إشترك في النسخة الرقمية لجريدة الصباح و LE TEMPS

أيّ تونس يريد التونسيون؟

بقلم: د.ريم بالخذيري

بقطع النظر عن المواقف الدّاعمة والرافضة لمسار 25جويلية 2021 وما ترتّب عنه من اجراءات فان الحدث في حدّ ذاته مفصلي في تاريخ البلاد ويؤسّس لحقبة جديدة قد تطول وقد تقصر .

في خضّم هذا لا يزال يبحث التونسيون و يحلمون بالوطن الذي يطيب فيه العيش بعد تتالي الخيبات منذ 2011.ولم تنجح 9حكومات و3رؤساء في ترجمة مطالب الشعب ولا يزال المسار نحو تحقيق آمال التونسيين محفوفا بالمخاطر رغم لانّ تحقيق الحلم في الرفاه في الأمن ورغد العيش والسّلم الاجتماعي لا تصنعها النّصوص وحدها انما هي نتاج لعوامل عدّة يأتي العمل على رأسها وهو العنصر المفقود منذ سنين.

فأيّ تونس يريد التونسيون بعد المصادقة على الدستور وقبيل الانتخابات التشريعية؟

المجتمع هو عبارة عن خيمة تشدّها ثلاثة أعمدة هي السياسة و الاقتصاد و المجتمع ولا يمكن أن تستوي بغياب أحدها.ويلخّصها الكاتب المسرحي النرويجي هنريك إبسن، في كتابه "أعمدة المجتمع"وترجم لعدد من اللغات.وتعدّ مرجعا في المسرح الواقعي.

تدور المسرحية حول غطاء المُثُل والتقاليد المُزيَّف، الذي يغلِّف المجتمع بمجموعة من الأكاذيب التقليدية، وتسعى المسرحية إلى الكشف عن نفاق القادة السياسيين واستغلالهم لجهل العامة، وتخلص المسرحية إلى نتيجة أنَّ الأشخاص البارزين والمشهورين ليسوا الركائز الحقيقية للمجتمع، وإنَّما قيم الحرية والصدق والعمل.

اليوم يحلم التونسيون بسياسة نظيفة ومجتمع عامل واقتصاد مزدهر.

السياسة "النظيفة"

لا يختلف اثنان أن السياسة هي عصب الحياة وقاطرة المجتمع كما لا يختلف اثنان أن السياسة استحوذت على كل المجالات خلال العشرية الماضية وهي مصدر معاناة التونسيين الذي أرهقهم تصابي السياسيين وممارسة السياسة القذرة في أغلب الأحيان .

حيث مارس السياسيون في تونس وخاصة الذين حكمونا السياسة على الطريقة الميكيافيلية والتي لخّصها في كتابه "الأمير" حيث يقول في بعض فصوله:

"أن تكون سياسة الأمير(الحكومة) مع محكوميه لا تهتم ولا تعبأ بقضايا الأخلاق كشأن العدل، الظلم، الخير، الشر ... بحيث إن غاية الأمير النهائية هي التمكين لسلطانه، والتعظيم لقوته، ولكي يتحقق ذلك عليه اللجوء إلى العديد من الوسائل بغض النظر عن أخلاقياتها، فتحقيق ذلك الهدف ممكن أن يستدعي الأمير إلى اللجوء للرذائل".

ويشدّد الكاتب والفيلسوف الايطالي نيقولا ميكافيلي على ضرورة امتلاك الحاكم القدرة على التلون اذ ينبغي للأمير(الحكام والسياسيين) أن يحافظ على العهد حين يعود ذلك عليه بالفائدة فقط، أما إذا كانت المحافظة على العهد لا تعود عليه بالفائدة فيجب عليه حينئذٍ أن يكون غدارًا. لكنه يرى في الوقت ذاته أنه من الضروري أن يكون الأمير قادرًا على إخفاء هذه الشخصية. وأن يكون داعيًّا كبيرًا، ومرائيًّا عظيمًا، والناس كثيرًا ما يصلون في السذاجة إلى الحد الذي يجعلهم ينخدعون بمثل هذا الادعاء كثيرًا.

أمّا يحلم به التونسيون فهو دولة تحكمها القوانين لا اللوبياّت ومؤسسات دستورية تسهر على حماية الحرية و الديمقراطية .و البداية يجب أن تكون بإرساء المحكمة الدستورية و تنصيب هيئات جديدة ليست صورية تعنى بالمعطيات الشخصية و بمقاومة الاتجار بالأشخاص و بحماية حقوق الطفل وأخرى تكرّس حرية الاعلام وتضمن تنوّعه .الى غير ذلك من الهيئات والمؤسسات التي تكون حارسا على الحاكم والمحكوم في نفس الوقت.حيث أن السلطة العليا يجب أن تكون للدستور و للهيئات المتفرعة عنه ولا مجال للسيطرة عليها ومحاولة تطويعها من أي كان .

مجتمع عامل

بالتوازي مع ترذيل المشهد السياسي واتخاذ السياسة من قبل الكثيرين وسيلة للتربّح والاثراء غير المشروع فقد التونسيون الرّغبة في العمل وأصبحت ثقافة الرّبح السهل هي السائدة وذلك عبر طرق غير مشروعة واستشرى الفساد والتكاسل. ولان الشعوب لا تتقدّم سوى بالعمل فلابد أن تعود الرغبة فيه واتقانه وهذا يمرّ حتما عبر تغيير العقليات وسن النصوص المشجعة عليه والاستثمار والابتكار وهو ما نفتقده في تونس فضلا عن سلّم المرتبات الذي لا يشجّع على العمل خاصة في قطاعات محددة .

والعمل هو المحرك للمجتمع كله وهو الضامن للحياة الكريمة والضامن لتحقق العدل والمساواة بين الناس حيث يكون العطاء على قدر العمل المنجز .

والعمل في جوهره هو ممارسة الحب في أرقى أنواعه وشعب يحبّ عمله ويتقنه هو بالضرورة شعب متحابّ ومتضامن عكس ما نرى اليوم من احتقان اجتماعي وفرقة وسوء سلوك .

التونسيون اليوم يحتاجون الحب في كل تفاصيل حياتهم اليومية وخاصة حبّ العمل وحب المؤسسة وحب الوطن .

اقتصاد مزدهر

لتونس الكثير من مقوّمات الازدهار الاقتصادي ولها موقع جغرافي يؤهلها لأن تكون قطبا صناعيا وخدماتيا في حوض المتوسط . وقد كانت كذلك في عصور سابقة ولا ينقصنا استعادة هذا الثقل سوى اجراءات بسيطة بإرادة سياسية تتلخّص في رفع كل القيود الممكنة للاستثمار .حيث أن بلادنا مع الأسف لا تزال متخلّفة كثيرا في هذا المجال .ويعود ذلك لقدم النصوص القانونية المنظمة له وعدم تماشيها مع الواقع.

والمطلوب وضع خطط جدية وجديدة لخلق الثروة واعادة الانتاج والانفتاح على الأسواق العالمية خاصة الواعدة منها.

لقد طالت معاناة التونسيين وأتعبتهم أحلامهم البسيطة التي يأبى السياسيون أن يحوّلوها الى حقيقة وواقع سهل التحقيق اذا ما اعدنا النظر في واقعنا وقرّرنا تغييره.

التونسيون يريدون استرجاع تونس التي أشار اليها عبد الرحمان بن خلدون في تفسيره لأصل الكلمة حيث يقول أنها أطلقت على حاضرة شمال إفريقيّة .وأرجع أصلها إلى ما عرف عن المدينة من ازدهار عمراني وحيوية اقتصادية وحركية ثقافية واجتماعية.وأشار إلى أنّ اسم «تونس» اشتقّ من وصف سكانها والوافدين عليها لما عرفوا به من طيب المعاشرة وكرم الضيافة وحسن الوفادة.

 

 

 

أيّ تونس يريد التونسيون؟

بقلم: د.ريم بالخذيري

بقطع النظر عن المواقف الدّاعمة والرافضة لمسار 25جويلية 2021 وما ترتّب عنه من اجراءات فان الحدث في حدّ ذاته مفصلي في تاريخ البلاد ويؤسّس لحقبة جديدة قد تطول وقد تقصر .

في خضّم هذا لا يزال يبحث التونسيون و يحلمون بالوطن الذي يطيب فيه العيش بعد تتالي الخيبات منذ 2011.ولم تنجح 9حكومات و3رؤساء في ترجمة مطالب الشعب ولا يزال المسار نحو تحقيق آمال التونسيين محفوفا بالمخاطر رغم لانّ تحقيق الحلم في الرفاه في الأمن ورغد العيش والسّلم الاجتماعي لا تصنعها النّصوص وحدها انما هي نتاج لعوامل عدّة يأتي العمل على رأسها وهو العنصر المفقود منذ سنين.

فأيّ تونس يريد التونسيون بعد المصادقة على الدستور وقبيل الانتخابات التشريعية؟

المجتمع هو عبارة عن خيمة تشدّها ثلاثة أعمدة هي السياسة و الاقتصاد و المجتمع ولا يمكن أن تستوي بغياب أحدها.ويلخّصها الكاتب المسرحي النرويجي هنريك إبسن، في كتابه "أعمدة المجتمع"وترجم لعدد من اللغات.وتعدّ مرجعا في المسرح الواقعي.

تدور المسرحية حول غطاء المُثُل والتقاليد المُزيَّف، الذي يغلِّف المجتمع بمجموعة من الأكاذيب التقليدية، وتسعى المسرحية إلى الكشف عن نفاق القادة السياسيين واستغلالهم لجهل العامة، وتخلص المسرحية إلى نتيجة أنَّ الأشخاص البارزين والمشهورين ليسوا الركائز الحقيقية للمجتمع، وإنَّما قيم الحرية والصدق والعمل.

اليوم يحلم التونسيون بسياسة نظيفة ومجتمع عامل واقتصاد مزدهر.

السياسة "النظيفة"

لا يختلف اثنان أن السياسة هي عصب الحياة وقاطرة المجتمع كما لا يختلف اثنان أن السياسة استحوذت على كل المجالات خلال العشرية الماضية وهي مصدر معاناة التونسيين الذي أرهقهم تصابي السياسيين وممارسة السياسة القذرة في أغلب الأحيان .

حيث مارس السياسيون في تونس وخاصة الذين حكمونا السياسة على الطريقة الميكيافيلية والتي لخّصها في كتابه "الأمير" حيث يقول في بعض فصوله:

"أن تكون سياسة الأمير(الحكومة) مع محكوميه لا تهتم ولا تعبأ بقضايا الأخلاق كشأن العدل، الظلم، الخير، الشر ... بحيث إن غاية الأمير النهائية هي التمكين لسلطانه، والتعظيم لقوته، ولكي يتحقق ذلك عليه اللجوء إلى العديد من الوسائل بغض النظر عن أخلاقياتها، فتحقيق ذلك الهدف ممكن أن يستدعي الأمير إلى اللجوء للرذائل".

ويشدّد الكاتب والفيلسوف الايطالي نيقولا ميكافيلي على ضرورة امتلاك الحاكم القدرة على التلون اذ ينبغي للأمير(الحكام والسياسيين) أن يحافظ على العهد حين يعود ذلك عليه بالفائدة فقط، أما إذا كانت المحافظة على العهد لا تعود عليه بالفائدة فيجب عليه حينئذٍ أن يكون غدارًا. لكنه يرى في الوقت ذاته أنه من الضروري أن يكون الأمير قادرًا على إخفاء هذه الشخصية. وأن يكون داعيًّا كبيرًا، ومرائيًّا عظيمًا، والناس كثيرًا ما يصلون في السذاجة إلى الحد الذي يجعلهم ينخدعون بمثل هذا الادعاء كثيرًا.

أمّا يحلم به التونسيون فهو دولة تحكمها القوانين لا اللوبياّت ومؤسسات دستورية تسهر على حماية الحرية و الديمقراطية .و البداية يجب أن تكون بإرساء المحكمة الدستورية و تنصيب هيئات جديدة ليست صورية تعنى بالمعطيات الشخصية و بمقاومة الاتجار بالأشخاص و بحماية حقوق الطفل وأخرى تكرّس حرية الاعلام وتضمن تنوّعه .الى غير ذلك من الهيئات والمؤسسات التي تكون حارسا على الحاكم والمحكوم في نفس الوقت.حيث أن السلطة العليا يجب أن تكون للدستور و للهيئات المتفرعة عنه ولا مجال للسيطرة عليها ومحاولة تطويعها من أي كان .

مجتمع عامل

بالتوازي مع ترذيل المشهد السياسي واتخاذ السياسة من قبل الكثيرين وسيلة للتربّح والاثراء غير المشروع فقد التونسيون الرّغبة في العمل وأصبحت ثقافة الرّبح السهل هي السائدة وذلك عبر طرق غير مشروعة واستشرى الفساد والتكاسل. ولان الشعوب لا تتقدّم سوى بالعمل فلابد أن تعود الرغبة فيه واتقانه وهذا يمرّ حتما عبر تغيير العقليات وسن النصوص المشجعة عليه والاستثمار والابتكار وهو ما نفتقده في تونس فضلا عن سلّم المرتبات الذي لا يشجّع على العمل خاصة في قطاعات محددة .

والعمل هو المحرك للمجتمع كله وهو الضامن للحياة الكريمة والضامن لتحقق العدل والمساواة بين الناس حيث يكون العطاء على قدر العمل المنجز .

والعمل في جوهره هو ممارسة الحب في أرقى أنواعه وشعب يحبّ عمله ويتقنه هو بالضرورة شعب متحابّ ومتضامن عكس ما نرى اليوم من احتقان اجتماعي وفرقة وسوء سلوك .

التونسيون اليوم يحتاجون الحب في كل تفاصيل حياتهم اليومية وخاصة حبّ العمل وحب المؤسسة وحب الوطن .

اقتصاد مزدهر

لتونس الكثير من مقوّمات الازدهار الاقتصادي ولها موقع جغرافي يؤهلها لأن تكون قطبا صناعيا وخدماتيا في حوض المتوسط . وقد كانت كذلك في عصور سابقة ولا ينقصنا استعادة هذا الثقل سوى اجراءات بسيطة بإرادة سياسية تتلخّص في رفع كل القيود الممكنة للاستثمار .حيث أن بلادنا مع الأسف لا تزال متخلّفة كثيرا في هذا المجال .ويعود ذلك لقدم النصوص القانونية المنظمة له وعدم تماشيها مع الواقع.

والمطلوب وضع خطط جدية وجديدة لخلق الثروة واعادة الانتاج والانفتاح على الأسواق العالمية خاصة الواعدة منها.

لقد طالت معاناة التونسيين وأتعبتهم أحلامهم البسيطة التي يأبى السياسيون أن يحوّلوها الى حقيقة وواقع سهل التحقيق اذا ما اعدنا النظر في واقعنا وقرّرنا تغييره.

التونسيون يريدون استرجاع تونس التي أشار اليها عبد الرحمان بن خلدون في تفسيره لأصل الكلمة حيث يقول أنها أطلقت على حاضرة شمال إفريقيّة .وأرجع أصلها إلى ما عرف عن المدينة من ازدهار عمراني وحيوية اقتصادية وحركية ثقافية واجتماعية.وأشار إلى أنّ اسم «تونس» اشتقّ من وصف سكانها والوافدين عليها لما عرفوا به من طيب المعاشرة وكرم الضيافة وحسن الوفادة.