إشترك في النسخة الرقمية لجريدة الصباح و LE TEMPS

في منتدى جمعية "نشاز": إبحار في عوالم اليسار.. ومتاهات الشعبوية

 

تونس-الصباح

للحديث عن اليسار والشعبوية في تونس استضافت جمعية نشاز أمس في لقاء عقدته بفضاء التياترو بالعاصمة، كل من محمد الصحبي الخلفاوي الباحث في الشأن السياسي وعضو المرصد التونسي للانتقال الديمقراطي والمساهم في تأليف كتاب عنوانه الإغراء الشعبوي، وحمّة الهمامي الأمين العام لحزب العمال ومؤلّف كتاب الشعبوية في تونس: ثالوث الاستبداد والتفقير والتبعية"، وحاتم النّفطي مؤلف كتاب تونس، نحو شعبوية استبدادية وماهر حنين الباحث في مجال الفلسفة الاجتماعية والذي ألف بالاشتراك مع هشام عبد الصمد كتابا عنوانه "التمرّد والمتاهة، شباب اليسار زمن الثورة والشعبوية".

وفي ورقة تمهيدية لهذا الملتقى الذي أداره الأستاذ فتحي بن الحاج يحيى مؤلف كتاب الحبس كذاب والحي يروح، تمت الإشارة بالخصوص إلى أن الشعوبية جاءت لتملأ تلك الفراغات التي تركها اليسار ولم يعرف كيف يتموقع فيها، وحتى القاموس الذي اشتغل عليه اليسار والمفردات التي أسّست لكيانه افتكتها منه الشعبوية بل أنها أفرغت مفهوم الشعب من محتواه الاجتماعي الطبقي، وأفرغت مفهوم السيادة الوطنية من بعدها الحقيقي في بناء اقتصاد قوي يمنحها القدرة على التفاوض مع الغير بندّية، وأفقدت الفعل الثقافي من رهاناته التحررية واستعاضت عنه بخطاب هلامي يعد بالماء زمن السراب لكنّه يجد تأييدا شعبيا وهو يتعين بالضرورة الوقوف عند مغزاه. كما تمت الإشارة أيضا إلى أن الشعبوية لم تنتظر انتخابات 2019 لتحلّ في تونس وتصبغ بلونها المشهد السياسي بأكمله، بل يعود تاريخها إلى أمد أبعد بكثير فالقائمة تطول في أنواع الشعبوية وخطاباتها وكانت البداية من البيانات الانتخابية لحركة النهضة ووعودها الخيالية بتشغيل مئات الآلاف من العاطلين، والعريضة الشعبية وحديثها عن الجسور العابرة للمتوسّط نحو إيطاليا وغيرها من أشكال الهذيان، ولكن منذ 2019 أمكن الوقوف على مدى تنوّع العروض التي قدّمتها الشعبوية سواء تلك التي تجلّت في شخص عبير موسي أو في جماعة ائتلاف الكرامة أو في العديد من الظواهر الصوتية التي ملأت الإذاعات والقنوات التلفزية ضجيجا وسفسطة، على أنّ الذي ميّز قيس سعيد ضمن هذه الشذرات المختارة وغير الحصرية من الخطاب الشعبوي والذي كان لليسار فيه قسط لا بأس به هو أنّ سعيد، وخلافا للبقية، مزّق أوراق اللّعبة أو استحوذ على جميع الأوراق وبقي يلعب بمفرده بدعوى تجسيده للإرادة الشعبية وهو بذلك يكون قد رفع الشعبوية إلى أعلى مراتبها ليمارسها في كامل عُراها ونقائها من الشوائب "السياسية" والتمويهات الشكلية. وبلغة القانون، خرج سعيد عن العقد القديم المتعارف عليه في إدارة الصراع عبر التنافس المقنّن بين مختلف التعبيرات السياسية للمجتمع، واختار طريق التفرّد بالسلطة وتحويلها إلى سلطان بالمعنى الأصلي للكلمة، مستعينا في ذلك بما وفّرته الطبقة السياسية من مشاهد بائسة عن خيار الديمقراطية التمثيلية في تونس وما آل إليه البرلمان، وإدارة شؤون البلاد، فضلا عن تفشّي الجائحة، وتراكم الغضب الشعبي والشبابي على أوضاعه المعيشية.
وفي تلك الظروف استطاع سعيد أن يحشد حوله أكثر مما فعل منافسوه بكثير، وحُمّل آمالا كثيرة، ومثّل متنفّسا لعديد الشرائح الاجتماعية التي خرجت إلى الشوارع مهللة لـ 25 جويلية.. ولكن النقاط التي يفقدها قيس سعيد يوما بعد آخر بسبب تردّي الأوضاع الاجتماعية ودخول البلاد مناطق الرمال المتحرّكة ليست بصدد الانتقال إلى رصيد المعارضة بجميع مكوّناتها الإسلامية واللبرالية واليسارية، لأنه هناك قطيعة واضحة بين هذه المعارضة وبين أغلب الشرائح الاجتماعية الدنيا وحتى المتوسطة.. ولأنه هناك طيف كبير عائم يصعب تحديده يتكون من الذين  قد تقنعهم مبرّرات المعارضة وحججها ولكنّهم يخافون في الآن ذاته من عودتها لتصدر المشهد فهم يريدون ذهاب سعيد وفي نفس الوقت لا يريدون عودة معارضيه لكثرة ما امتصّوه من أوكسيجين البلاد ولأن رائحة الفساد وانعدام الأخلاق والأنانية والتكالب على السلطة وخداع التونسيين بالخطب الرنانة فاحت من العديد منهم..

دفاع عن الشعب ضد النخبة

وفي مداخلته أشار محمد الصحبي الخلفاوي الباحث في الشأن السياسي إلى أن الشعبوي هو الشخص الذي يطرح على نفسه واجب الدفاع عن الشعب ضد النخبة ويعتقد أنه هو المثالي والبقية سيؤون.. وبينه من الناحية المفاهيمية لا بد من تلافي الخلط بين الديماغوجيا والدمغجة والشعبوية، وأشار إلى أن الحالات الشعبوية في تونس متعددة لكن حالة الرئيس قيس سعيد مختلفة، وبين أن عبير موسي والإسلاميين والقوميين حسب رأيه لا يعتبرون شعبويين..

وبين أن صعود سعيد في الانتخابات الرئاسية لسنة 2019  لم يكن مفاجئا، لأن الرئيس سعيد كان منذ سنة 2011 ضيفا قارا في البرامج التلفزية وظهر اسمه سنة 2013 في أوج الأزمة السياسية إلى جانب اسم الباجي قائد السبسي كأفضل شخص يمكن أن ينقذ البلاد، ومع تفكك الخيارات السياسية الكبرى ازدادت حظوظه أكثر فأكثر، ونتيجة لإنهاك المنظومة السياسية وتردي الوضع الاقتصادي وانهيار الوضع الاجتماعي أصبح هناك رفض لأي طرح تقليدي، وتعفف عن المشاركة في الأحزاب والمنظمات، ثم جاءت25 جويلية وبرزت فكرة ضرورة القطع مع المنظومة وإبعاد السيئين، ولكن 25 جويلية على حد وصفه انقلاب.. وذكر أنه في الوقت الراهن، نجد السلطة قائمة على القوة وهي في يد شخص واحد لا احد يستطيع أن يقول له "لا"  ويرى الباحث أن إسقاط المنظومة الاستبدادية يتم إما بالصندوق أو بالشارع، ولكن الأخطر من كل هذا هو أن الحلول لإسقاط المنظومة هي حلول غير ديمقراطية وهذه الحلول غير آمنة ويمكن أن تؤدي إلى صعود منظومة أسوء بكثير من منظومة قيس سعيد ومنظومة بن علي ومنظومة بورقيبة مجتمعة.

الشعبوية ظاهرة قديمة

ولاحظ حمة الهمامي الأمين العام لحزب العمال أن كلمة الشعبوية في تونس تستعمل في غير محلها، وقبل قدوم قيس سعيد تم استعمالها للتشويه وإلصاق التهم ببعض السياسيين.. وتتمحور الشعوبية حسب قوله حول شعب نقي ونخبة فاسدة.. وذكر أن شعب الله المختار بالنسبة للرئيس سعيد يقتصر على 800 ألف تونسي شاركوا في الانتخابات. وذكر أن الكتابات عن الشعبوية ظهرت منذ القرن التاسع عشر وبرزت في روسيا وأول كتاب حاول تناول هذه الظاهرة هو كتاب لينين أصدقاء الشعب وبعد روسيا ظهرت كتابات حول الشعبوية في أمريكا اللاتينية ثم في أوروبا في إطار الأدب الشعبي. وأشار الهمامي إلى أن الشعبوية تبرز في عدة مظاهر وهي إجابة عن أزمة.. وقبل صعود قيس سعيد إلى الحكم بفضل الشعبوية،  كانت الشعبوية في 17 دولة في أوروبا قد تحصلت على أكثر من 5 بالمائة من الأصوات في الانتخابات، وبالتالي فإن الشعبوية أصبحت ظاهرة عالمية، وجاءت كإجابة عن أزمة الديمقراطية التمثيلية. ولاحظ الهمامي أن الشعوبية تستعمل خطابا فيه الكثير من الحنان على الشعب وخطاب يوظف فيه الدين والمرأة. ويرى حمه الهمامي أن الشعوبية في تونس جاءت إجابة عن أزمة حصلت في العشرية السابقة وقال إنه لا يريد وصف هذه العشرية بالسوداء لأن كلمة السوداء فيها إهانة للسود، وذكر أن الشعبوية في تونس بكل بساطة جاءت إجابة عن أزمة سياسية واقتصادية وثقافية واجتماعية وأخلاقية ولكن ما قام به سعيد هو انقلاب بكل المواصفات. وذكر أن خصوصية الشعبوية لدى قيس سعيد هو أنه منح نفسه السلطة الروحية والرئيس بمقتضى الدستور الذي وضعه أصبح فوق كل المؤسسات كما أن الفصل الخامس من الدستور لا يتعلق بقضية الشريعة وإنما بالسلطة الروحية والدولة هي التي أصبحت تفسر الدين.

الشعبوية التسليطة

وبين الكاتب حاتم النفطي أن تونس عرفت لحظات شعبوية عديدة وأهمها لحظة اعتصام القصبة سنة 2011 وقال إن قيس سعيد نشأ في تلك اللحظة، وبقي طيلة سنوات قريبا من الفئات المهمشة مثل فئة المعطلين عن العمل ولكن بعد صعوده إلى الحكم وإمضائه على القانون عدد 38 تراجع عنه.. و ذكر أن خطاب سعيد فيه شعوبية لكنها شعبوية تسلطية، وبين أن لحظة 25 جويلية هي ظاهرة شعبوية جاءت ردا على التوتر الموجود في البرلمان وردا على ما جاء في كلمة القيادي في حركة النهضة عبد الكريم الهاروني التي طالب فيها بالتعويضات في وقت كانت فيه البلاد تعاني من وباء كورونا.. وبين أن الرئيس سعيد اليوم يحكم البلاد بالقوة الصلبة للدولة.. وللخروج من الأزمة بكيفية آمنة، لا بد من القيام بمراجعات ونقد ذاتي، وإنهاء حالة العبث الموجود في البلاد بعيدا عن شيطنة الأحزاب.

الشعبوية إستراتيجيا

أما ماهر حنين الباحث في مجال الفلسفة الاجتماعية فقال إن تونس عاشت طيلة السنوات الماضية الاستقطابات الكبرى بين رموز الثورة والأزلام وبين الإسلاميين والحداثيين ولم تنجح في خلق استطاب على أساس طبقي، ثم جاء الاستقطاب الثالث والخطاب الذي هيمن على الساحة الإعلامية ألا وهو الشعبوية ولكن التحليل السطحي للشعبوية مقلق على حد وصفه لان الشعبوية يمكن أن تكون إستراتيجية للمشاركة الشعبية الواسعة وليس مجرد إيديولوجيا كما أن الحديث عن الشعبوية على أساس أنها تمثل الخط الفاصل بين الشعب والنخب منقوص،  بالنظر إلى أن هناك نخبة تزدري الشعب وتحتقره وتستصغره.. وفكرة احتقار النخب للشعب تترك المجال لبروز هذه الفئات الشعبوية وهو ما حصل في روسيا وأمريكا اللاتينية في السابق وما يحصل اليوم في أوروبا.

وأضاف الجامعي قائلا:"إن الطبقات الشعبية والفئات الشعبية والمجموعات الشعبية والأحياء الشعبية والثقافة الشعبية في تونس يمكن أن تكون جزء من خطاب استراتيجي شعبوي يساري يخلصنا من الاستبداد والإسلام السياسي والنخب الريعية التي لا بد أن نكون معها في صراع حقيقي.. وفكرة التوافق مع الجميع من أجل إنقاذ الدولة المدنية ومراكمة الدولة البورقيبية حتى وإن كانت في وقت من الأوقات جيدة لأنها قلصت من التهديدات التي برزت بعد اغتيال الشهيدين شكري بعليد ومحمد البراهمي والتهديدات للحقوق المدنية والسياسية فإنه يجب التفكير اليوم  في مدخل يسمح لنا بالبحث عن إمكانية العودة إلى فكرة السياسة التي يكون فيها للشعب دوره لأن إخراج الشعب من العملية السياسية خطير وعلينا التفكير في الخروج من الشعبوية بجعل الشعب معطى أساسي في خطابنا السياسي"..   

وبين حنين أنه لا يمكن أن نتصدى للشعبوية دون شعب. وقدم الجامعي أفكارا تمكن من الخروج من الوضع الراهن وقال إنه توجد سبع مناطق كبرى للاحتجاج منها الحركة النسوية وتعلم عوم ومانيش مسامح والفئات الهشة من معلمين وأساتذة نواب وأعوان الصحة وحركات اجتماعية للمطالبة بالماء والتشغيل وتحسين الوضع الصحي وغيرها وكل هذه التحركات فيها قدرة على التعبئة وقوة للتغير لكن المشكل المطروح هو أن هذه المجموعات لم تعمل على تحويل مطلبها الفئوي إلى مطلب سياسي، وأضاف أن سعيد شعبوي لكنه ليس شعبويا يساريا وذلك بالنظر إلى مواقفه من المرأة والحريات والمؤسسات والأهم من ذلك لأنه يتبنى سياسات نيوليبرالية مملاة من البنك الدولي وفي حال تطبيقها فإنها ستتسبب في ضرر كبير للشعب. وخلص الجامعي إلى أنه مازالت هناك إمكانية لبناء قوة اجتماعية يسارية شعبية حقيقية في تونس.

سعيدة بوهلال  

في منتدى جمعية "نشاز":    إبحار في عوالم اليسار..  ومتاهات الشعبوية

 

تونس-الصباح

للحديث عن اليسار والشعبوية في تونس استضافت جمعية نشاز أمس في لقاء عقدته بفضاء التياترو بالعاصمة، كل من محمد الصحبي الخلفاوي الباحث في الشأن السياسي وعضو المرصد التونسي للانتقال الديمقراطي والمساهم في تأليف كتاب عنوانه الإغراء الشعبوي، وحمّة الهمامي الأمين العام لحزب العمال ومؤلّف كتاب الشعبوية في تونس: ثالوث الاستبداد والتفقير والتبعية"، وحاتم النّفطي مؤلف كتاب تونس، نحو شعبوية استبدادية وماهر حنين الباحث في مجال الفلسفة الاجتماعية والذي ألف بالاشتراك مع هشام عبد الصمد كتابا عنوانه "التمرّد والمتاهة، شباب اليسار زمن الثورة والشعبوية".

وفي ورقة تمهيدية لهذا الملتقى الذي أداره الأستاذ فتحي بن الحاج يحيى مؤلف كتاب الحبس كذاب والحي يروح، تمت الإشارة بالخصوص إلى أن الشعوبية جاءت لتملأ تلك الفراغات التي تركها اليسار ولم يعرف كيف يتموقع فيها، وحتى القاموس الذي اشتغل عليه اليسار والمفردات التي أسّست لكيانه افتكتها منه الشعبوية بل أنها أفرغت مفهوم الشعب من محتواه الاجتماعي الطبقي، وأفرغت مفهوم السيادة الوطنية من بعدها الحقيقي في بناء اقتصاد قوي يمنحها القدرة على التفاوض مع الغير بندّية، وأفقدت الفعل الثقافي من رهاناته التحررية واستعاضت عنه بخطاب هلامي يعد بالماء زمن السراب لكنّه يجد تأييدا شعبيا وهو يتعين بالضرورة الوقوف عند مغزاه. كما تمت الإشارة أيضا إلى أن الشعبوية لم تنتظر انتخابات 2019 لتحلّ في تونس وتصبغ بلونها المشهد السياسي بأكمله، بل يعود تاريخها إلى أمد أبعد بكثير فالقائمة تطول في أنواع الشعبوية وخطاباتها وكانت البداية من البيانات الانتخابية لحركة النهضة ووعودها الخيالية بتشغيل مئات الآلاف من العاطلين، والعريضة الشعبية وحديثها عن الجسور العابرة للمتوسّط نحو إيطاليا وغيرها من أشكال الهذيان، ولكن منذ 2019 أمكن الوقوف على مدى تنوّع العروض التي قدّمتها الشعبوية سواء تلك التي تجلّت في شخص عبير موسي أو في جماعة ائتلاف الكرامة أو في العديد من الظواهر الصوتية التي ملأت الإذاعات والقنوات التلفزية ضجيجا وسفسطة، على أنّ الذي ميّز قيس سعيد ضمن هذه الشذرات المختارة وغير الحصرية من الخطاب الشعبوي والذي كان لليسار فيه قسط لا بأس به هو أنّ سعيد، وخلافا للبقية، مزّق أوراق اللّعبة أو استحوذ على جميع الأوراق وبقي يلعب بمفرده بدعوى تجسيده للإرادة الشعبية وهو بذلك يكون قد رفع الشعبوية إلى أعلى مراتبها ليمارسها في كامل عُراها ونقائها من الشوائب "السياسية" والتمويهات الشكلية. وبلغة القانون، خرج سعيد عن العقد القديم المتعارف عليه في إدارة الصراع عبر التنافس المقنّن بين مختلف التعبيرات السياسية للمجتمع، واختار طريق التفرّد بالسلطة وتحويلها إلى سلطان بالمعنى الأصلي للكلمة، مستعينا في ذلك بما وفّرته الطبقة السياسية من مشاهد بائسة عن خيار الديمقراطية التمثيلية في تونس وما آل إليه البرلمان، وإدارة شؤون البلاد، فضلا عن تفشّي الجائحة، وتراكم الغضب الشعبي والشبابي على أوضاعه المعيشية.
وفي تلك الظروف استطاع سعيد أن يحشد حوله أكثر مما فعل منافسوه بكثير، وحُمّل آمالا كثيرة، ومثّل متنفّسا لعديد الشرائح الاجتماعية التي خرجت إلى الشوارع مهللة لـ 25 جويلية.. ولكن النقاط التي يفقدها قيس سعيد يوما بعد آخر بسبب تردّي الأوضاع الاجتماعية ودخول البلاد مناطق الرمال المتحرّكة ليست بصدد الانتقال إلى رصيد المعارضة بجميع مكوّناتها الإسلامية واللبرالية واليسارية، لأنه هناك قطيعة واضحة بين هذه المعارضة وبين أغلب الشرائح الاجتماعية الدنيا وحتى المتوسطة.. ولأنه هناك طيف كبير عائم يصعب تحديده يتكون من الذين  قد تقنعهم مبرّرات المعارضة وحججها ولكنّهم يخافون في الآن ذاته من عودتها لتصدر المشهد فهم يريدون ذهاب سعيد وفي نفس الوقت لا يريدون عودة معارضيه لكثرة ما امتصّوه من أوكسيجين البلاد ولأن رائحة الفساد وانعدام الأخلاق والأنانية والتكالب على السلطة وخداع التونسيين بالخطب الرنانة فاحت من العديد منهم..

دفاع عن الشعب ضد النخبة

وفي مداخلته أشار محمد الصحبي الخلفاوي الباحث في الشأن السياسي إلى أن الشعبوي هو الشخص الذي يطرح على نفسه واجب الدفاع عن الشعب ضد النخبة ويعتقد أنه هو المثالي والبقية سيؤون.. وبينه من الناحية المفاهيمية لا بد من تلافي الخلط بين الديماغوجيا والدمغجة والشعبوية، وأشار إلى أن الحالات الشعبوية في تونس متعددة لكن حالة الرئيس قيس سعيد مختلفة، وبين أن عبير موسي والإسلاميين والقوميين حسب رأيه لا يعتبرون شعبويين..

وبين أن صعود سعيد في الانتخابات الرئاسية لسنة 2019  لم يكن مفاجئا، لأن الرئيس سعيد كان منذ سنة 2011 ضيفا قارا في البرامج التلفزية وظهر اسمه سنة 2013 في أوج الأزمة السياسية إلى جانب اسم الباجي قائد السبسي كأفضل شخص يمكن أن ينقذ البلاد، ومع تفكك الخيارات السياسية الكبرى ازدادت حظوظه أكثر فأكثر، ونتيجة لإنهاك المنظومة السياسية وتردي الوضع الاقتصادي وانهيار الوضع الاجتماعي أصبح هناك رفض لأي طرح تقليدي، وتعفف عن المشاركة في الأحزاب والمنظمات، ثم جاءت25 جويلية وبرزت فكرة ضرورة القطع مع المنظومة وإبعاد السيئين، ولكن 25 جويلية على حد وصفه انقلاب.. وذكر أنه في الوقت الراهن، نجد السلطة قائمة على القوة وهي في يد شخص واحد لا احد يستطيع أن يقول له "لا"  ويرى الباحث أن إسقاط المنظومة الاستبدادية يتم إما بالصندوق أو بالشارع، ولكن الأخطر من كل هذا هو أن الحلول لإسقاط المنظومة هي حلول غير ديمقراطية وهذه الحلول غير آمنة ويمكن أن تؤدي إلى صعود منظومة أسوء بكثير من منظومة قيس سعيد ومنظومة بن علي ومنظومة بورقيبة مجتمعة.

الشعبوية ظاهرة قديمة

ولاحظ حمة الهمامي الأمين العام لحزب العمال أن كلمة الشعبوية في تونس تستعمل في غير محلها، وقبل قدوم قيس سعيد تم استعمالها للتشويه وإلصاق التهم ببعض السياسيين.. وتتمحور الشعوبية حسب قوله حول شعب نقي ونخبة فاسدة.. وذكر أن شعب الله المختار بالنسبة للرئيس سعيد يقتصر على 800 ألف تونسي شاركوا في الانتخابات. وذكر أن الكتابات عن الشعبوية ظهرت منذ القرن التاسع عشر وبرزت في روسيا وأول كتاب حاول تناول هذه الظاهرة هو كتاب لينين أصدقاء الشعب وبعد روسيا ظهرت كتابات حول الشعبوية في أمريكا اللاتينية ثم في أوروبا في إطار الأدب الشعبي. وأشار الهمامي إلى أن الشعبوية تبرز في عدة مظاهر وهي إجابة عن أزمة.. وقبل صعود قيس سعيد إلى الحكم بفضل الشعبوية،  كانت الشعبوية في 17 دولة في أوروبا قد تحصلت على أكثر من 5 بالمائة من الأصوات في الانتخابات، وبالتالي فإن الشعبوية أصبحت ظاهرة عالمية، وجاءت كإجابة عن أزمة الديمقراطية التمثيلية. ولاحظ الهمامي أن الشعوبية تستعمل خطابا فيه الكثير من الحنان على الشعب وخطاب يوظف فيه الدين والمرأة. ويرى حمه الهمامي أن الشعوبية في تونس جاءت إجابة عن أزمة حصلت في العشرية السابقة وقال إنه لا يريد وصف هذه العشرية بالسوداء لأن كلمة السوداء فيها إهانة للسود، وذكر أن الشعبوية في تونس بكل بساطة جاءت إجابة عن أزمة سياسية واقتصادية وثقافية واجتماعية وأخلاقية ولكن ما قام به سعيد هو انقلاب بكل المواصفات. وذكر أن خصوصية الشعبوية لدى قيس سعيد هو أنه منح نفسه السلطة الروحية والرئيس بمقتضى الدستور الذي وضعه أصبح فوق كل المؤسسات كما أن الفصل الخامس من الدستور لا يتعلق بقضية الشريعة وإنما بالسلطة الروحية والدولة هي التي أصبحت تفسر الدين.

الشعبوية التسليطة

وبين الكاتب حاتم النفطي أن تونس عرفت لحظات شعبوية عديدة وأهمها لحظة اعتصام القصبة سنة 2011 وقال إن قيس سعيد نشأ في تلك اللحظة، وبقي طيلة سنوات قريبا من الفئات المهمشة مثل فئة المعطلين عن العمل ولكن بعد صعوده إلى الحكم وإمضائه على القانون عدد 38 تراجع عنه.. و ذكر أن خطاب سعيد فيه شعوبية لكنها شعبوية تسلطية، وبين أن لحظة 25 جويلية هي ظاهرة شعبوية جاءت ردا على التوتر الموجود في البرلمان وردا على ما جاء في كلمة القيادي في حركة النهضة عبد الكريم الهاروني التي طالب فيها بالتعويضات في وقت كانت فيه البلاد تعاني من وباء كورونا.. وبين أن الرئيس سعيد اليوم يحكم البلاد بالقوة الصلبة للدولة.. وللخروج من الأزمة بكيفية آمنة، لا بد من القيام بمراجعات ونقد ذاتي، وإنهاء حالة العبث الموجود في البلاد بعيدا عن شيطنة الأحزاب.

الشعبوية إستراتيجيا

أما ماهر حنين الباحث في مجال الفلسفة الاجتماعية فقال إن تونس عاشت طيلة السنوات الماضية الاستقطابات الكبرى بين رموز الثورة والأزلام وبين الإسلاميين والحداثيين ولم تنجح في خلق استطاب على أساس طبقي، ثم جاء الاستقطاب الثالث والخطاب الذي هيمن على الساحة الإعلامية ألا وهو الشعبوية ولكن التحليل السطحي للشعبوية مقلق على حد وصفه لان الشعبوية يمكن أن تكون إستراتيجية للمشاركة الشعبية الواسعة وليس مجرد إيديولوجيا كما أن الحديث عن الشعبوية على أساس أنها تمثل الخط الفاصل بين الشعب والنخب منقوص،  بالنظر إلى أن هناك نخبة تزدري الشعب وتحتقره وتستصغره.. وفكرة احتقار النخب للشعب تترك المجال لبروز هذه الفئات الشعبوية وهو ما حصل في روسيا وأمريكا اللاتينية في السابق وما يحصل اليوم في أوروبا.

وأضاف الجامعي قائلا:"إن الطبقات الشعبية والفئات الشعبية والمجموعات الشعبية والأحياء الشعبية والثقافة الشعبية في تونس يمكن أن تكون جزء من خطاب استراتيجي شعبوي يساري يخلصنا من الاستبداد والإسلام السياسي والنخب الريعية التي لا بد أن نكون معها في صراع حقيقي.. وفكرة التوافق مع الجميع من أجل إنقاذ الدولة المدنية ومراكمة الدولة البورقيبية حتى وإن كانت في وقت من الأوقات جيدة لأنها قلصت من التهديدات التي برزت بعد اغتيال الشهيدين شكري بعليد ومحمد البراهمي والتهديدات للحقوق المدنية والسياسية فإنه يجب التفكير اليوم  في مدخل يسمح لنا بالبحث عن إمكانية العودة إلى فكرة السياسة التي يكون فيها للشعب دوره لأن إخراج الشعب من العملية السياسية خطير وعلينا التفكير في الخروج من الشعبوية بجعل الشعب معطى أساسي في خطابنا السياسي"..   

وبين حنين أنه لا يمكن أن نتصدى للشعبوية دون شعب. وقدم الجامعي أفكارا تمكن من الخروج من الوضع الراهن وقال إنه توجد سبع مناطق كبرى للاحتجاج منها الحركة النسوية وتعلم عوم ومانيش مسامح والفئات الهشة من معلمين وأساتذة نواب وأعوان الصحة وحركات اجتماعية للمطالبة بالماء والتشغيل وتحسين الوضع الصحي وغيرها وكل هذه التحركات فيها قدرة على التعبئة وقوة للتغير لكن المشكل المطروح هو أن هذه المجموعات لم تعمل على تحويل مطلبها الفئوي إلى مطلب سياسي، وأضاف أن سعيد شعبوي لكنه ليس شعبويا يساريا وذلك بالنظر إلى مواقفه من المرأة والحريات والمؤسسات والأهم من ذلك لأنه يتبنى سياسات نيوليبرالية مملاة من البنك الدولي وفي حال تطبيقها فإنها ستتسبب في ضرر كبير للشعب. وخلص الجامعي إلى أنه مازالت هناك إمكانية لبناء قوة اجتماعية يسارية شعبية حقيقية في تونس.

سعيدة بوهلال