كاتب عام غرفة التجارة والصناعة التونسية الفرنسية: الاستثمارات الفرنسية تتجاوز مليار دينار سنويًا وتوفر ما بين 150 و170 ألف موطن شغل
تونس – الصباح
في ظل التحولات التي يشهدها الاقتصاد العالمي وتزايد التحديات المرتبطة بتمويل الاستثمار وتحفيز النمو، يبرز تطوير المنظومة التمويلية وتحسين مناخ الأعمال باعتبارهما من أبرز الشروط الكفيلة بتعزيز تنافسية المؤسسات التونسية واستقطاب الاستثمارات الأجنبية، وتكتسي هذه الرهانات أهمية خاصة في سياق العلاقات الاقتصادية التونسية الفرنسية التي تمثل أحد أبرز محاور التعاون الاستثماري بين البلدين.
جهاد الكلبوسي
وفي هذا الإطار، نظمت غرفة التجارة والصناعة التونسية الفرنسية، أمس، الدورة الثالثة من تظاهرة لقاءات التمويل «Les Rencontres du Financement»، بمشاركة أكثر من 170 ممثلًا عن المؤسسات الاقتصادية والبنوك والجهات الممولة والمستثمرين ومكاتب الاستشارة. وشكل اللقاء مناسبة لتشخيص واقع التمويل في تونس، واستعراض الآليات المتاحة لمرافقة المؤسسات في مختلف مراحل تطورها، فضلًا عن بحث فرص الاستثمار وتعزيز التواصل بين الفاعلين الاقتصاديين التونسيين والفرنسيين.
وتندرج هذه المبادرة في إطار توجه الغرفة إلى تقريب المؤسسات وأصحاب المشاريع من مختلف مكونات المنظومة التمويلية، وتعريفهم بالأدوات والآليات المتاحة وشروط الانتفاع بها، بما يساعدهم على اختيار مصادر التمويل الأكثر ملاءمة لاحتياجاتهم الاستثمارية، ويفتح أمامهم آفاقًا أوسع للتوسع وتطوير أنشطتهم.
وافتتح أشغال اللقاء خليل الشايبي، رئيس غرفة التجارة والصناعة التونسية- الفرنسية، فيما تولى محمد الوزير، الكاتب العام للغرفة، إدارة الجلسات التي تناولت محاور متعددة، من بينها تمويل المؤسسات ومعايير تقييم المشاريع وإدارة المخاطر وخلق القيمة، إلى جانب أهمية معايير الحوكمة البيئية والاجتماعية والاستدامة في قرارات التمويل والاستثمار.
كما تطرقت النقاشات إلى الجوانب العملية لإعداد ملفات التمويل، وجودة مخططات الأعمال ودقة الفرضيات المالية وأهمية التدقيق والتقصي، باعتبارها عناصر أساسية لتعزيز مصداقية المؤسسات وترسيخ الثقة بينها وبين شركائها الماليين.
وشهدت الدورة الثالثة من لقاءات التمويل، إلى جانب الجلسات الحوارية، تنظيم لقاءات ثنائية مباشرة بين أصحاب المؤسسات وممثلي نحو عشرة من أبرز الفاعلين في قطاع التمويل، من بنوك ومؤسسات مالية وجهات استثمارية، بهدف تحويل النقاشات إلى فرص تعاون ملموسة، وتمكين المؤسسات من عرض مشاريعها ومناقشة احتياجاتها التمويلية.
تنويع مصادر التمويل لمواجهة صعوبات المؤسسات
وفي تصريح لـ«الصباح»، أكد محمد الوزير أن تطوير فرص التمويل وتعزيز العلاقات الاقتصادية بين تونس وفرنسا يمثلان محورين أساسيين في عمل الغرفة، مشيرًا إلى أن المرحلة الراهنة تقتضي مزيدًا من التنسيق بين المستثمرين والمؤسسات المالية والجهات المانحة، إلى جانب تكثيف الإحاطة بأصحاب المشاريع وتعريفهم بمختلف الآليات التمويلية المتاحة.
وأوضح أن تنظيم مثل هذه اللقاءات يستجيب لحاجة المؤسسات التونسية إلى تنويع مصادر تمويلها، خاصة في ظل الصعوبات التي تواجهها عند اللجوء إلى القروض البنكية، سواء بسبب ارتفاع كلفتها أو محدودية العرض التمويلي. وشدد على ضرورة عدم الاقتصار على الآليات البنكية التقليدية، بل توسيع الخيارات لتشمل المساهمات في رأس المال، وخطوط التمويل الدولية، والتمويل المشترك، وآليات دعم الابتكار والتجديد، فضلًا عن تدخل مؤسسات التمويل والاستثمار، على غرار صندوق الودائع والأمانات.
واعتبر أن تنويع الأدوات التمويلية من شأنه توفير حلول أكثر ملاءمة لاختلاف أحجام المؤسسات وطبيعة مشاريعها ومراحل نموها، لا سيما أن عددًا من أصحاب المؤسسات لا يزال يفتقر إلى المعرفة الكافية بمصادر التمويل المتاحة، كما يواجه صعوبات في إعداد ملفات تستجيب لمتطلبات الجهات الممولة.
وفي هذا السياق، تعمل الغرفة على تعزيز الإحاطة بالمؤسسات ومرافقتها، ولا سيما المؤسسات المنخرطة فيها، من خلال تعريفها بالفرص التمويلية ومساعدتها على إعداد ملفات متكاملة تستند إلى معطيات دقيقة ودراسات واقعية، بما يعزز قدرتها على التفاوض مع الجهات الممولة ويرفع حظوظها في الحصول على التمويلات اللازمة للتوسع وتطوير أنشطتها.
وأكد محدثنا أن الحصول على التمويل لا يرتبط بمجرد امتلاك فكرة مشروع واعدة، بل يتطلب إعداد دراسة جدوى متكاملة تراعي خصوصيات السوق المستهدفة وحجم الطلب والمخاطر المحتملة والإمكانات المالية والتنظيمية لصاحب المشروع، إلى جانب وضوح الرؤية الاقتصادية وقدرة المؤسسة على تحقيق النتائج المنتظرة.
وأضاف أن جودة الملف المالي وشفافيته ومصداقية المعطيات المقدمة تمثل عوامل حاسمة في إقناع الجهات الممولة وبناء علاقة ثقة بين المستثمر والمؤسسة المالية. ومن هذا المنطلق، تبرز أهمية اللقاءات التي تجمع مختلف أطراف المنظومة التمويلية في فضاء واحد، بما يتيح للمؤسسات التعرف إلى متطلبات الممولين وفهم آليات عملهم، ويساعد على تقريب المسافة بين أصحاب المشاريع والجهات القادرة على تمويلها.
65 موعدًا مباشرًا ومؤشرات إيجابية
وفي تقييمه لنتائج الدورة الحالية، أوضح الكاتب العام للغرفة أن قياس الأثر المباشر لمثل هذه المبادرات يظل مرتبطًا بمسار الحصول على التمويل، الذي قد يستغرق وقتًا بعد اللقاءات الأولية، فضلًا عن صعوبة تجميع معطيات دقيقة بشأن جميع المؤسسات التي تستكمل إجراءات التمويل.
غير أنه أكد تسجيل مؤشرات إيجابية، مشيرًا إلى تنظيم 65 موعدًا مباشرًا بين أصحاب المؤسسات والمستثمرين والجهات الممولة، عبر منصة عملت على الربط بين احتياجات المؤسسات الباحثة عن التمويل والعروض التي يقدمها نحو عشرة فاعلين في القطاع.
وأضاف أن الغرفة تلقت معطيات تفيد بتمكن عدد من المؤسسات من الحصول على تمويلات، سواء في شكل مساهمات في رأس المال أو تمويلات بنكية، وهو ما يعكس أهمية هذه اللقاءات في فتح قنوات اتصال مباشرة وإيجاد فرص جديدة أمام أصحاب المشاريع.
وشدد الوزير على أن نجاح مثل هذه المبادرات لا يقاس فقط بعدد التمويلات المسندة، بل يشمل أيضًا ما توفره من فرص للتشبيك الاقتصادي وتبادل الخبرات وتحسين جاهزية المؤسسات، ومساعدتها على تطوير مشاريع تستجيب لمتطلبات المستثمرين والجهات الممولة.
وبخصوص مناخ الأعمال في تونس، أكد الوزير أن البلاد تمتلك مقومات مهمة لاستقطاب الاستثمار، من بينها الكفاءات البشرية المؤهلة، والموقع الجغرافي الاستراتيجي، والقرب من الأسواق الأوروبية، فضلًا عن قاعدة صناعية وخدماتية راكمت خبرة في التعامل مع الأسواق الخارجية.
غير أن استثمار هذه المقومات على النحو الأمثل يظل، وفق تقديره، مرتبطًا بمواصلة تحسين الإطارين التشريعي والإداري، وخاصة ضمان قدر أكبر من الاستقرار والوضوح في القوانين المنظمة للنشاط الاقتصادي.
ولفت في هذا السياق إلى أن التغييرات المتكررة في المنظومة الجبائية قد تثير تساؤلات لدى المستثمرين بشأن استقرار القواعد المنظمة للاستثمار ووضوح الرؤية الاقتصادية على المديين المتوسط والبعيد. فالمستثمر يحتاج إلى بيئة تشريعية مستقرة تمكنه من التخطيط لمشاريعه وفق قواعد واضحة ومعلومة، وتساعده على تقدير التكاليف والمخاطر بعيدًا عن المفاجآت القانونية التي قد تؤثر في حساباته بعد انطلاق المشروع.
كما شدد على أهمية تعزيز الثقة بين المستثمرين ومختلف الهياكل المعنية، باعتبارها شرطًا أساسيًا لتشجيع المبادرة الخاصة وتحمل المخاطر. واعتبر أن من الضروري التمييز بين تطبيق القانون ومحاسبة المخالفين من جهة، وتوفير بيئة عمل قائمة على الثقة والوضوح والطمأنينة للمؤسسات الملتزمة بالقوانين من جهة أخرى.
وأشار محدثنا إلى أن ارتفاع كلفة التمويل ونسب الفائدة، إلى جانب محدودية بعض مصادر التمويل، لا تزال من أبرز التحديات التي تواجه المؤسسات، وخاصة الصغرى والمتوسطة. ويقتضي تجاوز هذه الصعوبات، وفق تقديره، تطوير أدوات تمويل أكثر مرونة، وتوسيع الشراكات مع المؤسسات المالية الدولية، وتعزيز دور الاستثمار في رأس المال.
وأكد أن المرحلة المقبلة تتطلب مقاربة متكاملة تجمع بين الإصلاحات الإدارية والتشريعية وتطوير المنظومة التمويلية، بما يحسن قدرة المؤسسات التونسية على المنافسة ويدعم توسعها في الأسواق الخارجية.
المؤسسات الفرنسية تواصل الرهان على تونس
وفي ما يتعلق بواقع الشراكة الاقتصادية التونسية- الفرنسية، أكد الوزير أن عددًا مهمًا من المؤسسات الفرنسية يواصل نشاطه واستثماراته في تونس، وهو ما يعكس استمرار اهتمام المستثمر الفرنسي بالسوق التونسية وبالإمكانات التي توفرها، خاصة على مستوى الموارد البشرية والكفاءات المحلية.
وأشار في هذا السياق إلى حضور مؤسسات فرنسية كبرى، من بينها «توتال» و«سافران» و«ساجام»، التي تواصل نشاطها في السوق التونسية، مستفيدة من مستوى تأهيل اليد العاملة والخبرات المحلية والقدرات المتوفرة في عدد من المجالات الصناعية والتكنولوجية والخدماتية.
واعتبر أن هذا الحضور يعكس أهمية الرصيد الاستثماري الذي راكمته العلاقات الاقتصادية بين البلدين، والثقة التي بنتها المؤسسات الفرنسية في الكفاءات التونسية وقدرتها على الاندماج في سلاسل الإنتاج والتوريد الدولية.
وشدد الوزير على ضرورة مواصلة تحسين ظروف عمل المؤسسات الأجنبية الناشطة في تونس، من خلال تبسيط الإجراءات الإدارية والديوانية والجبائية، وتطوير آليات معالجة الملفات المرتبطة بنشاطها، بما يساعدها على العمل في ظروف أفضل ويدعم خططها للتوسع والاستثمار.
وأكد أن هذه المؤسسات تمثل رصيدًا اقتصاديًا مهمًا بالنظر إلى مساهمتها في توفير مواطن الشغل ونقل الخبرات والتكنولوجيا وتعزيز القدرات التصديرية، وهو ما يجعل المحافظة عليها ومرافقتها أولوية لا تقل أهمية عن استقطاب استثمارات جديدة.
وفي ما يتعلق بالقطاعات التي تستقطب اهتمام الجهات المانحة ومؤسسات التمويل الدولية، أبرز الوزير أهمية الانتقال الطاقي والطاقات المتجددة والنجاعة الطاقية، باعتبارها من أبرز المجالات الواعدة للاستثمار خلال المرحلة المقبلة.
وتوقف محدثنا أيضًا عند الفرص التي يتيحها قطاع تكنولوجيا المعلومات والاتصال، وخاصة الذكاء الاصطناعي، معتبرًا أن التحولات التكنولوجية المتسارعة تمثل فرصة أمام تونس لتعزيز موقعها في الاقتصاد العالمي والاستفادة من كفاءاتها الشابة وقدراتها في المجالات الرقمية.
وشدد على أن تحويل هذه الفرص إلى مشاريع اقتصادية فعلية يستوجب تعبئة جهود الدولة والجامعات ومؤسسات التكوين والشركات والمستثمرين، من أجل تطوير الكفاءات ومواكبة التحولات التكنولوجية وتشجيع الابتكار وتوجيه الاستثمارات نحو القطاعات ذات القيمة المضافة العالية.
وأضاف أن هذه المجالات تفتح آفاقًا جديدة أمام الاستثمارات المشتركة التونسية والأجنبية، وخاصة الفرنسية والإيطالية وغيرها، بما يدعم نقل التكنولوجيا ويطور القدرات الإنتاجية ويوفر فرص عمل جديدة ذات قيمة مضافة.
الاستثمارات الفرنسية تتجاوز مليار دينار سنويًا
وفي سياق تقييمه لمكانة فرنسا في الاقتصاد التونسي، أكد محمد الوزير أن المؤسسات الفرنسية تحتل موقعًا متقدمًا في خارطة الاستثمار الأجنبي في تونس، مشيرًا إلى أنها توفر، وفق التقديرات التي أوردها، ما بين 150 و170 ألف موطن شغل.
كما قدر حجم الاستثمارات الفرنسية السنوية بأكثر من مليار دينار، وهو ما يعكس، وفق محدثنا، أهمية الحضور الاقتصادي الفرنسي في تونس وعمق العلاقات الاستثمارية بين البلدين.
وتعكس هذه المؤشرات أهمية الرصيد الذي تم بناؤه على امتداد سنوات من التعاون الصناعي والتجاري والاستثماري، بما يجعل من الشراكة التونسية- الفرنسية أرضية ملائمة لتطوير مشاريع جديدة في قطاعات واعدة.
كاتب عام غرفة التجارة والصناعة التونسية الفرنسية: الاستثمارات الفرنسية تتجاوز مليار دينار سنويًا وتوفر ما بين 150 و170 ألف موطن شغل
تونس – الصباح
في ظل التحولات التي يشهدها الاقتصاد العالمي وتزايد التحديات المرتبطة بتمويل الاستثمار وتحفيز النمو، يبرز تطوير المنظومة التمويلية وتحسين مناخ الأعمال باعتبارهما من أبرز الشروط الكفيلة بتعزيز تنافسية المؤسسات التونسية واستقطاب الاستثمارات الأجنبية، وتكتسي هذه الرهانات أهمية خاصة في سياق العلاقات الاقتصادية التونسية الفرنسية التي تمثل أحد أبرز محاور التعاون الاستثماري بين البلدين.
جهاد الكلبوسي
وفي هذا الإطار، نظمت غرفة التجارة والصناعة التونسية الفرنسية، أمس، الدورة الثالثة من تظاهرة لقاءات التمويل «Les Rencontres du Financement»، بمشاركة أكثر من 170 ممثلًا عن المؤسسات الاقتصادية والبنوك والجهات الممولة والمستثمرين ومكاتب الاستشارة. وشكل اللقاء مناسبة لتشخيص واقع التمويل في تونس، واستعراض الآليات المتاحة لمرافقة المؤسسات في مختلف مراحل تطورها، فضلًا عن بحث فرص الاستثمار وتعزيز التواصل بين الفاعلين الاقتصاديين التونسيين والفرنسيين.
وتندرج هذه المبادرة في إطار توجه الغرفة إلى تقريب المؤسسات وأصحاب المشاريع من مختلف مكونات المنظومة التمويلية، وتعريفهم بالأدوات والآليات المتاحة وشروط الانتفاع بها، بما يساعدهم على اختيار مصادر التمويل الأكثر ملاءمة لاحتياجاتهم الاستثمارية، ويفتح أمامهم آفاقًا أوسع للتوسع وتطوير أنشطتهم.
وافتتح أشغال اللقاء خليل الشايبي، رئيس غرفة التجارة والصناعة التونسية- الفرنسية، فيما تولى محمد الوزير، الكاتب العام للغرفة، إدارة الجلسات التي تناولت محاور متعددة، من بينها تمويل المؤسسات ومعايير تقييم المشاريع وإدارة المخاطر وخلق القيمة، إلى جانب أهمية معايير الحوكمة البيئية والاجتماعية والاستدامة في قرارات التمويل والاستثمار.
كما تطرقت النقاشات إلى الجوانب العملية لإعداد ملفات التمويل، وجودة مخططات الأعمال ودقة الفرضيات المالية وأهمية التدقيق والتقصي، باعتبارها عناصر أساسية لتعزيز مصداقية المؤسسات وترسيخ الثقة بينها وبين شركائها الماليين.
وشهدت الدورة الثالثة من لقاءات التمويل، إلى جانب الجلسات الحوارية، تنظيم لقاءات ثنائية مباشرة بين أصحاب المؤسسات وممثلي نحو عشرة من أبرز الفاعلين في قطاع التمويل، من بنوك ومؤسسات مالية وجهات استثمارية، بهدف تحويل النقاشات إلى فرص تعاون ملموسة، وتمكين المؤسسات من عرض مشاريعها ومناقشة احتياجاتها التمويلية.
تنويع مصادر التمويل لمواجهة صعوبات المؤسسات
وفي تصريح لـ«الصباح»، أكد محمد الوزير أن تطوير فرص التمويل وتعزيز العلاقات الاقتصادية بين تونس وفرنسا يمثلان محورين أساسيين في عمل الغرفة، مشيرًا إلى أن المرحلة الراهنة تقتضي مزيدًا من التنسيق بين المستثمرين والمؤسسات المالية والجهات المانحة، إلى جانب تكثيف الإحاطة بأصحاب المشاريع وتعريفهم بمختلف الآليات التمويلية المتاحة.
وأوضح أن تنظيم مثل هذه اللقاءات يستجيب لحاجة المؤسسات التونسية إلى تنويع مصادر تمويلها، خاصة في ظل الصعوبات التي تواجهها عند اللجوء إلى القروض البنكية، سواء بسبب ارتفاع كلفتها أو محدودية العرض التمويلي. وشدد على ضرورة عدم الاقتصار على الآليات البنكية التقليدية، بل توسيع الخيارات لتشمل المساهمات في رأس المال، وخطوط التمويل الدولية، والتمويل المشترك، وآليات دعم الابتكار والتجديد، فضلًا عن تدخل مؤسسات التمويل والاستثمار، على غرار صندوق الودائع والأمانات.
واعتبر أن تنويع الأدوات التمويلية من شأنه توفير حلول أكثر ملاءمة لاختلاف أحجام المؤسسات وطبيعة مشاريعها ومراحل نموها، لا سيما أن عددًا من أصحاب المؤسسات لا يزال يفتقر إلى المعرفة الكافية بمصادر التمويل المتاحة، كما يواجه صعوبات في إعداد ملفات تستجيب لمتطلبات الجهات الممولة.
وفي هذا السياق، تعمل الغرفة على تعزيز الإحاطة بالمؤسسات ومرافقتها، ولا سيما المؤسسات المنخرطة فيها، من خلال تعريفها بالفرص التمويلية ومساعدتها على إعداد ملفات متكاملة تستند إلى معطيات دقيقة ودراسات واقعية، بما يعزز قدرتها على التفاوض مع الجهات الممولة ويرفع حظوظها في الحصول على التمويلات اللازمة للتوسع وتطوير أنشطتها.
وأكد محدثنا أن الحصول على التمويل لا يرتبط بمجرد امتلاك فكرة مشروع واعدة، بل يتطلب إعداد دراسة جدوى متكاملة تراعي خصوصيات السوق المستهدفة وحجم الطلب والمخاطر المحتملة والإمكانات المالية والتنظيمية لصاحب المشروع، إلى جانب وضوح الرؤية الاقتصادية وقدرة المؤسسة على تحقيق النتائج المنتظرة.
وأضاف أن جودة الملف المالي وشفافيته ومصداقية المعطيات المقدمة تمثل عوامل حاسمة في إقناع الجهات الممولة وبناء علاقة ثقة بين المستثمر والمؤسسة المالية. ومن هذا المنطلق، تبرز أهمية اللقاءات التي تجمع مختلف أطراف المنظومة التمويلية في فضاء واحد، بما يتيح للمؤسسات التعرف إلى متطلبات الممولين وفهم آليات عملهم، ويساعد على تقريب المسافة بين أصحاب المشاريع والجهات القادرة على تمويلها.
65 موعدًا مباشرًا ومؤشرات إيجابية
وفي تقييمه لنتائج الدورة الحالية، أوضح الكاتب العام للغرفة أن قياس الأثر المباشر لمثل هذه المبادرات يظل مرتبطًا بمسار الحصول على التمويل، الذي قد يستغرق وقتًا بعد اللقاءات الأولية، فضلًا عن صعوبة تجميع معطيات دقيقة بشأن جميع المؤسسات التي تستكمل إجراءات التمويل.
غير أنه أكد تسجيل مؤشرات إيجابية، مشيرًا إلى تنظيم 65 موعدًا مباشرًا بين أصحاب المؤسسات والمستثمرين والجهات الممولة، عبر منصة عملت على الربط بين احتياجات المؤسسات الباحثة عن التمويل والعروض التي يقدمها نحو عشرة فاعلين في القطاع.
وأضاف أن الغرفة تلقت معطيات تفيد بتمكن عدد من المؤسسات من الحصول على تمويلات، سواء في شكل مساهمات في رأس المال أو تمويلات بنكية، وهو ما يعكس أهمية هذه اللقاءات في فتح قنوات اتصال مباشرة وإيجاد فرص جديدة أمام أصحاب المشاريع.
وشدد الوزير على أن نجاح مثل هذه المبادرات لا يقاس فقط بعدد التمويلات المسندة، بل يشمل أيضًا ما توفره من فرص للتشبيك الاقتصادي وتبادل الخبرات وتحسين جاهزية المؤسسات، ومساعدتها على تطوير مشاريع تستجيب لمتطلبات المستثمرين والجهات الممولة.
وبخصوص مناخ الأعمال في تونس، أكد الوزير أن البلاد تمتلك مقومات مهمة لاستقطاب الاستثمار، من بينها الكفاءات البشرية المؤهلة، والموقع الجغرافي الاستراتيجي، والقرب من الأسواق الأوروبية، فضلًا عن قاعدة صناعية وخدماتية راكمت خبرة في التعامل مع الأسواق الخارجية.
غير أن استثمار هذه المقومات على النحو الأمثل يظل، وفق تقديره، مرتبطًا بمواصلة تحسين الإطارين التشريعي والإداري، وخاصة ضمان قدر أكبر من الاستقرار والوضوح في القوانين المنظمة للنشاط الاقتصادي.
ولفت في هذا السياق إلى أن التغييرات المتكررة في المنظومة الجبائية قد تثير تساؤلات لدى المستثمرين بشأن استقرار القواعد المنظمة للاستثمار ووضوح الرؤية الاقتصادية على المديين المتوسط والبعيد. فالمستثمر يحتاج إلى بيئة تشريعية مستقرة تمكنه من التخطيط لمشاريعه وفق قواعد واضحة ومعلومة، وتساعده على تقدير التكاليف والمخاطر بعيدًا عن المفاجآت القانونية التي قد تؤثر في حساباته بعد انطلاق المشروع.
كما شدد على أهمية تعزيز الثقة بين المستثمرين ومختلف الهياكل المعنية، باعتبارها شرطًا أساسيًا لتشجيع المبادرة الخاصة وتحمل المخاطر. واعتبر أن من الضروري التمييز بين تطبيق القانون ومحاسبة المخالفين من جهة، وتوفير بيئة عمل قائمة على الثقة والوضوح والطمأنينة للمؤسسات الملتزمة بالقوانين من جهة أخرى.
وأشار محدثنا إلى أن ارتفاع كلفة التمويل ونسب الفائدة، إلى جانب محدودية بعض مصادر التمويل، لا تزال من أبرز التحديات التي تواجه المؤسسات، وخاصة الصغرى والمتوسطة. ويقتضي تجاوز هذه الصعوبات، وفق تقديره، تطوير أدوات تمويل أكثر مرونة، وتوسيع الشراكات مع المؤسسات المالية الدولية، وتعزيز دور الاستثمار في رأس المال.
وأكد أن المرحلة المقبلة تتطلب مقاربة متكاملة تجمع بين الإصلاحات الإدارية والتشريعية وتطوير المنظومة التمويلية، بما يحسن قدرة المؤسسات التونسية على المنافسة ويدعم توسعها في الأسواق الخارجية.
المؤسسات الفرنسية تواصل الرهان على تونس
وفي ما يتعلق بواقع الشراكة الاقتصادية التونسية- الفرنسية، أكد الوزير أن عددًا مهمًا من المؤسسات الفرنسية يواصل نشاطه واستثماراته في تونس، وهو ما يعكس استمرار اهتمام المستثمر الفرنسي بالسوق التونسية وبالإمكانات التي توفرها، خاصة على مستوى الموارد البشرية والكفاءات المحلية.
وأشار في هذا السياق إلى حضور مؤسسات فرنسية كبرى، من بينها «توتال» و«سافران» و«ساجام»، التي تواصل نشاطها في السوق التونسية، مستفيدة من مستوى تأهيل اليد العاملة والخبرات المحلية والقدرات المتوفرة في عدد من المجالات الصناعية والتكنولوجية والخدماتية.
واعتبر أن هذا الحضور يعكس أهمية الرصيد الاستثماري الذي راكمته العلاقات الاقتصادية بين البلدين، والثقة التي بنتها المؤسسات الفرنسية في الكفاءات التونسية وقدرتها على الاندماج في سلاسل الإنتاج والتوريد الدولية.
وشدد الوزير على ضرورة مواصلة تحسين ظروف عمل المؤسسات الأجنبية الناشطة في تونس، من خلال تبسيط الإجراءات الإدارية والديوانية والجبائية، وتطوير آليات معالجة الملفات المرتبطة بنشاطها، بما يساعدها على العمل في ظروف أفضل ويدعم خططها للتوسع والاستثمار.
وأكد أن هذه المؤسسات تمثل رصيدًا اقتصاديًا مهمًا بالنظر إلى مساهمتها في توفير مواطن الشغل ونقل الخبرات والتكنولوجيا وتعزيز القدرات التصديرية، وهو ما يجعل المحافظة عليها ومرافقتها أولوية لا تقل أهمية عن استقطاب استثمارات جديدة.
وفي ما يتعلق بالقطاعات التي تستقطب اهتمام الجهات المانحة ومؤسسات التمويل الدولية، أبرز الوزير أهمية الانتقال الطاقي والطاقات المتجددة والنجاعة الطاقية، باعتبارها من أبرز المجالات الواعدة للاستثمار خلال المرحلة المقبلة.
وتوقف محدثنا أيضًا عند الفرص التي يتيحها قطاع تكنولوجيا المعلومات والاتصال، وخاصة الذكاء الاصطناعي، معتبرًا أن التحولات التكنولوجية المتسارعة تمثل فرصة أمام تونس لتعزيز موقعها في الاقتصاد العالمي والاستفادة من كفاءاتها الشابة وقدراتها في المجالات الرقمية.
وشدد على أن تحويل هذه الفرص إلى مشاريع اقتصادية فعلية يستوجب تعبئة جهود الدولة والجامعات ومؤسسات التكوين والشركات والمستثمرين، من أجل تطوير الكفاءات ومواكبة التحولات التكنولوجية وتشجيع الابتكار وتوجيه الاستثمارات نحو القطاعات ذات القيمة المضافة العالية.
وأضاف أن هذه المجالات تفتح آفاقًا جديدة أمام الاستثمارات المشتركة التونسية والأجنبية، وخاصة الفرنسية والإيطالية وغيرها، بما يدعم نقل التكنولوجيا ويطور القدرات الإنتاجية ويوفر فرص عمل جديدة ذات قيمة مضافة.
الاستثمارات الفرنسية تتجاوز مليار دينار سنويًا
وفي سياق تقييمه لمكانة فرنسا في الاقتصاد التونسي، أكد محمد الوزير أن المؤسسات الفرنسية تحتل موقعًا متقدمًا في خارطة الاستثمار الأجنبي في تونس، مشيرًا إلى أنها توفر، وفق التقديرات التي أوردها، ما بين 150 و170 ألف موطن شغل.
كما قدر حجم الاستثمارات الفرنسية السنوية بأكثر من مليار دينار، وهو ما يعكس، وفق محدثنا، أهمية الحضور الاقتصادي الفرنسي في تونس وعمق العلاقات الاستثمارية بين البلدين.
وتعكس هذه المؤشرات أهمية الرصيد الذي تم بناؤه على امتداد سنوات من التعاون الصناعي والتجاري والاستثماري، بما يجعل من الشراكة التونسية- الفرنسية أرضية ملائمة لتطوير مشاريع جديدة في قطاعات واعدة.