الأفراد في دورة واحدة أو دورتين عند الاقتضاء، وذلك في دوائر انتخابيّة ذات مقعد واحد ولعل أبرز ما ميز المرسوم الانتخابي صبغته الزجرية وتشدده في تجريم الفساد السياسي. وتولت الهيئة العليا المستقلة للانتخابات تنظيم الانتخابات التشريعية في موعدها المقرر يوم 17 ديسمبر، وأعلن مجلس الهيئة عن فوز 23 مترشحا لهذه الانتخابات في الدورة الأولى وعن أسماء 262 مترشحا للدورة الثانية التي ستقام موفى جانفي القادم.
وإضافة إلى هذه المحطات السياسية الفارقة لا بد من الإشارة أيضا إلى أن رئيس الجمهورية خلال سنة 2022 أصدر 79 مرسوما ومنها المرسوم عدد 54 لسنة 2022 المتعلق بمكافحة الجرائم المتصلة بأنظمة المعلومات والاتصال الذي يشكل خطرا حقيقيا على حرية الرأي والتعبير والمرسوم عدد 15 لسنة 2022 المؤرّخ في 20 مارس 2022 المتعلق بالشركات الأهلية، والمرسوم عدد 20 لسنة 2022 المؤرخ في 9 أفريل 2022 المتعلق بمؤسسة فداء للإحاطة بضحايا الاعتداءات الإرهابية من العسكريين وأعوان قوات الأمن الداخلي والديوانة وبأولي الحق من شهداء الثورة وجرحاها، والمرسوم عدد 14 لسنة 2022 المؤرّخ في 20 مارس 2022 المتعلق بمقاومة المضاربة غير المشروعة، والمرسوم عدد 13 لسنة 2022 المؤرخ في 20 مارس 2022 المتعلق بالصلح الجزائي وتوظيف عائداته، والمرســـوم عدد 10 لسنة 2022 المؤرّخ في 10 فيفري 2022 المتعلّق بالعفو العام في جريمة إصدار شيك دون رصيد.
تونس: الصباح
محطات سياسية فارقة عرفتها تونس خلال سنة 2022، لعل أبرزها تنظيم الاستشارة الوطنية خلال الفترة الممتدة بين 15 جانفي و20 مارس، وحل المجلس الأعلى للقضاء يوم 12 فيفري، ثم حل مجلس نواب الشعب يوم 30 مارس، فتغيير تركيبة الهيئة العليا المستقلة للانتخابات والقانون المنظم للهيئة يوم 22 أفريل، وإحداث الهيئة الوطنية الاستشارية من أجل جمهورية جديدة برئاسة العميد الصادق بلعيد يوم 19 ماي، وتنقيح القانون الانتخابي يوم غرة جوان، ونشر مشروع دستور جديد للبلاد يوم 30 جوان وعرض هذا المشروع على الاستفتاء يوم 25 جويلية ثم تعديل القانون الانتخابي مرة أخرى يوم 15 سبتمبر وتنظيم انتخابات تشريعية يوم 17 ديسمبر..
وتواصل خلال هذه السنة وإلى غاية صدور الدستور في شهر أوت الماضي العمل بالتدابير الاستثنائية التي جاء بها الأمر عدد 117 لسنة 2021 المؤرخ في 22 سبتمبر 2021 هذا الأمر الذي خول لرئيس الجمهورية المسك بجميع السلطات، والذي تحدث أيضا عن التوجه نحو "إعداد مشاريع التعديلات المتعلقة بالإصلاحات السياسية بالاستعانة بلجنة على أن تهدف مشاريع هذه التعديلات إلى التأسيس لنظام ديمقراطي حقيقي يكون فيه الشعب بالفعل هو صاحب السيادة ومصدر السلطات ويمارسها بواسطة نواب منتخبين أو عبر الاستفتاء ويقوم على أساس الفصل بين السلط والتوازن الفعلي بينها ويكرس دولة القانون ويضمن الحقوق والحريات العامة والفردية وتحقيق أهداف ثورة 17 ديسمبر 2010 في الشغل والحرية والكرامة الوطنية، ليعرضها رئيس الجمهورية على الاستفتاء للمصادقة عليها"، لكن الرئيس لم يتقيد بهذا الأمر في خارطة طريقه السياسية التي أعلن عنها يوم 14 ديسمبر 2021 وانطلق في تنفيذها مطلع سنة 2022 بإطلاق فعاليات الاستشارة الوطنية.
إعداد: سعيدة بوهلال
استشارة الكترونية
وتمثل الهدف من الاستشارة الوطنية كما ورد في الموقع الرسمي لها في إتاحة الفرصة لجميع التونسيات والتونسيين، سواء داخل حدود الوطن أو خارجه، للتعبير عن أرائهم وتطلعاتهم بكل حرية وشفافية لتدعم التحول الديمقراطي في تونس، وذلك وفق آلية غير تقليدية، في نهج تشاركي يتيح المفهوم المشترك لمستقبل تونس، إذ تمكن منصة الاستشارة الوطنية من اقتراح أفكار لتطوير رؤى ومقاربات جديدة تهتم بإدارة الشؤون العامة للجمهورية التونسية في جوانبها المختلفة. كما تهدف إلى جعل المواطن التونسي فاعلاً حقيقياً في عملية تطوير مفاهيم جديدة للخيارات الأساسية المرتبطة بالنظام السياسي والانتخابي والاجتماعي والاقتصادي والثقافي في تونس وحسب ما جاء في موقع الاستشارة الوطنية، ستتيح هذه الاستشارة للشعب التونسي المالك الوحيد للسلطة، تحديد الإصلاحات الرئيسية التي يتطلع إليها. وستضع إطارًا ديمقراطيًا للتداول حول مختلف المقترحات التي من شأنها أن تساعد في مواجهة التحديات الحالية في مختلف المجالات. وتعلقت الأسئلة المعروضة صلب الاستشارة الوطنية بستة مجالات وهي الشأن السياسي والانتخابي والشأن الاقتصادي والمالي والشأن الاجتماعي إضافة إلى التنمية و الانتقال الرقمي وكذلك الصحة وجودة الحياة وأخيرا الشأن التعليمي والثقافي.
ولقيت هذه الاستشارة الوطنية ترحيبا من قبل الأحزاب المساندة لمسار 25 جويلية مثل حركة الشعب وحراك 25 جويلية وفي المقابل هناك قوى سياسية مثل التيار الديمقراطي ومجموعة مواطنون ضد الانقلاب قاطعتها لأن رئيس الجمهورية حسب رأيها أراد من خلالها احتكار السلطة التأسيسية ولأنها غير شفافة وغير خاضعة تقنيا لأي شكل من أشكال الرقابة. وإلى جانب الأحزاب السياسية عبرت بعض المنظمات عن احترازها على الاستشارة، وفي هذا السياق قالت الهيئة الإدارية الوطنية للاتحاد العام التونسي للشغل في بيانها بتاريخ 4 جانفي 2022 إن الاستشارة الالكترونية لا يمكن أن تحل محل الحوار الحقيقي لكونها لا تمثل أوسع شرائح المجتمع وقواه الوطنية فضلا عن غموض آلياتها وغياب سبل رقابتها ومخاطر التدخل في مسارها والتأثير في نتائجها واكتفائها باستجواب محدود المجالات قابل لكلّ الاحتمالات قد لا يختلف كثيرا عن نتائج سبر الآراء. وعبر أعضاء الهيئة الإدارية عن توجّسهم من أنّ آلية الاستشارة الالكترونية قد تكون أداة لفرض أمر واقع والوصول إلى هدف محدّد سلفا، علاوة على أنها إقصاء متعمد للأحزاب والمنظمات التي لم تتورط في الإضرار بمصالح البلاد، ووصفوها بالسعي المُلتبس الذي قد يُفضي إلى احتكار السلطة وإلغاء المعارضة وكل سلطة تعديل أخرى.
أما رئيس الجمهورية قيس سعيد فوجه أصابع الاتهام لمعارضي الاستشارة الوطنية التي سماها مرة بالاستفتاء الالكتروني ومرة أخرى بالاستشارة الشعبية عن طريق وسائل التواصل الحديثة، وقال في أحد خطاباته "إن بعض من يدعون المعرفة يرون أنه لا وجود لهذا النوع من الاستفتاء والحال أنه موجود ويمكن أن يوجد خاصة عن طريق وسائل التواصل الاجتماعي". وذكر أن وزير تكنولوجيا الاتصال بذل جهدا كبيرا لتأمين هذه العملية من كل تدخل ومن كل محاولات للانحراف بالاستفتاء عن مقاصده الأصلية وفسر أنه بعد هذه الاستشارة سيتم التأليف بين مختلف الآراء التي سيقع وضعها في هذه المنصات الالكترونية ثم تأتي لجنة ثالثة لتتولى تجسيد هذه المقترحات في نصوص قانونية. كما أعلن سعيد أن الاستشارة تنطلق في غرة جانفي 2022 وتتواصل إلى حدود تاريخ الاستقلال أي 20 مارس 2022 ليتم بعدها تنظيم استفتاء حول الإصلاحات الدستورية والإصلاحات القانونية بوجه عام ومنها على وجه الخصوص القانون الانتخابي، وفي 17 ديسمبر يتم تنظيم انتخابات تشريعية بناء على إرادة الشعب لا إرادة من حاول أن ينحرف بإرادة الشعب وفق تعبيره. ولكن الاستشارة تعثرت ولم تنطلق في موعدها وإنما انطلقت في 15 جانفي 2022، وبلغ عدد المشاركين فيها 534915 وعند الإعلان عن نتائجها في غرة أفريل قال سعيد إن موقع الاستشارة تعرض إلى 120 ألف محاولة اختراق تم إحباطها ووجه يومها خطابا شديد اللهجة ضد خصومه ووصفهم بالانقلابيين وقال أين هؤلاء من الإسلام فنحن على أبواب شهر رمضان لكن هؤلاء لا يعرفون مقاصد الإسلام الحقيقية..، ولم يصوب الرئيس سهامه نحو معارضيه السياسيين فحسب بل هاجم في إحدى المناسبات الإعلام وقال إن الصحفيين كل يوم يضعون عبارة الاستفتاء الالكتروني بين ظفرين وإنهم لو وضعوا أنفسهم بين ظرفين لكان أفضل لأنهم يشوهون الحقائق وحرية التعبير في نظرهم شتم وثلب وقال إن هناك لوبيات مالية تقف وراءهم وإنه تنسحب عليهم مقولة مظفر النواب يكذب يكذب يكذب كنشرة الأخبار..، وإن الشعب التونسي لم تعد تنطلي عليه الأراجيف والأكاذيب والادعاءات..
حل مجلس القضاء والبرلمان
بالتزامن مع الاستشارة الوطنية، وفي الليلة الفاصلة بين 6 و7 فيفري وفي اجتماع عقده بوزارة الداخلية أقر رئيس الجمهورية بحل المجلس الأعلى للقضاء، ليتم بعدها مباشرة تطويق مقر المجلس من قِبَل قوات الأمن، وفي 12 فيفري صدر المرسوم عدد 11 لسنة 2022 المؤرّخ في 12 فيفري 2022 المتعلق بإحداث المجلس الأعلى المؤقت للقضاء المتركب من المجالس الثلاثة المؤقتة للقضاء العدلي والإداري والمالي، وكانت هذه الخطوة صادمة للهياكل القضائية وللتعبير عن رفضهم المساس بالمجلس نفذ القضاة تحركات احتجاجية ووجدوا مساندة كبيرة من قبل المجتمع المدني ولكن في المقابل هناك من رحب بحل المجلس الأعلى للقضاء لأنه لم يقم بدوره كاملا في تطهير القضاء من القضاة الفاسدين وغض الطرف عن تجاوزات عدد من القضاة.
وإضافة إلى حل المجلس الأعلى للقضاء تم حل مجلس نواب الشعب في 30 مارس مباشرة إثر جلسة عامة برلمانية عبر وسائل التواصل عن بعد، للتصويت على إنهاء العمل بالتدابير الاستثنائية وذلك بناء على قرار مكتب المجلس الملتئم عن بعد يوم 28 مارس تحت إشراف راشد الغنوشي، وهو قرار تم الطعن فيه أمام القضاء من قبل رئيسة كتلة الحزب الدستوري الحر عبير موسي التي حذرت من تبعاته السياسية ومما سيفرزه من تنازع للشرعيات.
وشارك في الجلسة العامة البرلمانية التي انعقدت يوم 30 مارس عن بعد وترأسها طارق الفتيتي النائب الثاني لرئيس المجلس 121 نائبا، وبمائة وستة عشر صوتا ودون اعتراض ودون احتفاظ تمت المصادقة على مقترح قانون يتعلق بإنهاء العمل بالأوامر الرئاسية والمراسيم الصادرة بداية من 25 جويلية 2021. ونص مقترح القانون المذكور على ما يلي: قانون عدد 1 لسنة 2022 مؤرخ في 30 مارس 2022 متعلق بإلغاء الأوامر الرئاسية والمراسيم الصادرة بداية من تاريخ 25 جويلية 2021. إن مجلس نواب الشعب،وعملا بأحكام الدستور وخاصة الفصول 3 و51 و80 و102 و110 منه يصدر القانون الآتي نصه:
ـ الفصل الأول: تلغى جميع الأوامر الرئاسية والمراسيم الصادرة بداية من تاريخ 25 جويلية 2021، وبالخصوص الأمر عدد 80 لسنة 2021 المؤرخ في 29 جويلية 2021 المتعلق بتعليق اختصاصات مجلس نواب الشعب والأمر عدد 109 لسنة 2021 المتعلق بالتمديد في التدابير الاستثنائية والأمر عدد 117 لسنة 2021 المؤرخ في 22 سبتمبر 2021 المتعلق بتدابير استثنائية، والمرسوم عدد 11 لسنة 2022 المؤرخ في 12 فيفري 2022 المتعلق بإحداث " المجلس الأعلى المؤقت للقضاء.
ـ الفصل الثاني: ينشر هذا القانون بالرائد الرسمي للجمهورية وبموقع مجلس نواب الشعب ويُعمّم بكل وسائل النشر الممكنة، ويدخل حيّز النفاذ بداية من لحظة التصويت عليه من الجلسة العامة لمجلس نواب الشعب وينفذ كقانون من قوانين الدولة التونسيّة.
وبعد المصادقة على هذا المقترح نظر مجلس نواب في مشروع لائحة تعبر عن عدم اعترافه بأي شرعية للمجلس الأعلى للقضاء المنصب وتندد بمحاكمة المدنيين أمام القضاء العسكري وتدعو إلى حوار وطني شامل حول سبل إنقاذ البلاد من أزمتها الاقتصادية والاجتماعية وفك عزلتها الدولية وإقرار الإصلاحات السياسية الضرورية لعودة الاستقرار السياسي من خلال ديمقراطية تمثيلية شفافة كما نصت اللائحة على أن يبقى مكتب مجلس نواب الشعب في حالة انعقاد دائم لمتابعة مختلف التطورات في البلاد.
وردا على الجلسة العامة المذكورة قرر الرئيس قيس سعيد حل البرلمان ووصف المشاركين في تلك الجلسة بالمتآمرين على أمن الدولة وتوعدهم بالملاحقة الجزائية، واستند في قراره القاضي بحل مجلس نواب الشعب إلى أحكام الفصل 72 من الدستور وذلك حفاظا على الدولة وعلى مؤسساتها وعلى الشعب التونسي، وفق تعبيره، وأضاف أن وزيرة العدل تولت فتح دعوى لدى النيابة العمومية ضد النواب المشاركين في الجلسة العامة، وأشار خلال اجتماع لمجلس الأمن القومي إلى وجود محاولة انقلابية لكنها محاولة فاشلة، وقال إن الواجب يقتضي منه حماية الشعب والوطن بناء على أحكام الدستور لأن رئيس الجمهورية هو رمز الدولة ورمز وحدتها. وطمأن سعيد الشعب التونسي بأن مؤسسات الدولة قائمة وأن ما حصل هو محاولة فاشلة للانقلاب، وذكر أن الشعب سيعبر عن إرادته لكن في إطار سلمي وفي إطار احترام قوانين الدولة، وحذر من أن أي لجوء إلى العنف "سيواجه بالقانون وفي إطار احترام القانون بقواتنا المسلحة العسكرية وبقواتنا المسلحة المدنية لان الدولة لا يمكن أن تكون لعبة بين أيدي هؤلاء الذين يريدون الانقلاب عليها". وقال إن الشعب سيحقق مطالبه وآماله وانه يتحمل المسؤولية أمام التاريخ وأمام الشعب وأن المسؤولية تقتضي المحافظة على الدولة وعلى استمراريتها واستنكر رئيس الجمهورية ما أقدم عليه البرلمان من سن قانون يلغي الأوامر والمراسيم.. وقال إنه ضامن للحريات لكنهم خطر على الحريات وعلى الدولة. وأشار إلى أن الدولة قائمة وستستمر وأن الجمهورية ستستمر..
اتهامات بالعمالة
وجوبه قرار حل البرلمان بصد كبير من قبل أغلب الأحزاب السياسية والكثير من النواب وهناك منهم من قاموا بتحركات خارجية بحثا عن كسب تأييد المجتمع الدولي، وهو ما جعل الرئيس سعيد في اجتماع مجلس الوزراء المنعقد يوم 9 أفريل يتهمهم بالعمالة، وقال إنه سيتم العمل في الأيام القليلة القادمة على مواصلة الحوار، لكن هذا الحوار لن يكون إلا مع من وصفهم بالصادقين والوطنيين، وذكر أنه ليس هو الذي يوزع صكوك الوطنية وإنما الشعب وحده المخول لتوزيعها وستأتي الانتخابات وفق تأكيده بناء على نظام جديد للاقتراع كما اتضح ذلك من خلال الاستشارة الوطنية التي تم تنظيمها، وشدد بالخصوص على أن الحوار لن يكون مع:"من اختار نهج العمالة والارتماء في أحضان الخارج ليؤلبه على وطنه، فلا الخارج سيكافئه ولا الشعب سيصفح عنه". وأضاف أن التدخل الخارجي مرفوض وأن تونس ليست ضيعة أو أرضا مهملة يدخلها من يشاء وأن الدولة ذات سيادة، والسيادة فيها للشعب.
وحسب رئيس الجمهورية، لن تكون الدولة قوية في الخارج وتمنع التدخل في شؤونها إلا إذا كانت قوية في الداخل وتقوم على السيادة الحقيقة للشعب. وقال متحدثا عن النواب المجمدين الذين استنجدوا بالخارج لإرجاع ما وصفوه بالمسار الدستوري وللتعبير عن رفضهم تجميد البرلمان ورفع الحصانة عن أعضائه في مرحلة أولى وحل البرلمان في مرحلة لاحقة، إن هؤلاء الذين يتحدثون عن السيادة لكنهم يذهبون إلى الخارج ويتمسحون على أعتاب بعض القوى التي تريد التدخل في تونس أبعد عن معرفة السيادة، وأضاف قائلا:"نحن لن نقبل بأن يتدخل فينا احد فنحن أحرار ونحن أوفياء لدماء الشهداء.. وتونس يحكمها التونسيون ولا يمكن أن تعود، وكما يبحث عنه البعض، إلى حكم القناصل"..
وبعد أيام قليلة من حل البرلمان، حل بتونس وفد من البرلمان الأوروبي في زيارة امتدت أيام 11 و12 و13 أفريل للقيام بمشاورات حول مسار تونس نحو الإصلاحات السياسية والعودة إلى الاستقرار المؤسسي، وفي اليوم الأول من الزيارة التقى الوفد رئيس الجمهورية قيس سعيد و رئيسة الحكومة نجلاء بودن، وتضمن برنامج الزيارة وفق ما ورد في بلاغ صادر عن البرلمان الأوروبي إجراء لقاءات مع ممثلين عن المجتمع المدني وبعض الأحزاب السياسية لمناقشة كيفية مواصلة الاتحاد الأوروبي دعم تونس في عملية الإصلاحات السياسية وتعزيز الديمقراطية، والتّأكيد على الحاجة إلى حوار سياسي شامل واحترام سيادة القانون والحريات المدنية وحقوق الإنسان، والحاجة إلى وجود نظام سياسي يقوم على المبادئ الديمقراطية خاصة منها مبدأ الفصل بين السّلط الذي يتمّ ضمانه من خلال الضّوابط والموازين المؤسّسية وحول إمكانية وكيفية دعم البرلمان الأوروبي لتونس في عملية الإعداد للانتخابات المتوقعة نهاية سنة 2022، وحول الطريقة المثلى التي يمكن بها للاتحاد الأوروبي أن يدعم السلطات التونسية في تنفيذ الإصلاحات الاقتصادية.
وفي لقائه بالوفد الأوربي أبدى الرئيس قيس سعيد رئيس الجمهورية تمسكه بخارطة الطريق وبالحفاظ على وحدة الدولة التونسية واستمرارها وضمان سيادتها واستقلالية قرارها الوطني، والتصدي لكل محاولات ضربها من الداخل أو الالتفاف على إرادة الشعب التونسي..
تغيير هيئة الانتخابات
وبعد حل المجلس الأعلى للقضاء ومجلس نواب الشعب، أطلق قيس سعيد رئيس الجمهورية يوم 22 أفريل صاروخا جديدا صوبه هذه المرة في اتجاه الهيئة العليا المستقلة للانتخابات التي يترأسها نبيل بفون، إذ تم إصدار المرسوم عدد 22 لسنة 2022 الذي غير تركيبة الهيئة العليا واختصاصات أعضائها وكيفية تعيينهم ومدة عهدتهم، ونص على أن مجلس الهيئة العليا المستقلة للانتخابات يتركب من سبعة أعضاء يتم تعيينهم بأمر رئاسي. وأثار هذا المرسوم مخاوف الكثير من السياسيين والناشطين في المجتمع المدني، واعتبروه ضربا لاستقلالية هيئة الانتخابات. وبمقتضى أمر رئاسي عدد 459 لسنة 2022 مؤرّخ في 9 ماي 2022 تمت تسمية أعضاء مجلس الهيئة العليا المستقلة للانتخابات وهم على التوالي: فاروق بوعسكر رئيسا، وسامي بن سلامة ومحمد التليلي منصري والحبيب الربعي وماهر الجديدي ومحمود الواعر ومحمد نوفل الفريخة أعضاء.
ومنذ انتصابها شرعت الهيئة في الاستعداد لتنظيم الاستفتاء في مشروع الدستور ولكن مجلسها آجل المصادقة على الرزنامة عدة مرات وتمسك بمطالبة رئيس الجمهورية بمراجعة القانون الانتخابي في اتجاه يتيح للهيئة إمكانية التسجيل الآلي ويعفيها من الإجراءات الخاصة بالصفقات وفعلا استجاب رئيس الجمهورية لهذه الرغبة وتم تعديل القانون الانتخابي بمقتضى المرسوم عدد 34 لسنة 2022 المؤرّخ في 1 جوان 2022 . ولكن مجلس الهيئة سرعان ما واجه صعوبات كبيرة في تركيز الهيئات الفرعية نظرا لمقاطعة الهياكل القضائية للمسار الانتخابي، وجاءت هذه المقاطعة والإضراب الاحتجاجي عن العمل ردا على الأمر الرئاسي القاضي بإعفاء 57 قاضيا، وعلى المرسوم عدد 35 المؤرخ في 1 جوان 2022 المتعلّق بإتمام المرسوم عدد 11 لسنة 2022 المؤرخ في 12 فيفري 2022 المتعلق بإحداث المجلس الأعلى المؤقت للقضاء، وهو مرسوم يتيح لرئيس الجمهورية، في صورة التأكّد أو المساس بالأمن العام أو بالمصلحة العليا للبلاد، وبناء على تقرير معلّل من الجهات المخوّلة، إصدار أمر رئاسي يقضي بإعفاء كل قاض تعلّق به ما من شأنه أن يمس من سمعة القضاء أو استقلاليته أو حُسن سيره. وحسب نفس المرسوم تُثار ضدّ كل قاض يتم إعفاؤه الدعوى العمومية، ولا يمكن الطعن في الأمر الرئاسي المتعلق بإعفاء قاض إلا بعد صدور حكم جزائي بات في الأفعال المنسوبة إليه.
مشروع الدستور
وقبل تعديل القانون الانتخابي واستفحال أزمة القضاء، وفي كلمة وجهها للشعب يوم عيد الفطر في غرة ماي أعلن رئيس الجمهورية انه عملا بالأمر المتعلق بالتدابير الاستثنائية ستتشكل لجنة بهدف الإعداد لتأسيس جمهورية جديدة وقال إن هذه اللجنة ستنهي أعمالها في ظرف أيام معدودات..
ورفضا لهذه الخطوة أعلن الحزب الدستوري الحر عن اعتزامه خوض جملة من التحركات النضالية ضد ما وصفته رئيسة الحزب عبير موسي بعملية اختطاف الدولة من قبل الرئيس سعيد، أما حركة النهضة فقد قررت الدخول في مشاورات مع بقية مكونات جبهة الخلاص التي يتزعمها أحمد نجيب الشابي قصد الرد المناسب على مخططات الرئيس، في حين جددت حركة الشعب المطالبة بحوار حقيقي تشارك فيه المنظمات الوطنية والخبراء والأحزاب الداعمة لمسار 25 جويلية حوار لا يحدد مربعه بصفة مسبقة ولا يكون حول نصوص جاهزة.
وفي يوم 20 ماي كلف الرئيس سعيد العميد الصادق بلعيد بمهمة الرئيس المنسق للهيئة الوطنية الاستشارية من أجل جمهورية جديدة.، وقبلها بيوم واحد صدر المرسوم المتعلق بإحداث هذه الهيئة.
وتوصلت الهيئة الوطنية الاستشارية من أجل جمهورية جديدة بعد اجتماعات عديدة وجدل صاخب إلى صياغة مشروع دستور وكان لـ"دار الصباح" السبق في نشره وتضمن هذا المشروع توطئة و 142 فصلا.
وفي يوم 24 جوان، ولإصلاح النظام السياسي في تونس، عرض الاتحاد العام التونسي للشغل على النقاش العام مبادرة لتعديل دستور 2014 ولمراجعة نظام الاقتراع وحظيت هذه المبادرة باهتمام المجتمع المدني والإعلام..
وفي نهاية المطاف أصدر رئيس الجمهورية يوم 30 جوان أمرا رئاسيا يتعلّق بنشر مشروع الدستور الجديد للجمهورية التونسية موضوع الاستفتاء المقرر ليوم الاثنين 25 جويلية 2022 في الرائد الرسمي، ونزل المشروع نزول الصاعقة على رئيس الهيئة الوطنية الاستشارية العميد الصادق بلعيد الذي كتب رسالة نشرتها جريدة "الصباح" وأعلن من خلالها أن الهيئة بريئة تماما من المشروع الذي طرحه رئيس الجمهورية على الاستفتاء وأن هذا النص لا يمت بصلة للنص الذي أعدته الهيئة وقدمته للرئيس. وتضمن نص مشروع الدستور المعروض على الاستفتاء بسملة وتوطئة طريفة و142 فصلا..
وتم من خلاله تغيير الفصلين الأول والثاني من دستور 2014 المتعلقين بدين الدولة ومدنية الدولة وهو ما أثار جدلا سياسيا وفلسفيا وقانونيا وإيديولوجيا وحقوقيا ساخنا. وحافظ المشروع على جل الحقوق والحريات التي كرسها دستور 2014 لكنه أدخل تغييرات جوهرية على النظام السياسي، إذ تم الانتقال من نظام هجين إلى نظام جديد يحتل فيه رئيس الجمهورية المكانة الأبرز في الدولة، وهناك من المعارضين من قال إن رئيس الجمهورية أصبح فوق جميع المؤسسات وأنه تم ضرب مبادئ الفصل بين السلط. وحول المشروع السلطات التشريعية والتنفيذية والقضائية إلى وظائف، وألغى جميع الهيئات الدستورية المستقلة باستثناء هيئة الانتخابات وغير تركيبة المحكمة الدستورية وطريقة تعيين أعضائها وأعاد ترتيب الجماعات المحلية وبمقتضى نفس المشروع تمت دسترة المجلس الأعلى للتربية والتعليم..
وقبل عرض مشروع الدستور على الاستفتاء في 25 جويلية 2022 أصدر الرئيس أمرا صحح بمقتضاه ما وصفه بالأخطاء التي تسربت لهذا المشروع .. ووصف منتقدي مشروع الدستور بالمفترين. وفي المقابل كان هناك شبه إجماع لدى أساتذة القانون بأن الدستور ملغم وخطير ويضرب مبدأ التفريق بين السلط والتوازن فيما بينها ويكرس النظام الرئاسوي ويمهد للنظام القاعدي الذي سبق لسعيد أن تحدث عنه في بيانه الانتخابي.. كما أن العديد من الأحزاب سياسية عبرت عن رفضها مشروع الدستور وقامت بتحركات احتجاجية واسعة في مختلف أنحاء الجمهورية لدعوة التونسيين إلى مقاطعة الاستفتاء، فعلى سبيل الذكر أطلقت خمسة أحزاب سياسية حملة وطنية لإسقاط الاستفتاء، وهذه الأحزاب هي حزب القطب، وحزب التيار الديمقراطي، وحزب التكتل من أجل العمل والحريات والحزب الجمهوري وحزب العمال، ولكن الرئيس قيس سعيد تمسك بعرض مشروع الدستور على الاستفتاء.. استفتاء بلغ عدد المشاركين في حملته 148 مشاركا.
وقبل عشرة أيام من عرضه على الاستفتاء وببادرة من ائتلاف المجتمع المدني المتكون من النقابة الوطنية للصحفيين التونسيين والاتحاد العام التونسي للشغل والرابطة التونسية للدفاع عن حقوق الإنسان والجمعية التونسية للنساء الديمقراطيات وعديد الجمعيات والمنظمات الأخرى، تم تنظيم لقاء علمي حول مشروع الدستور حضره عدد كبير من الحقوقيين والجامعيين والمثقفين، وخلال النقاش كان هناك شبه إجماع على أن هذا المشروع يمثل خطرا داهما على تونس وشعبها.
وتنفيذا لخارطة طريقه السياسية، استفتى رئيس الجمهورية قيس سعيد يوم الاثنين 25 جويلية 2022 الشعب التونسي في مشروع الدستور الجديد وطلب في أمر دعوة الناخبين من الناخب أن يجيب بكلمة "نعم" أو "لا" عن سؤال هل توافق على مشروع الدستور الجديد للجمهورية التونسية. وجاء في قرار هيئة الانتخابات عدد 22 لسنة 2022 المؤرّخ في 16 أوت 2022 المتعلّق بالتصريح بالنتائج النهائية للاستفتاء أن العدد الجُملي للناخبين المسجلين يساوي 9278541 ناخبا والعدد الجملي للناخبين الذين قاموا بالتصويت بلغ 2830094 وعدد الأصوات التي تحصلت عليها الإجابة بنعم هو مليونان وستّمائة وسبعة آلاف وثمانمائة وأربعة وثمانون صوتا وعدد الأصوات التي تحصلت عليها الإجابة بلا مائة وثمانية وأربعون ألفا وسبعمائة وثلاثة وعشرون صوتا وتبعاً لتحصُّل الإجابة "نعم" على الأغلبيّة من مجموع الأصوات التي تحصّلت عليها كِلا الإجابتيْن، تُصرّح الهيئة العليا المستقلّة للانتخابات بقبول مشروع نصّ الدستور الجديد للجمهوريّة التونسيّة المعروض على الاستفتاء ويدخل الدستور الجديد حيّز النفاذ ابتداء من تاريخ إعلان الهيئة العليا المستقلّة للانتخابات عن نتيجة الاستفتاء النهائيّة، وبعد أن يتولّى رئيس الجمهوريّة ختمه وإصداره والإذن بنشره في عددٍ خاصّ بالرائد الرسمي للجمهوريّة التونسيّة. ويُنفّذ كدستور للجمهوريّة التونسيّة.
ووصفت المعارضة الاستفتاء بالمزور وفي هذا السياق دعت جبهة الخلاص إلى حوار وطني عاجل واقترحت تشكيل حكومة إنقاذ تنبثق عن حوار جامع ويصادق عليها مجلس نواب الشعب في جلسة عامة افتراضية، وطالب الخماسي المتكون من أحزاب العمال والتيار الديمقراطي والتكتل من أجل العمل والحريات والجمهوري والقطب، التونسيات والتونسيين بالتصدي بقوة إلى الدستور الذي اقترحه رئيس الجمهورية قيس سعيد نظرا لما يشكله من مخاطر كبيرة على الدولة والمجتمع من ناحية، ومن ناحية أخرى، لأنه مر عبر استفتاء مزور.
مرسوم انتخابي جديد
وبعد ساعات قليلة من الاستفتاء في مشروع الدستور وفي لقائه برئيسة الحكومة نجلاء بودن شدد رئيس الجمهورية قيس سعيد على ضرورة إعداد مشروع مرسوم يتعلق بالانتخابات لانتخاب أعضاء مجلس نواب الشعب القادم ثم لانتخاب أعضاء المجلس الوطني للجهات والأقاليم وفي 15 سبتمبر صدر المرسوم الانتخابي عدد 55 المتعلق بانتخاب أعضاء مجلس نواب الشعب في 17 ديسمبر، وعسر هذا المرسوم شروط الترشح لهذه الانتخابات خاصة من خلال إقرار 400 تزكية معرف عليها بإمضاء ناخبين مسجلين في الدائرة الانتخابية للمترشح على أن يكون نصف المزكين من النساء وأن لا يقل عدد المزكين من الشباب دون سن 35 سنة عن 25 بالمائة.. كما غير المرسوم تقسيم الدوائر الانتخابية وقلص من عدد مقاعد البرلمان من 217 إلى 161 وأقر إجراء سحب الوكالة من النائب وقلص من حظوظ النساء. ويجرى التصويت في الانتخابات التشريعيّة على الأفراد في دورة واحدة أو دورتين عند الاقتضاء، وذلك في دوائر انتخابيّة ذات مقعد واحد ولعل أبرز ما ميز المرسوم الانتخابي صبغته الزجرية وتشدده في تجريم الفساد السياسي. وتولت الهيئة العليا المستقلة للانتخابات تنظيم الانتخابات التشريعية في موعدها المقرر يوم 17 ديسمبر، وأعلن مجلس الهيئة عن فوز 23 مترشحا لهذه الانتخابات في الدورة الأولى وعن أسماء 262 مترشحا للدورة الثانية التي ستقام موفى جانفي القادم.
وإضافة إلى هذه المحطات السياسية الفارقة لا بد من الإشارة أيضا إلى أن رئيس الجمهورية خلال سنة 2022 أصدر 79 مرسوما ومنها المرسوم عدد 54 لسنة 2022 المتعلق بمكافحة الجرائم المتصلة بأنظمة المعلومات والاتصال الذي يشكل خطرا حقيقيا على حرية الرأي والتعبير والمرسوم عدد 15 لسنة 2022 المؤرّخ في 20 مارس 2022 المتعلق بالشركات الأهلية، والمرسوم عدد 20 لسنة 2022 المؤرخ في 9 أفريل 2022 المتعلق بمؤسسة فداء للإحاطة بضحايا الاعتداءات الإرهابية من العسكريين وأعوان قوات الأمن الداخلي والديوانة وبأولي الحق من شهداء الثورة وجرحاها، والمرسوم عدد 14 لسنة 2022 المؤرّخ في 20 مارس 2022 المتعلق بمقاومة المضاربة غير المشروعة، والمرسوم عدد 13 لسنة 2022 المؤرخ في 20 مارس 2022 المتعلق بالصلح الجزائي وتوظيف عائداته، والمرســـوم عدد 10 لسنة 2022 المؤرّخ في 10 فيفري 2022 المتعلّق بالعفو العام في جريمة إصدار شيك دون رصيد.