كان بيان المكتب التنفيذي الأخير لحركة النهضة، منسجما مع بيانات الحركة السابقة التي تحاول من خلالها كل مرة دحض كل الاتهامات التي تلاحقها والتنصّل من كل ما يدينها خاصة في علاقة بالقضايا المثارة ضد بعض قياداتها والتي تسعى الحركة دائما الى تصويرها كاستهداف سياسي لا أسس قانونية ولا قضائية لها.
ولئن كان دفاع الحركة عن نفسها، منطقي ومشروع في سياق معركة سياسية متواصلة بينها وبين رئيس الجمهورية منذ أكثر من سنة، فشلت خلالها الحركة في تحقيق أدنى انتصار وبقيت تراوح مكانها في خانة الرفض والتنديد، فان النهضة التي فقدت قوتها وتأثيرها السياسي باتت تسعى اليوم لاختلاق خصومات وإيجاد شماعات لتعليق كل فشلها وسوء ادارتها لمرحلة طويلة من الحكم سيطرت فيها على المشهد السياسي ولم تفكر أبدا أنها يمكن تكون على هامش هذا المشهد، وبالتالي لم تعمل على تركيز آليات وأدوات ومؤسسات تحمي التجربة الديمقراطية التي أرادتها على قياسها وعندما أصبحت اليوم خارج اللعبة اكتشفت هول ما فعلت بنفسها وبالتجربة ككل، بتركها كل الثغرات مفتوحة لتسرّب التسلط والاستبداد.
مهاجمة الإعلام..
في بيانها الأخير وفي علاقة بقضية التسفير وملفات الإرهاب التي تم بموجبها اخضاع بعض قيادات حركة النهضة للتحقيق، قالت حركة النهضة أنها»تدين خروج بعض وسائل الاعلام عن معايير المهنية وأخلاقياتها، وانخراطها المشبوه في التوظيف السياسوي والمحاكمات الإعلامية خدمة لإرادة الانقلابيين وبعض الأطراف الاستئصالية في تصفية الخصوم السياسيين لهم والتشفي منهم، وتتمسك الحركة بحقها القانوني في الدفاع عن نفسها والتتبع القضائي للمتورطين"، وإذ لم تحدد حركة النهضة من هي وسائل الاعلام المعنية بهجوم حركة النهضة وبتتبعها قضائيا، فان ذلك يبدو غير منطقي لأن الاعلام من واجبه الخوض في القضايا المطروحة والتي تشغل الرأي العام ومن حقه أيضا تناول كل الأطراف المتورطة بالتحليل والنقاش خاصة وأن الحركة وبصرف النظر على مسؤوليتها القانونية والقضائية في هذه الملفات الخطيرة والتي يبقى من دور القضاء وحده تحديدها وإصدار أحكام بالبراءة أو الإدانة، فإن مسؤولية الحركة كفاعل سياسي ثابت في هذه القضايا وهي مسؤولية لا يمكن إنكارها أو التنصّل منها..
ورغم أن المسؤولية السياسية هي مسؤولية أخلاقية بالأساس لا ترتّب استتباعات أو آثار قضائية، فإنها تبقى من المسؤوليات التي تفترض قدرا من الشجاعة للاعتراف بها في عملية تقييم ذاتي تؤسس لمراحل جديدة في حياة الأحزاب..، ولكن حتى المسؤولية السياسية تحاول حركة النهضة التنصّل منها واختلاق أسباب لذلك واليوم عندما تهاجم الإعلام فإنها تؤكد عدم تقبلها لفكرة المحاسبة حتى في معناها السياسي..
واذا كانت الحركة تشتكي اليوم من الاعلام وتهاجمه فهي كانت اول من عبث به وجعله إعلاما هشّا قابلا للتوظيف، فرغم حضورها التشريعي القوي خلال العشرية الماضية لم تسع حركة النهضة لوضع إطار تشريعي قوي للإعلام يساعده أن يكون حرّا ومستقلا ومتحرّرا من كل الضغوط والاكراهات والاستقطاب..، ولم تحرص الحركة على تحويل المراسيم الهشة التي يمارس في اطارها الفعل الصحفي إلى قوانين ملزمة وقوية..، كما لم تحرص على وضع سياسيات عمومية إعلامية ناجعة للإعلام العمومي ولا على حماية مؤسسات الاعلام الخاص بوضع ضمانات قوية تدعم استقلالية هذا الإعلام..، وكل ما حصل أن حركة النهضة عملت كحزب مسيطر على المشهد السياسي على وضع يدها على وسائل الاعلام وضمان مقعد يتكلم باسمها في البلاتوهات الاذاعية والتلفزية كما حرصت قياداتها على خلق بطانة إعلامية حولها.
وكل هذه السلوكيات لم تخدم الاعلام كمهنة مستقلة لها ضوابط واخلاقيات بقدر ما خدمت حركة النهضة في ظرفية معينة، واليوم تجد الحركة نفسها في مواجهة القليل مما زرعته، كما حدث وأن فعلت ودفعت الثمن عند تلكؤها في تركيز محكمة دستورية وفي تنقيح وتعديل القوانين المعادية للحقوق والحريات مثل الأمر المنظم لحالة الطوارئ ومثل مجلة المرافعات والعقوبات العسكرية.
وفي ذات البيان أشارت حركة النهضة أيضا الى أن التهم المثارة ضدها تهما كيدية وقضايا مفبركة دون أن تنتظر الحكم النهائي للقضاء خاصة وأن هذه القضايا ما زالت قيد التحقيق والبحث، كما اتهمت السلطة بأن إثارة هذه القضايا هدفها صرف الأنظار عن الازمة الراهنة وقال البيان أن السلطة القائمة فشلت في سياسة التغطية عن عجزها وفشلها في تحسين أوضاع الشعب الاجتماعية والمعيشية المتردية والزيادات المجحفة في الأسعار والنقص الفادح في المواد الغذائية الأساسية والسير بالبلاد نحو المجهول.
كما نددت الحركة »بظروف التحقيق وما رافقها من سوء معاملة لرئيس البرلمان ورئيس الحكومة الأسبق بما يرتقي إلى نيل من الكرامة والاحترام لرموز الدولة"، ووفق نص البيان والذي اعتبر هذه المعاملة شكلا من أشكال التعذيب الممنهج وانتهاكا لحقوق الإنسان كما جددت الحركة دعمها لاستقلالية القضاء وإدانتها لإلصاق تهمة الإرهاب بها .
وفي انتظار ما ستنتهي القضايا المثارة ضد قيادات من الحركة بعد انتهاء التحقيقات القضائية فان الوضعية السياسية لحركة النهضة تبدو اليوم غامضة وملتبسة خاصة بعد ان فقد الحزب الكثير من قوته في المشهد وتأثيره في الشارع.
منية العرفاوي
تونس- الصباح
كان بيان المكتب التنفيذي الأخير لحركة النهضة، منسجما مع بيانات الحركة السابقة التي تحاول من خلالها كل مرة دحض كل الاتهامات التي تلاحقها والتنصّل من كل ما يدينها خاصة في علاقة بالقضايا المثارة ضد بعض قياداتها والتي تسعى الحركة دائما الى تصويرها كاستهداف سياسي لا أسس قانونية ولا قضائية لها.
ولئن كان دفاع الحركة عن نفسها، منطقي ومشروع في سياق معركة سياسية متواصلة بينها وبين رئيس الجمهورية منذ أكثر من سنة، فشلت خلالها الحركة في تحقيق أدنى انتصار وبقيت تراوح مكانها في خانة الرفض والتنديد، فان النهضة التي فقدت قوتها وتأثيرها السياسي باتت تسعى اليوم لاختلاق خصومات وإيجاد شماعات لتعليق كل فشلها وسوء ادارتها لمرحلة طويلة من الحكم سيطرت فيها على المشهد السياسي ولم تفكر أبدا أنها يمكن تكون على هامش هذا المشهد، وبالتالي لم تعمل على تركيز آليات وأدوات ومؤسسات تحمي التجربة الديمقراطية التي أرادتها على قياسها وعندما أصبحت اليوم خارج اللعبة اكتشفت هول ما فعلت بنفسها وبالتجربة ككل، بتركها كل الثغرات مفتوحة لتسرّب التسلط والاستبداد.
مهاجمة الإعلام..
في بيانها الأخير وفي علاقة بقضية التسفير وملفات الإرهاب التي تم بموجبها اخضاع بعض قيادات حركة النهضة للتحقيق، قالت حركة النهضة أنها»تدين خروج بعض وسائل الاعلام عن معايير المهنية وأخلاقياتها، وانخراطها المشبوه في التوظيف السياسوي والمحاكمات الإعلامية خدمة لإرادة الانقلابيين وبعض الأطراف الاستئصالية في تصفية الخصوم السياسيين لهم والتشفي منهم، وتتمسك الحركة بحقها القانوني في الدفاع عن نفسها والتتبع القضائي للمتورطين"، وإذ لم تحدد حركة النهضة من هي وسائل الاعلام المعنية بهجوم حركة النهضة وبتتبعها قضائيا، فان ذلك يبدو غير منطقي لأن الاعلام من واجبه الخوض في القضايا المطروحة والتي تشغل الرأي العام ومن حقه أيضا تناول كل الأطراف المتورطة بالتحليل والنقاش خاصة وأن الحركة وبصرف النظر على مسؤوليتها القانونية والقضائية في هذه الملفات الخطيرة والتي يبقى من دور القضاء وحده تحديدها وإصدار أحكام بالبراءة أو الإدانة، فإن مسؤولية الحركة كفاعل سياسي ثابت في هذه القضايا وهي مسؤولية لا يمكن إنكارها أو التنصّل منها..
ورغم أن المسؤولية السياسية هي مسؤولية أخلاقية بالأساس لا ترتّب استتباعات أو آثار قضائية، فإنها تبقى من المسؤوليات التي تفترض قدرا من الشجاعة للاعتراف بها في عملية تقييم ذاتي تؤسس لمراحل جديدة في حياة الأحزاب..، ولكن حتى المسؤولية السياسية تحاول حركة النهضة التنصّل منها واختلاق أسباب لذلك واليوم عندما تهاجم الإعلام فإنها تؤكد عدم تقبلها لفكرة المحاسبة حتى في معناها السياسي..
واذا كانت الحركة تشتكي اليوم من الاعلام وتهاجمه فهي كانت اول من عبث به وجعله إعلاما هشّا قابلا للتوظيف، فرغم حضورها التشريعي القوي خلال العشرية الماضية لم تسع حركة النهضة لوضع إطار تشريعي قوي للإعلام يساعده أن يكون حرّا ومستقلا ومتحرّرا من كل الضغوط والاكراهات والاستقطاب..، ولم تحرص الحركة على تحويل المراسيم الهشة التي يمارس في اطارها الفعل الصحفي إلى قوانين ملزمة وقوية..، كما لم تحرص على وضع سياسيات عمومية إعلامية ناجعة للإعلام العمومي ولا على حماية مؤسسات الاعلام الخاص بوضع ضمانات قوية تدعم استقلالية هذا الإعلام..، وكل ما حصل أن حركة النهضة عملت كحزب مسيطر على المشهد السياسي على وضع يدها على وسائل الاعلام وضمان مقعد يتكلم باسمها في البلاتوهات الاذاعية والتلفزية كما حرصت قياداتها على خلق بطانة إعلامية حولها.
وكل هذه السلوكيات لم تخدم الاعلام كمهنة مستقلة لها ضوابط واخلاقيات بقدر ما خدمت حركة النهضة في ظرفية معينة، واليوم تجد الحركة نفسها في مواجهة القليل مما زرعته، كما حدث وأن فعلت ودفعت الثمن عند تلكؤها في تركيز محكمة دستورية وفي تنقيح وتعديل القوانين المعادية للحقوق والحريات مثل الأمر المنظم لحالة الطوارئ ومثل مجلة المرافعات والعقوبات العسكرية.
وفي ذات البيان أشارت حركة النهضة أيضا الى أن التهم المثارة ضدها تهما كيدية وقضايا مفبركة دون أن تنتظر الحكم النهائي للقضاء خاصة وأن هذه القضايا ما زالت قيد التحقيق والبحث، كما اتهمت السلطة بأن إثارة هذه القضايا هدفها صرف الأنظار عن الازمة الراهنة وقال البيان أن السلطة القائمة فشلت في سياسة التغطية عن عجزها وفشلها في تحسين أوضاع الشعب الاجتماعية والمعيشية المتردية والزيادات المجحفة في الأسعار والنقص الفادح في المواد الغذائية الأساسية والسير بالبلاد نحو المجهول.
كما نددت الحركة »بظروف التحقيق وما رافقها من سوء معاملة لرئيس البرلمان ورئيس الحكومة الأسبق بما يرتقي إلى نيل من الكرامة والاحترام لرموز الدولة"، ووفق نص البيان والذي اعتبر هذه المعاملة شكلا من أشكال التعذيب الممنهج وانتهاكا لحقوق الإنسان كما جددت الحركة دعمها لاستقلالية القضاء وإدانتها لإلصاق تهمة الإرهاب بها .
وفي انتظار ما ستنتهي القضايا المثارة ضد قيادات من الحركة بعد انتهاء التحقيقات القضائية فان الوضعية السياسية لحركة النهضة تبدو اليوم غامضة وملتبسة خاصة بعد ان فقد الحزب الكثير من قوته في المشهد وتأثيره في الشارع.