تطوي بلادنا اليوم صفحة أخرى من تاريخها السياسي المعاصر بعد الخروج تقريبا من مرحلة الاستثناء والعبور إلى الجمهورية "الجديدة" بعد طي المرحلة الأولى من انتخابات 17 ديسمبر 2022 استعدادا لتركيز البرلمان القادم، في ظل تواتر الدعوات والانتظارات لتركيز حكومة جديدة ومواصلة تركيز مؤسسات الدولة بعد بعث المجلس الاقتصادي والاجتماعي والمحكمة الدستورية. لتدخل بذلك بلادنا مرحلة أخرى في تاريخها المعاصر الذي عرفت فيه أربعة دساتير إلى حد الآن، أولها دستور 1959 وآخرها الدستور الذي كان محل استفتاء يوم 25 جويلية الماضي ولا يزال يثير الجدل الواسع في أوساط دستورية وقانونية وحقوقية وسياسية، وذلك بعد قرار رئيس الجمهورية قيس سعيد القطع مع الجمهورية الثانية التي أفرزها دستور 2014، الذي كان بدوره محل جدل ومؤاخذات واسعة دفع أعدادا كبيرة من المواطنين للخروج في ذكرى عيد الجمهورية سنة 2021 مطالبين بإسقاط المنظومة والمؤسسات التي أفرزتها من بينها حل مجلس النواب والحكومة.
ولعل ما يميز هذه الجمهورية الجديدة في نظر المتابعين للشأن الوطني والمختصين في القانون الدستوري والفاعلين والناشطين في منظمات وهياكل وطنية وحقوقية ومدنية والمختصين في مجالات ذات صلة بما هو اقتصادي وسياسي واجتماعي هو "الغموض" الذي يكتنفها وعدم وضوح الرؤية وملامح مشروع هذه الجمهورية التي يقف على تأسيسها رئيس الجمهورية قيس سعيد في ظل الصلاحيات التي منحه إياها الدستور الجديدة بعد أن كانت صلاحيات محدودة في دستور 2014. فكانت هذه "الصلاحيات" الواسعة وغير مشفوعة برقابة، من العوامل التي أججت الرأي السياسي والحقوقي بشكل خاص ليس في أوساط المعارضة لمسار ما بعد 25 جويلية فحسب وإنما من قبل المساندين له أيضا على اعتبار أن الحرية والمناخ الديمقراطي مكاسب لا يمكن التراجع عنها من ناحية وخوفا من إمكانية ارتداد الوضع في هذا الجانب إلى مربع الديكتاتورية. وبقدر ما رافق مساندي مسار 25 جويلية من انتظارات واسعة وتطلعات كبيرة لتغيير الوضع في مرحلة ما بعد القطع مع منظومة الحكم السابقة لتلك المرحلة، لاسيما في ظل الوعود التي قطعها رئيس الجمهورية في كل إطلالاته. وقد توفرت جملة من العوامل الاقتصادية والسياسية والاجتماعية التي أدت إلى العبور "الناعم" من الجمهورية الثانية إلى جمهورية جديدة، وفق ما نص على ذلك الدستور الجديد، لتدخل بذلك بلادنا مرحلة جديدة في التاريخ السياسي وتجربة سياسية أقرب للمغامرة وفق قراءات البعض، رغم الغموض وعدم وجود برنامج واضح المعالم حول "طعم ولون" هذا المشروع الجديد، إلا أن حقيقة الوضع الراهن الصعب والمتردي، على اعتبار أنه نتيجة لسياسية الحكم خلال العشرية السابقة ودورها في تكريس الفساد الذي نخر كل مؤسسات الدولة، ورغبة الأغلبية في التغيير وعدم العودة إلى ما قبل مسار 25 جويلية مقابل الدعم الخارجي الواسع لسياسية سعيد كلها من العوامل التي شكلت حزاما للسلطة الحاكمة اليوم لتمضي قدما في تكريس تجربة جديدة لمنظومة حكم جديد دون معرفة ما يمكن أن تؤول إليه الأوضاع خاصة في ظل ما تمر به المالية العمومية من صعوبات بعد قرار صندوق النقد الدولي "تأجيل" آمال حصول بلادنا على القرض المنتظر لمساعدتها على "حلحلة" جانب من أزمتها.
ورغم تباين ردود الأفعال والقراءات حول هذه الجمهورية الجديدة وتخوفات البعض من فشل "المشروع" والعودة إلى مربع المنظومة "الهجينة"، في ظل عدم تشريك الفاعلين السياسيين وغيرهم من الهياكل والمنظمات والخبراء المختصين في مجالات اقتصادية وسياسية ودستورية في "هندسة" الخطوط العريضة لأسس صرح هذه الجمهورية، إلا أن صمت القواعد الشعبية المطبق وعدم انخراطها في محاولات استدراجها من قبل القوى المعارضة للمسار الذي يقوده رئيس الجمهورية والرافضة لكل محاولة لتغيير منظومة الحكم والمس من تشريعاتها مثلت عاملا آخر راهن عليه سعيد في مشروعه لبناء وهندسة تفاصيل الجمهورية الجديدة، بعيدا عن "أعين" معارضيه كما مسانديه.
فتتجه الأنظار إلى مرحلة "تجريب" سياسية أخرى لتونس جديدة بعد أن خَبِرَ المواطن التونسي في السنوات الأخيرة مراحل مختلفة من التجارب السياسية وتمرس على الانتظار والمهادنة والرفض أو القبول دون أن يتأثر أو ينجر وراء أجندات "العنف". "الصباح" فتحت ملف الجمهورية الجديدة مع عدد من الفاعلين في المشهد العام والمتابعين لشأن الوطني فكانت القراءات والمواقف متباينة.
إعداد نزيهة الغضباني
------------
حمادي بن جاء بالله لـ"الصباح": هذه مقترحاتي لإعادة الاعتبار للدولة والمواطن
تونس – الصباح
أكد الدكتور والجامعي المختص في الفلسفة، في حديثه عن الجمهورية الجديدة لـ"الصباح"، أن الإجابة عن سؤال: ماذا بعد انتخابات 17 ديسمبر 2022 ؟ يحيل بالضرورة إلى القول "لاشيء إلا العود إلى جادة الحق نظرا لما تتبعها من أسئلة واستفهامات من قبيل الم تكن بادرة 25جويلية 2021 كافية لخلاص الوطن؟ نعم كانت بادرة جعلت الأسوأ وراءنا، ولكن الأصعب بقي أمامنا. وقد افسد علينا الاستبداد بالحكم إلى حد الفردانية. المطلقة، معاني بادرة التحرير الوطني السابقة الذكر، فتاهت بنا السبل وانتقلنا من ''الاستشارة''المزعومة، إلى الدستور الحزين لنصل إلى هذه الانتخابات التي كانت أقرب "لتافهة".
فمطامع المصالح العاجلة أعمت البصائر عن المطامح البعيدة، والعجز الفكري منع توقع القادم ودفع الكثير إلى استرعاء الذئاب. ولا أظن أن حكم تونس من سنة 2011 حتى 25 جويلية 2021 على غير ما وصفت: حقد دفين منفجر، ودمار شامل منتشر. وهل ثمة اليوم قطاع واحد من حياتنا الوطنية لم يلحقه من "الخوانجية ضرر، يعسر تداركه دون تضحيات دامية؟
وأضاف بن جاء بالله "يقيني انه لولا متانة الأركان التي قامت عليها دولة الاستقلال على أيدي تونسيين بررة ومناضلين صادقين بقيادة الزعيم الحبيب بورقيبة رحمة الله، لذهبت تونس مع الرياح. وذلك ما يفسر موقفي الحذر من انتخاب السيد قيس سعيد رئيسا للجمهورية في انتخابات 2019 وقد عبرت وفسرت سبب ذلك.
غير أنه لابد له من أن يعترف أنه خدم الرجعيين -موضوعيا – منذ توليه السلطة خدمة ما كانوا يحلمون بها. فقد أحيى أمواتهم، ومد لهم في التظلم ومعاودة المخاتلة والتنظم داخل البلاد وخارجها، بعد أن ذهبت بريحهم موضوعيا بادرة 25جويلية 2021. وهذا سيكون له تداعيات على الجمهورية الجديدة.
فرحبت الجماهير التونسية بتلك البادرة، وكان يمكن لها أن تجعل من المواطن قيس سعيد لا مجرد رئيس بل زعيما وطنيا، حرر البلاد من الاستعمار الداخلي، بعد أن حررها بورقيبة من الاستعمار الخارجي. ولكن جرت الرياح بما لا تشتهي السفن.
وكنت يومها كتبت وقلت في منابر عديدة ان 25جويلية جعل ''الأسوأ وراءنا ولكن الأصعب أمامنا''. وإنما كان ذلك تقديرا مني أنه ليس أسوأ من الخوانجية في جميع الحالات."
واستخلص محدثنا القول "لذلك كان الأمر يتطلب معرفة نظرية بحقيقة التحولات الاجتماعية، وقدرة عملية على مغالبة الصعاب، البنيوي الواطد، والعرضي الطارئ. غير انه يبدو أن السيد الرئيس استكثر على نفسه معاني 25 جويلية ففضل منصب الرئيس الزائل على مقام الزعيم الباقي. وما كان ذلك ليضر أحدا لو لم تترتب عليه سلوكات ومواقف تمس الوطن ماضيا وحاضرا ومستقبلا.
فهل فعل السيد الرئيس شيئا يذكر في إصلاح مدرسة الجمهورية او – على الأقل– من اجل حمايتها من هجمة الظلاميين "القرضاويين" محمولة بترف "البيترودولار" يغدق على ما سمي –دجلا - ''الاتحاد العالمي لعلماء المسلمين''؟ وإلحاق أفدح الضرر بمؤسساته وأولها المؤسسة التربوية والقضائية والاقتصادية. فما من احد ينكر ان الفساد سرى في جميع مؤسسات الدولة، ولكن ثمة فرق كبير بين الهيئة القضائية ولفيف من القضاة الذين اخطأوا في حق أنفسهم وفي حق القضاء، مثل "الحفنة" التي سمت أفرادها مشكورة هيئة الدفاع عن شهيدي الوطن شكري بلعيد ومحمد البراهمي. وفرق كبير بين طبقة او هيئة الصناعيين والتجار والفلاحين ومجموعة من ''المستكرشين'' و''المهربين'' و''مصاصي الدماء" الموجودين في كل البلدان ومن عاداتهم أن يتكاثرون في ازمنة الحكم الفاسد عامة، وأزمنة الحكم الفاسد الفرداني خاصة.
ومن شان هذا الوضع الذي أنتجته تلك المقاربة ''السياسية'' أن يصبح الإصلاح حلما بعيد المنال. ويبدو لي أحيانا أن ذلك الأسلوب الذي كثيرا ما ينتهي بالضرورة –اخلاقيا وسياسيا.
واني لباق على العهد:
فلا مجال للعود إلى ما قبل 25 جويلية 2021 تاريخ عيد الجمهورية وعيد تخليصها من الاستعمار الداخلي. وفرق بينه وبين ما يمكن أن يكون ''الانقلاب''. فلا مجال اليوم لمحاورة الأحزاب التي شاركت في جريمة تخريب الوطن وفي مقدمتها حزب "الخوانجية"، دون إن يحرم أي كان مستقبلا من أي حق من حقوقه الاجتماعية المدنية والسياسية. ولا بد من محاربة جميع أشكال الفساد وهو ما لا يكون إلا من اختصاص قضاء مستقل عادل يخلّص نفسه بنفسه ممن لم يحترم نفسه ولم يكن عند ما يقتضيه الواجب. فلا خير يرجى ممن فضل سفاسف الأمور على أعاليها واذا تلكأت عناصر من الهيئة القضائية القائمة عن الامتثال للواجب، تركنا أمرهم للبرلمان المقبل. ولا سبيل بحال من الأحوال الى المس بالهيئة القضائية بحجة تعنت بعض عناصرها!
نعم! لقد تكاثرت اليوم المخاطر الحافة بوطننا، ويقضى الواجب الوطني بأن تتعاظم في مقابل ذلك إرادة التصدي لها. فما من وطني إلا وهو آسف لما انتهت إليه أوضاعنا سياسيا وتربويا وثقافيا وصحيا واقتصاديا وماليا...ألا إنه التحت الذي لا تحت تحته ! وما من خير يرتجى من أي شكل من أشكال المكابرة! وما من احد يرضيه أن نكون في وضع المتسول أمام أبواب المانحين عامة وأولهم صندوق النقد الدولي.
ولكن في تقديري ما خان قيس سعيد أكثر من قيس سعيد!
بقي الآن سؤال ما بعد هذه الانتخابات. فما العمل غدا؟
صونا لسلامة الوطن داخليا وخارجيا والتزاما متجددا بمسيرة التحول الديمقراطي المعطلة في اتجاه الارتقاء بالدولة الوطنية، دولة الاستقلال، إلى مصاف الدولة الوطنية الديمقراطية وذلك لتحقيق أحلام التونسيين جميعا، نساء ورجالا، في التمتع بالحق في ''الشغل والحرية والكرامة الوطنية''؟
ليس في تقديري المتواضع أيسر ولا أجدى مما كنت اقترحته على الأخ نورالدين الطبوبي منذ حوالي أربع سنوات. فان نعرف بحق هو أن نقدّر أنفسنا نظريا على التوقع وحساب الاحتمالات، واستشراف المستقبل. وان نتوقع هو أن نقدّر أنفسنا عمليا على الفعل الناجع في اللحظة المناسبة. ويبدو لي انه لامناص اليوم، وقد حصحص الحق، من العود إلى جادة الحق ولو كانت العودة مؤلمة. فالحق دائما أحق أن يتبع! وتقضي جادة الحق اليوم قبل الغد:
1/-ببعث ائتلاف اجتماعي تحت رئاسة السيد رئيس الجمهورية، يكون من أهم مكوناته الاتحاد العام التونسي للشغل، والاتحاد التونسي للصناعة والتجارة والصناعات التقليدية، والاتحاد التونسي للفلاحة والصيد البحري وتكون وظيفته إعانة الرئيس على تسيير دواليب الدولة لمدة أقصاها ثلاثة أشهر. ولهذا الائتلاف الاجتماعي أن يستأنس بمن يراه صالحا من بقية المنظمات الوطنية (فنانين، أطباء، صيادلة، محامين، قضاة الخ..) ومن الأحزاب السياسية التي لم تتورط في حكم الترويكا.
-2/بالشروع مباشرة في صياغة قانون انتخابي يمنح التونسية والتونسي حقوقا متساوية في الانتخاب والترشح ويمكن من إنتاج أغلبية قادرة على الحكم ببرنامج معروف مسبقا.
3-الأعداد ماديا وفكريا وقيميا لانتخابات تشريعية ورئاسية يعلم عن نتائجها يوم 20مارس 2023 في أقصى تقدير، رمزا لعودة تونس المستقلة إلى أبنائها الخلّص والى أصالتها التاريخية...
وليس مما يحتاج إلى بيانه أن مجمل المسائل والمحاسبات والإصلاحات التي نخوض فيها وأضنت جهودنا، وفلّت حديدنا اليوم عبثا، ستجد الحلول الملائمة في إطار البرلمان الشرعي المقبل. ويقيني انه سنكون يومئذ أقدر على إسماع صوتنا للعالم كله، لأننا سنكون اقدر على الإصغاء إليه. ولن توصد أمامنا أبوابا ألفناها تنفتح لنا تلقائيا. وهل يصعب شيء على شعب علمه تاريخه المجيد وأخذ عن أبطاله البررة، كيف يضرب المواعيد مع التاريخ؟"
---------------------
محسن حسن لـ"الصباح": وضع اقتصادي صعب سيزداد قتامة
تونس – الصباح
في قراءته للوضع الاقتصادي في تونس في مرحلة ما بعد الانتخابات التشريعية وما بعد الخروج من مرحلة الاستثناء أفاد محسن حسن، المستشار الاقتصادي الدولي ووزير المالية السابق لـ"الصباح"، أن تشخيص وتقييم الوضع الراهن انطلاقا من المعطيات والمؤشرات المتوفرة تقود حتما إلى الحديث عن الوضع الاقتصادي في بلادنا في المستقبل القريب، وأضاف قائلا: "من الواضح، وبغض النظر عن المسار السياسي وما تضمنه من مواقف متناقضة، لا أرى أن هناك نجاحا تحقق في الجانب الاقتصادي لتونس بالقدر الذي كان يرجوه أنصار مسار 25 جويلية. بل خرجنا من وضع اقتصادي سيء قبل تلك المرحلة إلى وضع سيء ومترد إلى أبعد الحدود، خاصة أن بلادنا خارجة من أزمة كوفيد 19" العالمية فضلا عن تداعيات الحرب الروسية الأوكرانية، لكن تعاطي الحكومة مع الوضع ساهم في تأزيم الوضع لأنها تفتقد للكفاءات وليس لها دراية بحقيقة الوضع ولا ما هو مطلوب منها وغير قادرة على تقديم المطلوب".
وأفاد محدثنا أن حكومة نجلاء بودن جانبت ما كان مطلوبا منها لافتقادها الكفاءات المطلوبة لاسيما أن بلادنا تعاني صعوبات بالجملة. وأضاف قائلا: "ففي مستوى دفع محركات النمو، للأسف الشديد منذ 25 جويلية 2021 إلى اليوم كل محركات النمو أصبحت معطلة في مستوى الاستثمار والإنتاج والتصدير مقابل تراجع القدرة الشرائية إلى ما نسبته 21.5% لتصبح كل محركات النمو معطلة تماما تقريبا أمام حكومة مكتوفة الأيدي".
وأفاد الخبير والمستشار الاقتصادي الدولي أن السبب في ذلك هو أن حكومة بودن لم تعلن وتقدم برنامجا لإنعاش الاقتصاد، بل بقيت مكتوفة الأيدي أمام تواصل انهيار وتعطل عجلة الاقتصاد الوطني. لينجر عن ذلك، وفق تقديره، تسجيل ضعف في مستوى النمو الاقتصادي لم يتجاوز 2.5 % إضافة إلى ارتفاع في نسبة البطالة لأكثر من 15% وارتفاع في نسبة الفقر إلى 21.5% مسجلة زيادة بـ5 نقاط عن مرحلة ما قبل أزمة "كوفيد 19"، إضافة إلى تعمق الفوارق الاجتماعية وتآكل الطبقة الوسطى. ويعتبر الخبير والمستشار الاقتصادي الدولي أن بلادنا تزخر بالكفاءات في جميع الاختصاصات الاقتصادية وغيرها، القادرة على ضمان تحقيق التطور وإحداث النقلة النوعية للاقتصاد الوطني بعد تطوير منظومات التعليم والتكوين والاستثمار والصناعة والاقتصاد وغيرها.
وفي جانب المالية العمومية يرى محسن حسن أن الوضع يشهد تأزما يوما بعد يوم، مفسرا ذلك بما يسجل من عجز في الميزانية قد يصل إلى 10 % هذه السنة. وذلك في ظل عدم التوصل إلى اتفاق مع صندوق النقد الدولي حول حصول تونس على قرض لطالما انتظرته، وحمل المسؤولية في عدم الاتفاق هذا إلى الحكومة. ليضاف ذلك إلى العجز الجاري نتيجة لتوسع العجز المسجل في الميزان التجاري. لينتج عن العجزين ضغط على ميزان الدفوعات وضغط على الدين العمومي، وبالتالي تواصل اللجوء لتداين أمام فشل الحكومة في إمكانية تقليص العجز المسجل في أول سنة 2022. ويرى محدثنا أن فشل الحكومة في التعاطي مع هذا الوضع نتج عنه تضخم متواصل، وهي كلها، في قراءته للوضع الاقتصادي، عبارة عن تراكمات من شأنها أن تؤثر على الوضع في المستقبل وتحدد مآلاته.
إذ قال في تطرقه للوضع الاقتصادي في تونس في المرحلة القادمة: "أتوقع أن الوضع الاقتصادي سيزداد قتامة في سنة 2023 لسبب بسيط وهو أن أزمة المالية العمومية ستتواصل أمام الفرص الضائعة للحكومة وضعف التوصل إلى اتفاق مع صندوق النقد الدولي، ليزداد مستوى التضخم الذي لن يعرف تراجعا إلى مع منتصف سنة 2023".
في نفس السياق بين أن هذه العوامل والصعوبات التي "تكيّف" الظروف الاقتصادية والمالية الصعبة مستقبلا من المنتظر أن تكون سببا لتفجر أزمة اجتماعية حادة في المرحلة القادمة.
في المقابل يعتبر محسن حسن أن تونس تتوفر على عديد المقومات الكفيلة بأن تجعل منها قطبا اقتصاديا في حوض البحر الأبيض المتوسط، وحمل مسؤولية عدم القدرة على تحويل هذه المقدرات إلى واقع وحقيقة تطور الاقتصاد الوطني إلى النخبة السياسية الحاكمة، وقال في نفس السياق: "للأسف الشديد أن النخبة الحاكمة عجزت على تثمين وإعطاء منوال اقتصادي جديد وسياسيات اقتصادية ومالية جديدة قادرة على تحويل ما تزخر به بلادنا من ثروات إلى موارد تنمية وتطور في الاقتصاد سواء تعلق الأمر بالفلاحة أو بعض الصناعات إضافة إلى الفشل في تحقيق التوازنات الاقتصادية الكبرى والمطلوبة".
ويرى محسن حسن أنه كان بالإمكان تدارك جوانب من العجز والصعوبات في هذه المرحلة إذا ما تم حوار وطني تم فيه فتح المجال للكفاءات الاقتصادية لينتج عنه سياسة اقتصادية متطورة تشمل القطاعات الواعدة على غرار الانتقال الطاقي والاقتصاد الرقمي والتربية والتعليم وغيرها. لأنه يعتبر أن المخرج من الوضع لا يكون إلا عبر حوار وطني اقتصادي تشارك فيه الكفاءات التي تزخر بها بلادنا وتفتقدها الحكومة الحالية، وفق تقديره. لأن ذلك ينجر عنه إيجاد طرق جديدة في الإنتاج خاصة في بعض المواد الاستهلاكية المفقودة في السوق اليوم على غرار الحليب واللحوم الحمراء والزيوت، إضافة إلى وضع سياسية للمالية العمومية. وشدد محسن حسن على أن الدولة لا تقوم على الحكومة وحدها بل يجب العودة بالأساس إلى الكفاءات والخيارات الوطنية. معتبرا أن الوضع المتردي الذي عليه البلاد اليوم هو نتيجة للنزعة الفردية وعدم القدرة على الاستثمار في الأزمات وتحويلها إلى فرص اقتصادية. ويعتبر المستقبل الاقتصادي صعبا وعلى غاية من القتامة لأن الحكومة الحالية غير قادرة على إدارة الأزمة.
--------------------
سامي النصري لـ"الصباح": تجديد تشريعي وقانوني للحياة الثقافية ورهاناتها ومستلزماتها
تونس – الصباح
فيما يرى الدكتور سامي النصري، وهو جامعي ومخرج مسرحي، في تطرقه لنفس الموضوع لـ"الصباح"، أنه لا يمكن الحديث عن الجمهورية الجديدة دون العودة إلى وضعها في سياقاتها. لأن "25 جويلية" تاريخ هام وراهن في مسار تحولات تونس ما بعد 2011، ربما لأنه تعلقت بتلك اللحظة آمال واستباقات وانتظارات، بشرت بتحولات جمة وكثيفة، وبإمكانية تجاوز أزمة ما عاشه البلد طيلة سنوات، وربما عقود، من الخيبات ومن ضياع حلم بناء وطن متماسك ومتوازن ومفعم بالأمل والحلم. انتظر الوطن انبعاثا جديدا لروح ثورية حقيقية مصححة ما وقع، تدفع ولا تنكص، تقاوم ولا تتوانى، بروح أسطورية بأجنحة الكائن المينيرفي تبدل لنا في رمشة عين الخراب إلى جمال. ربما أهمية هذا التاريخ أتت أيضا من الروح التونسية المحولة للعنف المحتمل إلى حالة تغيير ضرورية دون اللجوء للتقاتل والصراع العنفي المنبني على الإقصاء وطرح الجثث و"الكاوبوي" المستشري. على قدر أهمية هذا التاريخ يجيء الحلم الثقافي بواقع مغاير ومختلف للحركة الثقافية والفكرية مرتكزا على أسس تونسية بحتة امتازت منذ ما بعد الاستقلال بالعمل على الأرضيات الانتروبولوجية وصياغة مشروع ثقافي يراعي الخصوصية ويفتح الافاق لمواطنة كونية لا منبتة ولا مستنسخة ولا هي مغتربة، بل مؤسسة على تونسة فريدة ومتفردة. كما تحتضن الماضي وتلامسه تجذب المستقبل والتقدم، وتبني حوارا استشرافيا مع الممكن. صاغت تونس مشروعها الثقافي بشكل متفرد فكانت سباقة للحداثة ومؤمنة بالانفتاح دون خوف ولا وجل. ولقد كانت دائما مغامرة كما قالها محمود المسعدي، واجهت الخوف من الآخر وخاضت صراعاتها بفخر وندية وبرأس مرفوع رغم هزائمها أحيانا. هكذا اليوم نحتاج إلى مشروع ثقافي مستقبلي يؤمنا ويوحدنا، مشروع يعيد الحياة لهذا البلد، ويعطيه الأمل. هل هناك بوادر لذلك؟
لا يخفى على المتأمل أن الحالة الراهنة للحياة الثقافية معطلة وشبه متوقفة إلا بعض مواعيد باهتة ومكررة، وتغيب الثقافة على النقاش السياسي والإعلامي ولا نرى المثقفين إلا في بعض موائد التفاهة و"الركركة"، خارج الفعل وداخل الاستهلاك. فالمقترح الثقافي الرسمي يواجه تحديات جمة أهمها غياب دور للمؤسسة الثقافية الفنية، وانحسار دور المثقف والفنان في بوتقة الهامش والمعطل وغير المجدي و"الفشوش"، بل هو آخر السلسلة وعجلة خامسة وذو دور ثانوي يكاد لا يذكر إلا في منازلات الحمقى والبهاليل. كما يمكن ملاحظة غياب تجديد تشريعي وقانوني للحياة الثقافية ورهاناتها ومستلزماتها، وتردد في تبني مشاريع قوانين جديدة، مثل قانون الفنان، وقانون الملكية الفكرية، ومشاريع تقنين المؤسسات الثقافية والمسرحية المعطلة وشبه الخاوية. كما أن الفاعل الثقافي الخاص هو بدوره يكاد يضمحل وينحسر في مجازفات فردية دون قدرة فعل حقيقي في الواقع الاجتماعي أو المواطني لأنه يشتغل دون ضمانات وبلا حماية اجتماعية وبمستوى دعم ضعيف، ينتظر الدعم المالي لسنوات فيشيب ويفلس وتتوه الأفكار ولا يأتي الدعم. هذا التعطل أو العطالة لم تجد آليات جديدة لمواجهتها وتكاد تكون الوزارة المعنية بالشأن الثقافي اليوم غير قادرة على التغيير ولا على تجنب كارثة موت الثقافة.
ربما تحتاج الثقافة إلى رجة حتى تعود إلى مسالك البحث عن فعل تغيير حقيقي، ربما تحتاج الآن إلى أن تأخذ من لحظة 25 جويلية لتتحرر. الدستور الجديد منح الثقافة نفس امتياز الدستور السابق وربما أكثر من حيث دور ممكن للمثقف في أن يدافع عن قضايا العدالة وحقوق الشعوب والحق في الثقافة والتنمية عبر الثقافة. غير أن المسألة لا تتحدد أو تحوز أهميتها عبر الدستور فقط بل في أرضيات معرفية واجتماعية وثقافية متجذرة في حياة الناس ولها علاقة بالتربية والتعلم والذوق والجمالية وروح المجموعة. أرضيات يمكن أن تسمح بدور ثوري للمثقف والفنان وليس بدور صوري فلكلوري أو دور كلونسكي ميت. وهو ما يبدو مفقودا اليوم هذا الدور البطولي الحقيقي، وربما هو حلم ينضاف إلى جملة الأحلام المهدورة. أن يتبنى الوطن ثورة ثقافية تحرر العقول والأبدان وتحي الخيال وتعزز القيم.
المسرح بدوره انحسر دوره وتكاد تنتهي احتفالاته جميعها إلى مناسبات خاوية بلا متضمن ولا متجوز ولا خرائط حقيقية لإبداعه. لقد كف أغلب المبدعين عن الكتابة والخلق وصاروا مشاهدين أو متابعين حيرى لموت مسرح تونسي كان رياديا في الوطن العربي. ولا تفعل وزارة الثقافة غير لكز وهمز وتتفيه أي فكر مجدد أو مبدع لسيرورات جديدة أو لهيكلية مقترحة. لم يتجدد قانون تنظيم الحياة المسرحية منذ الثمانينات، وحتى إلغاء لجنة التوجية المسرحي بعد الثورة صار مسألة شكلية لا حقيقة فعلية لها في حرية الإبداع. أضف إلى عجز وخوف من تطوير هيكلة المؤسسات المسرحية العمومية والخاصة وتقنين دورها، بل الأدهى هو سلوك إبقاء المجالات معلقة دون نظر ولا أخذ قرار ولا تغيير نحو آفاق أخرى أو مشاريع مختلفة، وجعلها تحت "دعها معلقة حتى تندثر" وهو شعار يهيمن على مجالات عدة ويكاد يكونا إشهارا مجانيا للكسل و"الركشة" والتقعيد.
إننا اليوم دون فكر ما بعد الحداثة ومرجعيات الابتكار والخلق الفني الجديدة، أننا خارج تاريخ الفعل الفني والإبداعي الذي كنا نحايثه ونتبع خطاه. اليوم نحن بعيدون جدا حتى عن ما يقع حولنا من تقدم وتطور للفنون وللتقنيات. ولم نع بعد برهان نحت مسارات جديدة للفن، تعول على هدم المترهل والمعطل واختلاق أفكار أخرى تحرر فنوننا ومسرحنا من ربقة هذه الأزمة الشاملة. إننا تائهون ودون بوصلة ولا إسطرلاب، بل على حافة هاوية ثقافية وشيكة.
الأمل يبقى في اليقظة وفي قفزة الفن خارج أسوار هذه العتمة
وفي انتظار مسار 17 ديسمبر 2022 وإمكانية الخروج من مأزق الانتظار، الجميع مطالبون بالبحث عن رهانات التحرر الحقيقي وتجاوز خيبات الفراغ والفوضى. على الوزارة المعنية بالثقافة النظر بعمق إلى أهمية صياغة مشروع ثقافي جديد، واجتذاب المثقفين والفنانين إلى مجالات العمل والاستشراف بحثا عن بدائل. الوزارة دورها أساسي وضروري كما كل الفاعلين لخوض مواجهة حقيقية لفشل منظومتنا الثقافية منذ عقود وانكماشها، ولمواجهة انطفاء هذا الحلم. الأزمة تكاد تكون شاملة وعلى الجميع الانتباه إلى مشروعية حلم ثقافي تونسي، بقدر ما يتأخر اقتراحه وتبنيه بقدر ما يزداد حجم الخسارة والفقد وتتلاشى الأرضيات، ولن نقدر عندها لا على العودة ولا على المضي نحو الآتي. وربما يستحيل عندها أي إنقاذ ويبقى فقط شاغلنا الوحيد النفخ في الرماد.
أيمن الزغدودي لـ"الصباح": وضع سيء يصعب التكهن بمخرجاته
تونس - الصباح
تتمثل السمة الأبرز للجمهورية الجديدة في تهميش مؤسسات الدولة مقابل تعظيم مكانة مؤسسة رئاسة الجمهورية حيث يتمتع رئيس الجمهورية بصلاحيات واسعة دون أن يكون خاضعا لأي مساءلة. وفي المقابل تُساءل بقية السلطات العامة مثل البرلمان الذي يمكن سحب الوكالة من أعضائه وحتى حله من طرف رئيس الجمهورية الذي يختص أيضا بتعيين الحكومة وإقالتها. وتعتبر هذه الوضعية أخطر من الوضع الذي كان سائدا قبل الثورة، حيث إن نظام الاقتراع المعتمد حاليا يقصي الأحزاب السياسية وهو ما سيفرز برلمانا فسيفسائيا يصعب إيجاد تحالفات مستقرة داخله وبالتالي تهديد استمرارية مرافق الدولة من خلال تعطيل مسار إعداد مشاريع القوانين والمصادقة عليها. لذلك فإن الوضع بالنسبة للبرلمان المقبل سيكون أسوأ مما كان عليه الأمر في البرلمانات السابقة بناء على ما حدده دستور 2022 من مهام للوظيفة التشريعية بعد أن كانت في السابق مؤسسة تشريعية.
راضية الجربي لـ"الصباح": الحضور الضعيف للمرأة في البرلمان مخيب للأمل
تونس – الصباح
تحدثت راضية الجربي، رئيسة الاتحاد الوطني للمرأة عن الجمهورية الجديدة أو تونس ما بعد انتخابات 17 ديسمبر 2022 لـ"الصباح"، وبدأت حديثها بعبارة "للأسف أننا حاليا نزلنا إلى ما تحت "القاع"، وليس أمامنا أي خيار سوى الإقلاع والتقدم. وهذا ما هو منتظر من الجمهورية الجديدة. لكن أن يكون ذلك في وقت قصير أم طويلة مسألة غير معلومة في تقديري. لأننا لسنا على السكة الصحيحة 100% . إذ لكي نستطع إرجاع الأمل للشباب والمرأة والثقة بين المواطن والدولة إلى حد الآن. لأن هناك الكثير من التعثر.
وترى رئيسة الاتحاد الوطني للمرأة التونسية أنه رغم الغموض الكبير وعدم وجود مؤشر واضح وكاف لاستشراف المستقبل والتخطيط ووضع البرامج، الذي يكتنف المرحلة فإن تونس ماضية إلى مرحلة سياسية جديدة مغايرة عما كانت عليه. وفيما يتعلق بالمرأة أكدت أنه الجمهورية الجديدة لم ترجع وتوفر الاستقرار الحقوقي والنفسي للمرأة معتبرة أن تدني نسبة مشاركتها في الانتخابات التشريعية بنسبة 12 % تشكل سببا لتفسير الغموض والخوف الذي يتهددها. رغم ترسانة القوانين والتشريعات والسبب هو عدم توفر إرادة سياسية التي وصفتها بالمعطلة والبعيدة عن التنفيذ لأن فقه القضاء التونسي في علاقة بالقوانين والتشريعات الخاصة بالمرأة لا تزال غير مقتنعة بضرورة اتخاذ القرارات الحمائية والدليل تواتر وتعدد أحداث القتل والتنكيل بالمرأة بشكل يومي. بسبب التباطؤ في تنفيذ وتطبيق القوانين. إلى جانب التناقض بالنسبة لحماية النساء من العنف الزوجي والأسري والعنف الاقتصادي، رغم صدور الفصل 58.
وهي ترى أن الوضع المتأزم للمرأة يجعل التخوف من تواصله في الجمهورية الجديدة مسالة أخرى تساهم في تأزم الوضع خاصة فيما يتعلق بعدم المساواة في والعنف الذي تتعرض له المرأة الإطار والكفاءات النسائية وهو ما يعتبر عنفا مسكوتا عنه داخل الإدارة والمؤسسة التونسية. إلى جانب حضور المرأة في مواقع القرار ضعيف ووجود إجراءات تحرمها من الوصول إلى مواقع القرار والتمتع بحقها في الصعود في السلم الوظيفي.
وهي ترى أنه على الجمهورية الجديدة العمل على الأخذ بعين الاعتبار مثل هذه المسائل من أجل ضمان تحقيق التطور المطلوب والاستثمار في العنصر النسائي والكفاءات العديدة في مختلف المجالات. واعتبرت أن الطريق إلى ذلك يشترط ضرورة العمل على تغيير العقليات أولا عبر تغيير مناهج تربوية وتعليمية باعتماد ثقافة دينية تحث على احترام المواطنة والقيم السمحة دون الاكتفاء بالقوانين والتشريعات في هذا الجانب.
ولم تخف راضية الجربي ما تشعر به من خيبة أمل في السابق, وهي تعتبر أن قطع البرلمان القادم مع الصورة السيئة والسلبية للبرلمانات السابقة يعد مطلبا ضروريا من أجل تكريس دولة المساواة واعتبرت في تدني نسبة المرأة في هذا البرلمان نقطة أخرى تعزز مخاوفها عن مكاسب ومطالب الحريات في تونس خاصة عن كيفية تطبيق الديمقراطية في برلمان لا تتساوى فيه أصوات النساء وأصوات الرجال. واعتبرت صورة البرلمان القادم كفيلة وحدها بتقديم إجابة عن واقع وتخوفات المرأة في الجمهورية الجديدة. وأضافت: "الدولة لا تبنى بالتشريعات والدساتير فقط فالدستور مهم ولكن الوضوح في الرؤية السياسية أهم لكي ترجع الثقة في الدولة ومؤسساتها".
وهي تعتبر أيضا أن قضايا المرأة في مرتبة قضايا وطن، لكن تراكم الأزمات الاقتصادية والاجتماعية وغلاء الأسعار وعجز التعاطي الحكومي مع الوضع في ظل تراكم التشريعات "الصامتة" من العوامل التي تجعل من الصعب التنبؤ بحقيقة الوضع مستقبلا بل تدفع لمزيد من الحذر والخوف. لذلك ترى محدثتنا أن استماع الحكومة والجهات الرسمية في الدولة إلى جملة المطالب والمقترحات المرفوعة سواء في علاقة بحقوق المرأة التي تعتبر حقوق الإنسان بعيدا عن الحقوق الفئوية والقطاعية الضيقة يعد ضرورة لوضع الجمهورية الجديدة على السكة الصحيحة للدولة المدنية المتطورة التي انتظرها وحلم بها الجميع لأن بلادنا تزخر بالكفاءات والثروات القادرة على ضمان ازدهارها نموها. لأن الدولة برامج وتصورات ومخططات تعطي الطمأنة للمواطن والنتائج العملية لأبنائها وجميع القطاعات. وهي الشرط الأساسي لإرجاع هبة الدولة ومؤسساتها، في تقديرها.
عبد الستار السحباني: وضع مغاير تماما والمغامرة بـ"ثورة" مستبعد
تونس – الصباح
يرى عبد الستار السحباني، المختص في علم الاجتماع ورئيس جمعية.. أن توفر جملة من المعطيات والمؤشرات في هذه المرحلة تجعل من الصعب الحكم أو تقييم المرحة القادمة في تونس على جميع المستويات. وأفاد في حديثه عن المسألة لـ"الصباح"، أن هناك عديد الملاحظات التي يمكن أن يسوقها وتختزل في أبعادها ودلالتها الوضع الذي ستكون عليه الجمهورية الجديدة في مرحلة ما بعد الاستثناء، تتمثل الأولى، حسب رأيه، في ما ميز الحملة الانتخابية للانتخابات التشريعية الأخيرة وصافا إياها "بالمغايرة" وبأشكال وآليات اتصال وتواصل مختلفة عن الحملات السابقة التي عرفتها المحطات الانتخابية في جميع السياقات والمراحل السياسية. وتتمثل الثانية في الضعف الكبير الذي اتسم به المجتمع السياسي لاسيما بالنسبة للطبقة السياسية المعارضة لمسار 25 جويلية وما حالة الضعف والوهن التي بدت عليها. إضافة إلى عدم وضوح الرؤية حول ما يمكن أن يكون عليه البرلمان المقبل نظرا لعدم دراية الجميع بالخلفية السياسية للمترشحين في هذه الانتخابات. والعامل الآخر أن التونسي لم يعد له هاجس حب معرفة من فاز بمقعد في البرلمان من عدمه بعد ترذيل صورة البرلمان وتردي أدائه ودوره في العشرية الماضية.
فالوضع في تقدير الجامعي والباحث في علم الاجتماع في المرحلة القادمة مرشح لتطور خاصة أن التونسي يهتم بشكل كبير بالسياسة، لكن الأمر سيكون مختلفا في هذه الفترة التي تتزامن مع العطلة المدرسية والجامعية وعطلة رأس السنة الميلادية التي تلاقي اهتماما كبيرا من المواطن التونسي بمختلف الطبقات الاجتماعية.
لكن ذلك لن يؤثر على متابعة واهتمام المواطن بالوضع بشكل عام في الدولة خاصة أن انتظاراته من الجمهورية الجديدة عديدة وهو انتظار عقلاني الأمر الذي يجعله مستعدا للانخراط في أي شيء إذا ما اقتضى الأمر ويمكن أن لا ينخرط أيضا. لأن المختص في علم الاجتماع المتابع للشأن الوطني خاصة في علاقة بما هو سياسي يذهب أيضا إلى أن دخول الشارع التونسي في مغامرة ثورة جديدة مسألة مستبعدة وذلك بسبب فشل ثورة 2011 التي سقط ضحيتها عدد كبير من الشهداء والجرحى إضافة إلى عدم نجاح ثورة 25 جويلية 2021 فيما لا ينفي إمكانية حدود مغامرات فردية كردة فعل على تواصل الوضع المتردي للمجتمع بصفة خاصة. وفسر ذلك بما يواجهه المواطنون اليوم من عدم توفر أبسط مقومات العيش والدواء والعلاج وتردي منظومة النقل والصحة والتعليم وغيرها من الخدمات الأخرى.
كما يعتبر أن الغموض الذي يكتنف المنظومة الجديدة سواء في علاقة بالمترشحين لمجلس نواب الشعب أو شكل المؤسسة التشريعية في الجمهورية الجديدة التي تنقسم إلى برلمان ومجلس اقتصادي واجتماعية والغموض أيضا الذي يحف بمن سيكونون هذا المؤسسة في ظل عدم معرفة طبيعة وشكل التحالفات الممكنة وتوجهاتها ومكونات هذا المجلس من سياسيين أم "كناطرية" أم كفاءات أو شخصيات نكرة ولا تفقه شيئا لأن هذه الفرضيات والأسئلة ستكون لها تداعايتها على الوضع في الجمهورية الجديدة. خاصة أن المرأة والشباب من المنتظر أن يكون لهما حضور ضئيل في مؤسسات الدولة.
ويرى محدثنا أن الغموض الذي يكتنف المشهد العام في الدولة في المرحلة المقبلة وعدم وجود أجوبة واضحة وبرنامج واضح المعالم من العوامل التي ستلقي بظلالها على الوضع العام في الجمهورية الجديدة، والأمر لا يتعلق بالبرلمان دون سواه وإنما يشمل أيضا الحكومة الجديدة والقطاعات الاقتصادية والاجتماعية. معتبرا أن رئيس الجمهورية بدوره غير قادر على امتلاك الأجوبة الفعلية حول طبيعة الجمهورية الجديدة. وهو ما يجعل المشهد في تقديره مغايرا تماما لما كان عليه الوضع والأمر في السنوات والمراحل الماضية.
تطوي بلادنا اليوم صفحة أخرى من تاريخها السياسي المعاصر بعد الخروج تقريبا من مرحلة الاستثناء والعبور إلى الجمهورية "الجديدة" بعد طي المرحلة الأولى من انتخابات 17 ديسمبر 2022 استعدادا لتركيز البرلمان القادم، في ظل تواتر الدعوات والانتظارات لتركيز حكومة جديدة ومواصلة تركيز مؤسسات الدولة بعد بعث المجلس الاقتصادي والاجتماعي والمحكمة الدستورية. لتدخل بذلك بلادنا مرحلة أخرى في تاريخها المعاصر الذي عرفت فيه أربعة دساتير إلى حد الآن، أولها دستور 1959 وآخرها الدستور الذي كان محل استفتاء يوم 25 جويلية الماضي ولا يزال يثير الجدل الواسع في أوساط دستورية وقانونية وحقوقية وسياسية، وذلك بعد قرار رئيس الجمهورية قيس سعيد القطع مع الجمهورية الثانية التي أفرزها دستور 2014، الذي كان بدوره محل جدل ومؤاخذات واسعة دفع أعدادا كبيرة من المواطنين للخروج في ذكرى عيد الجمهورية سنة 2021 مطالبين بإسقاط المنظومة والمؤسسات التي أفرزتها من بينها حل مجلس النواب والحكومة.
ولعل ما يميز هذه الجمهورية الجديدة في نظر المتابعين للشأن الوطني والمختصين في القانون الدستوري والفاعلين والناشطين في منظمات وهياكل وطنية وحقوقية ومدنية والمختصين في مجالات ذات صلة بما هو اقتصادي وسياسي واجتماعي هو "الغموض" الذي يكتنفها وعدم وضوح الرؤية وملامح مشروع هذه الجمهورية التي يقف على تأسيسها رئيس الجمهورية قيس سعيد في ظل الصلاحيات التي منحه إياها الدستور الجديدة بعد أن كانت صلاحيات محدودة في دستور 2014. فكانت هذه "الصلاحيات" الواسعة وغير مشفوعة برقابة، من العوامل التي أججت الرأي السياسي والحقوقي بشكل خاص ليس في أوساط المعارضة لمسار ما بعد 25 جويلية فحسب وإنما من قبل المساندين له أيضا على اعتبار أن الحرية والمناخ الديمقراطي مكاسب لا يمكن التراجع عنها من ناحية وخوفا من إمكانية ارتداد الوضع في هذا الجانب إلى مربع الديكتاتورية. وبقدر ما رافق مساندي مسار 25 جويلية من انتظارات واسعة وتطلعات كبيرة لتغيير الوضع في مرحلة ما بعد القطع مع منظومة الحكم السابقة لتلك المرحلة، لاسيما في ظل الوعود التي قطعها رئيس الجمهورية في كل إطلالاته. وقد توفرت جملة من العوامل الاقتصادية والسياسية والاجتماعية التي أدت إلى العبور "الناعم" من الجمهورية الثانية إلى جمهورية جديدة، وفق ما نص على ذلك الدستور الجديد، لتدخل بذلك بلادنا مرحلة جديدة في التاريخ السياسي وتجربة سياسية أقرب للمغامرة وفق قراءات البعض، رغم الغموض وعدم وجود برنامج واضح المعالم حول "طعم ولون" هذا المشروع الجديد، إلا أن حقيقة الوضع الراهن الصعب والمتردي، على اعتبار أنه نتيجة لسياسية الحكم خلال العشرية السابقة ودورها في تكريس الفساد الذي نخر كل مؤسسات الدولة، ورغبة الأغلبية في التغيير وعدم العودة إلى ما قبل مسار 25 جويلية مقابل الدعم الخارجي الواسع لسياسية سعيد كلها من العوامل التي شكلت حزاما للسلطة الحاكمة اليوم لتمضي قدما في تكريس تجربة جديدة لمنظومة حكم جديد دون معرفة ما يمكن أن تؤول إليه الأوضاع خاصة في ظل ما تمر به المالية العمومية من صعوبات بعد قرار صندوق النقد الدولي "تأجيل" آمال حصول بلادنا على القرض المنتظر لمساعدتها على "حلحلة" جانب من أزمتها.
ورغم تباين ردود الأفعال والقراءات حول هذه الجمهورية الجديدة وتخوفات البعض من فشل "المشروع" والعودة إلى مربع المنظومة "الهجينة"، في ظل عدم تشريك الفاعلين السياسيين وغيرهم من الهياكل والمنظمات والخبراء المختصين في مجالات اقتصادية وسياسية ودستورية في "هندسة" الخطوط العريضة لأسس صرح هذه الجمهورية، إلا أن صمت القواعد الشعبية المطبق وعدم انخراطها في محاولات استدراجها من قبل القوى المعارضة للمسار الذي يقوده رئيس الجمهورية والرافضة لكل محاولة لتغيير منظومة الحكم والمس من تشريعاتها مثلت عاملا آخر راهن عليه سعيد في مشروعه لبناء وهندسة تفاصيل الجمهورية الجديدة، بعيدا عن "أعين" معارضيه كما مسانديه.
فتتجه الأنظار إلى مرحلة "تجريب" سياسية أخرى لتونس جديدة بعد أن خَبِرَ المواطن التونسي في السنوات الأخيرة مراحل مختلفة من التجارب السياسية وتمرس على الانتظار والمهادنة والرفض أو القبول دون أن يتأثر أو ينجر وراء أجندات "العنف". "الصباح" فتحت ملف الجمهورية الجديدة مع عدد من الفاعلين في المشهد العام والمتابعين لشأن الوطني فكانت القراءات والمواقف متباينة.
إعداد نزيهة الغضباني
------------
حمادي بن جاء بالله لـ"الصباح": هذه مقترحاتي لإعادة الاعتبار للدولة والمواطن
تونس – الصباح
أكد الدكتور والجامعي المختص في الفلسفة، في حديثه عن الجمهورية الجديدة لـ"الصباح"، أن الإجابة عن سؤال: ماذا بعد انتخابات 17 ديسمبر 2022 ؟ يحيل بالضرورة إلى القول "لاشيء إلا العود إلى جادة الحق نظرا لما تتبعها من أسئلة واستفهامات من قبيل الم تكن بادرة 25جويلية 2021 كافية لخلاص الوطن؟ نعم كانت بادرة جعلت الأسوأ وراءنا، ولكن الأصعب بقي أمامنا. وقد افسد علينا الاستبداد بالحكم إلى حد الفردانية. المطلقة، معاني بادرة التحرير الوطني السابقة الذكر، فتاهت بنا السبل وانتقلنا من ''الاستشارة''المزعومة، إلى الدستور الحزين لنصل إلى هذه الانتخابات التي كانت أقرب "لتافهة".
فمطامع المصالح العاجلة أعمت البصائر عن المطامح البعيدة، والعجز الفكري منع توقع القادم ودفع الكثير إلى استرعاء الذئاب. ولا أظن أن حكم تونس من سنة 2011 حتى 25 جويلية 2021 على غير ما وصفت: حقد دفين منفجر، ودمار شامل منتشر. وهل ثمة اليوم قطاع واحد من حياتنا الوطنية لم يلحقه من "الخوانجية ضرر، يعسر تداركه دون تضحيات دامية؟
وأضاف بن جاء بالله "يقيني انه لولا متانة الأركان التي قامت عليها دولة الاستقلال على أيدي تونسيين بررة ومناضلين صادقين بقيادة الزعيم الحبيب بورقيبة رحمة الله، لذهبت تونس مع الرياح. وذلك ما يفسر موقفي الحذر من انتخاب السيد قيس سعيد رئيسا للجمهورية في انتخابات 2019 وقد عبرت وفسرت سبب ذلك.
غير أنه لابد له من أن يعترف أنه خدم الرجعيين -موضوعيا – منذ توليه السلطة خدمة ما كانوا يحلمون بها. فقد أحيى أمواتهم، ومد لهم في التظلم ومعاودة المخاتلة والتنظم داخل البلاد وخارجها، بعد أن ذهبت بريحهم موضوعيا بادرة 25جويلية 2021. وهذا سيكون له تداعيات على الجمهورية الجديدة.
فرحبت الجماهير التونسية بتلك البادرة، وكان يمكن لها أن تجعل من المواطن قيس سعيد لا مجرد رئيس بل زعيما وطنيا، حرر البلاد من الاستعمار الداخلي، بعد أن حررها بورقيبة من الاستعمار الخارجي. ولكن جرت الرياح بما لا تشتهي السفن.
وكنت يومها كتبت وقلت في منابر عديدة ان 25جويلية جعل ''الأسوأ وراءنا ولكن الأصعب أمامنا''. وإنما كان ذلك تقديرا مني أنه ليس أسوأ من الخوانجية في جميع الحالات."
واستخلص محدثنا القول "لذلك كان الأمر يتطلب معرفة نظرية بحقيقة التحولات الاجتماعية، وقدرة عملية على مغالبة الصعاب، البنيوي الواطد، والعرضي الطارئ. غير انه يبدو أن السيد الرئيس استكثر على نفسه معاني 25 جويلية ففضل منصب الرئيس الزائل على مقام الزعيم الباقي. وما كان ذلك ليضر أحدا لو لم تترتب عليه سلوكات ومواقف تمس الوطن ماضيا وحاضرا ومستقبلا.
فهل فعل السيد الرئيس شيئا يذكر في إصلاح مدرسة الجمهورية او – على الأقل– من اجل حمايتها من هجمة الظلاميين "القرضاويين" محمولة بترف "البيترودولار" يغدق على ما سمي –دجلا - ''الاتحاد العالمي لعلماء المسلمين''؟ وإلحاق أفدح الضرر بمؤسساته وأولها المؤسسة التربوية والقضائية والاقتصادية. فما من احد ينكر ان الفساد سرى في جميع مؤسسات الدولة، ولكن ثمة فرق كبير بين الهيئة القضائية ولفيف من القضاة الذين اخطأوا في حق أنفسهم وفي حق القضاء، مثل "الحفنة" التي سمت أفرادها مشكورة هيئة الدفاع عن شهيدي الوطن شكري بلعيد ومحمد البراهمي. وفرق كبير بين طبقة او هيئة الصناعيين والتجار والفلاحين ومجموعة من ''المستكرشين'' و''المهربين'' و''مصاصي الدماء" الموجودين في كل البلدان ومن عاداتهم أن يتكاثرون في ازمنة الحكم الفاسد عامة، وأزمنة الحكم الفاسد الفرداني خاصة.
ومن شان هذا الوضع الذي أنتجته تلك المقاربة ''السياسية'' أن يصبح الإصلاح حلما بعيد المنال. ويبدو لي أحيانا أن ذلك الأسلوب الذي كثيرا ما ينتهي بالضرورة –اخلاقيا وسياسيا.
واني لباق على العهد:
فلا مجال للعود إلى ما قبل 25 جويلية 2021 تاريخ عيد الجمهورية وعيد تخليصها من الاستعمار الداخلي. وفرق بينه وبين ما يمكن أن يكون ''الانقلاب''. فلا مجال اليوم لمحاورة الأحزاب التي شاركت في جريمة تخريب الوطن وفي مقدمتها حزب "الخوانجية"، دون إن يحرم أي كان مستقبلا من أي حق من حقوقه الاجتماعية المدنية والسياسية. ولا بد من محاربة جميع أشكال الفساد وهو ما لا يكون إلا من اختصاص قضاء مستقل عادل يخلّص نفسه بنفسه ممن لم يحترم نفسه ولم يكن عند ما يقتضيه الواجب. فلا خير يرجى ممن فضل سفاسف الأمور على أعاليها واذا تلكأت عناصر من الهيئة القضائية القائمة عن الامتثال للواجب، تركنا أمرهم للبرلمان المقبل. ولا سبيل بحال من الأحوال الى المس بالهيئة القضائية بحجة تعنت بعض عناصرها!
نعم! لقد تكاثرت اليوم المخاطر الحافة بوطننا، ويقضى الواجب الوطني بأن تتعاظم في مقابل ذلك إرادة التصدي لها. فما من وطني إلا وهو آسف لما انتهت إليه أوضاعنا سياسيا وتربويا وثقافيا وصحيا واقتصاديا وماليا...ألا إنه التحت الذي لا تحت تحته ! وما من خير يرتجى من أي شكل من أشكال المكابرة! وما من احد يرضيه أن نكون في وضع المتسول أمام أبواب المانحين عامة وأولهم صندوق النقد الدولي.
ولكن في تقديري ما خان قيس سعيد أكثر من قيس سعيد!
بقي الآن سؤال ما بعد هذه الانتخابات. فما العمل غدا؟
صونا لسلامة الوطن داخليا وخارجيا والتزاما متجددا بمسيرة التحول الديمقراطي المعطلة في اتجاه الارتقاء بالدولة الوطنية، دولة الاستقلال، إلى مصاف الدولة الوطنية الديمقراطية وذلك لتحقيق أحلام التونسيين جميعا، نساء ورجالا، في التمتع بالحق في ''الشغل والحرية والكرامة الوطنية''؟
ليس في تقديري المتواضع أيسر ولا أجدى مما كنت اقترحته على الأخ نورالدين الطبوبي منذ حوالي أربع سنوات. فان نعرف بحق هو أن نقدّر أنفسنا نظريا على التوقع وحساب الاحتمالات، واستشراف المستقبل. وان نتوقع هو أن نقدّر أنفسنا عمليا على الفعل الناجع في اللحظة المناسبة. ويبدو لي انه لامناص اليوم، وقد حصحص الحق، من العود إلى جادة الحق ولو كانت العودة مؤلمة. فالحق دائما أحق أن يتبع! وتقضي جادة الحق اليوم قبل الغد:
1/-ببعث ائتلاف اجتماعي تحت رئاسة السيد رئيس الجمهورية، يكون من أهم مكوناته الاتحاد العام التونسي للشغل، والاتحاد التونسي للصناعة والتجارة والصناعات التقليدية، والاتحاد التونسي للفلاحة والصيد البحري وتكون وظيفته إعانة الرئيس على تسيير دواليب الدولة لمدة أقصاها ثلاثة أشهر. ولهذا الائتلاف الاجتماعي أن يستأنس بمن يراه صالحا من بقية المنظمات الوطنية (فنانين، أطباء، صيادلة، محامين، قضاة الخ..) ومن الأحزاب السياسية التي لم تتورط في حكم الترويكا.
-2/بالشروع مباشرة في صياغة قانون انتخابي يمنح التونسية والتونسي حقوقا متساوية في الانتخاب والترشح ويمكن من إنتاج أغلبية قادرة على الحكم ببرنامج معروف مسبقا.
3-الأعداد ماديا وفكريا وقيميا لانتخابات تشريعية ورئاسية يعلم عن نتائجها يوم 20مارس 2023 في أقصى تقدير، رمزا لعودة تونس المستقلة إلى أبنائها الخلّص والى أصالتها التاريخية...
وليس مما يحتاج إلى بيانه أن مجمل المسائل والمحاسبات والإصلاحات التي نخوض فيها وأضنت جهودنا، وفلّت حديدنا اليوم عبثا، ستجد الحلول الملائمة في إطار البرلمان الشرعي المقبل. ويقيني انه سنكون يومئذ أقدر على إسماع صوتنا للعالم كله، لأننا سنكون اقدر على الإصغاء إليه. ولن توصد أمامنا أبوابا ألفناها تنفتح لنا تلقائيا. وهل يصعب شيء على شعب علمه تاريخه المجيد وأخذ عن أبطاله البررة، كيف يضرب المواعيد مع التاريخ؟"
---------------------
محسن حسن لـ"الصباح": وضع اقتصادي صعب سيزداد قتامة
تونس – الصباح
في قراءته للوضع الاقتصادي في تونس في مرحلة ما بعد الانتخابات التشريعية وما بعد الخروج من مرحلة الاستثناء أفاد محسن حسن، المستشار الاقتصادي الدولي ووزير المالية السابق لـ"الصباح"، أن تشخيص وتقييم الوضع الراهن انطلاقا من المعطيات والمؤشرات المتوفرة تقود حتما إلى الحديث عن الوضع الاقتصادي في بلادنا في المستقبل القريب، وأضاف قائلا: "من الواضح، وبغض النظر عن المسار السياسي وما تضمنه من مواقف متناقضة، لا أرى أن هناك نجاحا تحقق في الجانب الاقتصادي لتونس بالقدر الذي كان يرجوه أنصار مسار 25 جويلية. بل خرجنا من وضع اقتصادي سيء قبل تلك المرحلة إلى وضع سيء ومترد إلى أبعد الحدود، خاصة أن بلادنا خارجة من أزمة كوفيد 19" العالمية فضلا عن تداعيات الحرب الروسية الأوكرانية، لكن تعاطي الحكومة مع الوضع ساهم في تأزيم الوضع لأنها تفتقد للكفاءات وليس لها دراية بحقيقة الوضع ولا ما هو مطلوب منها وغير قادرة على تقديم المطلوب".
وأفاد محدثنا أن حكومة نجلاء بودن جانبت ما كان مطلوبا منها لافتقادها الكفاءات المطلوبة لاسيما أن بلادنا تعاني صعوبات بالجملة. وأضاف قائلا: "ففي مستوى دفع محركات النمو، للأسف الشديد منذ 25 جويلية 2021 إلى اليوم كل محركات النمو أصبحت معطلة في مستوى الاستثمار والإنتاج والتصدير مقابل تراجع القدرة الشرائية إلى ما نسبته 21.5% لتصبح كل محركات النمو معطلة تماما تقريبا أمام حكومة مكتوفة الأيدي".
وأفاد الخبير والمستشار الاقتصادي الدولي أن السبب في ذلك هو أن حكومة بودن لم تعلن وتقدم برنامجا لإنعاش الاقتصاد، بل بقيت مكتوفة الأيدي أمام تواصل انهيار وتعطل عجلة الاقتصاد الوطني. لينجر عن ذلك، وفق تقديره، تسجيل ضعف في مستوى النمو الاقتصادي لم يتجاوز 2.5 % إضافة إلى ارتفاع في نسبة البطالة لأكثر من 15% وارتفاع في نسبة الفقر إلى 21.5% مسجلة زيادة بـ5 نقاط عن مرحلة ما قبل أزمة "كوفيد 19"، إضافة إلى تعمق الفوارق الاجتماعية وتآكل الطبقة الوسطى. ويعتبر الخبير والمستشار الاقتصادي الدولي أن بلادنا تزخر بالكفاءات في جميع الاختصاصات الاقتصادية وغيرها، القادرة على ضمان تحقيق التطور وإحداث النقلة النوعية للاقتصاد الوطني بعد تطوير منظومات التعليم والتكوين والاستثمار والصناعة والاقتصاد وغيرها.
وفي جانب المالية العمومية يرى محسن حسن أن الوضع يشهد تأزما يوما بعد يوم، مفسرا ذلك بما يسجل من عجز في الميزانية قد يصل إلى 10 % هذه السنة. وذلك في ظل عدم التوصل إلى اتفاق مع صندوق النقد الدولي حول حصول تونس على قرض لطالما انتظرته، وحمل المسؤولية في عدم الاتفاق هذا إلى الحكومة. ليضاف ذلك إلى العجز الجاري نتيجة لتوسع العجز المسجل في الميزان التجاري. لينتج عن العجزين ضغط على ميزان الدفوعات وضغط على الدين العمومي، وبالتالي تواصل اللجوء لتداين أمام فشل الحكومة في إمكانية تقليص العجز المسجل في أول سنة 2022. ويرى محدثنا أن فشل الحكومة في التعاطي مع هذا الوضع نتج عنه تضخم متواصل، وهي كلها، في قراءته للوضع الاقتصادي، عبارة عن تراكمات من شأنها أن تؤثر على الوضع في المستقبل وتحدد مآلاته.
إذ قال في تطرقه للوضع الاقتصادي في تونس في المرحلة القادمة: "أتوقع أن الوضع الاقتصادي سيزداد قتامة في سنة 2023 لسبب بسيط وهو أن أزمة المالية العمومية ستتواصل أمام الفرص الضائعة للحكومة وضعف التوصل إلى اتفاق مع صندوق النقد الدولي، ليزداد مستوى التضخم الذي لن يعرف تراجعا إلى مع منتصف سنة 2023".
في نفس السياق بين أن هذه العوامل والصعوبات التي "تكيّف" الظروف الاقتصادية والمالية الصعبة مستقبلا من المنتظر أن تكون سببا لتفجر أزمة اجتماعية حادة في المرحلة القادمة.
في المقابل يعتبر محسن حسن أن تونس تتوفر على عديد المقومات الكفيلة بأن تجعل منها قطبا اقتصاديا في حوض البحر الأبيض المتوسط، وحمل مسؤولية عدم القدرة على تحويل هذه المقدرات إلى واقع وحقيقة تطور الاقتصاد الوطني إلى النخبة السياسية الحاكمة، وقال في نفس السياق: "للأسف الشديد أن النخبة الحاكمة عجزت على تثمين وإعطاء منوال اقتصادي جديد وسياسيات اقتصادية ومالية جديدة قادرة على تحويل ما تزخر به بلادنا من ثروات إلى موارد تنمية وتطور في الاقتصاد سواء تعلق الأمر بالفلاحة أو بعض الصناعات إضافة إلى الفشل في تحقيق التوازنات الاقتصادية الكبرى والمطلوبة".
ويرى محسن حسن أنه كان بالإمكان تدارك جوانب من العجز والصعوبات في هذه المرحلة إذا ما تم حوار وطني تم فيه فتح المجال للكفاءات الاقتصادية لينتج عنه سياسة اقتصادية متطورة تشمل القطاعات الواعدة على غرار الانتقال الطاقي والاقتصاد الرقمي والتربية والتعليم وغيرها. لأنه يعتبر أن المخرج من الوضع لا يكون إلا عبر حوار وطني اقتصادي تشارك فيه الكفاءات التي تزخر بها بلادنا وتفتقدها الحكومة الحالية، وفق تقديره. لأن ذلك ينجر عنه إيجاد طرق جديدة في الإنتاج خاصة في بعض المواد الاستهلاكية المفقودة في السوق اليوم على غرار الحليب واللحوم الحمراء والزيوت، إضافة إلى وضع سياسية للمالية العمومية. وشدد محسن حسن على أن الدولة لا تقوم على الحكومة وحدها بل يجب العودة بالأساس إلى الكفاءات والخيارات الوطنية. معتبرا أن الوضع المتردي الذي عليه البلاد اليوم هو نتيجة للنزعة الفردية وعدم القدرة على الاستثمار في الأزمات وتحويلها إلى فرص اقتصادية. ويعتبر المستقبل الاقتصادي صعبا وعلى غاية من القتامة لأن الحكومة الحالية غير قادرة على إدارة الأزمة.
--------------------
سامي النصري لـ"الصباح": تجديد تشريعي وقانوني للحياة الثقافية ورهاناتها ومستلزماتها
تونس – الصباح
فيما يرى الدكتور سامي النصري، وهو جامعي ومخرج مسرحي، في تطرقه لنفس الموضوع لـ"الصباح"، أنه لا يمكن الحديث عن الجمهورية الجديدة دون العودة إلى وضعها في سياقاتها. لأن "25 جويلية" تاريخ هام وراهن في مسار تحولات تونس ما بعد 2011، ربما لأنه تعلقت بتلك اللحظة آمال واستباقات وانتظارات، بشرت بتحولات جمة وكثيفة، وبإمكانية تجاوز أزمة ما عاشه البلد طيلة سنوات، وربما عقود، من الخيبات ومن ضياع حلم بناء وطن متماسك ومتوازن ومفعم بالأمل والحلم. انتظر الوطن انبعاثا جديدا لروح ثورية حقيقية مصححة ما وقع، تدفع ولا تنكص، تقاوم ولا تتوانى، بروح أسطورية بأجنحة الكائن المينيرفي تبدل لنا في رمشة عين الخراب إلى جمال. ربما أهمية هذا التاريخ أتت أيضا من الروح التونسية المحولة للعنف المحتمل إلى حالة تغيير ضرورية دون اللجوء للتقاتل والصراع العنفي المنبني على الإقصاء وطرح الجثث و"الكاوبوي" المستشري. على قدر أهمية هذا التاريخ يجيء الحلم الثقافي بواقع مغاير ومختلف للحركة الثقافية والفكرية مرتكزا على أسس تونسية بحتة امتازت منذ ما بعد الاستقلال بالعمل على الأرضيات الانتروبولوجية وصياغة مشروع ثقافي يراعي الخصوصية ويفتح الافاق لمواطنة كونية لا منبتة ولا مستنسخة ولا هي مغتربة، بل مؤسسة على تونسة فريدة ومتفردة. كما تحتضن الماضي وتلامسه تجذب المستقبل والتقدم، وتبني حوارا استشرافيا مع الممكن. صاغت تونس مشروعها الثقافي بشكل متفرد فكانت سباقة للحداثة ومؤمنة بالانفتاح دون خوف ولا وجل. ولقد كانت دائما مغامرة كما قالها محمود المسعدي، واجهت الخوف من الآخر وخاضت صراعاتها بفخر وندية وبرأس مرفوع رغم هزائمها أحيانا. هكذا اليوم نحتاج إلى مشروع ثقافي مستقبلي يؤمنا ويوحدنا، مشروع يعيد الحياة لهذا البلد، ويعطيه الأمل. هل هناك بوادر لذلك؟
لا يخفى على المتأمل أن الحالة الراهنة للحياة الثقافية معطلة وشبه متوقفة إلا بعض مواعيد باهتة ومكررة، وتغيب الثقافة على النقاش السياسي والإعلامي ولا نرى المثقفين إلا في بعض موائد التفاهة و"الركركة"، خارج الفعل وداخل الاستهلاك. فالمقترح الثقافي الرسمي يواجه تحديات جمة أهمها غياب دور للمؤسسة الثقافية الفنية، وانحسار دور المثقف والفنان في بوتقة الهامش والمعطل وغير المجدي و"الفشوش"، بل هو آخر السلسلة وعجلة خامسة وذو دور ثانوي يكاد لا يذكر إلا في منازلات الحمقى والبهاليل. كما يمكن ملاحظة غياب تجديد تشريعي وقانوني للحياة الثقافية ورهاناتها ومستلزماتها، وتردد في تبني مشاريع قوانين جديدة، مثل قانون الفنان، وقانون الملكية الفكرية، ومشاريع تقنين المؤسسات الثقافية والمسرحية المعطلة وشبه الخاوية. كما أن الفاعل الثقافي الخاص هو بدوره يكاد يضمحل وينحسر في مجازفات فردية دون قدرة فعل حقيقي في الواقع الاجتماعي أو المواطني لأنه يشتغل دون ضمانات وبلا حماية اجتماعية وبمستوى دعم ضعيف، ينتظر الدعم المالي لسنوات فيشيب ويفلس وتتوه الأفكار ولا يأتي الدعم. هذا التعطل أو العطالة لم تجد آليات جديدة لمواجهتها وتكاد تكون الوزارة المعنية بالشأن الثقافي اليوم غير قادرة على التغيير ولا على تجنب كارثة موت الثقافة.
ربما تحتاج الثقافة إلى رجة حتى تعود إلى مسالك البحث عن فعل تغيير حقيقي، ربما تحتاج الآن إلى أن تأخذ من لحظة 25 جويلية لتتحرر. الدستور الجديد منح الثقافة نفس امتياز الدستور السابق وربما أكثر من حيث دور ممكن للمثقف في أن يدافع عن قضايا العدالة وحقوق الشعوب والحق في الثقافة والتنمية عبر الثقافة. غير أن المسألة لا تتحدد أو تحوز أهميتها عبر الدستور فقط بل في أرضيات معرفية واجتماعية وثقافية متجذرة في حياة الناس ولها علاقة بالتربية والتعلم والذوق والجمالية وروح المجموعة. أرضيات يمكن أن تسمح بدور ثوري للمثقف والفنان وليس بدور صوري فلكلوري أو دور كلونسكي ميت. وهو ما يبدو مفقودا اليوم هذا الدور البطولي الحقيقي، وربما هو حلم ينضاف إلى جملة الأحلام المهدورة. أن يتبنى الوطن ثورة ثقافية تحرر العقول والأبدان وتحي الخيال وتعزز القيم.
المسرح بدوره انحسر دوره وتكاد تنتهي احتفالاته جميعها إلى مناسبات خاوية بلا متضمن ولا متجوز ولا خرائط حقيقية لإبداعه. لقد كف أغلب المبدعين عن الكتابة والخلق وصاروا مشاهدين أو متابعين حيرى لموت مسرح تونسي كان رياديا في الوطن العربي. ولا تفعل وزارة الثقافة غير لكز وهمز وتتفيه أي فكر مجدد أو مبدع لسيرورات جديدة أو لهيكلية مقترحة. لم يتجدد قانون تنظيم الحياة المسرحية منذ الثمانينات، وحتى إلغاء لجنة التوجية المسرحي بعد الثورة صار مسألة شكلية لا حقيقة فعلية لها في حرية الإبداع. أضف إلى عجز وخوف من تطوير هيكلة المؤسسات المسرحية العمومية والخاصة وتقنين دورها، بل الأدهى هو سلوك إبقاء المجالات معلقة دون نظر ولا أخذ قرار ولا تغيير نحو آفاق أخرى أو مشاريع مختلفة، وجعلها تحت "دعها معلقة حتى تندثر" وهو شعار يهيمن على مجالات عدة ويكاد يكونا إشهارا مجانيا للكسل و"الركشة" والتقعيد.
إننا اليوم دون فكر ما بعد الحداثة ومرجعيات الابتكار والخلق الفني الجديدة، أننا خارج تاريخ الفعل الفني والإبداعي الذي كنا نحايثه ونتبع خطاه. اليوم نحن بعيدون جدا حتى عن ما يقع حولنا من تقدم وتطور للفنون وللتقنيات. ولم نع بعد برهان نحت مسارات جديدة للفن، تعول على هدم المترهل والمعطل واختلاق أفكار أخرى تحرر فنوننا ومسرحنا من ربقة هذه الأزمة الشاملة. إننا تائهون ودون بوصلة ولا إسطرلاب، بل على حافة هاوية ثقافية وشيكة.
الأمل يبقى في اليقظة وفي قفزة الفن خارج أسوار هذه العتمة
وفي انتظار مسار 17 ديسمبر 2022 وإمكانية الخروج من مأزق الانتظار، الجميع مطالبون بالبحث عن رهانات التحرر الحقيقي وتجاوز خيبات الفراغ والفوضى. على الوزارة المعنية بالثقافة النظر بعمق إلى أهمية صياغة مشروع ثقافي جديد، واجتذاب المثقفين والفنانين إلى مجالات العمل والاستشراف بحثا عن بدائل. الوزارة دورها أساسي وضروري كما كل الفاعلين لخوض مواجهة حقيقية لفشل منظومتنا الثقافية منذ عقود وانكماشها، ولمواجهة انطفاء هذا الحلم. الأزمة تكاد تكون شاملة وعلى الجميع الانتباه إلى مشروعية حلم ثقافي تونسي، بقدر ما يتأخر اقتراحه وتبنيه بقدر ما يزداد حجم الخسارة والفقد وتتلاشى الأرضيات، ولن نقدر عندها لا على العودة ولا على المضي نحو الآتي. وربما يستحيل عندها أي إنقاذ ويبقى فقط شاغلنا الوحيد النفخ في الرماد.
أيمن الزغدودي لـ"الصباح": وضع سيء يصعب التكهن بمخرجاته
تونس - الصباح
تتمثل السمة الأبرز للجمهورية الجديدة في تهميش مؤسسات الدولة مقابل تعظيم مكانة مؤسسة رئاسة الجمهورية حيث يتمتع رئيس الجمهورية بصلاحيات واسعة دون أن يكون خاضعا لأي مساءلة. وفي المقابل تُساءل بقية السلطات العامة مثل البرلمان الذي يمكن سحب الوكالة من أعضائه وحتى حله من طرف رئيس الجمهورية الذي يختص أيضا بتعيين الحكومة وإقالتها. وتعتبر هذه الوضعية أخطر من الوضع الذي كان سائدا قبل الثورة، حيث إن نظام الاقتراع المعتمد حاليا يقصي الأحزاب السياسية وهو ما سيفرز برلمانا فسيفسائيا يصعب إيجاد تحالفات مستقرة داخله وبالتالي تهديد استمرارية مرافق الدولة من خلال تعطيل مسار إعداد مشاريع القوانين والمصادقة عليها. لذلك فإن الوضع بالنسبة للبرلمان المقبل سيكون أسوأ مما كان عليه الأمر في البرلمانات السابقة بناء على ما حدده دستور 2022 من مهام للوظيفة التشريعية بعد أن كانت في السابق مؤسسة تشريعية.
راضية الجربي لـ"الصباح": الحضور الضعيف للمرأة في البرلمان مخيب للأمل
تونس – الصباح
تحدثت راضية الجربي، رئيسة الاتحاد الوطني للمرأة عن الجمهورية الجديدة أو تونس ما بعد انتخابات 17 ديسمبر 2022 لـ"الصباح"، وبدأت حديثها بعبارة "للأسف أننا حاليا نزلنا إلى ما تحت "القاع"، وليس أمامنا أي خيار سوى الإقلاع والتقدم. وهذا ما هو منتظر من الجمهورية الجديدة. لكن أن يكون ذلك في وقت قصير أم طويلة مسألة غير معلومة في تقديري. لأننا لسنا على السكة الصحيحة 100% . إذ لكي نستطع إرجاع الأمل للشباب والمرأة والثقة بين المواطن والدولة إلى حد الآن. لأن هناك الكثير من التعثر.
وترى رئيسة الاتحاد الوطني للمرأة التونسية أنه رغم الغموض الكبير وعدم وجود مؤشر واضح وكاف لاستشراف المستقبل والتخطيط ووضع البرامج، الذي يكتنف المرحلة فإن تونس ماضية إلى مرحلة سياسية جديدة مغايرة عما كانت عليه. وفيما يتعلق بالمرأة أكدت أنه الجمهورية الجديدة لم ترجع وتوفر الاستقرار الحقوقي والنفسي للمرأة معتبرة أن تدني نسبة مشاركتها في الانتخابات التشريعية بنسبة 12 % تشكل سببا لتفسير الغموض والخوف الذي يتهددها. رغم ترسانة القوانين والتشريعات والسبب هو عدم توفر إرادة سياسية التي وصفتها بالمعطلة والبعيدة عن التنفيذ لأن فقه القضاء التونسي في علاقة بالقوانين والتشريعات الخاصة بالمرأة لا تزال غير مقتنعة بضرورة اتخاذ القرارات الحمائية والدليل تواتر وتعدد أحداث القتل والتنكيل بالمرأة بشكل يومي. بسبب التباطؤ في تنفيذ وتطبيق القوانين. إلى جانب التناقض بالنسبة لحماية النساء من العنف الزوجي والأسري والعنف الاقتصادي، رغم صدور الفصل 58.
وهي ترى أن الوضع المتأزم للمرأة يجعل التخوف من تواصله في الجمهورية الجديدة مسالة أخرى تساهم في تأزم الوضع خاصة فيما يتعلق بعدم المساواة في والعنف الذي تتعرض له المرأة الإطار والكفاءات النسائية وهو ما يعتبر عنفا مسكوتا عنه داخل الإدارة والمؤسسة التونسية. إلى جانب حضور المرأة في مواقع القرار ضعيف ووجود إجراءات تحرمها من الوصول إلى مواقع القرار والتمتع بحقها في الصعود في السلم الوظيفي.
وهي ترى أنه على الجمهورية الجديدة العمل على الأخذ بعين الاعتبار مثل هذه المسائل من أجل ضمان تحقيق التطور المطلوب والاستثمار في العنصر النسائي والكفاءات العديدة في مختلف المجالات. واعتبرت أن الطريق إلى ذلك يشترط ضرورة العمل على تغيير العقليات أولا عبر تغيير مناهج تربوية وتعليمية باعتماد ثقافة دينية تحث على احترام المواطنة والقيم السمحة دون الاكتفاء بالقوانين والتشريعات في هذا الجانب.
ولم تخف راضية الجربي ما تشعر به من خيبة أمل في السابق, وهي تعتبر أن قطع البرلمان القادم مع الصورة السيئة والسلبية للبرلمانات السابقة يعد مطلبا ضروريا من أجل تكريس دولة المساواة واعتبرت في تدني نسبة المرأة في هذا البرلمان نقطة أخرى تعزز مخاوفها عن مكاسب ومطالب الحريات في تونس خاصة عن كيفية تطبيق الديمقراطية في برلمان لا تتساوى فيه أصوات النساء وأصوات الرجال. واعتبرت صورة البرلمان القادم كفيلة وحدها بتقديم إجابة عن واقع وتخوفات المرأة في الجمهورية الجديدة. وأضافت: "الدولة لا تبنى بالتشريعات والدساتير فقط فالدستور مهم ولكن الوضوح في الرؤية السياسية أهم لكي ترجع الثقة في الدولة ومؤسساتها".
وهي تعتبر أيضا أن قضايا المرأة في مرتبة قضايا وطن، لكن تراكم الأزمات الاقتصادية والاجتماعية وغلاء الأسعار وعجز التعاطي الحكومي مع الوضع في ظل تراكم التشريعات "الصامتة" من العوامل التي تجعل من الصعب التنبؤ بحقيقة الوضع مستقبلا بل تدفع لمزيد من الحذر والخوف. لذلك ترى محدثتنا أن استماع الحكومة والجهات الرسمية في الدولة إلى جملة المطالب والمقترحات المرفوعة سواء في علاقة بحقوق المرأة التي تعتبر حقوق الإنسان بعيدا عن الحقوق الفئوية والقطاعية الضيقة يعد ضرورة لوضع الجمهورية الجديدة على السكة الصحيحة للدولة المدنية المتطورة التي انتظرها وحلم بها الجميع لأن بلادنا تزخر بالكفاءات والثروات القادرة على ضمان ازدهارها نموها. لأن الدولة برامج وتصورات ومخططات تعطي الطمأنة للمواطن والنتائج العملية لأبنائها وجميع القطاعات. وهي الشرط الأساسي لإرجاع هبة الدولة ومؤسساتها، في تقديرها.
عبد الستار السحباني: وضع مغاير تماما والمغامرة بـ"ثورة" مستبعد
تونس – الصباح
يرى عبد الستار السحباني، المختص في علم الاجتماع ورئيس جمعية.. أن توفر جملة من المعطيات والمؤشرات في هذه المرحلة تجعل من الصعب الحكم أو تقييم المرحة القادمة في تونس على جميع المستويات. وأفاد في حديثه عن المسألة لـ"الصباح"، أن هناك عديد الملاحظات التي يمكن أن يسوقها وتختزل في أبعادها ودلالتها الوضع الذي ستكون عليه الجمهورية الجديدة في مرحلة ما بعد الاستثناء، تتمثل الأولى، حسب رأيه، في ما ميز الحملة الانتخابية للانتخابات التشريعية الأخيرة وصافا إياها "بالمغايرة" وبأشكال وآليات اتصال وتواصل مختلفة عن الحملات السابقة التي عرفتها المحطات الانتخابية في جميع السياقات والمراحل السياسية. وتتمثل الثانية في الضعف الكبير الذي اتسم به المجتمع السياسي لاسيما بالنسبة للطبقة السياسية المعارضة لمسار 25 جويلية وما حالة الضعف والوهن التي بدت عليها. إضافة إلى عدم وضوح الرؤية حول ما يمكن أن يكون عليه البرلمان المقبل نظرا لعدم دراية الجميع بالخلفية السياسية للمترشحين في هذه الانتخابات. والعامل الآخر أن التونسي لم يعد له هاجس حب معرفة من فاز بمقعد في البرلمان من عدمه بعد ترذيل صورة البرلمان وتردي أدائه ودوره في العشرية الماضية.
فالوضع في تقدير الجامعي والباحث في علم الاجتماع في المرحلة القادمة مرشح لتطور خاصة أن التونسي يهتم بشكل كبير بالسياسة، لكن الأمر سيكون مختلفا في هذه الفترة التي تتزامن مع العطلة المدرسية والجامعية وعطلة رأس السنة الميلادية التي تلاقي اهتماما كبيرا من المواطن التونسي بمختلف الطبقات الاجتماعية.
لكن ذلك لن يؤثر على متابعة واهتمام المواطن بالوضع بشكل عام في الدولة خاصة أن انتظاراته من الجمهورية الجديدة عديدة وهو انتظار عقلاني الأمر الذي يجعله مستعدا للانخراط في أي شيء إذا ما اقتضى الأمر ويمكن أن لا ينخرط أيضا. لأن المختص في علم الاجتماع المتابع للشأن الوطني خاصة في علاقة بما هو سياسي يذهب أيضا إلى أن دخول الشارع التونسي في مغامرة ثورة جديدة مسألة مستبعدة وذلك بسبب فشل ثورة 2011 التي سقط ضحيتها عدد كبير من الشهداء والجرحى إضافة إلى عدم نجاح ثورة 25 جويلية 2021 فيما لا ينفي إمكانية حدود مغامرات فردية كردة فعل على تواصل الوضع المتردي للمجتمع بصفة خاصة. وفسر ذلك بما يواجهه المواطنون اليوم من عدم توفر أبسط مقومات العيش والدواء والعلاج وتردي منظومة النقل والصحة والتعليم وغيرها من الخدمات الأخرى.
كما يعتبر أن الغموض الذي يكتنف المنظومة الجديدة سواء في علاقة بالمترشحين لمجلس نواب الشعب أو شكل المؤسسة التشريعية في الجمهورية الجديدة التي تنقسم إلى برلمان ومجلس اقتصادي واجتماعية والغموض أيضا الذي يحف بمن سيكونون هذا المؤسسة في ظل عدم معرفة طبيعة وشكل التحالفات الممكنة وتوجهاتها ومكونات هذا المجلس من سياسيين أم "كناطرية" أم كفاءات أو شخصيات نكرة ولا تفقه شيئا لأن هذه الفرضيات والأسئلة ستكون لها تداعايتها على الوضع في الجمهورية الجديدة. خاصة أن المرأة والشباب من المنتظر أن يكون لهما حضور ضئيل في مؤسسات الدولة.
ويرى محدثنا أن الغموض الذي يكتنف المشهد العام في الدولة في المرحلة المقبلة وعدم وجود أجوبة واضحة وبرنامج واضح المعالم من العوامل التي ستلقي بظلالها على الوضع العام في الجمهورية الجديدة، والأمر لا يتعلق بالبرلمان دون سواه وإنما يشمل أيضا الحكومة الجديدة والقطاعات الاقتصادية والاجتماعية. معتبرا أن رئيس الجمهورية بدوره غير قادر على امتلاك الأجوبة الفعلية حول طبيعة الجمهورية الجديدة. وهو ما يجعل المشهد في تقديره مغايرا تماما لما كان عليه الوضع والأمر في السنوات والمراحل الماضية.