تجاوبت فرنسا إيجابيا مع دعوة تونس إلى مراجعة بنود اتفاقية الشراكة مع الاتحاد الأوروبي وتطويرها بما يتماشى مع التحولات الاقتصادية الراهنة، مؤكدة دعمها لمساعي تونس من أجل شراكة متوازنة وعادلة تستجيب لهذه التحولات. ويأتي هذا الموقف الفرنسي منسجما في جوهره مع رؤية الدولة، على أعلى مستوى، إلى ضرورة مراجعة هذه الاتفاقية حتى تكون أكثر نجاعة واستجابة للتحولات الراهنة. وهو توجه كان قد دعا إليه رئيس الجمهورية قيس سعيد في أكثر من مناسبة، مشددا على ضرورة إعادة النظر في فحوى الاتفاقية حتى تكون أكثر «توازنا وعدلا»، بما يعكس، أولا، ثبات الموقف التونسي من هذا الملف، وثانيا، أن المراجعة المنشودة لم تعد اليوم مجرد طرح تونسي، وإنما أصبحت، في ظل هذا التجاوب الفرنسي، من الملفات المطروحة على طاولة الشراكة الأوروبية، بكل ما تحمله من أبعاد اقتصادية وسياسية وإستراتيجية.
وفي هذا الخصوص، جاء إعلان وزير أوروبا والشؤون الخارجية الفرنسي، جان نويل بارو، خلال اتصاله بوزير الشؤون الخارجية والهجرة والتونسيين بالخارج، محمد علي النفطي، عن مساندة تونس في مساعيها الرامية إلى مراجعة الاتفاقية وإقامة شراكة أكثر توازنا وعدلا، ليمنح هذا الملف دفعا جديدا، خاصة أن تونس كانت قد أكدت في أكثر من مناسبة أن الاتفاقية الموقعة في 17 ماي 1995 والنافذة منذ سنة 1998 لم تعد تستجيب بصورة عملية للتحولات التي عرفها الاقتصاد العالمي، وللتغيرات العميقة التي طرأت على البيئة الجيوسياسية والاقتصادية الدولية.
ولعل أهمية الموقف الفرنسي لا تكمن فقط في مضمونه، وإنما أيضا في توقيته، باعتباره يأتي بعد سلسلة من المواقف التونسية الرسمية التي أعادت طرح مسألة مراجعة الاتفاقية باعتبارها ضرورة ملحة تفرضها التحولات الجديدة، وباعتبار أن الشراكة لا يمكن أن تستمر بالتوجه ذاته الذي قامت عليه قبل أكثر من ثلاثة عقود، حيث أصبح من الضروري إعطاء نفس جديد لهذه الاتفاقية حتى تتناغم جميع بنودها مع مقتضيات المرحلة الراهنة.
ضبط بوصلة الشراكة
منذ فترة، جعل رئيس الجمهورية قيس سعيد من مراجعة عدد من الاتفاقيات الدولية، وفي مقدمتها اتفاقية الشراكة مع الاتحاد الأوروبي، جزءا من تصور شامل لعلاقات تونس الخارجية، مشددا على ضرورة أن يقوم هذا التوجه على الندية والاحترام المتبادل وتحقيق المصالح المشتركة، بعيدا عن منطق العلاقات غير المتوازنة أو الاتفاقيات التي تستمر في إفراز النتائج نفسها رغم تغير الظروف والسياقات التي أُبرمت فيها.
وقد جدد رئيس الدولة هذا الموقف خلال استقباله، أواخر شهر أوت الماضي، وزير الخارجية الألماني يوهان فاديفول بقصر قرطاج، عندما دعا إلى مراجعة عدد من الاتفاقيات، ومن بينها اتفاقية الشراكة مع الاتحاد الأوروبي، حتى تكون "أكثر توازنا وأكثر عدلا".
وقبل ذلك، كان رئيس الجمهورية قد أثار المسألة ذاتها خلال الاتصال الهاتفي الذي جمعه بالرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون يوم 20 مارس 2026، مؤكدا أهمية مراجعة الاتفاقية بما يجعلها أكثر توازنا وإنصافا.
وتكشف جميع هذه المحطات أن الموقف التونسي لم يكن مطلقا ظرفيا أو رهين معطيات وتطورات دبلوماسية بعينها، وإنما هو خيار سياسي واضح يتجه إلى إعادة النظر في الإطار الذي يحكم طبيعة العلاقات الاقتصادية والتجارية مع الفضاء الأوروبي، بما يتناغم مع المصالح الوطنية والتحولات التي شهدها الاقتصاد العالمي خلال العقود الثلاثة الماضية.
وهذا الطرح يستمد شرعيته من أن الاتفاقية التي أُبرمت في منتصف تسعينيات القرن الماضي جاءت في سياق دولي واقتصادي مختلف تماما عن السياق الراهن. كما أنه منذ ذلك التاريخ تغيرت خارطة التجارة الدولية، وتطورت سلاسل القيمة، وبرزت رهانات وتحديات جديدة، على غرار الطاقة والرقمنة والتحول التكنولوجي، كما أعادت الأزمات الاقتصادية والصراعات الإقليمية والدولية تشكيل أولويات الدول وشراكاتها.
ومن هذا المنطلق، فإن دعوة رئيس الجمهورية قيس سعيد إلى المراجعة لا تعني مطلقا الانسحاب من الفضاء الأوروبي، بقدر ما تعكس رغبة جدية في تطوير الاتفاقية وإعادة ملاءمتها مع الواقع الراهن، بما يجعلها أكثر قدرة على خدمة الاقتصاد التونسي والمصالح المشتركة، لا سيما أن الاتحاد الأوروبي يظل الشريك الاستراتيجي رقم واحد بالنسبة إلى تونس.
مسار تفاوضي
ما يلفت الانتباه في التطور الأخير هو أن الموقف الفرنسي يلتقي مع هذا التوجه في نقطة هامة، وهي الحاجة إلى تطوير الاتفاقية وعدم التعامل معها باعتبارها نصا ثابتا لا يقبل المراجعة أو التحيين.
وفي هذا الإطار، أكد الوزير الفرنسي جان نويل بارو دعم بلاده لمساعي تونس الرامية إلى مراجعة الاتفاقية وتطوير بنودها بما يضمن شراكة متوازنة وعادلة تستجيب للتحولات الاقتصادية الراهنة.
ويأتي ذلك في سياق اتصال تناول أيضا مسار التعاون بين البلدين وآفاق تطويره والاستحقاقات الثنائية والمتعددة الأطراف المقبلة، مع تأكيد أهمية مواصلة العمل على الارتقاء بالتعاون التونسي الفرنسي على قاعدة الاحترام المتبادل والمصالح المشتركة، بما يراعي سيادة تونس وخيارات مؤسساتها الوطنية.
ولا يبدو الموقف الفرنسي الأخير بمعزل عن مؤشرات انفتاح أوروبي برزت خلال الفترة الماضية بشأن مراجعة الإطار المنظم للعلاقات الاقتصادية مع تونس، إذ أكد مؤخرا سفير الاتحاد الأوروبي بتونس، جوزيبي بيروني، انفتاح الاتحاد على مراجعة اتفاق التبادل الحر الشامل والمعمق مع تونس، في إطار توجه يأخذ بعين الاعتبار مختلف أوجه العلاقات الاقتصادية بين الجانبين، لا سيما الاستثمار والتبادل التجاري، في ظل الإكراهات والتحديات التي تواجه الطرفين. وهو ما يلتقي في جوهره مع المسار الذي تدفع نحوه تونس، ويجعل من مراجعة الاتفاقية فرصة لإعادة صياغة العلاقة الاقتصادية على أسس أكثر توازنا وقدرة على الاستجابة للتحولات الجديدة.
كما أن الاتفاق المالي الجديد بقيمة 80 مليون يورو لفائدة ميزانية الدولة، في إطار برنامج دعم الإدماج الاجتماعي، يعكس استمرار التعاون المالي بين الجانبين، في وقت يؤكد فيه الاتحاد الأوروبي، ضمن حملته التواصلية «الاتحاد الأوروبي معكم»، التزامه بمواصلة الشراكة مع تونس في مجالات التنمية والاستثمار والطاقة والتبادل التجاري والتعليم والتكوين والبحث العلمي.
وضمن هذه المقاربة، يبرز الانتقال الأخضر كأحد المجالات التي يمكن أن تكون بوابة عملية لتطوير هذه الشراكة، في ظل تأكيد الجانب الأوروبي دعمه لتونس في تطوير إنتاج الطاقة الشمسية وطاقة الرياح وتعزيز تحديث الشركة التونسية للكهرباء والغاز. وهي مجالات تتجاوز أطر التعاون التقليدي لتفتح آفاقا واسعة أمام الاستثمار ونقل التكنولوجيا ودعم التحول الطاقي، بما يعزز قدرة الشراكة على الاستجابة للأولويات الاقتصادية والتنموية الجديدة في تونس.
ومن جانب آخر، جدير بالذكر أن مراجعة الاتفاقية تندرج ضمن توجه عام للسياسة الخارجية يقوم على الانفتاح والتعاون مع مختلف الشركاء، لكن في إطار علاقة متوازنة تحترم سيادة القرار الوطني وترنو إلى بلورة مصالح مشتركة.
وفرنسا، باعتبارها من بين الدول الرئيسية داخل الفضاء الأوروبي وشريكا تاريخيا لتونس، يمكن أن يكون موقفها الداعم عاملا مهما في دفع النقاش الأوروبي نحو مرحلة أكثر جدية، خاصة أن الاتفاقية ليست مجرد علاقة ثنائية بين تونس ودولة أوروبية واحدة، وإنما هي إطار منظم لطبيعة العلاقات الاقتصادية والتجارية بين تونس والاتحاد الأوروبي.
ثبات موقف تونس
على المستوى الدبلوماسي، كان وزير الشؤون الخارجية محمد علي النفطي قد جعل من هذا الملف أحد أبرز محاور النقاش مع المسؤولين الأوروبيين.
فخلال لقائه بالمفوضة الأوروبية للمتوسط دوبرافكا شويتسا يوم 24 سبتمبر 2026 بنيويورك، على هامش مشاركته، بتكليف من رئيس الدولة قيس سعيد، في أشغال الدورة الحادية والثمانين للجمعية العامة للأمم المتحدة، أكد وزير الخارجية ضرورة مراجعة الاتفاقية وإضفاء مزيد من الواقعية والإنصاف عليها، بما يراعي مصالح الطرفين وأولوياتهما ويحترم سيادة تونس ومؤسساتها الوطنية.
وقد شمل النقاش أيضا، إلى جانب المبادلات التجارية، التعاون المالي والبرامج العلمية المشتركة وملف الهجرة والتنقل، وهو ما يؤكد أن تونس تتعامل مع الشراكة الأوروبية باعتبارها منظومة من المصالح المتعددة الأبعاد.
وفي هذا السياق، يظل ملف الهجرة من أبرز الملفات التي تختبر مدى قدرة الشراكة التونسية الأوروبية على الاستجابة للتحولات الراهنة، خاصة أن مقاربة تونس لهذا الملف، مثلما عبّر عنها رئيس الجمهورية قيس سعيد في مناسبات عديدة، تقوم على معالجة الأسباب العميقة للهجرة غير النظامية، ومكافحة شبكات التهريب والاتجار بالبشر، واحترام حقوق الإنسان، بما يكرس معالجة شاملة للظاهرة. وهي مقاربة تندرج بدورها ضمن تصور شامل للعلاقات مع أوروبا يقوم على المصالح المتبادلة والمسؤولية المشتركة في معالجة الملفات التي تهم الجانبين، بعيدا عن اختزال الهجرة في بعدها الأمني أو تحميل طرف واحد مسؤولية تداعياتها.
الاقتصاد في صلب المراجعة
وبالتوازي مع ذلك، يظل الاقتصاد حجر الأساس في اتفاقية الشراكة مع الاتحاد الأوروبي. وفي هذا الاتجاه، كان وزير الخارجية قد أكد، خلال مشاركته في الاحتفال بيوم أوروبا بتونس يوم 8 ماي 2026، أن الاتفاقية المبرمة منذ أكثر من ثلاثة عقود لم تعد تستجيب بصورة كاملة للتحولات العميقة التي يشهدها الاقتصاد العالمي، فضلا عن التداعيات الحالية والمستقبلية للصراعات في أوروبا والشرق الأوسط.
وتونس، وهي تعيد طرح الاتفاقية على طاولة النقاش والتفاوض، ترنو بالأساس إلى شراكة تمنح الاقتصاد الوطني قدرة أكبر على النفاذ إلى السوق الأوروبية والاستفادة من الفرص التي توفرها، بعيدا عن الصيغة التجارية التي وُضعت في تسعينيات القرن الماضي.
وضمن هذا التمشي، فإن أبرز الأولويات في هذا المجال تتمثل في تيسير نفاذ المنتجات التونسية إلى السوق الأوروبية، وتعزيز الاستثمارات ذات القيمة المضافة العالية، ودعم التحول في مجالي الطاقة والرقمنة، وتحسين اندماج الاقتصاد التونسي في سلاسل القيمة الدولية.
وهي مطالب تتجاوز في جوهرها الجانب التجاري الضيق، لأنها ترتبط مباشرة بقدرة الاقتصاد الوطني على الإنتاج والتصدير وخلق مواطن الشغل واستقطاب الاستثمارات ونقل التكنولوجيا.
وهو توجه ينسجم مع رؤية رئيس الجمهورية قيس سعيد للعلاقات الخارجية، حيث أكد في أكثر من مناسبة ضرورة أن تكون هذه العلاقات، بما في ذلك الشراكات الاقتصادية، في خدمة الدولة والمجتمع والاقتصاد الوطني، وأن تقوم على الندية والاحترام المتبادل والمصالح المشتركة. وبالتالي، فإن مراجعة اتفاقية الشراكة لا تطرح فقط مسألة تعديل بعض البنود، وإنما تتعلق بإعادة توجيه هذه الشراكة بما يجعلها أكثر قدرة على خلق القيمة ودعم الاقتصاد التونسي والاستجابة لأولويات المرحلة.
المراجعة لا تعني القطيعة...
منذ سنة 1969، تاريخ توقيع أول اتفاق تجاري بين تونس والمجموعة الاقتصادية الأوروبية، تطورت العلاقات التونسية الأوروبية بصورة لافتة.
وكان توقيع اتفاقية الشراكة في 17 ماي 1995 محطة مفصلية، خاصة أن تونس كانت أول دولة في جنوب المتوسط توقع اتفاقا من هذا النوع مع الاتحاد الأوروبي.
لكن بعد مضي أكثر من ثلاثة عقود، فإنه من البديهي إعادة تقييم هذا المسار ونتائجه، مع البحث عن صيغ جديدة تأخذ بعين الاعتبار التغيرات الاقتصادية والجيوسياسية التي يعرفها العالم اليوم.
وجاءت بعد ذلك مذكرة التفاهم بشأن «الشراكة الاستراتيجية والشاملة» الموقعة في 16 جويلية 2023، لتوسيع مجالات التعاون لتشمل الاقتصاد والتجارة والطاقة والهجرة والتنقل وغيرها من المجالات.
واليوم، فإن النقاش حول اتفاقية الشراكة يفتح الباب أمام مرحلة جديدة يمكن أن تندمج فيها مختلف هذه المسارات ضمن رؤية أكثر شمولية لطبيعة العلاقات التونسية الأوروبية. فالمراجعة التي يدفع إليها رئيس الدولة قيس سعيد تهدف أولا إلى إعادة التوازن، بعيدا عن منطق القطيعة أو التجاوز.
فتونس، التي جددت تأكيدها في أكثر من مناسبة أهمية علاقاتها الأوروبية، تؤكد في الوقت نفسه أن هذه العلاقات يجب أن تقوم على الندية والاحترام المتبادل والمصالح المشتركة، وأن الانفتاح على أوروبا لا يعني التخلي عن خياراتها الوطنية أو عن توسيع دائرة علاقاتها مع بقية الشركاء.
وهذا التصور ينسجم مع التوجه العام للدبلوماسية التونسية نحو تنويع الشراكات وتوسيع هامش الحركية الاقتصادية والدبلوماسية، بما يتيح للبلاد الاستفادة من مختلف الفرص المتاحة دوليا.
وفي هذا السياق، يصبح الموقف الفرنسي الأخير تطورا مهما ولافتا، لأنه يعكس استعدادا عمليا للتفاعل مع مطلب تونسي ظل مطروحا في أكثر من محطة دولية، ويمنح النقاش حول مستقبل الاتفاقية أرضية جديدة يمكن أن تكون فاتحة لتوسيع دائرة النقاش مع بقية الدول الفاعلة في الفضاء الأوروبي.
منال حرزي
تونس – الصباح
تجاوبت فرنسا إيجابيا مع دعوة تونس إلى مراجعة بنود اتفاقية الشراكة مع الاتحاد الأوروبي وتطويرها بما يتماشى مع التحولات الاقتصادية الراهنة، مؤكدة دعمها لمساعي تونس من أجل شراكة متوازنة وعادلة تستجيب لهذه التحولات. ويأتي هذا الموقف الفرنسي منسجما في جوهره مع رؤية الدولة، على أعلى مستوى، إلى ضرورة مراجعة هذه الاتفاقية حتى تكون أكثر نجاعة واستجابة للتحولات الراهنة. وهو توجه كان قد دعا إليه رئيس الجمهورية قيس سعيد في أكثر من مناسبة، مشددا على ضرورة إعادة النظر في فحوى الاتفاقية حتى تكون أكثر «توازنا وعدلا»، بما يعكس، أولا، ثبات الموقف التونسي من هذا الملف، وثانيا، أن المراجعة المنشودة لم تعد اليوم مجرد طرح تونسي، وإنما أصبحت، في ظل هذا التجاوب الفرنسي، من الملفات المطروحة على طاولة الشراكة الأوروبية، بكل ما تحمله من أبعاد اقتصادية وسياسية وإستراتيجية.
وفي هذا الخصوص، جاء إعلان وزير أوروبا والشؤون الخارجية الفرنسي، جان نويل بارو، خلال اتصاله بوزير الشؤون الخارجية والهجرة والتونسيين بالخارج، محمد علي النفطي، عن مساندة تونس في مساعيها الرامية إلى مراجعة الاتفاقية وإقامة شراكة أكثر توازنا وعدلا، ليمنح هذا الملف دفعا جديدا، خاصة أن تونس كانت قد أكدت في أكثر من مناسبة أن الاتفاقية الموقعة في 17 ماي 1995 والنافذة منذ سنة 1998 لم تعد تستجيب بصورة عملية للتحولات التي عرفها الاقتصاد العالمي، وللتغيرات العميقة التي طرأت على البيئة الجيوسياسية والاقتصادية الدولية.
ولعل أهمية الموقف الفرنسي لا تكمن فقط في مضمونه، وإنما أيضا في توقيته، باعتباره يأتي بعد سلسلة من المواقف التونسية الرسمية التي أعادت طرح مسألة مراجعة الاتفاقية باعتبارها ضرورة ملحة تفرضها التحولات الجديدة، وباعتبار أن الشراكة لا يمكن أن تستمر بالتوجه ذاته الذي قامت عليه قبل أكثر من ثلاثة عقود، حيث أصبح من الضروري إعطاء نفس جديد لهذه الاتفاقية حتى تتناغم جميع بنودها مع مقتضيات المرحلة الراهنة.
ضبط بوصلة الشراكة
منذ فترة، جعل رئيس الجمهورية قيس سعيد من مراجعة عدد من الاتفاقيات الدولية، وفي مقدمتها اتفاقية الشراكة مع الاتحاد الأوروبي، جزءا من تصور شامل لعلاقات تونس الخارجية، مشددا على ضرورة أن يقوم هذا التوجه على الندية والاحترام المتبادل وتحقيق المصالح المشتركة، بعيدا عن منطق العلاقات غير المتوازنة أو الاتفاقيات التي تستمر في إفراز النتائج نفسها رغم تغير الظروف والسياقات التي أُبرمت فيها.
وقد جدد رئيس الدولة هذا الموقف خلال استقباله، أواخر شهر أوت الماضي، وزير الخارجية الألماني يوهان فاديفول بقصر قرطاج، عندما دعا إلى مراجعة عدد من الاتفاقيات، ومن بينها اتفاقية الشراكة مع الاتحاد الأوروبي، حتى تكون "أكثر توازنا وأكثر عدلا".
وقبل ذلك، كان رئيس الجمهورية قد أثار المسألة ذاتها خلال الاتصال الهاتفي الذي جمعه بالرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون يوم 20 مارس 2026، مؤكدا أهمية مراجعة الاتفاقية بما يجعلها أكثر توازنا وإنصافا.
وتكشف جميع هذه المحطات أن الموقف التونسي لم يكن مطلقا ظرفيا أو رهين معطيات وتطورات دبلوماسية بعينها، وإنما هو خيار سياسي واضح يتجه إلى إعادة النظر في الإطار الذي يحكم طبيعة العلاقات الاقتصادية والتجارية مع الفضاء الأوروبي، بما يتناغم مع المصالح الوطنية والتحولات التي شهدها الاقتصاد العالمي خلال العقود الثلاثة الماضية.
وهذا الطرح يستمد شرعيته من أن الاتفاقية التي أُبرمت في منتصف تسعينيات القرن الماضي جاءت في سياق دولي واقتصادي مختلف تماما عن السياق الراهن. كما أنه منذ ذلك التاريخ تغيرت خارطة التجارة الدولية، وتطورت سلاسل القيمة، وبرزت رهانات وتحديات جديدة، على غرار الطاقة والرقمنة والتحول التكنولوجي، كما أعادت الأزمات الاقتصادية والصراعات الإقليمية والدولية تشكيل أولويات الدول وشراكاتها.
ومن هذا المنطلق، فإن دعوة رئيس الجمهورية قيس سعيد إلى المراجعة لا تعني مطلقا الانسحاب من الفضاء الأوروبي، بقدر ما تعكس رغبة جدية في تطوير الاتفاقية وإعادة ملاءمتها مع الواقع الراهن، بما يجعلها أكثر قدرة على خدمة الاقتصاد التونسي والمصالح المشتركة، لا سيما أن الاتحاد الأوروبي يظل الشريك الاستراتيجي رقم واحد بالنسبة إلى تونس.
مسار تفاوضي
ما يلفت الانتباه في التطور الأخير هو أن الموقف الفرنسي يلتقي مع هذا التوجه في نقطة هامة، وهي الحاجة إلى تطوير الاتفاقية وعدم التعامل معها باعتبارها نصا ثابتا لا يقبل المراجعة أو التحيين.
وفي هذا الإطار، أكد الوزير الفرنسي جان نويل بارو دعم بلاده لمساعي تونس الرامية إلى مراجعة الاتفاقية وتطوير بنودها بما يضمن شراكة متوازنة وعادلة تستجيب للتحولات الاقتصادية الراهنة.
ويأتي ذلك في سياق اتصال تناول أيضا مسار التعاون بين البلدين وآفاق تطويره والاستحقاقات الثنائية والمتعددة الأطراف المقبلة، مع تأكيد أهمية مواصلة العمل على الارتقاء بالتعاون التونسي الفرنسي على قاعدة الاحترام المتبادل والمصالح المشتركة، بما يراعي سيادة تونس وخيارات مؤسساتها الوطنية.
ولا يبدو الموقف الفرنسي الأخير بمعزل عن مؤشرات انفتاح أوروبي برزت خلال الفترة الماضية بشأن مراجعة الإطار المنظم للعلاقات الاقتصادية مع تونس، إذ أكد مؤخرا سفير الاتحاد الأوروبي بتونس، جوزيبي بيروني، انفتاح الاتحاد على مراجعة اتفاق التبادل الحر الشامل والمعمق مع تونس، في إطار توجه يأخذ بعين الاعتبار مختلف أوجه العلاقات الاقتصادية بين الجانبين، لا سيما الاستثمار والتبادل التجاري، في ظل الإكراهات والتحديات التي تواجه الطرفين. وهو ما يلتقي في جوهره مع المسار الذي تدفع نحوه تونس، ويجعل من مراجعة الاتفاقية فرصة لإعادة صياغة العلاقة الاقتصادية على أسس أكثر توازنا وقدرة على الاستجابة للتحولات الجديدة.
كما أن الاتفاق المالي الجديد بقيمة 80 مليون يورو لفائدة ميزانية الدولة، في إطار برنامج دعم الإدماج الاجتماعي، يعكس استمرار التعاون المالي بين الجانبين، في وقت يؤكد فيه الاتحاد الأوروبي، ضمن حملته التواصلية «الاتحاد الأوروبي معكم»، التزامه بمواصلة الشراكة مع تونس في مجالات التنمية والاستثمار والطاقة والتبادل التجاري والتعليم والتكوين والبحث العلمي.
وضمن هذه المقاربة، يبرز الانتقال الأخضر كأحد المجالات التي يمكن أن تكون بوابة عملية لتطوير هذه الشراكة، في ظل تأكيد الجانب الأوروبي دعمه لتونس في تطوير إنتاج الطاقة الشمسية وطاقة الرياح وتعزيز تحديث الشركة التونسية للكهرباء والغاز. وهي مجالات تتجاوز أطر التعاون التقليدي لتفتح آفاقا واسعة أمام الاستثمار ونقل التكنولوجيا ودعم التحول الطاقي، بما يعزز قدرة الشراكة على الاستجابة للأولويات الاقتصادية والتنموية الجديدة في تونس.
ومن جانب آخر، جدير بالذكر أن مراجعة الاتفاقية تندرج ضمن توجه عام للسياسة الخارجية يقوم على الانفتاح والتعاون مع مختلف الشركاء، لكن في إطار علاقة متوازنة تحترم سيادة القرار الوطني وترنو إلى بلورة مصالح مشتركة.
وفرنسا، باعتبارها من بين الدول الرئيسية داخل الفضاء الأوروبي وشريكا تاريخيا لتونس، يمكن أن يكون موقفها الداعم عاملا مهما في دفع النقاش الأوروبي نحو مرحلة أكثر جدية، خاصة أن الاتفاقية ليست مجرد علاقة ثنائية بين تونس ودولة أوروبية واحدة، وإنما هي إطار منظم لطبيعة العلاقات الاقتصادية والتجارية بين تونس والاتحاد الأوروبي.
ثبات موقف تونس
على المستوى الدبلوماسي، كان وزير الشؤون الخارجية محمد علي النفطي قد جعل من هذا الملف أحد أبرز محاور النقاش مع المسؤولين الأوروبيين.
فخلال لقائه بالمفوضة الأوروبية للمتوسط دوبرافكا شويتسا يوم 24 سبتمبر 2026 بنيويورك، على هامش مشاركته، بتكليف من رئيس الدولة قيس سعيد، في أشغال الدورة الحادية والثمانين للجمعية العامة للأمم المتحدة، أكد وزير الخارجية ضرورة مراجعة الاتفاقية وإضفاء مزيد من الواقعية والإنصاف عليها، بما يراعي مصالح الطرفين وأولوياتهما ويحترم سيادة تونس ومؤسساتها الوطنية.
وقد شمل النقاش أيضا، إلى جانب المبادلات التجارية، التعاون المالي والبرامج العلمية المشتركة وملف الهجرة والتنقل، وهو ما يؤكد أن تونس تتعامل مع الشراكة الأوروبية باعتبارها منظومة من المصالح المتعددة الأبعاد.
وفي هذا السياق، يظل ملف الهجرة من أبرز الملفات التي تختبر مدى قدرة الشراكة التونسية الأوروبية على الاستجابة للتحولات الراهنة، خاصة أن مقاربة تونس لهذا الملف، مثلما عبّر عنها رئيس الجمهورية قيس سعيد في مناسبات عديدة، تقوم على معالجة الأسباب العميقة للهجرة غير النظامية، ومكافحة شبكات التهريب والاتجار بالبشر، واحترام حقوق الإنسان، بما يكرس معالجة شاملة للظاهرة. وهي مقاربة تندرج بدورها ضمن تصور شامل للعلاقات مع أوروبا يقوم على المصالح المتبادلة والمسؤولية المشتركة في معالجة الملفات التي تهم الجانبين، بعيدا عن اختزال الهجرة في بعدها الأمني أو تحميل طرف واحد مسؤولية تداعياتها.
الاقتصاد في صلب المراجعة
وبالتوازي مع ذلك، يظل الاقتصاد حجر الأساس في اتفاقية الشراكة مع الاتحاد الأوروبي. وفي هذا الاتجاه، كان وزير الخارجية قد أكد، خلال مشاركته في الاحتفال بيوم أوروبا بتونس يوم 8 ماي 2026، أن الاتفاقية المبرمة منذ أكثر من ثلاثة عقود لم تعد تستجيب بصورة كاملة للتحولات العميقة التي يشهدها الاقتصاد العالمي، فضلا عن التداعيات الحالية والمستقبلية للصراعات في أوروبا والشرق الأوسط.
وتونس، وهي تعيد طرح الاتفاقية على طاولة النقاش والتفاوض، ترنو بالأساس إلى شراكة تمنح الاقتصاد الوطني قدرة أكبر على النفاذ إلى السوق الأوروبية والاستفادة من الفرص التي توفرها، بعيدا عن الصيغة التجارية التي وُضعت في تسعينيات القرن الماضي.
وضمن هذا التمشي، فإن أبرز الأولويات في هذا المجال تتمثل في تيسير نفاذ المنتجات التونسية إلى السوق الأوروبية، وتعزيز الاستثمارات ذات القيمة المضافة العالية، ودعم التحول في مجالي الطاقة والرقمنة، وتحسين اندماج الاقتصاد التونسي في سلاسل القيمة الدولية.
وهي مطالب تتجاوز في جوهرها الجانب التجاري الضيق، لأنها ترتبط مباشرة بقدرة الاقتصاد الوطني على الإنتاج والتصدير وخلق مواطن الشغل واستقطاب الاستثمارات ونقل التكنولوجيا.
وهو توجه ينسجم مع رؤية رئيس الجمهورية قيس سعيد للعلاقات الخارجية، حيث أكد في أكثر من مناسبة ضرورة أن تكون هذه العلاقات، بما في ذلك الشراكات الاقتصادية، في خدمة الدولة والمجتمع والاقتصاد الوطني، وأن تقوم على الندية والاحترام المتبادل والمصالح المشتركة. وبالتالي، فإن مراجعة اتفاقية الشراكة لا تطرح فقط مسألة تعديل بعض البنود، وإنما تتعلق بإعادة توجيه هذه الشراكة بما يجعلها أكثر قدرة على خلق القيمة ودعم الاقتصاد التونسي والاستجابة لأولويات المرحلة.
المراجعة لا تعني القطيعة...
منذ سنة 1969، تاريخ توقيع أول اتفاق تجاري بين تونس والمجموعة الاقتصادية الأوروبية، تطورت العلاقات التونسية الأوروبية بصورة لافتة.
وكان توقيع اتفاقية الشراكة في 17 ماي 1995 محطة مفصلية، خاصة أن تونس كانت أول دولة في جنوب المتوسط توقع اتفاقا من هذا النوع مع الاتحاد الأوروبي.
لكن بعد مضي أكثر من ثلاثة عقود، فإنه من البديهي إعادة تقييم هذا المسار ونتائجه، مع البحث عن صيغ جديدة تأخذ بعين الاعتبار التغيرات الاقتصادية والجيوسياسية التي يعرفها العالم اليوم.
وجاءت بعد ذلك مذكرة التفاهم بشأن «الشراكة الاستراتيجية والشاملة» الموقعة في 16 جويلية 2023، لتوسيع مجالات التعاون لتشمل الاقتصاد والتجارة والطاقة والهجرة والتنقل وغيرها من المجالات.
واليوم، فإن النقاش حول اتفاقية الشراكة يفتح الباب أمام مرحلة جديدة يمكن أن تندمج فيها مختلف هذه المسارات ضمن رؤية أكثر شمولية لطبيعة العلاقات التونسية الأوروبية. فالمراجعة التي يدفع إليها رئيس الدولة قيس سعيد تهدف أولا إلى إعادة التوازن، بعيدا عن منطق القطيعة أو التجاوز.
فتونس، التي جددت تأكيدها في أكثر من مناسبة أهمية علاقاتها الأوروبية، تؤكد في الوقت نفسه أن هذه العلاقات يجب أن تقوم على الندية والاحترام المتبادل والمصالح المشتركة، وأن الانفتاح على أوروبا لا يعني التخلي عن خياراتها الوطنية أو عن توسيع دائرة علاقاتها مع بقية الشركاء.
وهذا التصور ينسجم مع التوجه العام للدبلوماسية التونسية نحو تنويع الشراكات وتوسيع هامش الحركية الاقتصادية والدبلوماسية، بما يتيح للبلاد الاستفادة من مختلف الفرص المتاحة دوليا.
وفي هذا السياق، يصبح الموقف الفرنسي الأخير تطورا مهما ولافتا، لأنه يعكس استعدادا عمليا للتفاعل مع مطلب تونسي ظل مطروحا في أكثر من محطة دولية، ويمنح النقاش حول مستقبل الاتفاقية أرضية جديدة يمكن أن تكون فاتحة لتوسيع دائرة النقاش مع بقية الدول الفاعلة في الفضاء الأوروبي.