-زيت الزيتون والتمور والهريسة "سفراء" المنتوج الوطني في الصين
شنغهاي - الصباح
من مبعوثة «الصباح» أميرة الدريدي
في مدينة شنغهاي الصينية، التي تحتضن الدورة التاسعة للمعرض الصيني الدولي للاستيراد، تتجدد رهانات الانفتاح الاقتصادي وتعزيز التبادل التجاري بين الصين ومختلف دول العالم، في تظاهرة دولية أصبحت من أبرز المنصات الاقتصادية التي تجمع المؤسسات والمستثمرين والفاعلين التجاريين من مختلف القارات، وتفتح أمامهم آفاقًا جديدة للشراكة والاستثمار والنفاذ إلى الأسواق.
وتكتسي المشاركة التونسية في الدورة التاسعة أهمية خاصة، باعتبارها المشاركة الوحيدة من بين دول شمال إفريقيا، من خلال فضاء خُصّص لعرض عدد من المنتجات التونسية والتعريف بمميزاتها وإمكاناتها التصديرية، وذلك بتنظيم من سفارة الجمهورية التونسية ببكين.
وقد احتضن الفضاء التونسي مجموعة من المنتجات التي تختزل جانبًا من ثراء الموروث الفلاحي والغذائي الوطني، وفي مقدمتها زيت الزيتون والهريسة والتمور والرمان التونسي، بما يتيح للزوار والمهنيين الصينيين والأجانب فرصة التعرف على خصوصية هذه المنتجات وجودتها وتنوعها، ويعزز حضور العلامة التونسية في واحدة من أكبر الأسواق الاستهلاكية في العالم.
ولا يمثل هذا العرض مجرد حضور رمزي في تظاهرة دولية كبرى، بل هو فرصة مباشرة لوضع المنتجات التونسية أمام المستهلك الصيني والمهنيين والمستثمرين والموردين، وتمكينهم من اكتشاف جودتها وخصوصياتها ومميزاتها، خاصة أن السوق الصينية أصبحت فضاءً مهمًا للمنتجات المستوردة، وهو ما يجعل التعريف بالمنتجات التونسية والعمل على بناء الثقة فيها خطوة أساسية نحو تطوير حضورها.
زيت الزيتون التونسي.. اهتمام صيني وفرص تصديرية واعدة
ويكتسي عرض زيت الزيتون التونسي أهمية خاصة في هذا السياق، باعتباره من أبرز المنتجات التي تعمل على تعزيز الصادرات التونسية نحو الصين، بالنظر إلى جودته وخصوصيته ومكانته في منظومة الإنتاج الفلاحي الوطني.
كما أن التعريف به داخل المعرض يتيح فرصة للتواصل المباشر مع الفاعلين في قطاع التوريد والتوزيع، والتعريف بمختلف أصنافه واستعمالاته ومزاياه، بما يساعد على تحويل الاهتمام بالمنتج إلى فرص تجارية وشراكات عملية.
ولا يُعدّ الاهتمام الصيني بالمنتجات التونسية وليد هذه المشاركة، فقد سبق أن أكد لنا عدد من المسؤولين الصينيين، خلال تصريحات سابقة، وجود اهتمام وإقبال على بعض المنتجات التونسية، وفي مقدمتها زيت الزيتون، وهو ما يعكس الإمكانات التي تتوفر عليها هذه المنتجات في السوق الصينية، ويؤكد أهمية مواصلة العمل على التعريف بها وتطوير قنوات تسويقها وتوزيعها.
ويكتسب هذا المعطى أهمية إضافية، باعتبار أن السوق الصينية لا تمثل فقط سوقا استهلاكية ضخمة، بل فضاء تتعدد فيه الأذواق والاحتياجات والفرص التجارية، وهو ما يفرض على المؤسسات التونسية اعتماد رؤية تقوم على التعريف المستمر بالمنتجات الوطنية، وتقديمها بصورة تتماشى مع خصوصيات المستهلك الصيني ومتطلباته، إلى جانب العمل على استكشاف الشراكات مع المؤسسات التجارية الصينية.
كما أن حضور الهريسة التونسية والتمور والرمان ضمن المنتجات المعروضة يفتح المجال أمام التعريف بتنوع المنتوج الفلاحي والغذائي التونسي، وعدم الاقتصار على منتج واحد مهما كانت أهميته التصديرية. فالهريسة، بما تمثله من خصوصية في المطبخ التونسي، والتمور التي تُعدّ من أبرز المنتجات الفلاحية التونسية المعروفة بجودتها، فضلًا عن الرمان، يمكن أن تشكل مجتمعة عناصر ترويجية مهمة للعلامة التونسية في الأسواق الآسيوية.
ومن هذا المنطلق، فإن الرهان اليوم لا يتعلق فقط بعرض المنتجات خلال أيام المعرض، وإنما باستثمار هذا الحضور في بناء علاقات متواصلة مع الموردين والموزعين الصينيين، والتعريف بالمؤسسات المنتجة، وتطوير فرص التصدير، فضلًا عن العمل على تذليل الصعوبات المرتبطة بإجراءات النفاذ إلى السوق ومتطلبات التوزيع والتعليب والمواصفات الصحية.
الصين والانفتاح الاقتصادي.. المعرض منصة عالمية للتبادل
وفي كلمته بمناسبة افتتاح الدورة التاسعة للمعرض الصيني الدولي للاستيراد، أكد دينغ شيويه شيانغ، عضو اللجنة الدائمة للمكتب السياسي للجنة المركزية للحزب الشيوعي الصيني ونائب رئيس مجلس الدولة، أن تنظيم هذا الحدث يمثل مبادرة استراتيجية صينية للدفاع عن تحرير التجارة والعولمة الاقتصادية، وتعزيز الانفتاح على الأسواق العالمية.
وأشار إلى أن المعرض، الذي انطلق سنة 2018 ونُظّمت منه ثماني دورات ناجحة، تطور من مبادرة صينية لاستقطاب المنتجات الأجنبية إلى منصة مشتركة تستفيد منها مختلف الأطراف، بما يعكس أهمية السوق الصينية في منظومة التجارة الدولية.
وأوضح أن الصين تواصل توسيع انفتاحها الاقتصادي، حيث تراجع المستوى الإجمالي للتعريفات الجمركية إلى 7.3 بالمائة، كما رفعت القيود المفروضة على دخول الاستثمارات الأجنبية إلى القطاع الصناعي بشكل كامل، ووسعت مجالات الانفتاح لتشمل تجارة الخدمات وتدفقات البيانات العابرة للحدود.
وأكد أن المعرض أصبح فضاء لتلاقي المنتجات والخدمات والتكنولوجيات من مختلف أنحاء العالم، إذ يستقطب في كل دورة نحو 4000 عارض، بما يتيح للمؤسسات الأجنبية فرصة عرض منتجاتها والتعرف على متطلبات السوق الصينية.
واستشهد في هذا السياق بتجارب دولية نجحت في الاستفادة من المعرض، من بينها مؤسسة سويدية متخصصة في المجال الطبي تمكنت من دخول السوق الصينية وإقامة مقر إقليمي لها في شنغهاي، بعد عرض نظام للعلاج الإشعاعي، حيث أصبح هذا النظام يُستخدم حاليًا في علاج أكثر من 40 نوعًا من السرطان، ويستفيد منه عشرات الآلاف من المرضى.
كما أشار إلى تجربة حرفيين من البيرو متخصصين في منتجات صوف الألبكة، تمكنوا من دخول السوق الصينية عبر المعرض، لترتفع طلباتهم من 10 آلاف دولار سنويًا إلى 50 ألف دولار شهريًا، بما ساهم في تحسين ظروف أكثر من 200 عائلة محلية.
التوازن التجاري والتعاون الدولي
وفي جانب آخر من كلمته، تطرق نائب رئيس مجلس الدولة الصيني إلى مسألة الاختلالات التجارية العالمية، مؤكدًا أن تحقيق التوازن لا يكون من خلال الانغلاق أو فرض القيود، وإنما عبر توسيع الأسواق وتعزيز التعاون والاستثمار وتطوير سلاسل الإنتاج العالمية.
وأوضح أن الصين أصبحت في الوقت نفسه مركزًا صناعيًا عالميًا وسوقًا استهلاكية كبرى، مشيرًا إلى أن حجم وارداتها من السلع يحتل المرتبة الثانية عالميًا منذ 17 سنة متتالية، وأنها تمثل وجهة تصديرية مهمة لنحو 80 دولة.
وأضاف أن واردات الصين سجلت خلال الأرباع الثلاثة الأولى من السنة نموًا بنسبة 22.3 بالمائة، أي أعلى بنحو ست نقاط مئوية من نمو الصادرات، مؤكدًا أن بلاده لا تسعى إلى تحقيق فوائض تجارية بشكل متعمد، بل تعمل على توسيع الواردات وتعزيز التنمية الاقتصادية المشتركة.
وأشار إلى أن نسبة فائض الحساب الجاري الصيني من الناتج المحلي الإجمالي تراجعت من 9.9 بالمائة سنة 2007 إلى 3.7 بالمائة سنة 2025، مؤكدا مواصلة تنظيم فعاليات التصدير إلى الصين لاستقطاب مزيد من المنتجات والخدمات ذات الجودة العالية.
كما شدد على أهمية الاستثمار الأجنبي في دعم النمو وتطوير الصناعات، مشيرا إلى أن المؤسسات ذات التمويل الأجنبي ساهمت سنة 2025 بنسبة 27 بالمائة من إجمالي الصادرات الصينية و16 بالمائة من فائضها التجاري، وهو ما يعكس، وفق تعبيره، استفادة مختلف الأطراف من اندماجها في الاقتصاد الصيني.
وأضاف أن الصين تعمل على توفير بيئة ملائمة للمؤسسات الأجنبية، بالتوازي مع دعم المؤسسات الصينية في التوسع نحو الأسواق العالمية، ومساعدة البلدان النامية على تطوير مناطقها الصناعية وتعزيز التشغيل والتصنيع.
وفي محور ثالث، أبرز أهمية الابتكار والتكنولوجيا في تطوير المبادلات التجارية، مشيرًا إلى أن صادرات الدوائر المتكاملة الصينية ارتفعت بنسبة 99.1 بالمائة خلال الأرباع الثلاثة الأولى من السنة، فيما سجلت صادرات ما يُعرف بالمنتجات الثلاثة الجديدة نموًا بنسبة 45.6 بالمائة، وساهمت المنتجات عالية التكنولوجيا بأكثر من 50 بالمائة من نمو الصادرات.
وأكد استعداد الصين لتعميق التعاون العلمي والتكنولوجي مع مختلف البلدان، وتوسيع الشراكات في الاقتصاد الرقمي والتنمية الخضراء، إلى جانب العمل على إزالة الحواجز التجارية وتسوية الخلافات من خلال الحوار والتشاور والثقة المتبادلة.
تونس والصين.. شراكة استراتيجية وآفاق اقتصادية واعدة
ويكتسي الحضور التونسي في هذا المعرض أهمية كبرى، بالنظر إلى تطور العلاقات الاقتصادية بين تونس والصين.
وتفتح هذه الشراكة المجال أمام توسيع مجالات التعاون، لا سيما في قطاعات التجارة والاستثمار والصناعة والفلاحة والتكنولوجيات الحديثة والسياحة، بما يخدم المصالح المشتركة ويدعم تنويع الشراكات الاقتصادية التونسية.
ولا تقتصر أهمية هذه العلاقات على بعدها السياسي والدبلوماسي، بل تتجاوز ذلك إلى ضرورة تطوير المبادلات التجارية وتحقيق استفادة أكبر للمؤسسات والمنتجين التونسيين من الإمكانات التي توفرها السوق الصينية.
فبالنسبة إلى تونس، يمثل الانفتاح على السوق الصينية فرصة لتنويع وجهات صادراتها وتقليص الاعتماد على الأسواق التقليدية، خاصة في ظل ما تتوفر عليه بلادنا من منتجات فلاحية وغذائية ذات جودة وسمعة دولية، وفي مقدمتها زيت الزيتون والتمور والمنتجات الغذائية المصنعة.
وفي المقابل، تمثل تونس وجهة يمكن أن توفر فرصًا استثمارية مهمة للمؤسسات الصينية، بالنظر إلى موقعها الجغرافي الذي يربط بين الفضائين الإفريقي والمتوسطي، وما يتيحه من إمكانات في مجالات الصناعة والخدمات واللوجستية والطاقات المتجددة.
ومن شأن تعزيز التعاون أن يساهم أيضًا في نقل الخبرات والتكنولوجيا وتطوير أساليب الإنتاج والتسويق، بما يجعل الشراكة الاقتصادية أكثر توازنًا واستدامة.
ولا ينفصل التعاون الاقتصادي عن التبادل الثقافي والسياحي، إذ يمكن للتعريف بالمنتجات التونسية أن يكون مدخلًا للتعريف بتونس كوجهة سياحية وثقافية، من خلال إبراز خصوصية المطبخ التونسي وموروثه الغذائي وتنوعه الحضاري، وهو ما من شأنه أن يعزز اهتمام الصينيين بتونس ويفتح المجال أمام تطوير المبادلات السياحية بين البلدين.
سوق صينية واسعة وفرص تونسية تحتاج إلى الاستثمار
وعموما، فإن ما يميز المعرض الصيني الدولي للاستيراد هو أنه لا يقتصر على عرض المنتجات، بل يوفر منصة تجمع مختلف حلقات النشاط الاقتصادي، من المنتجين والمصدرين إلى الموردين والمستثمرين والموزعين، بما يجعل المشاركة فيه فرصة للتواصل المباشر وبناء علاقات اقتصادية جديدة.
وبالنسبة إلى تونس، فإن الاستفادة من هذه المنصة تقتضي مواصلة الحضور في التظاهرات الاقتصادية الصينية، وتعزيز التنسيق بين الهياكل الرسمية والمؤسسات التونسية الناشطة في التصدير، والعمل على وضع استراتيجية ترويجية مستمرة للمنتجات الوطنية، لا تقتصر على المناسبات والمعارض الدولية.
فزيت الزيتون التونسي، الذي يحظى باهتمام صيني وفق ما أكدته تصريحات سابقة لمسؤولين صينيين، يمكن أن يكون بوابة لتعزيز حضور بقية المنتجات التونسية، فيما يمكن للتمور والهريسة والرمان وغيرها من المنتجات أن تساهم في تنويع الصادرات وتوسيع قاعدة المستهلكين.
كما أن التعريف بهذه المنتجات داخل فضاء دولي يضم آلاف العارضين والمهنيين يتيح لبلادنا فرصة إبراز خصوصية إنتاجها الوطني والتعريف بمؤسساتها وقدراتها التصديرية، فضلًا عن بناء علاقات مباشرة مع الفاعلين الاقتصاديين الصينيين.
الصين تواصل الانفتاح وتراهن على مستقبل اقتصادي مشترك
وفي ختام كلمته، أكد دينغ شيويه شيانغ أن الاقتصاد الصيني حافظ، رغم تعقيدات البيئة الاقتصادية الدولية، على أداء مستقر عمومًا، مع بروز محركات جديدة للنمو وتحسن الهيكل الاقتصادي وارتفاع الجودة والكفاءة.
وأعرب عن ثقة بلاده في قدرتها على تحقيق الأهداف الاقتصادية والاجتماعية السنوية، وضمان انطلاقة جيدة لفترة تنفيذ الخطة الخمسية الخامسة عشرة.
وجدد في هذا السياق ترحيب بلاده بالمؤسسات والشركات من مختلف أنحاء العالم للاستثمار في الصين وتعزيز وجودها في السوق الصينية والاستفادة من إمكاناتها الواسعة، مؤكدًا مواصلة التمسك بسياسة الانفتاح عالي المستوى.
ويبقى الرهان خلال المرحلة القادمة هو تحويل هذا الحضور والتعريف بالمنتجات التونسية إلى فرص تجارية مستدامة، بما يعزز موقع المنتوج الوطني في السوق الصينية ويفتح آفاقًا أوسع للتعاون الاقتصادي بين البلدين.
-زيت الزيتون والتمور والهريسة "سفراء" المنتوج الوطني في الصين
شنغهاي - الصباح
من مبعوثة «الصباح» أميرة الدريدي
في مدينة شنغهاي الصينية، التي تحتضن الدورة التاسعة للمعرض الصيني الدولي للاستيراد، تتجدد رهانات الانفتاح الاقتصادي وتعزيز التبادل التجاري بين الصين ومختلف دول العالم، في تظاهرة دولية أصبحت من أبرز المنصات الاقتصادية التي تجمع المؤسسات والمستثمرين والفاعلين التجاريين من مختلف القارات، وتفتح أمامهم آفاقًا جديدة للشراكة والاستثمار والنفاذ إلى الأسواق.
وتكتسي المشاركة التونسية في الدورة التاسعة أهمية خاصة، باعتبارها المشاركة الوحيدة من بين دول شمال إفريقيا، من خلال فضاء خُصّص لعرض عدد من المنتجات التونسية والتعريف بمميزاتها وإمكاناتها التصديرية، وذلك بتنظيم من سفارة الجمهورية التونسية ببكين.
وقد احتضن الفضاء التونسي مجموعة من المنتجات التي تختزل جانبًا من ثراء الموروث الفلاحي والغذائي الوطني، وفي مقدمتها زيت الزيتون والهريسة والتمور والرمان التونسي، بما يتيح للزوار والمهنيين الصينيين والأجانب فرصة التعرف على خصوصية هذه المنتجات وجودتها وتنوعها، ويعزز حضور العلامة التونسية في واحدة من أكبر الأسواق الاستهلاكية في العالم.
ولا يمثل هذا العرض مجرد حضور رمزي في تظاهرة دولية كبرى، بل هو فرصة مباشرة لوضع المنتجات التونسية أمام المستهلك الصيني والمهنيين والمستثمرين والموردين، وتمكينهم من اكتشاف جودتها وخصوصياتها ومميزاتها، خاصة أن السوق الصينية أصبحت فضاءً مهمًا للمنتجات المستوردة، وهو ما يجعل التعريف بالمنتجات التونسية والعمل على بناء الثقة فيها خطوة أساسية نحو تطوير حضورها.
زيت الزيتون التونسي.. اهتمام صيني وفرص تصديرية واعدة
ويكتسي عرض زيت الزيتون التونسي أهمية خاصة في هذا السياق، باعتباره من أبرز المنتجات التي تعمل على تعزيز الصادرات التونسية نحو الصين، بالنظر إلى جودته وخصوصيته ومكانته في منظومة الإنتاج الفلاحي الوطني.
كما أن التعريف به داخل المعرض يتيح فرصة للتواصل المباشر مع الفاعلين في قطاع التوريد والتوزيع، والتعريف بمختلف أصنافه واستعمالاته ومزاياه، بما يساعد على تحويل الاهتمام بالمنتج إلى فرص تجارية وشراكات عملية.
ولا يُعدّ الاهتمام الصيني بالمنتجات التونسية وليد هذه المشاركة، فقد سبق أن أكد لنا عدد من المسؤولين الصينيين، خلال تصريحات سابقة، وجود اهتمام وإقبال على بعض المنتجات التونسية، وفي مقدمتها زيت الزيتون، وهو ما يعكس الإمكانات التي تتوفر عليها هذه المنتجات في السوق الصينية، ويؤكد أهمية مواصلة العمل على التعريف بها وتطوير قنوات تسويقها وتوزيعها.
ويكتسب هذا المعطى أهمية إضافية، باعتبار أن السوق الصينية لا تمثل فقط سوقا استهلاكية ضخمة، بل فضاء تتعدد فيه الأذواق والاحتياجات والفرص التجارية، وهو ما يفرض على المؤسسات التونسية اعتماد رؤية تقوم على التعريف المستمر بالمنتجات الوطنية، وتقديمها بصورة تتماشى مع خصوصيات المستهلك الصيني ومتطلباته، إلى جانب العمل على استكشاف الشراكات مع المؤسسات التجارية الصينية.
كما أن حضور الهريسة التونسية والتمور والرمان ضمن المنتجات المعروضة يفتح المجال أمام التعريف بتنوع المنتوج الفلاحي والغذائي التونسي، وعدم الاقتصار على منتج واحد مهما كانت أهميته التصديرية. فالهريسة، بما تمثله من خصوصية في المطبخ التونسي، والتمور التي تُعدّ من أبرز المنتجات الفلاحية التونسية المعروفة بجودتها، فضلًا عن الرمان، يمكن أن تشكل مجتمعة عناصر ترويجية مهمة للعلامة التونسية في الأسواق الآسيوية.
ومن هذا المنطلق، فإن الرهان اليوم لا يتعلق فقط بعرض المنتجات خلال أيام المعرض، وإنما باستثمار هذا الحضور في بناء علاقات متواصلة مع الموردين والموزعين الصينيين، والتعريف بالمؤسسات المنتجة، وتطوير فرص التصدير، فضلًا عن العمل على تذليل الصعوبات المرتبطة بإجراءات النفاذ إلى السوق ومتطلبات التوزيع والتعليب والمواصفات الصحية.
الصين والانفتاح الاقتصادي.. المعرض منصة عالمية للتبادل
وفي كلمته بمناسبة افتتاح الدورة التاسعة للمعرض الصيني الدولي للاستيراد، أكد دينغ شيويه شيانغ، عضو اللجنة الدائمة للمكتب السياسي للجنة المركزية للحزب الشيوعي الصيني ونائب رئيس مجلس الدولة، أن تنظيم هذا الحدث يمثل مبادرة استراتيجية صينية للدفاع عن تحرير التجارة والعولمة الاقتصادية، وتعزيز الانفتاح على الأسواق العالمية.
وأشار إلى أن المعرض، الذي انطلق سنة 2018 ونُظّمت منه ثماني دورات ناجحة، تطور من مبادرة صينية لاستقطاب المنتجات الأجنبية إلى منصة مشتركة تستفيد منها مختلف الأطراف، بما يعكس أهمية السوق الصينية في منظومة التجارة الدولية.
وأوضح أن الصين تواصل توسيع انفتاحها الاقتصادي، حيث تراجع المستوى الإجمالي للتعريفات الجمركية إلى 7.3 بالمائة، كما رفعت القيود المفروضة على دخول الاستثمارات الأجنبية إلى القطاع الصناعي بشكل كامل، ووسعت مجالات الانفتاح لتشمل تجارة الخدمات وتدفقات البيانات العابرة للحدود.
وأكد أن المعرض أصبح فضاء لتلاقي المنتجات والخدمات والتكنولوجيات من مختلف أنحاء العالم، إذ يستقطب في كل دورة نحو 4000 عارض، بما يتيح للمؤسسات الأجنبية فرصة عرض منتجاتها والتعرف على متطلبات السوق الصينية.
واستشهد في هذا السياق بتجارب دولية نجحت في الاستفادة من المعرض، من بينها مؤسسة سويدية متخصصة في المجال الطبي تمكنت من دخول السوق الصينية وإقامة مقر إقليمي لها في شنغهاي، بعد عرض نظام للعلاج الإشعاعي، حيث أصبح هذا النظام يُستخدم حاليًا في علاج أكثر من 40 نوعًا من السرطان، ويستفيد منه عشرات الآلاف من المرضى.
كما أشار إلى تجربة حرفيين من البيرو متخصصين في منتجات صوف الألبكة، تمكنوا من دخول السوق الصينية عبر المعرض، لترتفع طلباتهم من 10 آلاف دولار سنويًا إلى 50 ألف دولار شهريًا، بما ساهم في تحسين ظروف أكثر من 200 عائلة محلية.
التوازن التجاري والتعاون الدولي
وفي جانب آخر من كلمته، تطرق نائب رئيس مجلس الدولة الصيني إلى مسألة الاختلالات التجارية العالمية، مؤكدًا أن تحقيق التوازن لا يكون من خلال الانغلاق أو فرض القيود، وإنما عبر توسيع الأسواق وتعزيز التعاون والاستثمار وتطوير سلاسل الإنتاج العالمية.
وأوضح أن الصين أصبحت في الوقت نفسه مركزًا صناعيًا عالميًا وسوقًا استهلاكية كبرى، مشيرًا إلى أن حجم وارداتها من السلع يحتل المرتبة الثانية عالميًا منذ 17 سنة متتالية، وأنها تمثل وجهة تصديرية مهمة لنحو 80 دولة.
وأضاف أن واردات الصين سجلت خلال الأرباع الثلاثة الأولى من السنة نموًا بنسبة 22.3 بالمائة، أي أعلى بنحو ست نقاط مئوية من نمو الصادرات، مؤكدًا أن بلاده لا تسعى إلى تحقيق فوائض تجارية بشكل متعمد، بل تعمل على توسيع الواردات وتعزيز التنمية الاقتصادية المشتركة.
وأشار إلى أن نسبة فائض الحساب الجاري الصيني من الناتج المحلي الإجمالي تراجعت من 9.9 بالمائة سنة 2007 إلى 3.7 بالمائة سنة 2025، مؤكدا مواصلة تنظيم فعاليات التصدير إلى الصين لاستقطاب مزيد من المنتجات والخدمات ذات الجودة العالية.
كما شدد على أهمية الاستثمار الأجنبي في دعم النمو وتطوير الصناعات، مشيرا إلى أن المؤسسات ذات التمويل الأجنبي ساهمت سنة 2025 بنسبة 27 بالمائة من إجمالي الصادرات الصينية و16 بالمائة من فائضها التجاري، وهو ما يعكس، وفق تعبيره، استفادة مختلف الأطراف من اندماجها في الاقتصاد الصيني.
وأضاف أن الصين تعمل على توفير بيئة ملائمة للمؤسسات الأجنبية، بالتوازي مع دعم المؤسسات الصينية في التوسع نحو الأسواق العالمية، ومساعدة البلدان النامية على تطوير مناطقها الصناعية وتعزيز التشغيل والتصنيع.
وفي محور ثالث، أبرز أهمية الابتكار والتكنولوجيا في تطوير المبادلات التجارية، مشيرًا إلى أن صادرات الدوائر المتكاملة الصينية ارتفعت بنسبة 99.1 بالمائة خلال الأرباع الثلاثة الأولى من السنة، فيما سجلت صادرات ما يُعرف بالمنتجات الثلاثة الجديدة نموًا بنسبة 45.6 بالمائة، وساهمت المنتجات عالية التكنولوجيا بأكثر من 50 بالمائة من نمو الصادرات.
وأكد استعداد الصين لتعميق التعاون العلمي والتكنولوجي مع مختلف البلدان، وتوسيع الشراكات في الاقتصاد الرقمي والتنمية الخضراء، إلى جانب العمل على إزالة الحواجز التجارية وتسوية الخلافات من خلال الحوار والتشاور والثقة المتبادلة.
تونس والصين.. شراكة استراتيجية وآفاق اقتصادية واعدة
ويكتسي الحضور التونسي في هذا المعرض أهمية كبرى، بالنظر إلى تطور العلاقات الاقتصادية بين تونس والصين.
وتفتح هذه الشراكة المجال أمام توسيع مجالات التعاون، لا سيما في قطاعات التجارة والاستثمار والصناعة والفلاحة والتكنولوجيات الحديثة والسياحة، بما يخدم المصالح المشتركة ويدعم تنويع الشراكات الاقتصادية التونسية.
ولا تقتصر أهمية هذه العلاقات على بعدها السياسي والدبلوماسي، بل تتجاوز ذلك إلى ضرورة تطوير المبادلات التجارية وتحقيق استفادة أكبر للمؤسسات والمنتجين التونسيين من الإمكانات التي توفرها السوق الصينية.
فبالنسبة إلى تونس، يمثل الانفتاح على السوق الصينية فرصة لتنويع وجهات صادراتها وتقليص الاعتماد على الأسواق التقليدية، خاصة في ظل ما تتوفر عليه بلادنا من منتجات فلاحية وغذائية ذات جودة وسمعة دولية، وفي مقدمتها زيت الزيتون والتمور والمنتجات الغذائية المصنعة.
وفي المقابل، تمثل تونس وجهة يمكن أن توفر فرصًا استثمارية مهمة للمؤسسات الصينية، بالنظر إلى موقعها الجغرافي الذي يربط بين الفضائين الإفريقي والمتوسطي، وما يتيحه من إمكانات في مجالات الصناعة والخدمات واللوجستية والطاقات المتجددة.
ومن شأن تعزيز التعاون أن يساهم أيضًا في نقل الخبرات والتكنولوجيا وتطوير أساليب الإنتاج والتسويق، بما يجعل الشراكة الاقتصادية أكثر توازنًا واستدامة.
ولا ينفصل التعاون الاقتصادي عن التبادل الثقافي والسياحي، إذ يمكن للتعريف بالمنتجات التونسية أن يكون مدخلًا للتعريف بتونس كوجهة سياحية وثقافية، من خلال إبراز خصوصية المطبخ التونسي وموروثه الغذائي وتنوعه الحضاري، وهو ما من شأنه أن يعزز اهتمام الصينيين بتونس ويفتح المجال أمام تطوير المبادلات السياحية بين البلدين.
سوق صينية واسعة وفرص تونسية تحتاج إلى الاستثمار
وعموما، فإن ما يميز المعرض الصيني الدولي للاستيراد هو أنه لا يقتصر على عرض المنتجات، بل يوفر منصة تجمع مختلف حلقات النشاط الاقتصادي، من المنتجين والمصدرين إلى الموردين والمستثمرين والموزعين، بما يجعل المشاركة فيه فرصة للتواصل المباشر وبناء علاقات اقتصادية جديدة.
وبالنسبة إلى تونس، فإن الاستفادة من هذه المنصة تقتضي مواصلة الحضور في التظاهرات الاقتصادية الصينية، وتعزيز التنسيق بين الهياكل الرسمية والمؤسسات التونسية الناشطة في التصدير، والعمل على وضع استراتيجية ترويجية مستمرة للمنتجات الوطنية، لا تقتصر على المناسبات والمعارض الدولية.
فزيت الزيتون التونسي، الذي يحظى باهتمام صيني وفق ما أكدته تصريحات سابقة لمسؤولين صينيين، يمكن أن يكون بوابة لتعزيز حضور بقية المنتجات التونسية، فيما يمكن للتمور والهريسة والرمان وغيرها من المنتجات أن تساهم في تنويع الصادرات وتوسيع قاعدة المستهلكين.
كما أن التعريف بهذه المنتجات داخل فضاء دولي يضم آلاف العارضين والمهنيين يتيح لبلادنا فرصة إبراز خصوصية إنتاجها الوطني والتعريف بمؤسساتها وقدراتها التصديرية، فضلًا عن بناء علاقات مباشرة مع الفاعلين الاقتصاديين الصينيين.
الصين تواصل الانفتاح وتراهن على مستقبل اقتصادي مشترك
وفي ختام كلمته، أكد دينغ شيويه شيانغ أن الاقتصاد الصيني حافظ، رغم تعقيدات البيئة الاقتصادية الدولية، على أداء مستقر عمومًا، مع بروز محركات جديدة للنمو وتحسن الهيكل الاقتصادي وارتفاع الجودة والكفاءة.
وأعرب عن ثقة بلاده في قدرتها على تحقيق الأهداف الاقتصادية والاجتماعية السنوية، وضمان انطلاقة جيدة لفترة تنفيذ الخطة الخمسية الخامسة عشرة.
وجدد في هذا السياق ترحيب بلاده بالمؤسسات والشركات من مختلف أنحاء العالم للاستثمار في الصين وتعزيز وجودها في السوق الصينية والاستفادة من إمكاناتها الواسعة، مؤكدًا مواصلة التمسك بسياسة الانفتاح عالي المستوى.
ويبقى الرهان خلال المرحلة القادمة هو تحويل هذا الحضور والتعريف بالمنتجات التونسية إلى فرص تجارية مستدامة، بما يعزز موقع المنتوج الوطني في السوق الصينية ويفتح آفاقًا أوسع للتعاون الاقتصادي بين البلدين.