إشترك في النسخة الرقمية لجريدة الصباح و LE TEMPS

شعبية تآكلت وأزمة سياسية تعمّقت.. قيس سعيّد يواجه أوزار مشروعه السياسي !

تونس- الصباح

لم تكن الانتخابات التشريعية الأخيرة، مجرّد انتخابات عادية في مسار ديمقراطي وسياسي طبيعي، بل كانت بالنسبة لرئيس الجمهورية قيس سعيد، اختبارا شعبيا مهما وحاسما في بلورة مشروعه السياسي الذي أعلنه بعد اثر إجراءات 25 جويلية والذهاب بالبلاد الى مرحلة التدابير الاستثنائية وتعطيل العمل بدستور 2014 وتجميد البرلمان قبل حلّه .

هذا المشروع الذي أعلنه رسميا رئيس الجمهورية في 13 ديسمبر من السنة الماضية وتضمّن عناوين رئيسية أولها الاستشارة الوطنية وثانيا صياغة دستور للبلاد يحدد طبيعة النظام لتكون آخر مرحلة فيه تغيير النظام الانتخابي والذهاب الى انتخابات تشريعية مبكرة وهو ما حصل يوم السبت الماضي.. ولكن نتيجة هذه الانتخابات والتي كانت الأدنى في كل الانتخابات التشريعية التي شهدتها البلاد منذ الاستقلال بل وتعتبر من أدنى النسب المعلنة في العالم في علاقة بالانتخابات التشريعية، أعادت الجدل وبشكل كبير حول شعبية الرئيس وشرعيته ومشروعيته وطبيعة المرحلة السياسية القادمة مع برلمان شرعيته الانتخابية في أدنى المستويات وأزمة سياسية واقتصادية خانقة .

تراجع الشعبية ..

كان فوز الرئيس قيس سعيد في انتخابات 2019 كاسحا حيث بلغ عدد ناخبيه حوالي 2.7 مليون ناخب في انتخابات ديمقراطية ونزيهة ودون أن تكون له "ماكينات" دعائية ضخمة واستطاع دون خبرة سياسية ولا حزب يسنده أن يهزم انتخابيا شخصيات نافذة وقوية، ومنذ دخوله الى قصر قرطاج بدا من الواضح أن الرئيس سعيّد لا يقبل بالصلاحيات التي أسندها إليه دستور 2014 وبحث كل مرّة على موقع أقوى له في الدولة، وبعد فشل حركة النهضة في تشكيل الحكومة وهي الحزب الفائز في الانتخابات بدأ يبرز قيس سعيد من خلال ما تم وصفه بحكومات الرئيس والتي قادت البلاد الى أزمات سياسية خانقة وزادت الأوضاع تعقيدا مع تفشّي جائحة كرونا والصراع البرلماني الذي ألقى بظلال ثقيلة على كل المشهد السياسي .

وفي خضّم كل تلك المشاكل مع فشل حكومة المشيشي غامر قيس سعيد وقام بتفعيل الفصل 80 والذي اعتبره معارضوه انقلابا على الدستور الذي أقسم عليه، وبعد تجميد البرلمان لم يحدّد رئيس الجمهورية فترة الاستثناء واختار إلغاء الدستور ووضع إطار جديد للحكم وهو الأمر الرئاسي 117 الذي منحه صلاحيات مطلقة واسند له صلاحية الحكم بالمراسيم. وبعد ضغوط محلية ودولية كبيرة أعلن قيس سعيد عن خارطة طريق لإنهاء مرحلة الاستثناء كانت بدايتها مع الاستشارة الوطنية التي لم يشارك فيها الا نصف مليون تونسي وهذا كان المؤشر الأول في علاقة بتآكل شعبية الرئيس، ورغم ذلك لم يتراجع سعيّد وبعد أن أعلن عن تشكيل لجنة لصياغة الدستور، تخلى عن هذه اللجنة وصاغ دستوره والذي عرضه على الاستفتاء ومرّ ديمقراطيا بنسبة تصويت أقل من 30 بالمائة وهو الحدّ الأدنى المتعارف عليه .

ومن خلال هذا الدستور عمد الرئيس قيس سعيد الى تغيير كل قواعد اللعبة السياسية ومنها النظام السياسي وعلاقة السلط ببعضها حيث أصبح النظام رئاسيا وبات القضاء وظيفة والبرلمان بغرفتين، مجلس النواب، ومجلس الأقاليم والجهات .

برلمان أفراد ..

غيرّ قيس سعيد نظام الاقتراع الذي أصبح على الأفراد بدل التمثيلية الحزبية وذلك انسجاما مع أفكاره وهو الذي يعادي الحزبية ويرى أن الأحزاب كانت جزءا من أزمة البلاد، ورغم الرفض الواسع من كل الأحزاب المعارضة وحتى المؤيدة لهذا الخيار إلا أن رئيس الجمهورية فرض خياره لأول مرة وذهبنا الى انتخابات تشريعية وفق نظام الاقتراع على الأفراد مع إمكانية سحب الولاية .

وكان تغيير التمثيلية في البرلمان من حزبية الى فردية احد عوامل العزوف الكبير على التصويت، حيث أن العقل السياسي التونسي لم يستوعب بعد هذا المستجد الانتخابي وهو الذي تربّي على عمل الأحزاب كما ان نظام الاقتراع على الأفراد كان جزءا من النظام القاعدي الذي يريد إرساءه ومرفوض من أغلب الطيف السياسي ومكونات المجتمع المدني .هذا بالإضافة الى كون الحصيلة الاقتصادية والاجتماعية لفترة حكم قيس سعيد والتي كانت سلبية جعلت التونسيين يقاطعون هذه الانتخابات ولا يرون أنها يمكن أن تحقق نتائج تحسّن أوضاعهم .

ورغم الاتفاق على أن مشروع قيس سعيد السياسي والذي جاء به بعد انتخابات 25 جويلية، هو مشروع لا يحظى بدعم شعبي استنادا الى نسب الإقبال على الاستفتاء أو الانتخابات إلا أن رئيس الجمهورية لم يحسم أمره الى الآن في علاقة بهذا المشروع ولم يرد على أصوات المعارضة التي تطالبه بالذهاب الى انتخابات رئاسية مبكرة لإنقاذ المسار السياسي الذي يختنق أكثر، كما تقترح اليوم قوى مدنية وسياسية ضرورة تصحيح مسار التصحيح في اتجاه إرساء قواعد الدولة المدنية الديمقراطية، وتعديل مرسوم الانتخابات وإعادة الانتخابات برمتها التشريعية والرئاسية وفق دستور 2014 على أن يتم تعديل هذا الدستور بعد إرساء مؤسسة نيابية جديدة .

والى حد كتابة هذه الأسطر لم يعلّق الرئيس قيس سعيد على نتائج الانتخابات التشريعية وذلك على عكس أغلب القوى السياسية المعارضة التي دعته الى الذهاب لانتخابات رئاسية .

منية العرفاوي

شعبية تآكلت وأزمة سياسية تعمّقت..  قيس سعيّد يواجه أوزار مشروعه السياسي !

تونس- الصباح

لم تكن الانتخابات التشريعية الأخيرة، مجرّد انتخابات عادية في مسار ديمقراطي وسياسي طبيعي، بل كانت بالنسبة لرئيس الجمهورية قيس سعيد، اختبارا شعبيا مهما وحاسما في بلورة مشروعه السياسي الذي أعلنه بعد اثر إجراءات 25 جويلية والذهاب بالبلاد الى مرحلة التدابير الاستثنائية وتعطيل العمل بدستور 2014 وتجميد البرلمان قبل حلّه .

هذا المشروع الذي أعلنه رسميا رئيس الجمهورية في 13 ديسمبر من السنة الماضية وتضمّن عناوين رئيسية أولها الاستشارة الوطنية وثانيا صياغة دستور للبلاد يحدد طبيعة النظام لتكون آخر مرحلة فيه تغيير النظام الانتخابي والذهاب الى انتخابات تشريعية مبكرة وهو ما حصل يوم السبت الماضي.. ولكن نتيجة هذه الانتخابات والتي كانت الأدنى في كل الانتخابات التشريعية التي شهدتها البلاد منذ الاستقلال بل وتعتبر من أدنى النسب المعلنة في العالم في علاقة بالانتخابات التشريعية، أعادت الجدل وبشكل كبير حول شعبية الرئيس وشرعيته ومشروعيته وطبيعة المرحلة السياسية القادمة مع برلمان شرعيته الانتخابية في أدنى المستويات وأزمة سياسية واقتصادية خانقة .

تراجع الشعبية ..

كان فوز الرئيس قيس سعيد في انتخابات 2019 كاسحا حيث بلغ عدد ناخبيه حوالي 2.7 مليون ناخب في انتخابات ديمقراطية ونزيهة ودون أن تكون له "ماكينات" دعائية ضخمة واستطاع دون خبرة سياسية ولا حزب يسنده أن يهزم انتخابيا شخصيات نافذة وقوية، ومنذ دخوله الى قصر قرطاج بدا من الواضح أن الرئيس سعيّد لا يقبل بالصلاحيات التي أسندها إليه دستور 2014 وبحث كل مرّة على موقع أقوى له في الدولة، وبعد فشل حركة النهضة في تشكيل الحكومة وهي الحزب الفائز في الانتخابات بدأ يبرز قيس سعيد من خلال ما تم وصفه بحكومات الرئيس والتي قادت البلاد الى أزمات سياسية خانقة وزادت الأوضاع تعقيدا مع تفشّي جائحة كرونا والصراع البرلماني الذي ألقى بظلال ثقيلة على كل المشهد السياسي .

وفي خضّم كل تلك المشاكل مع فشل حكومة المشيشي غامر قيس سعيد وقام بتفعيل الفصل 80 والذي اعتبره معارضوه انقلابا على الدستور الذي أقسم عليه، وبعد تجميد البرلمان لم يحدّد رئيس الجمهورية فترة الاستثناء واختار إلغاء الدستور ووضع إطار جديد للحكم وهو الأمر الرئاسي 117 الذي منحه صلاحيات مطلقة واسند له صلاحية الحكم بالمراسيم. وبعد ضغوط محلية ودولية كبيرة أعلن قيس سعيد عن خارطة طريق لإنهاء مرحلة الاستثناء كانت بدايتها مع الاستشارة الوطنية التي لم يشارك فيها الا نصف مليون تونسي وهذا كان المؤشر الأول في علاقة بتآكل شعبية الرئيس، ورغم ذلك لم يتراجع سعيّد وبعد أن أعلن عن تشكيل لجنة لصياغة الدستور، تخلى عن هذه اللجنة وصاغ دستوره والذي عرضه على الاستفتاء ومرّ ديمقراطيا بنسبة تصويت أقل من 30 بالمائة وهو الحدّ الأدنى المتعارف عليه .

ومن خلال هذا الدستور عمد الرئيس قيس سعيد الى تغيير كل قواعد اللعبة السياسية ومنها النظام السياسي وعلاقة السلط ببعضها حيث أصبح النظام رئاسيا وبات القضاء وظيفة والبرلمان بغرفتين، مجلس النواب، ومجلس الأقاليم والجهات .

برلمان أفراد ..

غيرّ قيس سعيد نظام الاقتراع الذي أصبح على الأفراد بدل التمثيلية الحزبية وذلك انسجاما مع أفكاره وهو الذي يعادي الحزبية ويرى أن الأحزاب كانت جزءا من أزمة البلاد، ورغم الرفض الواسع من كل الأحزاب المعارضة وحتى المؤيدة لهذا الخيار إلا أن رئيس الجمهورية فرض خياره لأول مرة وذهبنا الى انتخابات تشريعية وفق نظام الاقتراع على الأفراد مع إمكانية سحب الولاية .

وكان تغيير التمثيلية في البرلمان من حزبية الى فردية احد عوامل العزوف الكبير على التصويت، حيث أن العقل السياسي التونسي لم يستوعب بعد هذا المستجد الانتخابي وهو الذي تربّي على عمل الأحزاب كما ان نظام الاقتراع على الأفراد كان جزءا من النظام القاعدي الذي يريد إرساءه ومرفوض من أغلب الطيف السياسي ومكونات المجتمع المدني .هذا بالإضافة الى كون الحصيلة الاقتصادية والاجتماعية لفترة حكم قيس سعيد والتي كانت سلبية جعلت التونسيين يقاطعون هذه الانتخابات ولا يرون أنها يمكن أن تحقق نتائج تحسّن أوضاعهم .

ورغم الاتفاق على أن مشروع قيس سعيد السياسي والذي جاء به بعد انتخابات 25 جويلية، هو مشروع لا يحظى بدعم شعبي استنادا الى نسب الإقبال على الاستفتاء أو الانتخابات إلا أن رئيس الجمهورية لم يحسم أمره الى الآن في علاقة بهذا المشروع ولم يرد على أصوات المعارضة التي تطالبه بالذهاب الى انتخابات رئاسية مبكرة لإنقاذ المسار السياسي الذي يختنق أكثر، كما تقترح اليوم قوى مدنية وسياسية ضرورة تصحيح مسار التصحيح في اتجاه إرساء قواعد الدولة المدنية الديمقراطية، وتعديل مرسوم الانتخابات وإعادة الانتخابات برمتها التشريعية والرئاسية وفق دستور 2014 على أن يتم تعديل هذا الدستور بعد إرساء مؤسسة نيابية جديدة .

والى حد كتابة هذه الأسطر لم يعلّق الرئيس قيس سعيد على نتائج الانتخابات التشريعية وذلك على عكس أغلب القوى السياسية المعارضة التي دعته الى الذهاب لانتخابات رئاسية .

منية العرفاوي