* أكثر من 150 ألف شخص يقدمون على عمليات التجميل سنويا
*شفط الدهون الحل القاتل
*تونس تحتل المرتبة الثانية إفريقيا في مجال جراحة التجميل
70*بالمائة من عمليات التجميل ليست ضرورية
تونس-الصباح
البطن المسطح، الأنف المذبب، الخصر المنحوت، الشفاه الممتلئة سمات الجمال التي تغنى بها الشعراء، وقد لا يسعف الحظ كل النساء ليأتين الى هذا العالم بكل هذه السمات بشكل رباني فيتهافتن على عيادات طب التجميل للحصول على الجمال الكامل والجسم المثالي، ولم يعد الهوس بالشكل الخارجي مقتصرا على المشاهير الذين يراهنون عليه للبقاء تحت الأضواء مدة أطول ولكن انتقل الى غير المشاهير والناشطين على منصات "التيك توك" و"الانستغرام" وبعض المواقع الأخرى، فتتوجه الفتاة العادية الى مصحة طب التجميل وتطلب من طبيبها "أنف نانسي" أو "خصر هيفاء" وربما قوام "كيم كارداشيان" وشفاه "انجيلينا جولي" ظنا منها أن الطبيب بيده عصا سحرية لإخفاء كل عيوبها، فتتوجه عن طواعية الى الطبيب أو الى مركز للتجميل لتغادره مباشرة الى المشرحة وفي أحسن الأحوال تغادر بتشوهات وعاهات يعجز بعدها أمهر الأطباء عن إعادتها الى شكلها الأول.
لائحة الضحايا طويلة، وأغلبهن من الفتيات اللواتي حلمن بالجسد المثالي قبل أن يفارقن الحياة في غفلة منهن وأخريات تقدم بهن العمر فحلمن بإعادة عقارب الساعة الى الوراء لاستعادة الشباب علهن يخبرنه ما فعله بهن المشيب، ولكن هيهات فمشرط الجراح خيب أمل البعض منهن وفقدن حياتهن في إحدى غرف العمليات الخاصة بالتجميل أو غادرن المصحة بتشوهات منعتهن حتى من مقابلة الناس بوجه مكشوف.
وتشهد تونس أكثر من 150 ألف عملية تجميل سنوياً، منها عمليات شفط الدهون، وتقويم الأنف، وانتشرت في السنوات الأخيرة عمليات شد الصدر والبطن والرقبة والوجنتين والجفون وتقويم الأسنان وزراعة الشعر ولكن الكثير من العمليات تنتهي بتشوهات كبيرة أو بوفاة "المريض".
"الصباح" سلطت الضوء على موضوع الأخطاء الطبية التجميلية التي باتت تنهي حياة الحالمين بالجمال المثالي أمام انتشار مراكز تجميل يفتقر أصحابها الى الكفاءة والخبرة..
إعداد: مفيدة القيزاني
ضحايا "المشىرط"..
"ريتا" امرأة أربعينية أم لأطفال زاد وزنها كثيرا بعد الولادة وباتت غير متصالحة مع جسدها كلما نظرت اليه في المرآة وبتشجيع من عائلتها وأصدقائها اقتطعت تذكرة وقدمت الى بلادنا لإجراء عملية شفط دهون باعتبار التكلفة أقل لكنها فارقت الحياة أثناء العملية.
" مارغريت" امرأة فرنسية قدمت الى بلانا لإجراء عملية شفط دهون وأثارت وفاتها جدلا كبيرا على مواقع التواصل الاجتماعي، خاصة وأنّ العائلة قرّرت رفع قضية ضد المصحة، كما أنّ هذا الملف تمّت إثارته في فرنسا حيت تمّ توجيه أصابع الاتهام للاطار الطبي التونسي.
وكانت المصحة أوضحت حينها أن هناك عدة مغالطات حول ملف وفاة الشابة الفرنسية"مارغريت" التي تبلغ من العمر 29 سنة، وأنّه لم يكن سبب وفاة هذه الفتاة ناجم عن شفط الدهون وأن السائحة الفرنسية طلبت وضع الدهون المصفاة والتي تمّ شفطها في مناطق أخرى من جسدها وأدت إلى انسداد في شرايين الرئة وقد حاول الفريق الطبي إنقاذ الفتاة بالقيام بعملية قلب مفتوح.
وأوضّح أحد الأطباء حينها أنّ عملية إعادة الدهون إلى بعض المناطق بالجسم تؤدي في بعض الحالات إلى تعكرات، حيث أنّه في كل الحالات يقوم الحرفاء بإمضاء وثيقة يقرون فيها أنّهم على علم أنّ بعض أنواع العمليات فيها خطر على حياتهم.
وفاة الشابة كريمة الرايس..
الضحية كريمة الرايس نزلت الى تونس بعد أن كانت متواجدة بالخارج للقيام باجراءات وتحضيرات زفافها وبتاريخ يوم 24 نوفمبر 2021 توجهت الى احدى المصحات بالمركز العمراني الشمالي للقيام بعملية شفط الدهون الا أنها توفيت وتحول زفافها الى مأتم.
وأثار وفاة الشابة كريمة الرايس، خلال إجرائها لعملية تجميل بإحدى المصحات الخاصة جدلا كبيرا على وسائل التواصل الاجتماعي خاصة بعد تكرر هذه الحادثة أكثر من مرة في بلادنا.
وتحدّثت صديقة كريمة عن تفاصيل حادثة الوفاة، في تصريح إذاعي وقالت ان صديقتها توجّهت الى طبيبين للخضوع للعملية، لكنهم رفضوا رغبتها مبرّرين ذلك بأن جسدها لا يحتوي على الدهون ولا يمكن اجراء العملية.
واضافت ان الراحلة قد توجّهت فيما بعد الى طبيبة في إحدى المصحات الخاصة والتي وافقت على اجراء العملية التي دامت حوالي 7 ساعات.
وقالت إنها تفاجأت من طول مدة العملية التي قالت إنها في العادة تستوجب ثلاث ساعات فقط.
وتابعت: "الطاقم الطبي قال ان قلب كريمة قد توقف 3 مرات خلال العملية ولم أستطع مقابلة الطبيبة بعد اعلان وفاة صديقتي".
وفي الثامن عشر من الشهر المنقضي أذنت النيابة العمومية بالمحكمة الابتدائية بتونس لأعوان منطقة الأمن الوطني بالمنزه بالاحتفاظ بطبيبة مختصة في الجراحة من أجل شبهة التسبب في وفاة كريمة الرايس بسبب خطإ طبي أثناء خضوعها لعملية تجميل بالمصحة التي تعمل بها الطبيبة.
البوتوكس الفاسد..
ضحايا البوتوكس الفاسد كثر وسندس واحدة منهن حيث كادت تفقد حياتها بعد أن تعرضت لتشوهات كبيرة بعد أن تلقت حقنا من البوتوكس الفاسد بمركز تجميل يقدم تخفيضات ولا يقدم الكفاءة وقد تسبب لها في تورم حاد بعد مغادرتها مركز التجميل حيث انتفخ وجهها الى حد لم تعد قادرة فيه على فتح عينيها ما استوجب خضوعها الى حصص مطولة من العلاج لدى طبيب آخر.
___
شفط الدهون الحل السحري القاتل
تونس-الصباح
أصبحت عملية شفط الدهون من الجراحات الشائعة حول العالم في الآونة الأخيرة، وذلك لأنها تعتبر حلاً سحرياً في نظر الكثيرين تغنيهم عن تكبد عناء اتباع الأنظمة الغذائية منخفضة السعرات بهدف التخسيس، أو ممارسة التمارين الرياضية الشاقة، فالأمر الآن لم يعد يتطلب سوى قضاء بضعة ساعات داخل أحد المراكز الطبية ليقوم الجراح بإزالة الرواسب الدهنية المتراكمة،لكن الأطباء ينصحون بعدم اللجوء إليها إلا بعد استنزاف كافة المحاولات الأخرى، وذلك لأنها في النهاية عملية جراحية لها آثار إيجابية عديدة ولكنها لا تخلو من المخاطر وهناك مضاعفات عديدة من المحتمل أن تترتب عليها يجب أن تأخذ بعين الاعتبار قبل الإقدام على إجراء الجراحة.
فما هي مخاطر عملية شفط الدهون؟ وما تلك المضاعفات التي قد تنتج عنها؟
مضاعفات ومخاطر عملية شفط الدهون التقليدية
التسمم بمادة الليدوكايين هو أحد مخاطرعملية شفط الدهون المُحتملة، يلجأ الجراحون لتلك المادة باعتبارها مُخدر موضعي فعال، وعند الشروع في إجراء جراحة شفط الدهون يتم ضخ مادة الليدوكايين مع المحلول الملحي أسفل الجلد بالمنطقة المراد إزالة الدهون منها، يبدأ الأمر عادة بالدوار وطنين الأذن، إلا التحاليل الصحية المسبقة ومهارة الطبيب والفريق الطبي المساعد تساعد في تقليل هذه الأعراض وتجنبها.
كذلك من مخاطر عملية شفط الدهون أن المخدر المستخدم بها وهو الليدوكايين قد يتفاعل مع الأدوية العلاجية الأخرى، ومن ثم يُوقف تأثيرها مما قد ينتج عنه أضرارا صحية، ولهذا قبل الدخول إلى غرفة العمليات لابد أن يكون المريض قد أعلم الجرّاح بكل الأمراض التي يعاني منها والأنظمة العلاجية التي يتبعها تفادياً لأعراض غير موغوب فيها.
الانصمام الرئوي..
الانصمام الرئوي هو أحد مخاطر عملية شفط الدهون نادرة الحدوث، وتنتج هذه الحالة عن تسرب الدهون أثناء الجراحة إلى الأوعية الدموية، وبالتالي تسري مع حركة دوران الدم وصولاً إلى الشريان الرئوي فتتسبب في انسداده، كذلك حالة الانسداد أو الانصمام الرئوي قد تنتج عن تخثر أو تجلط الدماء، وتتكون تلك الجلطات في الاساس نتيجة انعدام الحركة أثناء وبعد إجراء الجراحة، ومن المحتمل أن تنتقل من الساق إلى الرئتين وتسد شريانها.
لهذا يراعى البحث جيداً عن الطبيب المناسب والمركز الذي ستجري فيه شفط الدهون مما يقل من الأعراض والمضاعفات الجانبية لهذه العملية، بالإضافة إلى ضرورة الحديث مع الطبيب حول الأدوية التي تتناولها والأمراض المزمنة وغيرها من المعلومات الأساسية.
اضطراب السوائل..
من مخاطر عملية شفط الدهون المحتملة، هو حدوث اضطراب بمستويات السوائل في الجسم ارتفاعاً أوانخفاضاً. فأثناء الجراحة يستنزف الجسم قدر كبير من السوائل التي تخرج مع الدهون المتراكمة بداخله، ويحاول الطبيب إحداث التوازن من خلال إمداد الجسم بكمية كافية من السوائل بواسطة أنبوب وريدي، هذا الإجراء يساعد في عدم اضطراب معدلات السوائل داخل الجسم ومنع تسربها للأوردة.
اضطراب الإحساس..
من مخاطر وأضرار عملية شفط الدهون غير الشائعة، حدوث خلل في إحساس المريض بالمنطقة التي جرت فيها الجراحة، وذلك بفعل السائل المائل للصُفرة الذي يخرج مع الدم أثناء الجراحة ويتجمع في المنطقة التي تمت إزالة الأنسجة منها، ويتسبب في تغير الإحساس بمحيط المنطقة التي أزيلت دهونها، يكون ذلك الاضطراب الحسي إما في صورة تهيج أو صورة برود، بمعنى أنه قد يحول منطقة شفط الدهون بالجسم إلى منطقة مفرطة الحساسية، أو إنها تصبح جزءا ميتا لا يتأثر تماماً وينعدم الإحساس به.
التموجات والأمراض الجلدية..
أحد أضرار عملية شفط الدهون الظاهرية أيضاً، ظهور تموجات غير منتظمة على شكل نتوءات في محيط المنطقة التي سُحبت منها الدهون، وهو أمر يصيب الكثيرين ممن يخضعون لتلك الجراحة بالإحباط، فهم يعتقدون بأن شفط الدهون سيساهم في إخفاء التموجات والنتوءات الجسدية التي كانوا يعانون منها قبل العملية، بينما الحقيقة إن هذه الجراحة قد تزيد الأمر سوءً، بالإضافة إلى أنه من أضرار شفط الدهون أيضاً أنه يُظهر السيلوليت، وهي النتوءات الدقيقة الداكنة التي تُشبه رأس الدبوس، فمن المتوقع أن تزداد وضوحاً وانتشاراً على جلد المنطقة التي سُحبت الدهون منها.
ومن مخاطر عملية شفط الدهون أنها تهدد سلامة الجلد في منطقة العملية، إذ أن الجلد بهذه المنطقة يصبح ميتاً، مما يتسبب في تبدل درجات لونه مع مرور الوقت، كما أن الجلد حين يموت يصبح أكثر قابلية للإصابة بالعدى المكروبية أو الجرثومية، ولهذا يُنصح الشخص الخاضع لجراحة شفط الدهون بمتابعة حالته بصفة دورية مع طبيب الأمراض الجلدية، وذلك لاتخاذ التدابير الطبية والوقاية من العدوى، وكذلك للكشف عنها في وقت مبكر حال وقوع الإصابة.
_____
باحث في الشريعة لـ"الصباح" :
التجميل مباح إذا كان الهدف منه رد الأمر الى أصله
تونس-الصباح
خلق الله الإنسان في أحسن تقويم، وصوره في أحسن صورة وميزه عن الخلق أجمعين، والإنسان بطبعه يحب كل شيء جميل، ولهذا يحرص على أن يظهر بمظهر لائق وشكل جميل متناسق، ولكن قد تقود الإنسان تلك الرغبة الجامحة الملحة إلى إجراء بعض الجراحات في أجزاء جسمه للتجميل دون اعتبار للضوابط الشرعية، والأحكام الفقهية.
وللاشارة فإن الأعمال الجراحية التجميلية في صورها الحديثة جديدة على رجال الشريعة، وغريبة على أبحاثهم، لانها صور لم تكن معروفة بين رجال الشريعة الأوائل، وبين المهتمين بالفقه الشرعي.
ولكن وردت نصوص شرعية كان موضوعها التجميل بشكل عام، وقد حددت الموقف الشرعي تجاه صور من التجميل كانت قائمة يومذاك.
ويرى الباحث في اصول الدين والشريعة الإمام الخطيب كريم شنيبة في تصريح لـ"الصباح" أنه من منظور ديني فإن المسألة تنقسم الى نوعين فهناك ما هو تجميلي بغاية التجميل، وهناك ما هو تجميلي بغاية رد الأمر الى أصله ومثاله الأصل في الانسان أن تكون بيده خمس أصابع ولكن لما يأتي عيب خلقي أن اليد بها أكثر من خمس أصابع فله أن يجري عملية لازالة الاصابع الزائدة لرد الأمر الى أصله حتى يكون مثله مثل باقي الناس، كذلك الأصل في المرأة لها ثدي وإذا ولدت بعيب خلقي فلها أن تقوم بعملية لتكبير ثديها كذلك ما يعرف بـ"الوحمة" أن تكون في مكان ظاهر بالوجه مثلا وتعيب الخلقة فلصاحبها أن يزيلها وكل ما كان من قبيل رد الأمر الى أصله فهو مباح وكل ما كان بغاية تغيير خلق الله لغاية التجميل كتغيير شكل الأنف أو العين أو اللون أو الشفاه أو الخدود أو غيرها فهذا يكون من باب تغيير خلق الله وعدم رضاء بما قدر الله سبحانه وتعالى والذي خلقه في أحسن صورة فهو غير مباح.
______
دكتور في القانون لـ"الصباح":
الطبيب يتحمل المسؤولية الجزائية والمدنية.. ومشروع القانون المتعلق بحقوق المرضى والمسؤولية الطبية اقر مرحلة صلحية
تونس-الصباح
يقول الدكتور في القانون والمساعد الأول لوكيل الجمهورية بالمحكمة الابتدائية بسيدي بوزيد جابر غنيمي في مداخلته لـ"الصباح" حول هذا الموضوع أن المسؤولية يمكن ان تكون أدبية او قانونية.
وأما المسؤولية الأدبية فتتحقق عند مخالفة قاعدة من قواعد الأخلاق بينما تنشأ المسؤولية القانونية عن الأخلاق بقاعدة من قواعد القانون ويترتب عليها جزاء قانوني.
والمسؤولية القانونية نوعان، مسؤولية جزائية وتتمثل في صلاحية الشخص لتحمل الجزاء الجنائي ما يرتكبه من جرائم. والمسؤولية الجزائية لا تقوم إلا بتوفر أركانها وهي الركن المادي (السلوك الإجرامي) والركن الشرعي (النص القانوني المجرم) والركن المعنوي ( القصد الجنائي).
وأما المسؤولية المدنية فهي التزام الشخص بتعويض الضرر الذي لحقه بالغير سواء كان هذا الضرر ماديا او معنويا، والمسؤولية المدنية اما تعاقدية او تقصيرية.
وتكون المسؤولية عقدية عند اخلال الشخص بالتزام تعاقدي اي التزام ناشئ عن العقد.
وتكون المسؤولية تقصيرية عند الاخلال بالتزام قانوني يتمثل في عدم الحاق الضرر بالغير، ومسؤولية تقصيرية عمدية حيث ينص الفصل 82 من مجلة الالتزامات والعقود " من تسبب في ضرر غيره عمدا منه واختيار بلا وجه قانوني سواء كان الضرر حسيا او معنويا فله جبر الضرر الناشئ عن فعله اذا ثبت ان ذلك الفعل هو الموجب للضرر مباشرة ولا عمل بكل شرط يخالف ذلك."
وهناك مسؤولية تقصيرية غير عمدية حيث نص الفصل 83 من مجلة الالتزامات والعقود "من تسبب في مضرة غيره خطا سواء كانت المضرة حسية او معنوية فهو مسؤول بخطئه اذا ثبت انه هو السبب الموجب للمضرة مباشرة، وكل شرط يخالف ذلك لا عمل عليه، والخطأ هو ترك ما وجب فعله او فعل ما وجب تركه بغير قصد الضرر.
والطبيب هو الشخص الذي بامكانه تشخيص المرض والقيام بالعلاج وهو العالم بمجموع المعارف والاجراءات الخاصة بتشخيص وعلاج الامراض او التخفيف منها او باستعادة الصحة وحفظها، كحصوله على مؤهل علمي، فضلا عن ترسيمه بهيكل مهني هو مادة الاطباء وبالوزارة المكلفة بالصحة العمومية سواء كان منصبا للعمل بشكل حر ام منتميا للوظيفة العمومية.
اما من الناحية القانونية فقد نص الفصل 1 من القانون عدد 21 لسنة 1991 المؤرخ في 13 مارس 1991 المتعلق بممارسة مهنتي الطب وطب الاسنان وتنظيمهما حيث تخضع ممارسة مهنة طبيب او طبيب اسنان للشروط التالية:
*ان يكون ممارسها من ذوي الجنسية التونسية.
* ان يكون متحصلا على شهادة دكتور في الطب او دكتور في طب الاسنان او على شهادة معترف بمعادلتها لاحداهما
ان يكون مرسما بجدول عمادة الاطباء او اطباء الاسنان.
والمسؤولية الطبية تعني تحمل تبعات وعواقب الاعمال التي يقوم بها الطبيب في اطار مزاولته لمهنته.
ونظرا الى غياب اطار تشريعي خاص بالمسؤولية الطبية فقد كان لفقه القضاء الدور الهام في رسم حدودها وتأصيل أحكامها في نطاق النظريتين العامتين للمسؤولية المدنية من جهة والجزائية من جهة اخرى وما أثار الكثير من الجدل نظرا لخصوصية مهنة الطبيب.
المسؤولية غير القصدية للطبيب..
الجرائم غير القصدية هي الجرائم الناتجة عن الخطأ غير القصدي المتمثل في القصور او جهل ما كان يلزم معرفته او عدم الاحتياط او عدم التنبيه او التغافل او عدم مراعاة القوانين.
ونجد في الفصول 217 و225 من المجلة الجزائية الاساس القانوني لتجريم الاخطاء الطبية ومعاقبة مرتكبيها.
وينص الفصل 217 من المجلة الجزائية على أنه " يعاقب بالسجن مدة عامين وبخطية قدرها 720 دينارا مرتكب القتل عن غير قصد الواقع او المتسبب من قصور او عدم احتياط او اهمال او عدم تنبه او عدم مراعاة القوانين".
- الفصل 25 من المجلة الجزائية ينص على أنه " يعاقب بالسجن مدة عام وبخطية قدرها 480 دينارا كل من تسبب بقصوره او بجهله ما كانت تلزمه معرفته او عدم احتياطه او عدم تنبهه او تغافله او عدم مراعاته للقوانين في الحاق اضرار بدنية بغيره او يتسبب فيها عن غير قصد".
اركان المسؤولية المدنية..
ترتكز مسؤولية الطبيب المدنية على ثلاثة اركان: الخطأ والضرر والعلاقة السببية بين الخطأ والضرر.
الخطأ الطبي: تقتضي الاحكام العامة في القانون المدني لقيام المسؤولية المدنية ان يحصل خطا كشرط ضروري للمسؤولية المدنية هذا يعني ان الطبيب لا يلتزم بالتعويض الا اذا اثبت الصحية وجود خطا طبي من جانبه.
مشروع القانون المتعلق بحقوق المرضى..
لقد تم اعداد مشروع القانون المتعلق بحقوق المرضى والمسؤولية الطبية وعرف المشرع في هذا المشروع الخطأ الطبي " كل اخلال غير قصدي من مهني الصحة بالتزامه ببذل العناية الواجبة طبقا للاصول والقواعد العلمية المتعارف عليها ووفقا للوسائل المتاحة في حدود وظيفته وتخصصه ومؤهلاته ينتج عنها الحاق ضرر بالمريض"، لكن هذا التعريف حضر مفهوم الخطأ في المسؤولية التعاقدية فقط دون غيرها ضرورة ان التمييز بين الالتزام ببذل عناية والالتزام بتحقيق نتيجة لا يثارالا في اطار المسؤولية التعاقدية وهو ما يؤول الى اقصاء المسؤولية التقصيرية.
الخطأ الطبي للطبيب قد يكون مصدره الاتفاق او العقد بينه وبين المريض او الاخلال بالتزام مصدره نص القانون او التعليمات في المستشفى الذي يعمل فيه الطبيب.
وأوضح الدكتور جابر غنيمي أن فقه القضاء استقر على ان التزام الطبيب يختلف باختلاف مضمون العقد فهو التزام ببذل عناية اذا ما تعلق الأمر بالعلاج في حد ذاته ولكنه التزام بتحقيق نتيجة اذا ما تعلق الامر بتشخيص المرض.
الضرر الطبي..
يعتبر الضرر الطبي ركنا اساسيا في المسؤولية المدنية للطبيب، ويجمع الفقه على تعريف الضرر " الاذى الذي يصيب الشخص من جراء المساس بحق من حقوقه او بمصلحة مشروعة له سواء تعلق ذلك الحق او تلك المصلحة بسلامة جسمه او عاطفته ام بماله ام حريته ام شرفه ام غير ذلك". والضرر الطبي هو كل مساس مادي او معنوي بالمريض يكون نتيجة التدخل الطبي ويرتب حقا في التعويض.
الضرر المادي: يعتبر ضررا ماديا كل ضرر يمس الشخص في جسمه او في ماله.
ويميز الفقهاء بين الاصابة الجسدية المؤدية الى ازهاق الروح وبين تلك التي تمس الحق في السلامة الجسدية دون ازهاق الروح.
ويعد ضررا ماليا على المستوى الطبي ما يصيب المريض في ذمته المالية من خسارة اذ ان كل ما لحقه من خسارة مالية كمصاريف العلاج والادوية واجراء العمليات الجراحية وكذلك دفع مبلغ مالي نظير اقامته بالمستشقى وغير ذلك تعتبر خسارة على كاهل المريض واضرار يتحملها الطبيب.
الضرر المعنوي: يعتبر ضررا معنويا كل ضرر يلحق الشخص في حقوقه غير المالية ولا في سلامته الجسديه وانما يصيبه في كرامته او شعوره او شرفه او عاطفته. وهو طبيا الذي يصيب المريض في شعوره واحساسيه نتيجة الالام والمعاناة الناتجة عن انتهاك سلامته الجسدية ومستواه الصحي بسبب خطا الطبيب وتترافق الآلام الجسدية والنفسية من خلال ظهور التشوهات والندب والعجز في اعضاء الجسم وقد تكون لها انعكاسات على الجانب الجمالي.
ومن الاضرار المعنوية حرمان المريض من متع الدنيا ومباهحها كما لو اصاب الطبيب بخطئه ساق مريضة او اعضاء الانجاب.
ج- العلاقة السببية بين الخطأ والضرر: وهي ان يكون الفعل موصلا الى نتيجة الضرر.
فبمجرد اثبات المريض المتضرر العلاقة السببية بين خطإ الطبيب والضرر اللاحق به يتولد في ذمته حقا في التعويض.
الفقرة الثانية: أثار قيام المسؤولية المدنية للطبيب.
التعويض..
ان الحصول على التعويض يقتضي رفع دعوى في التعويض امام المحاكم المختصة وتقوم هذه الأخيرة بتقدير مدى ثبوت هذا الحق ونطاقه.
دعوى التعويض..
في اطار الاحكام العامة يقوم المريض في اطار المسؤولية الطبية برفع الدعوى امام المحكمة المختصة وقد يكون المدعي ايضا ورثة المريض في حالة وفاته.
ودعوى التعويض هي دعوى غير مقدرة وعملا باحكام الفصل 40 من مجلة المرافعات المدنية والتجارية فهي من اختصاص المحكمة الابتدائية الكائن بدائرتها مقر اقامة الطبيب.
وتجدر الاشارة الى ان مشروع القانون المتعلق بحقوق المرضى والمسؤولية الطبية اقر مرحلة صلحية وجوبا قبل التقاضي بشان المسؤولية الطبية.
وورد بالفقرة الثانية من الفصل 54 من المشروع انه "يحال وجوبا مهني الصحة من قبل وكيل الجمهورية لدى المحكمة الابتدائية المختصة ترابيا على قاضي التحقيق الذي يتولى بحثه في موضوع التتبع".
تقدير التعويض..
لقد تعرض المشرع التونسي الى مسألة التعويض الكامل بالفصلين 278 من مجلة الالتزامات والعقود المتعلق بالمسؤولية العقدية و107من مجلة الالتزامات والعقود المتعلق بالمسؤولية التقصيرية اين تحدث عن التعويض عن الخسارة اللاحقة والربح الفائت، وهو امر اكدته محكمة التعقيب في العديد من قرارتها.
الفصل 278 من مجلة الالتزامات والعقود" الخسارة عبارة عما نقض من مال الدائن حقيقة وعما فاته من الربح من جراء عدم الوفاء بالعقد، واعتبار الاحوال الخاصة بكل نازلة موكولة لحكمة المجلس وعليه ان يقدر الخسارة ويجعل فيها تفاوتا بحسب خطا المدين او تدليسه".
الفصل 107 من مجلة الالتزامات والعقود:" الخسارة الناشئة عن جنحة اوما ينزل منزلتها تشمل ما تلف حقيقة لطالبها وما صرفه او لابد ان يصرفه لتدارك الفعل المضر به والارباح المعتادة التي حرم منها بسبب ذلك الفعل. وتقدير الخسارة من المجلس القضائي يختلف باختلاف سبب الضرر من كونه تغريرا أو خطا".
وللمريض ان يتحصل على مبلغ التعويض من الطبيب مباشرة بصفته المسؤول المباشر او من غيره بصفة هذا الاخير مسؤول غير مباشر.
التعويض المباشر من الطبيب..
يتولد الحق في التعويض في ذمة المتضرر مع اكتمال شروط تحقق المسؤولية ويقوم الطبيب بالتعويض المباشر من ذمته المالية لمسؤوليته عن الاضرار الحاصلة للمريض.
ومبدئيا يلزم الطبيب باعادة الحال على ما كان عليه قبل تدخله ومساسه بحرمة المريض ولا يحكم القاضي بالتعويض العيني الا اذا كان التنفيذ العيني مستحيلا.
ويتمتع القاضي بسلطة تقديرية في تحديد مبلغ التعويض اخذا بعين الاعتبار عناصرعديدة منها نوع الاصابة وسببها وسن المريض وظروفه الشخصية والعائلية والاجتماعية.
التعويض غير المباشر للطبيب..
لا يمكن للطبيب المخطئ في حق مريضه التخلص من مسؤوليته في التعويض غير انه في صورة التامين الطبي يكون التعويض غير مباشر .
وفي حالة التامين يكون المؤمن لديه ملزما بدفع مبلغ التعويض المحكوم به من طرف المحكمة للمتضرر من خطا الطبيب، ويكون التعويض في هذه الحالة غير مباشر باعتباره يؤخذ من شركة التامين.
اما اذا كان الخطأ المرتكب من طرف طبيب بمستشفى عمومي فان الدولة ممثلة في وزارة الصحة العمومية هي التي تتكفل بالتعويض.
ويذكر ان مشروع قانون حقوق المرضى والمسؤولية الطبية نص على احداث صندوق للتعويضات للمتضررين من خدمات القطاع الخاص او القطاع العام.
_____
باحث في علم الإجتماع لـ"الصباح":
العولمة صنعت شخصيات معلبة وجاهزة للبيع..والهوس بعمليات التجميل يناسب الجماهير المتعطشة للتشبه برموز هذا المجتمع الاستهلاكي الفرجوي
تونس-الصباح
يقول الباحث في علم الاجتماع ممدوح عز الدين إنه إذا ما أردنا رصد وتشخيص كل ما يتعلق بعمليات التجميل في تونس وتبعاتها، نلاحظ أولا أن عمليات التجميل أمست مغامرة محفوفة بالمخاطر وثانيا ارتفاع منسوب الهوس بهذه العمليات وثالثا الفوضى التي يشهدها هذا القطاع وكثرة الدخلاء.
فعلى الرغم من التحذيرات المتعلقة بالمخاطر المصاحبة لعمليات التجميل، تحظى الإجراءات التجميلية بدرجاتها بشعبية متزايدة رغم أن الكثير من الدراسات العلمية تعتبرها مغامرة خطيرة غير مضمونة النتائج كما أنه من الصعب على المرضى الحصول على تعويض مناسب عن سوء الممارسة في العديد من الدول.
من أهم الابحاث العلمية التي حذرت من مخاطر هذه العمليات دراسة اجرتها مجموعة من الباحثين في مستشفى جامعة زيورخ عام 2016بعنوان"مضاعفات جراحات التجميل"وكتاب للدكتور ديفيد رحيمي عنوانه " رجاءً لا تموتي وأنت تحاولين التجميل"
" Please don't die trying to become beautiful"
صدر سنة 2010 ومن أهم المخاطر التي تشير إليها هذه الدراسات والتي تتسبب فيها العمليات الجراحية التجميلية جلطات الدم، بعض الندبات والكدمات ،التورم، انهيار العضلات، نزيف حاد ، تلف العصب ، تأخرالشفاء، الالتهابات مثل الالتهاب الرئوي والمخاطر الناتجة عن التخدير مثل (الصدمة والفشل التنفسي وردود الأفعال التحسسية والسكتة القليبة).
بين محدثنا أن الدراسات تشير الى أن 70بالمائة من عمليات التجميل ليست ضرورية ومع ذلك نجد هوسا متعاظما بهذه العمليات خاصة لدى الأشخاص الذين تتراوح أعمارهم بين23 و38 عاما سعيا منهم للظهور بمظهر الشباب الدائم وتجنب الظهور بمظهر الكهل أو المسن بما أن النزعة الشبابية عنوان المجتمع الاستهلاكي الحديث.
وأوضح الباحث في علم الاجتماع ممدوح عز الدين أن هوس عمليات التجميل اضطراب سلوكي يجعل الشخص يرغب في تغيير مظهره باستمرار، من خلال الخضوع لجراحة تجميلية قد يتسبب في إنفاق شخص للكثير من ماله على عمليات التجميل وكلها لا تجعله في النهاية أكثر سعادة.
وهناك بعض الافراد الذين لا يريحهم أي قدر من العمليات التجميلية أو يتطابق مع صورة الكمال الموجودة في مخيلتهم ،وهذا هو الوقت الذي يتطور فيه الإدمان كما تزداد معدلات هوس عمليات التجميل كلما اصبحت أكثر شيوعا واسعارها أكثر معقولية إذ يندم الكثير من الاشخاص الذين خضعوا للجراحة التجميلية لأنهم غير راضين عن أنفسهم ، ويخضع آخرون للمزيد من العمليات لتصحيح الحالات السابقة وقد تؤدي المبالغة في إجراء هذه العمليات الى مظهر عام غير طبيعي وغريب.
في النهاية يبدأ الشخص في هيكلة حياته حول عمليات التجميل القادمة والاعتماد عليها كمصدر لتقدير ذاته وعندما يصل الشخص الى هذه النقطة من الإدمان لن يكون قادرا على التوقف عن إجراء هذه العمليات.
من ناحية أخرى فإنه مع انتشار عمليات التجميل في تونس كثرت الحاجة الى تنظيم قطاع التجميل بسبب كثرة " الدخلاء" ما يهدد صحة المواطنين، كما يساهم نقص التشريعات المتعلقة بطب التجميل في زيادة نسبة الفوضى التي بدأت تؤثر بهذا القطاع ،على الرغم من جهود الهيئة الوطنية للاختصاصات الطبية في السعي الى تنظيم طب التجميل وحمايته من الدخلاء الذين يعلنون خدماتهم عبر وسائل التواصل الاجتماعي على غرار " انستغرام"و" فايسبوك" مستغلين ميل الناس الى تحسين مظهرهم بأقل كلفة ممكنة.
أطباء ومتطببين..
إن عدد الاطباء المتخصصين في طب التجميل في تونس يبلغ 100 طبيب أما الاطباء الذين يمارسون هذه المهنة يبلغ 300 طبيب من غير الحاصلين على شهادة في الاختصاص في حين تشهد بلادنا أكثر من 150 ألف عملية تجميل سنويا بطريقة شرعية أم غير شرعية في ظل غياب نصوص قانونية واضحة تحدد شروط هذه المهنة مع العلم ان تونس تحتل المرتبة الثانية إفريقيا في مجال جراحة التجميل بعد جنوب إفريقيا وتستقطب اعدادا كبيرة من الاوروبيين الذين يزورون البلاد في إطار ما يسمى " السياحة التجميلية" مما يجعل مطلب تنظيم القطاع مطلبا استعجاليا وضروريا لضمان صحة المواطنين وسمعة البلاد وتحقيق التنمية.
ويبقى السؤال المطروح: كيف نفهم هذه الظاهرة ونعالجها بعمق؟ وما هي البراديغمات العلمية التي تقودنا الى الإجابة ؟
في تصوري لا بد من الاعتماد في التحليل على الخطوات التالية:
أولا:_ اعتماد براديغم السوق والثقافة الاستهلاكية وسلعنة الجسد.
ثانيا:_ إعتماد براديغم الاتصال وهيمنة ثقافة الصورة و"مجتمع الفرجة".
ثالثا:_ هيمنة الشكلي على اللاشكلي.
بداية لا بد من التنبيه أن المجتمعات المعاصرة هي مجتمعات ما بعد صناعية ، مبرمجة، محكومة بالتوسع المدمر للسوق ، وطغيان هاجس الربح المادي وسيطرة المال على أحاسيس الناس وتفكيرهم بما يجعل المجتمع بأسره يسير الى حلقة السوق ويربط وجود الإنسان بالاستهلاك والسلع وتحقيق المنفعة واللذة والتراكم والتبديد، انه انسان متسلع متشيء قابل لعمليات البرمجة والتنميط.
ويضيف محدثنا أنه في مجتمعنا اليوم أصبح مفهوم الجمال مفهوما تصنعه شركات الاعلان الاشهارية ودور الموضة ووسائل الاعلام والسنما ووسائل التواصل الاجتماعي حيث يعتقد كثير من الناس أن النجاح الاجتماعي يتطلب امتلاك جسم جميل يحاكي اجسام المشاهير في السينما والتلفزيون والرياضة.
العولمة والمجتمع الاستهلاكي..
لقد ادت العولمة الى الرفع في سقف الانتظارات الاستهلاكية لدى التونسي مقابل محدودية إمكانياته واصبح الاستهلاك نمط حياة ومكانة اجتماعية مع إيجاد مشهد تسويقي يصنع رأيا عاما يقوم على الدعاية والاشهار والموضة وهوس الاستهلاك والمبالغة في البذخ والاسراف والتبذبر، اضافة الى هيمنة الصورة التي يريد تسويقها عن نفسه حيث يثبت ذاته بأن يصبح محل انظار الاخرين، لذلك أصبحت السلوكات الاجتماعية مرتبطة بالمشهدية والفرجة ومسرحة الافعال الاجتماعية ومن هنا نفهم سبب الإدمان على عمليات التجميل رغم خطورتها لأنها بالنسبة لمن يمارسها عنوان النجاح في هذا المجتمع الاستهلاكي الفرجوي.
يمكن أن نقول اننا وبطريقة " كاريكاتورية"ننغمس في عالم "الفرجة"، نقدم رغبتنا في أن يرانا الاخرون على رغبتنا في أن نعيش حياتنا كما نريد ، وهكذا نفضل الزيف على الحقيقة ، نفضل أن نرهق أعمارنا في نسج خيوط من الوهم لحياة لا تخصنا في الأصل لنبهر بها آخرين لا نعرفهم ولا يعرفوننا.
لقد نجحت وسائل التواصل الاجتماعي بصفة عجائبية في إقناع البشرية بهكذا ثقافة تكرس الاغتراب والاستلاب على ان يفقد الإنسان ذاته الاصيلة ويتحول الى كائن هلامي سهل الانقياد والتشكيل بحسب هوى الجمهور الافتراضي الخاص به..لقد تمكنت الثقافة النيوليبرالية المتوحشة من تسليع كل شيء وتحويله الى منتج تسعى لتسويقه بشتى السبل حتى غدت مواضيع كالامومة والحب والصداقة مجرد أدوات تسويقية فارغة من كل قيمة ومعنى.
الإنسان نفسه في هذا العصر صار موضوعا لهذا التسليع ،حيث يتم الترويج لشخصيات معلبة وجاهزة للبيع وهذا يبرز بوضوح في عمليات التجميل التي تبيعك وجها جميلا يناسب الجماهير المتعطشة للتشبه مع رموز هذا المجتمع الاستهلاكي الفرجوي من مغنيات وفنانات مشهورات بل التشبه مع دمية " باربي" ذائعة الصيت، ولا يقتصر الأمر على شيوع ظاهرة التشابه ، بل تشمل السعي الحثيث لتغيير ملامح الوجه مرارا تبعا لتغيير معايير الجمال من سنة الى أخرى على نحو ما تتغير صيحات الموضة في عالم الموضة.
في الستينات من القرن العشرين تحدث عالم الاجتماع الفرنسي "جي ديبور" عن هذه الوضعية في كتابه " مجتمع الاستعراض" إذ يقول " لا شك أن عصرنا..يفضل الصورة على الشيء، النسخة على الاصل ،التمثيل على الواقع..وما هو مقدس بالنسبة له ليس سوى الوهم ،اما ما هو مدنس فهي الحقيقة.."
ثم لا بد أن نؤكد على نزيف الموازي ودوره الجارف في تونس، فأكبر حرب تخوضها بلادنا اليوم هي حرب استقلال الرسمي على الموازي واستقلال الشكلي على اللاشكلي ، ومن الغباء المراهنة فقط على الامن والقضاء فحسب عملا بمقولة عالم الاجتماع الفرنسي "اميل دوركايم" نحن لا نرفض الفعل لأنه جرمي وإنما هو جرمي لأننا نرفضه" بالتالي يجب أن تكون هناك أسبقية للرفض المجتمعي على الرفض القضائي واستنفار كل القوى لمواجهة كل ما يؤدي الى مزيد تفكيك المجتمع وانهياره مع ضرورة التحلي بعقلية جماعية جيدة لإدارة الأزمات.
ختاما تتطلب مواجهة هذه الظاهرة ومعالجة اثارها اولا بوضع اطار تشريعي ينظم القطاع ويتصدى للدخلاء وثانيا من خلال العلاج النفسي السلوكي الذي يركز على ان يتعلم الشخص كيفية الشعور بالرضا عن نفسه وقبول هويته والفخر بما هو قادر على انجازه فجمال الشكل مٱله أن يتلاشى ولو طال الزمن ولكن الحقيقة لا تختفي ابدا.
* أكثر من 150 ألف شخص يقدمون على عمليات التجميل سنويا
*شفط الدهون الحل القاتل
*تونس تحتل المرتبة الثانية إفريقيا في مجال جراحة التجميل
70*بالمائة من عمليات التجميل ليست ضرورية
تونس-الصباح
البطن المسطح، الأنف المذبب، الخصر المنحوت، الشفاه الممتلئة سمات الجمال التي تغنى بها الشعراء، وقد لا يسعف الحظ كل النساء ليأتين الى هذا العالم بكل هذه السمات بشكل رباني فيتهافتن على عيادات طب التجميل للحصول على الجمال الكامل والجسم المثالي، ولم يعد الهوس بالشكل الخارجي مقتصرا على المشاهير الذين يراهنون عليه للبقاء تحت الأضواء مدة أطول ولكن انتقل الى غير المشاهير والناشطين على منصات "التيك توك" و"الانستغرام" وبعض المواقع الأخرى، فتتوجه الفتاة العادية الى مصحة طب التجميل وتطلب من طبيبها "أنف نانسي" أو "خصر هيفاء" وربما قوام "كيم كارداشيان" وشفاه "انجيلينا جولي" ظنا منها أن الطبيب بيده عصا سحرية لإخفاء كل عيوبها، فتتوجه عن طواعية الى الطبيب أو الى مركز للتجميل لتغادره مباشرة الى المشرحة وفي أحسن الأحوال تغادر بتشوهات وعاهات يعجز بعدها أمهر الأطباء عن إعادتها الى شكلها الأول.
لائحة الضحايا طويلة، وأغلبهن من الفتيات اللواتي حلمن بالجسد المثالي قبل أن يفارقن الحياة في غفلة منهن وأخريات تقدم بهن العمر فحلمن بإعادة عقارب الساعة الى الوراء لاستعادة الشباب علهن يخبرنه ما فعله بهن المشيب، ولكن هيهات فمشرط الجراح خيب أمل البعض منهن وفقدن حياتهن في إحدى غرف العمليات الخاصة بالتجميل أو غادرن المصحة بتشوهات منعتهن حتى من مقابلة الناس بوجه مكشوف.
وتشهد تونس أكثر من 150 ألف عملية تجميل سنوياً، منها عمليات شفط الدهون، وتقويم الأنف، وانتشرت في السنوات الأخيرة عمليات شد الصدر والبطن والرقبة والوجنتين والجفون وتقويم الأسنان وزراعة الشعر ولكن الكثير من العمليات تنتهي بتشوهات كبيرة أو بوفاة "المريض".
"الصباح" سلطت الضوء على موضوع الأخطاء الطبية التجميلية التي باتت تنهي حياة الحالمين بالجمال المثالي أمام انتشار مراكز تجميل يفتقر أصحابها الى الكفاءة والخبرة..
إعداد: مفيدة القيزاني
ضحايا "المشىرط"..
"ريتا" امرأة أربعينية أم لأطفال زاد وزنها كثيرا بعد الولادة وباتت غير متصالحة مع جسدها كلما نظرت اليه في المرآة وبتشجيع من عائلتها وأصدقائها اقتطعت تذكرة وقدمت الى بلادنا لإجراء عملية شفط دهون باعتبار التكلفة أقل لكنها فارقت الحياة أثناء العملية.
" مارغريت" امرأة فرنسية قدمت الى بلانا لإجراء عملية شفط دهون وأثارت وفاتها جدلا كبيرا على مواقع التواصل الاجتماعي، خاصة وأنّ العائلة قرّرت رفع قضية ضد المصحة، كما أنّ هذا الملف تمّت إثارته في فرنسا حيت تمّ توجيه أصابع الاتهام للاطار الطبي التونسي.
وكانت المصحة أوضحت حينها أن هناك عدة مغالطات حول ملف وفاة الشابة الفرنسية"مارغريت" التي تبلغ من العمر 29 سنة، وأنّه لم يكن سبب وفاة هذه الفتاة ناجم عن شفط الدهون وأن السائحة الفرنسية طلبت وضع الدهون المصفاة والتي تمّ شفطها في مناطق أخرى من جسدها وأدت إلى انسداد في شرايين الرئة وقد حاول الفريق الطبي إنقاذ الفتاة بالقيام بعملية قلب مفتوح.
وأوضّح أحد الأطباء حينها أنّ عملية إعادة الدهون إلى بعض المناطق بالجسم تؤدي في بعض الحالات إلى تعكرات، حيث أنّه في كل الحالات يقوم الحرفاء بإمضاء وثيقة يقرون فيها أنّهم على علم أنّ بعض أنواع العمليات فيها خطر على حياتهم.
وفاة الشابة كريمة الرايس..
الضحية كريمة الرايس نزلت الى تونس بعد أن كانت متواجدة بالخارج للقيام باجراءات وتحضيرات زفافها وبتاريخ يوم 24 نوفمبر 2021 توجهت الى احدى المصحات بالمركز العمراني الشمالي للقيام بعملية شفط الدهون الا أنها توفيت وتحول زفافها الى مأتم.
وأثار وفاة الشابة كريمة الرايس، خلال إجرائها لعملية تجميل بإحدى المصحات الخاصة جدلا كبيرا على وسائل التواصل الاجتماعي خاصة بعد تكرر هذه الحادثة أكثر من مرة في بلادنا.
وتحدّثت صديقة كريمة عن تفاصيل حادثة الوفاة، في تصريح إذاعي وقالت ان صديقتها توجّهت الى طبيبين للخضوع للعملية، لكنهم رفضوا رغبتها مبرّرين ذلك بأن جسدها لا يحتوي على الدهون ولا يمكن اجراء العملية.
واضافت ان الراحلة قد توجّهت فيما بعد الى طبيبة في إحدى المصحات الخاصة والتي وافقت على اجراء العملية التي دامت حوالي 7 ساعات.
وقالت إنها تفاجأت من طول مدة العملية التي قالت إنها في العادة تستوجب ثلاث ساعات فقط.
وتابعت: "الطاقم الطبي قال ان قلب كريمة قد توقف 3 مرات خلال العملية ولم أستطع مقابلة الطبيبة بعد اعلان وفاة صديقتي".
وفي الثامن عشر من الشهر المنقضي أذنت النيابة العمومية بالمحكمة الابتدائية بتونس لأعوان منطقة الأمن الوطني بالمنزه بالاحتفاظ بطبيبة مختصة في الجراحة من أجل شبهة التسبب في وفاة كريمة الرايس بسبب خطإ طبي أثناء خضوعها لعملية تجميل بالمصحة التي تعمل بها الطبيبة.
البوتوكس الفاسد..
ضحايا البوتوكس الفاسد كثر وسندس واحدة منهن حيث كادت تفقد حياتها بعد أن تعرضت لتشوهات كبيرة بعد أن تلقت حقنا من البوتوكس الفاسد بمركز تجميل يقدم تخفيضات ولا يقدم الكفاءة وقد تسبب لها في تورم حاد بعد مغادرتها مركز التجميل حيث انتفخ وجهها الى حد لم تعد قادرة فيه على فتح عينيها ما استوجب خضوعها الى حصص مطولة من العلاج لدى طبيب آخر.
___
شفط الدهون الحل السحري القاتل
تونس-الصباح
أصبحت عملية شفط الدهون من الجراحات الشائعة حول العالم في الآونة الأخيرة، وذلك لأنها تعتبر حلاً سحرياً في نظر الكثيرين تغنيهم عن تكبد عناء اتباع الأنظمة الغذائية منخفضة السعرات بهدف التخسيس، أو ممارسة التمارين الرياضية الشاقة، فالأمر الآن لم يعد يتطلب سوى قضاء بضعة ساعات داخل أحد المراكز الطبية ليقوم الجراح بإزالة الرواسب الدهنية المتراكمة،لكن الأطباء ينصحون بعدم اللجوء إليها إلا بعد استنزاف كافة المحاولات الأخرى، وذلك لأنها في النهاية عملية جراحية لها آثار إيجابية عديدة ولكنها لا تخلو من المخاطر وهناك مضاعفات عديدة من المحتمل أن تترتب عليها يجب أن تأخذ بعين الاعتبار قبل الإقدام على إجراء الجراحة.
فما هي مخاطر عملية شفط الدهون؟ وما تلك المضاعفات التي قد تنتج عنها؟
مضاعفات ومخاطر عملية شفط الدهون التقليدية
التسمم بمادة الليدوكايين هو أحد مخاطرعملية شفط الدهون المُحتملة، يلجأ الجراحون لتلك المادة باعتبارها مُخدر موضعي فعال، وعند الشروع في إجراء جراحة شفط الدهون يتم ضخ مادة الليدوكايين مع المحلول الملحي أسفل الجلد بالمنطقة المراد إزالة الدهون منها، يبدأ الأمر عادة بالدوار وطنين الأذن، إلا التحاليل الصحية المسبقة ومهارة الطبيب والفريق الطبي المساعد تساعد في تقليل هذه الأعراض وتجنبها.
كذلك من مخاطر عملية شفط الدهون أن المخدر المستخدم بها وهو الليدوكايين قد يتفاعل مع الأدوية العلاجية الأخرى، ومن ثم يُوقف تأثيرها مما قد ينتج عنه أضرارا صحية، ولهذا قبل الدخول إلى غرفة العمليات لابد أن يكون المريض قد أعلم الجرّاح بكل الأمراض التي يعاني منها والأنظمة العلاجية التي يتبعها تفادياً لأعراض غير موغوب فيها.
الانصمام الرئوي..
الانصمام الرئوي هو أحد مخاطر عملية شفط الدهون نادرة الحدوث، وتنتج هذه الحالة عن تسرب الدهون أثناء الجراحة إلى الأوعية الدموية، وبالتالي تسري مع حركة دوران الدم وصولاً إلى الشريان الرئوي فتتسبب في انسداده، كذلك حالة الانسداد أو الانصمام الرئوي قد تنتج عن تخثر أو تجلط الدماء، وتتكون تلك الجلطات في الاساس نتيجة انعدام الحركة أثناء وبعد إجراء الجراحة، ومن المحتمل أن تنتقل من الساق إلى الرئتين وتسد شريانها.
لهذا يراعى البحث جيداً عن الطبيب المناسب والمركز الذي ستجري فيه شفط الدهون مما يقل من الأعراض والمضاعفات الجانبية لهذه العملية، بالإضافة إلى ضرورة الحديث مع الطبيب حول الأدوية التي تتناولها والأمراض المزمنة وغيرها من المعلومات الأساسية.
اضطراب السوائل..
من مخاطر عملية شفط الدهون المحتملة، هو حدوث اضطراب بمستويات السوائل في الجسم ارتفاعاً أوانخفاضاً. فأثناء الجراحة يستنزف الجسم قدر كبير من السوائل التي تخرج مع الدهون المتراكمة بداخله، ويحاول الطبيب إحداث التوازن من خلال إمداد الجسم بكمية كافية من السوائل بواسطة أنبوب وريدي، هذا الإجراء يساعد في عدم اضطراب معدلات السوائل داخل الجسم ومنع تسربها للأوردة.
اضطراب الإحساس..
من مخاطر وأضرار عملية شفط الدهون غير الشائعة، حدوث خلل في إحساس المريض بالمنطقة التي جرت فيها الجراحة، وذلك بفعل السائل المائل للصُفرة الذي يخرج مع الدم أثناء الجراحة ويتجمع في المنطقة التي تمت إزالة الأنسجة منها، ويتسبب في تغير الإحساس بمحيط المنطقة التي أزيلت دهونها، يكون ذلك الاضطراب الحسي إما في صورة تهيج أو صورة برود، بمعنى أنه قد يحول منطقة شفط الدهون بالجسم إلى منطقة مفرطة الحساسية، أو إنها تصبح جزءا ميتا لا يتأثر تماماً وينعدم الإحساس به.
التموجات والأمراض الجلدية..
أحد أضرار عملية شفط الدهون الظاهرية أيضاً، ظهور تموجات غير منتظمة على شكل نتوءات في محيط المنطقة التي سُحبت منها الدهون، وهو أمر يصيب الكثيرين ممن يخضعون لتلك الجراحة بالإحباط، فهم يعتقدون بأن شفط الدهون سيساهم في إخفاء التموجات والنتوءات الجسدية التي كانوا يعانون منها قبل العملية، بينما الحقيقة إن هذه الجراحة قد تزيد الأمر سوءً، بالإضافة إلى أنه من أضرار شفط الدهون أيضاً أنه يُظهر السيلوليت، وهي النتوءات الدقيقة الداكنة التي تُشبه رأس الدبوس، فمن المتوقع أن تزداد وضوحاً وانتشاراً على جلد المنطقة التي سُحبت الدهون منها.
ومن مخاطر عملية شفط الدهون أنها تهدد سلامة الجلد في منطقة العملية، إذ أن الجلد بهذه المنطقة يصبح ميتاً، مما يتسبب في تبدل درجات لونه مع مرور الوقت، كما أن الجلد حين يموت يصبح أكثر قابلية للإصابة بالعدى المكروبية أو الجرثومية، ولهذا يُنصح الشخص الخاضع لجراحة شفط الدهون بمتابعة حالته بصفة دورية مع طبيب الأمراض الجلدية، وذلك لاتخاذ التدابير الطبية والوقاية من العدوى، وكذلك للكشف عنها في وقت مبكر حال وقوع الإصابة.
_____
باحث في الشريعة لـ"الصباح" :
التجميل مباح إذا كان الهدف منه رد الأمر الى أصله
تونس-الصباح
خلق الله الإنسان في أحسن تقويم، وصوره في أحسن صورة وميزه عن الخلق أجمعين، والإنسان بطبعه يحب كل شيء جميل، ولهذا يحرص على أن يظهر بمظهر لائق وشكل جميل متناسق، ولكن قد تقود الإنسان تلك الرغبة الجامحة الملحة إلى إجراء بعض الجراحات في أجزاء جسمه للتجميل دون اعتبار للضوابط الشرعية، والأحكام الفقهية.
وللاشارة فإن الأعمال الجراحية التجميلية في صورها الحديثة جديدة على رجال الشريعة، وغريبة على أبحاثهم، لانها صور لم تكن معروفة بين رجال الشريعة الأوائل، وبين المهتمين بالفقه الشرعي.
ولكن وردت نصوص شرعية كان موضوعها التجميل بشكل عام، وقد حددت الموقف الشرعي تجاه صور من التجميل كانت قائمة يومذاك.
ويرى الباحث في اصول الدين والشريعة الإمام الخطيب كريم شنيبة في تصريح لـ"الصباح" أنه من منظور ديني فإن المسألة تنقسم الى نوعين فهناك ما هو تجميلي بغاية التجميل، وهناك ما هو تجميلي بغاية رد الأمر الى أصله ومثاله الأصل في الانسان أن تكون بيده خمس أصابع ولكن لما يأتي عيب خلقي أن اليد بها أكثر من خمس أصابع فله أن يجري عملية لازالة الاصابع الزائدة لرد الأمر الى أصله حتى يكون مثله مثل باقي الناس، كذلك الأصل في المرأة لها ثدي وإذا ولدت بعيب خلقي فلها أن تقوم بعملية لتكبير ثديها كذلك ما يعرف بـ"الوحمة" أن تكون في مكان ظاهر بالوجه مثلا وتعيب الخلقة فلصاحبها أن يزيلها وكل ما كان من قبيل رد الأمر الى أصله فهو مباح وكل ما كان بغاية تغيير خلق الله لغاية التجميل كتغيير شكل الأنف أو العين أو اللون أو الشفاه أو الخدود أو غيرها فهذا يكون من باب تغيير خلق الله وعدم رضاء بما قدر الله سبحانه وتعالى والذي خلقه في أحسن صورة فهو غير مباح.
______
دكتور في القانون لـ"الصباح":
الطبيب يتحمل المسؤولية الجزائية والمدنية.. ومشروع القانون المتعلق بحقوق المرضى والمسؤولية الطبية اقر مرحلة صلحية
تونس-الصباح
يقول الدكتور في القانون والمساعد الأول لوكيل الجمهورية بالمحكمة الابتدائية بسيدي بوزيد جابر غنيمي في مداخلته لـ"الصباح" حول هذا الموضوع أن المسؤولية يمكن ان تكون أدبية او قانونية.
وأما المسؤولية الأدبية فتتحقق عند مخالفة قاعدة من قواعد الأخلاق بينما تنشأ المسؤولية القانونية عن الأخلاق بقاعدة من قواعد القانون ويترتب عليها جزاء قانوني.
والمسؤولية القانونية نوعان، مسؤولية جزائية وتتمثل في صلاحية الشخص لتحمل الجزاء الجنائي ما يرتكبه من جرائم. والمسؤولية الجزائية لا تقوم إلا بتوفر أركانها وهي الركن المادي (السلوك الإجرامي) والركن الشرعي (النص القانوني المجرم) والركن المعنوي ( القصد الجنائي).
وأما المسؤولية المدنية فهي التزام الشخص بتعويض الضرر الذي لحقه بالغير سواء كان هذا الضرر ماديا او معنويا، والمسؤولية المدنية اما تعاقدية او تقصيرية.
وتكون المسؤولية عقدية عند اخلال الشخص بالتزام تعاقدي اي التزام ناشئ عن العقد.
وتكون المسؤولية تقصيرية عند الاخلال بالتزام قانوني يتمثل في عدم الحاق الضرر بالغير، ومسؤولية تقصيرية عمدية حيث ينص الفصل 82 من مجلة الالتزامات والعقود " من تسبب في ضرر غيره عمدا منه واختيار بلا وجه قانوني سواء كان الضرر حسيا او معنويا فله جبر الضرر الناشئ عن فعله اذا ثبت ان ذلك الفعل هو الموجب للضرر مباشرة ولا عمل بكل شرط يخالف ذلك."
وهناك مسؤولية تقصيرية غير عمدية حيث نص الفصل 83 من مجلة الالتزامات والعقود "من تسبب في مضرة غيره خطا سواء كانت المضرة حسية او معنوية فهو مسؤول بخطئه اذا ثبت انه هو السبب الموجب للمضرة مباشرة، وكل شرط يخالف ذلك لا عمل عليه، والخطأ هو ترك ما وجب فعله او فعل ما وجب تركه بغير قصد الضرر.
والطبيب هو الشخص الذي بامكانه تشخيص المرض والقيام بالعلاج وهو العالم بمجموع المعارف والاجراءات الخاصة بتشخيص وعلاج الامراض او التخفيف منها او باستعادة الصحة وحفظها، كحصوله على مؤهل علمي، فضلا عن ترسيمه بهيكل مهني هو مادة الاطباء وبالوزارة المكلفة بالصحة العمومية سواء كان منصبا للعمل بشكل حر ام منتميا للوظيفة العمومية.
اما من الناحية القانونية فقد نص الفصل 1 من القانون عدد 21 لسنة 1991 المؤرخ في 13 مارس 1991 المتعلق بممارسة مهنتي الطب وطب الاسنان وتنظيمهما حيث تخضع ممارسة مهنة طبيب او طبيب اسنان للشروط التالية:
*ان يكون ممارسها من ذوي الجنسية التونسية.
* ان يكون متحصلا على شهادة دكتور في الطب او دكتور في طب الاسنان او على شهادة معترف بمعادلتها لاحداهما
ان يكون مرسما بجدول عمادة الاطباء او اطباء الاسنان.
والمسؤولية الطبية تعني تحمل تبعات وعواقب الاعمال التي يقوم بها الطبيب في اطار مزاولته لمهنته.
ونظرا الى غياب اطار تشريعي خاص بالمسؤولية الطبية فقد كان لفقه القضاء الدور الهام في رسم حدودها وتأصيل أحكامها في نطاق النظريتين العامتين للمسؤولية المدنية من جهة والجزائية من جهة اخرى وما أثار الكثير من الجدل نظرا لخصوصية مهنة الطبيب.
المسؤولية غير القصدية للطبيب..
الجرائم غير القصدية هي الجرائم الناتجة عن الخطأ غير القصدي المتمثل في القصور او جهل ما كان يلزم معرفته او عدم الاحتياط او عدم التنبيه او التغافل او عدم مراعاة القوانين.
ونجد في الفصول 217 و225 من المجلة الجزائية الاساس القانوني لتجريم الاخطاء الطبية ومعاقبة مرتكبيها.
وينص الفصل 217 من المجلة الجزائية على أنه " يعاقب بالسجن مدة عامين وبخطية قدرها 720 دينارا مرتكب القتل عن غير قصد الواقع او المتسبب من قصور او عدم احتياط او اهمال او عدم تنبه او عدم مراعاة القوانين".
- الفصل 25 من المجلة الجزائية ينص على أنه " يعاقب بالسجن مدة عام وبخطية قدرها 480 دينارا كل من تسبب بقصوره او بجهله ما كانت تلزمه معرفته او عدم احتياطه او عدم تنبهه او تغافله او عدم مراعاته للقوانين في الحاق اضرار بدنية بغيره او يتسبب فيها عن غير قصد".
اركان المسؤولية المدنية..
ترتكز مسؤولية الطبيب المدنية على ثلاثة اركان: الخطأ والضرر والعلاقة السببية بين الخطأ والضرر.
الخطأ الطبي: تقتضي الاحكام العامة في القانون المدني لقيام المسؤولية المدنية ان يحصل خطا كشرط ضروري للمسؤولية المدنية هذا يعني ان الطبيب لا يلتزم بالتعويض الا اذا اثبت الصحية وجود خطا طبي من جانبه.
مشروع القانون المتعلق بحقوق المرضى..
لقد تم اعداد مشروع القانون المتعلق بحقوق المرضى والمسؤولية الطبية وعرف المشرع في هذا المشروع الخطأ الطبي " كل اخلال غير قصدي من مهني الصحة بالتزامه ببذل العناية الواجبة طبقا للاصول والقواعد العلمية المتعارف عليها ووفقا للوسائل المتاحة في حدود وظيفته وتخصصه ومؤهلاته ينتج عنها الحاق ضرر بالمريض"، لكن هذا التعريف حضر مفهوم الخطأ في المسؤولية التعاقدية فقط دون غيرها ضرورة ان التمييز بين الالتزام ببذل عناية والالتزام بتحقيق نتيجة لا يثارالا في اطار المسؤولية التعاقدية وهو ما يؤول الى اقصاء المسؤولية التقصيرية.
الخطأ الطبي للطبيب قد يكون مصدره الاتفاق او العقد بينه وبين المريض او الاخلال بالتزام مصدره نص القانون او التعليمات في المستشفى الذي يعمل فيه الطبيب.
وأوضح الدكتور جابر غنيمي أن فقه القضاء استقر على ان التزام الطبيب يختلف باختلاف مضمون العقد فهو التزام ببذل عناية اذا ما تعلق الأمر بالعلاج في حد ذاته ولكنه التزام بتحقيق نتيجة اذا ما تعلق الامر بتشخيص المرض.
الضرر الطبي..
يعتبر الضرر الطبي ركنا اساسيا في المسؤولية المدنية للطبيب، ويجمع الفقه على تعريف الضرر " الاذى الذي يصيب الشخص من جراء المساس بحق من حقوقه او بمصلحة مشروعة له سواء تعلق ذلك الحق او تلك المصلحة بسلامة جسمه او عاطفته ام بماله ام حريته ام شرفه ام غير ذلك". والضرر الطبي هو كل مساس مادي او معنوي بالمريض يكون نتيجة التدخل الطبي ويرتب حقا في التعويض.
الضرر المادي: يعتبر ضررا ماديا كل ضرر يمس الشخص في جسمه او في ماله.
ويميز الفقهاء بين الاصابة الجسدية المؤدية الى ازهاق الروح وبين تلك التي تمس الحق في السلامة الجسدية دون ازهاق الروح.
ويعد ضررا ماليا على المستوى الطبي ما يصيب المريض في ذمته المالية من خسارة اذ ان كل ما لحقه من خسارة مالية كمصاريف العلاج والادوية واجراء العمليات الجراحية وكذلك دفع مبلغ مالي نظير اقامته بالمستشقى وغير ذلك تعتبر خسارة على كاهل المريض واضرار يتحملها الطبيب.
الضرر المعنوي: يعتبر ضررا معنويا كل ضرر يلحق الشخص في حقوقه غير المالية ولا في سلامته الجسديه وانما يصيبه في كرامته او شعوره او شرفه او عاطفته. وهو طبيا الذي يصيب المريض في شعوره واحساسيه نتيجة الالام والمعاناة الناتجة عن انتهاك سلامته الجسدية ومستواه الصحي بسبب خطا الطبيب وتترافق الآلام الجسدية والنفسية من خلال ظهور التشوهات والندب والعجز في اعضاء الجسم وقد تكون لها انعكاسات على الجانب الجمالي.
ومن الاضرار المعنوية حرمان المريض من متع الدنيا ومباهحها كما لو اصاب الطبيب بخطئه ساق مريضة او اعضاء الانجاب.
ج- العلاقة السببية بين الخطأ والضرر: وهي ان يكون الفعل موصلا الى نتيجة الضرر.
فبمجرد اثبات المريض المتضرر العلاقة السببية بين خطإ الطبيب والضرر اللاحق به يتولد في ذمته حقا في التعويض.
الفقرة الثانية: أثار قيام المسؤولية المدنية للطبيب.
التعويض..
ان الحصول على التعويض يقتضي رفع دعوى في التعويض امام المحاكم المختصة وتقوم هذه الأخيرة بتقدير مدى ثبوت هذا الحق ونطاقه.
دعوى التعويض..
في اطار الاحكام العامة يقوم المريض في اطار المسؤولية الطبية برفع الدعوى امام المحكمة المختصة وقد يكون المدعي ايضا ورثة المريض في حالة وفاته.
ودعوى التعويض هي دعوى غير مقدرة وعملا باحكام الفصل 40 من مجلة المرافعات المدنية والتجارية فهي من اختصاص المحكمة الابتدائية الكائن بدائرتها مقر اقامة الطبيب.
وتجدر الاشارة الى ان مشروع القانون المتعلق بحقوق المرضى والمسؤولية الطبية اقر مرحلة صلحية وجوبا قبل التقاضي بشان المسؤولية الطبية.
وورد بالفقرة الثانية من الفصل 54 من المشروع انه "يحال وجوبا مهني الصحة من قبل وكيل الجمهورية لدى المحكمة الابتدائية المختصة ترابيا على قاضي التحقيق الذي يتولى بحثه في موضوع التتبع".
تقدير التعويض..
لقد تعرض المشرع التونسي الى مسألة التعويض الكامل بالفصلين 278 من مجلة الالتزامات والعقود المتعلق بالمسؤولية العقدية و107من مجلة الالتزامات والعقود المتعلق بالمسؤولية التقصيرية اين تحدث عن التعويض عن الخسارة اللاحقة والربح الفائت، وهو امر اكدته محكمة التعقيب في العديد من قرارتها.
الفصل 278 من مجلة الالتزامات والعقود" الخسارة عبارة عما نقض من مال الدائن حقيقة وعما فاته من الربح من جراء عدم الوفاء بالعقد، واعتبار الاحوال الخاصة بكل نازلة موكولة لحكمة المجلس وعليه ان يقدر الخسارة ويجعل فيها تفاوتا بحسب خطا المدين او تدليسه".
الفصل 107 من مجلة الالتزامات والعقود:" الخسارة الناشئة عن جنحة اوما ينزل منزلتها تشمل ما تلف حقيقة لطالبها وما صرفه او لابد ان يصرفه لتدارك الفعل المضر به والارباح المعتادة التي حرم منها بسبب ذلك الفعل. وتقدير الخسارة من المجلس القضائي يختلف باختلاف سبب الضرر من كونه تغريرا أو خطا".
وللمريض ان يتحصل على مبلغ التعويض من الطبيب مباشرة بصفته المسؤول المباشر او من غيره بصفة هذا الاخير مسؤول غير مباشر.
التعويض المباشر من الطبيب..
يتولد الحق في التعويض في ذمة المتضرر مع اكتمال شروط تحقق المسؤولية ويقوم الطبيب بالتعويض المباشر من ذمته المالية لمسؤوليته عن الاضرار الحاصلة للمريض.
ومبدئيا يلزم الطبيب باعادة الحال على ما كان عليه قبل تدخله ومساسه بحرمة المريض ولا يحكم القاضي بالتعويض العيني الا اذا كان التنفيذ العيني مستحيلا.
ويتمتع القاضي بسلطة تقديرية في تحديد مبلغ التعويض اخذا بعين الاعتبار عناصرعديدة منها نوع الاصابة وسببها وسن المريض وظروفه الشخصية والعائلية والاجتماعية.
التعويض غير المباشر للطبيب..
لا يمكن للطبيب المخطئ في حق مريضه التخلص من مسؤوليته في التعويض غير انه في صورة التامين الطبي يكون التعويض غير مباشر .
وفي حالة التامين يكون المؤمن لديه ملزما بدفع مبلغ التعويض المحكوم به من طرف المحكمة للمتضرر من خطا الطبيب، ويكون التعويض في هذه الحالة غير مباشر باعتباره يؤخذ من شركة التامين.
اما اذا كان الخطأ المرتكب من طرف طبيب بمستشفى عمومي فان الدولة ممثلة في وزارة الصحة العمومية هي التي تتكفل بالتعويض.
ويذكر ان مشروع قانون حقوق المرضى والمسؤولية الطبية نص على احداث صندوق للتعويضات للمتضررين من خدمات القطاع الخاص او القطاع العام.
_____
باحث في علم الإجتماع لـ"الصباح":
العولمة صنعت شخصيات معلبة وجاهزة للبيع..والهوس بعمليات التجميل يناسب الجماهير المتعطشة للتشبه برموز هذا المجتمع الاستهلاكي الفرجوي
تونس-الصباح
يقول الباحث في علم الاجتماع ممدوح عز الدين إنه إذا ما أردنا رصد وتشخيص كل ما يتعلق بعمليات التجميل في تونس وتبعاتها، نلاحظ أولا أن عمليات التجميل أمست مغامرة محفوفة بالمخاطر وثانيا ارتفاع منسوب الهوس بهذه العمليات وثالثا الفوضى التي يشهدها هذا القطاع وكثرة الدخلاء.
فعلى الرغم من التحذيرات المتعلقة بالمخاطر المصاحبة لعمليات التجميل، تحظى الإجراءات التجميلية بدرجاتها بشعبية متزايدة رغم أن الكثير من الدراسات العلمية تعتبرها مغامرة خطيرة غير مضمونة النتائج كما أنه من الصعب على المرضى الحصول على تعويض مناسب عن سوء الممارسة في العديد من الدول.
من أهم الابحاث العلمية التي حذرت من مخاطر هذه العمليات دراسة اجرتها مجموعة من الباحثين في مستشفى جامعة زيورخ عام 2016بعنوان"مضاعفات جراحات التجميل"وكتاب للدكتور ديفيد رحيمي عنوانه " رجاءً لا تموتي وأنت تحاولين التجميل"
" Please don't die trying to become beautiful"
صدر سنة 2010 ومن أهم المخاطر التي تشير إليها هذه الدراسات والتي تتسبب فيها العمليات الجراحية التجميلية جلطات الدم، بعض الندبات والكدمات ،التورم، انهيار العضلات، نزيف حاد ، تلف العصب ، تأخرالشفاء، الالتهابات مثل الالتهاب الرئوي والمخاطر الناتجة عن التخدير مثل (الصدمة والفشل التنفسي وردود الأفعال التحسسية والسكتة القليبة).
بين محدثنا أن الدراسات تشير الى أن 70بالمائة من عمليات التجميل ليست ضرورية ومع ذلك نجد هوسا متعاظما بهذه العمليات خاصة لدى الأشخاص الذين تتراوح أعمارهم بين23 و38 عاما سعيا منهم للظهور بمظهر الشباب الدائم وتجنب الظهور بمظهر الكهل أو المسن بما أن النزعة الشبابية عنوان المجتمع الاستهلاكي الحديث.
وأوضح الباحث في علم الاجتماع ممدوح عز الدين أن هوس عمليات التجميل اضطراب سلوكي يجعل الشخص يرغب في تغيير مظهره باستمرار، من خلال الخضوع لجراحة تجميلية قد يتسبب في إنفاق شخص للكثير من ماله على عمليات التجميل وكلها لا تجعله في النهاية أكثر سعادة.
وهناك بعض الافراد الذين لا يريحهم أي قدر من العمليات التجميلية أو يتطابق مع صورة الكمال الموجودة في مخيلتهم ،وهذا هو الوقت الذي يتطور فيه الإدمان كما تزداد معدلات هوس عمليات التجميل كلما اصبحت أكثر شيوعا واسعارها أكثر معقولية إذ يندم الكثير من الاشخاص الذين خضعوا للجراحة التجميلية لأنهم غير راضين عن أنفسهم ، ويخضع آخرون للمزيد من العمليات لتصحيح الحالات السابقة وقد تؤدي المبالغة في إجراء هذه العمليات الى مظهر عام غير طبيعي وغريب.
في النهاية يبدأ الشخص في هيكلة حياته حول عمليات التجميل القادمة والاعتماد عليها كمصدر لتقدير ذاته وعندما يصل الشخص الى هذه النقطة من الإدمان لن يكون قادرا على التوقف عن إجراء هذه العمليات.
من ناحية أخرى فإنه مع انتشار عمليات التجميل في تونس كثرت الحاجة الى تنظيم قطاع التجميل بسبب كثرة " الدخلاء" ما يهدد صحة المواطنين، كما يساهم نقص التشريعات المتعلقة بطب التجميل في زيادة نسبة الفوضى التي بدأت تؤثر بهذا القطاع ،على الرغم من جهود الهيئة الوطنية للاختصاصات الطبية في السعي الى تنظيم طب التجميل وحمايته من الدخلاء الذين يعلنون خدماتهم عبر وسائل التواصل الاجتماعي على غرار " انستغرام"و" فايسبوك" مستغلين ميل الناس الى تحسين مظهرهم بأقل كلفة ممكنة.
أطباء ومتطببين..
إن عدد الاطباء المتخصصين في طب التجميل في تونس يبلغ 100 طبيب أما الاطباء الذين يمارسون هذه المهنة يبلغ 300 طبيب من غير الحاصلين على شهادة في الاختصاص في حين تشهد بلادنا أكثر من 150 ألف عملية تجميل سنويا بطريقة شرعية أم غير شرعية في ظل غياب نصوص قانونية واضحة تحدد شروط هذه المهنة مع العلم ان تونس تحتل المرتبة الثانية إفريقيا في مجال جراحة التجميل بعد جنوب إفريقيا وتستقطب اعدادا كبيرة من الاوروبيين الذين يزورون البلاد في إطار ما يسمى " السياحة التجميلية" مما يجعل مطلب تنظيم القطاع مطلبا استعجاليا وضروريا لضمان صحة المواطنين وسمعة البلاد وتحقيق التنمية.
ويبقى السؤال المطروح: كيف نفهم هذه الظاهرة ونعالجها بعمق؟ وما هي البراديغمات العلمية التي تقودنا الى الإجابة ؟
في تصوري لا بد من الاعتماد في التحليل على الخطوات التالية:
أولا:_ اعتماد براديغم السوق والثقافة الاستهلاكية وسلعنة الجسد.
ثانيا:_ إعتماد براديغم الاتصال وهيمنة ثقافة الصورة و"مجتمع الفرجة".
ثالثا:_ هيمنة الشكلي على اللاشكلي.
بداية لا بد من التنبيه أن المجتمعات المعاصرة هي مجتمعات ما بعد صناعية ، مبرمجة، محكومة بالتوسع المدمر للسوق ، وطغيان هاجس الربح المادي وسيطرة المال على أحاسيس الناس وتفكيرهم بما يجعل المجتمع بأسره يسير الى حلقة السوق ويربط وجود الإنسان بالاستهلاك والسلع وتحقيق المنفعة واللذة والتراكم والتبديد، انه انسان متسلع متشيء قابل لعمليات البرمجة والتنميط.
ويضيف محدثنا أنه في مجتمعنا اليوم أصبح مفهوم الجمال مفهوما تصنعه شركات الاعلان الاشهارية ودور الموضة ووسائل الاعلام والسنما ووسائل التواصل الاجتماعي حيث يعتقد كثير من الناس أن النجاح الاجتماعي يتطلب امتلاك جسم جميل يحاكي اجسام المشاهير في السينما والتلفزيون والرياضة.
العولمة والمجتمع الاستهلاكي..
لقد ادت العولمة الى الرفع في سقف الانتظارات الاستهلاكية لدى التونسي مقابل محدودية إمكانياته واصبح الاستهلاك نمط حياة ومكانة اجتماعية مع إيجاد مشهد تسويقي يصنع رأيا عاما يقوم على الدعاية والاشهار والموضة وهوس الاستهلاك والمبالغة في البذخ والاسراف والتبذبر، اضافة الى هيمنة الصورة التي يريد تسويقها عن نفسه حيث يثبت ذاته بأن يصبح محل انظار الاخرين، لذلك أصبحت السلوكات الاجتماعية مرتبطة بالمشهدية والفرجة ومسرحة الافعال الاجتماعية ومن هنا نفهم سبب الإدمان على عمليات التجميل رغم خطورتها لأنها بالنسبة لمن يمارسها عنوان النجاح في هذا المجتمع الاستهلاكي الفرجوي.
يمكن أن نقول اننا وبطريقة " كاريكاتورية"ننغمس في عالم "الفرجة"، نقدم رغبتنا في أن يرانا الاخرون على رغبتنا في أن نعيش حياتنا كما نريد ، وهكذا نفضل الزيف على الحقيقة ، نفضل أن نرهق أعمارنا في نسج خيوط من الوهم لحياة لا تخصنا في الأصل لنبهر بها آخرين لا نعرفهم ولا يعرفوننا.
لقد نجحت وسائل التواصل الاجتماعي بصفة عجائبية في إقناع البشرية بهكذا ثقافة تكرس الاغتراب والاستلاب على ان يفقد الإنسان ذاته الاصيلة ويتحول الى كائن هلامي سهل الانقياد والتشكيل بحسب هوى الجمهور الافتراضي الخاص به..لقد تمكنت الثقافة النيوليبرالية المتوحشة من تسليع كل شيء وتحويله الى منتج تسعى لتسويقه بشتى السبل حتى غدت مواضيع كالامومة والحب والصداقة مجرد أدوات تسويقية فارغة من كل قيمة ومعنى.
الإنسان نفسه في هذا العصر صار موضوعا لهذا التسليع ،حيث يتم الترويج لشخصيات معلبة وجاهزة للبيع وهذا يبرز بوضوح في عمليات التجميل التي تبيعك وجها جميلا يناسب الجماهير المتعطشة للتشبه مع رموز هذا المجتمع الاستهلاكي الفرجوي من مغنيات وفنانات مشهورات بل التشبه مع دمية " باربي" ذائعة الصيت، ولا يقتصر الأمر على شيوع ظاهرة التشابه ، بل تشمل السعي الحثيث لتغيير ملامح الوجه مرارا تبعا لتغيير معايير الجمال من سنة الى أخرى على نحو ما تتغير صيحات الموضة في عالم الموضة.
في الستينات من القرن العشرين تحدث عالم الاجتماع الفرنسي "جي ديبور" عن هذه الوضعية في كتابه " مجتمع الاستعراض" إذ يقول " لا شك أن عصرنا..يفضل الصورة على الشيء، النسخة على الاصل ،التمثيل على الواقع..وما هو مقدس بالنسبة له ليس سوى الوهم ،اما ما هو مدنس فهي الحقيقة.."
ثم لا بد أن نؤكد على نزيف الموازي ودوره الجارف في تونس، فأكبر حرب تخوضها بلادنا اليوم هي حرب استقلال الرسمي على الموازي واستقلال الشكلي على اللاشكلي ، ومن الغباء المراهنة فقط على الامن والقضاء فحسب عملا بمقولة عالم الاجتماع الفرنسي "اميل دوركايم" نحن لا نرفض الفعل لأنه جرمي وإنما هو جرمي لأننا نرفضه" بالتالي يجب أن تكون هناك أسبقية للرفض المجتمعي على الرفض القضائي واستنفار كل القوى لمواجهة كل ما يؤدي الى مزيد تفكيك المجتمع وانهياره مع ضرورة التحلي بعقلية جماعية جيدة لإدارة الأزمات.
ختاما تتطلب مواجهة هذه الظاهرة ومعالجة اثارها اولا بوضع اطار تشريعي ينظم القطاع ويتصدى للدخلاء وثانيا من خلال العلاج النفسي السلوكي الذي يركز على ان يتعلم الشخص كيفية الشعور بالرضا عن نفسه وقبول هويته والفخر بما هو قادر على انجازه فجمال الشكل مٱله أن يتلاشى ولو طال الزمن ولكن الحقيقة لا تختفي ابدا.