من موسكو، حيث شاركت تونس بحر الأسبوع الجاري في أشغال القمة الروسية الإفريقية الثالثة بوفد ترأسته رئيسة الحكومة سارة الزعفراني الزنزري، بتكليف من رئيس الجمهورية قيس سعيّد، تتأكد مجددًا ملامح حركية دبلوماسية تتجه بصورة مكثفة نحو توسيع دائرة الشراكات والانفتاح على فضاءات اقتصادية وسياسية جديدة، دون أن يعني ذلك بأي شكل من الأشكال التخلي عن شركاء تونس التقليديين، وفي مقدمتهم الاتحاد الأوروبي، أو إعادة ترتيب العلاقات بمنطق القطيعة أو الاصطفاف ضمن سياسة المحاور.
منال حرزي
هذا التوجه ينسجم مع المقاربة التي يطرحها رئيس الدولة قيس سعيّد في إدارة علاقات تونس الخارجية، والقائمة على توسيع دائرة التعاون الدولي مع الحفاظ على استقلالية القرار الوطني واحترام سيادة الدول، وخاصة اعتماد مبدأ الندية في التعامل، بما يتيح لتونس هامشًا مهمًا من التحرك في فضاءات متعددة والاستفادة من مختلف فرص التعاون المتاحة، دون الارتهان إلى شريك واحد أو الانغلاق داخل محور ضيق.
كما يشدد رئيس الجمهورية قيس سعيّد على أن تنويع الشراكات لا يعني تغيير وجهة تونس، وإنما توسيع خياراتها بما يخدم مصالحها الوطنية ويدعم قدرتها على استقطاب الاستثمار وفتح أسواق جديدة وتعزيز المبادلات ونقل التكنولوجيا والخبرات.
في هذا الخصوص، تعتبر القمة الروسية الإفريقية آخر محطات هذا التنوع، بالنظر إلى الملفات المطروحة على جدول أعمالها، من الاقتصاد والاستثمار والطاقة والبنية التحتية والصحة والتعليم إلى التكنولوجيا والابتكار ورأس المال البشري. وهي مجالات تتقاطع بصورة مباشرة مع أولويات تونس في المرحلة الراهنة، بما يجعل المشاركة في فعاليات القمة محطة هامة لعرض إمكانيات تونس أمام مختلف الشركاء والفاعلين.
وبالتوازي مع القمة الروسية -الإفريقية، فقد كان لتونس صولات وجولات في عدد من القمم والمنتديات الدولية والإقليمية التي عكست بدورها حرصها على توسيع قاعدة تحركها الخارجي وبناء علاقات أكثر تنوعًا.
وضمن هذه المقاربة، واكبت تونس فعاليات القمة الإفريقية- الإيطالية الثانية والدورة التاسعة والثلاثين للاتحاد الإفريقي بأديس أبابا خلال شهر فيفري 2026، حيث كان ملف المياه وضمان النفاذ الدائم إليها في صدارة النقاشات. كما شاركت بلادنا أيضًا في القمة الإفريقية- الفرنسية بنيروبي خلال شهر ماي الماضي، بما أتاح بحث مجالات جديدة للشراكة الاقتصادية والاستثمارية، إلى جانب ملفات السيادة الصحية والزراعة المستدامة والذكاء الاصطناعي. كما مثلت القمة الإفريقية -الأوروبية السابعة بأنغولا في نوفمبر 2025 محطة أخرى طرحت خلالها تونس رؤيتها بشأن الهجرة والتنقل البشري والاستثمار المشترك، هذا بالتوازي مع مشاركتها في الدورة الثامنة والثلاثين للاتحاد الإفريقي بأديس أبابا سنة 2025، بما يعكس حرصًا متواصلًا على تعزيز حضورها داخل محيطها الإفريقي.
ولا يقف هذا التحرك عند الفضاء الإفريقي، فقد مثلت قمة منتدى التعاون الصيني الإفريقي «فوكاك 2024» ببكين محطة هامة في مسار الشراكة التونسية -الصينية، خاصة في ما تعلق بمشاريع البنية التحتية والنقل والصحة وتسهيل نفاذ المنتجات التونسية إلى السوق الصينية، قبل أن تتواصل متابعة مخرجات المنتدى خلال الاجتماع الوزاري التنسيقي في تشانغشا سنة 2025، بما يؤشر إلى أن الحضور التونسي في هذه المحطات يعكس في جوهره توجهًا نحو بناء شبكة واسعة وثرية من العلاقات الاقتصادية والسياسية، تستفيد فيها تونس من تعدد الشركاء والفضاءات والأسواق، مع المحافظة في الوقت نفسه على استمرارية علاقاتها مع شركائها التقليديين، وفي مقدمتهم الاتحاد الأوروبي الذي يظل الشريك الاستراتيجي رقم واحد بالنسبة إلى تونس.
دبلوماسية تقوم على تعدد الخيارات
هذا التوجه في التعددية والتنوع يتناغم في جوهره مع رؤية رئيس الجمهورية قيس سعيّد للسياسة الخارجية، التي جعلت من احترام سيادة الدول وعدم التدخل في شؤونها الداخلية والندية في العلاقات الدولية مرتكزات أساسية في تحرك تونس الخارجي.
فقد أكد رئيس الدولة في أكثر من مناسبة أن تونس لا تبحث عن الاصطفاف، ولا تحتكم في علاقاتها الخارجية إلى سياسة المحاور، وإنما تتحرك وفقًا لما يخدم مصالحها ويحفظ قرارها الوطني. ولذلك، فإن الانفتاح على روسيا والصين وآسيا وإفريقيا لا يعني ابتعاد تونس عن شركائها الاستراتيجيين، على غرار أوروبا والولايات المتحدة الأمريكية، أو تجاوزها لعمق العلاقات التي راكمتها تونس على مدى عقود معهم، وإنما يكمن التوجه الخارجي في التنويع ومواكبة التحولات الاقتصادية التي تسعى الدولة إلى مواكبتها، بما يفضي إلى توسيع هامش الخيارات ومجالات التحرك الخارجي.
الاتحاد الأوروبي... الشريك الاستراتيجي الأول
وفي خضم هذا التوجه، تظل العلاقة مع الاتحاد الأوروبي في صدارة الشراكات التونسية، بالنظر إلى ثقل وزنها الاقتصادي والاستثماري والتجاري والاجتماعي، وإلى التشابك الكبير بين تونس والفضاء الأوروبي.
فالاتحاد الأوروبي يمثل الشريك التجاري الأول لتونس، كما أن السوق الأوروبية تستقطب النسبة الأكبر من المبادلات التجارية التونسية، فضلًا عن الحضور المهم للمؤسسات والشركات الأوروبية والاستثمارات في بلادنا، إلى جانب الروابط البشرية القوية التي تجمع تونس بعدد من الدول الأوروبية.
وفي خطوة عملية تترجم اهتمام تونس بشركائها التقليديين، دعا رئيس الجمهورية قيس سعيّد إلى ضرورة مراجعة اتفاقية الشراكة بين تونس والاتحاد الأوروبي حتى تكون أكثر عدلًا وإنصافًا وتوازنًا، بما يحفظ مصالح الطرفين ويأخذ بعين الاعتبار التحولات الاقتصادية التي تشهدها تونس وحاجياتها إلى بلورة علاقات تجارية واستثمارية أكثر قدرة على دعم النمو والتنمية. وهذه الدعوة تؤكد أن التوجه نحو تنويع الشراكات لا يعني مطلقًا تجاوز تونس لعلاقاتها الضاربة في القدم، وإنما العمل على تطويرها وإعادة صياغة جوانب منها، بما يجعلها أكثر انسجامًا مع المصلحة الوطنية وأكثر قدرة على تحقيق منفعة متبادلة ومستدامة.
شراكات المشاريع الكبرى
وضمن هذه المقاربة، تقدم العلاقة التونسية- الصينية مثالًا واضحًا على هذا التوجه.
فمشاركة تونس في منتدى التعاون الصيني الإفريقي «فوكاك 2024» ببكين مثلت محطة هامة في مسار تطوير هذه الشراكة، خاصة مع طرح مشاريع ترتبط بالنقل والبنية التحتية والصحة والرياضة، إلى جانب العمل على تسهيل نفاذ المنتجات التونسية إلى السوق الصينية.
وتبرز هنا أهمية المشاريع التي تم الاتفاق حولها أو بحث آليات تنفيذها على أرض الواقع، على غرار المساهمة الصينية في مشروع بناء مدينة الأغالبة الصحية بالقيروان وإعادة تهيئة الحي الرياضي بالمنزه، فضلًا عن التعاون في مجال النقل والربط الحديدي وتعزيز أسطول الحافلات.
وتكمن أهمية هذه الشراكة في أن تونس تبحث اليوم عن شركاء قادرين على المساهمة في إنجاز مشاريع البنية التحتية، وفي نقل الخبرة والتكنولوجيا والتمويل، وهي عناصر تحتاجها البلاد لتسريع نسق الإنجاز ودعم قدرتها الإنتاجية.
وإذا كانت الصين وروسيا تمثلان جزءًا من مسار تنويع الشراكات، فإن الولايات المتحدة بدورها تشهد العلاقات معها اليوم زخمًا لافتًا، خاصة في المجال الاقتصادي.
ويأتي في هذا السياق الإعلان مؤخرًا عن مشروع أمريكي استراتيجي جديد في قطاع الفسفاط ليعطي دفعًا إضافيًا لهذا المسار. فالمشروع، الممول من الحكومة الأمريكية بالتعاون مع مؤسسة «CrossBoundary»، يستهدف ربط المستثمرين والشركات الأمريكية بمشروع شركة «PhosCo» للفسفاط بالحوض الشمالي، بما يفتح المجال أمام استقطاب استثمارات أمريكية في قطاع استراتيجي بالنسبة إلى تونس.
وتتجاوز أهمية هذا التعاون مجرد استقطاب رؤوس الأموال، على اعتبار أن إدماج المعادن التونسية الحيوية ضمن سلاسل الإمداد العالمية يمكن أن يمنح القطاع قدرة أكبر على استعادة موقعه الاقتصادي، كما يمكن أن يفتح أمام تونس المجال لبلورة علاقات تعاون ممتدة مع مؤسسات وشركات دولية ناشطة في الصناعات التحويلية.
الاستثمار.. محرك للدبلوماسية الاقتصادية
من هذا المنطلق، تعكس مختلف صولات تونس في الخارج، وتحديدًا في عدد من القمم الأوروبية والإفريقية الهامة، الدور الريادي للدبلوماسية الاقتصادية التي تتحرك اليوم، وبتوجيهات من رئيس الدولة قيس سعيّد، في أكثر من اتجاه.
وفي هذا السياق، لطالما اعتبر رئيس الدولة أن الدبلوماسية الاقتصادية يتعين اليوم أن تتحول إلى أداة فعلية لخدمة الاقتصاد الوطني وجلب الاستثمارات وفتح الأسواق أمام المنتجات التونسية وتعزيز المبادلات ونقل التكنولوجيا والخبرات، بما من شأنه أن يترجم العلاقات السياسية مع مختلف الشركاء إلى مشاريع وفرص حقيقية تعود بالنفع على تونس. كما أن تعدد الوجهات التي تتحرك فيها الدبلوماسية التونسية لا يمثل غاية في حد ذاته، وإنما هو وسيلة لتوسيع هامش الخيارات الاقتصادية أمام البلاد والاستفادة من الإمكانيات التي يتيحها كل فضاء وشريك، مع الحفاظ على العلاقات الاستراتيجية القائمة وتطويرها على قاعدة المصالح المشتركة والندية.
ولعل الإشعاع العالمي الذي حصده، السنة الماضية، زيت الزيتون التونسي من مراكز دولية متقدمة ومن تتويجات وحضور متزايد في أسواق مختلفة، أنسب مثال على ما يمكن أن تحققه الدبلوماسية الاقتصادية عندما تتكامل مع جودة المنتوج الوطني وقدرته التنافسية العالية، بعد أن تحول زيت الزيتون التونسي إلى عنوان من عناوين الحضور الاقتصادي لتونس في الخارج، ورافعة لتعزيز الصادرات وفتح أسواق جديدة وترسيخ صورة تونس كبلد قادر على إنتاج منتجات ذات قيمة وجودة تنافسية عالية على المستوى الدولي.
دبلوماسية متعددة الاتجاهات
يقوم المسار الذي تتقدم فيه تونس اليوم وتسعى إلى ترسيخه على عدم الاكتفاء بشريك بديل، وإنما على بناء شبكة شراكات متوازنة.
فأوروبا تبقى الشريك الاستراتيجي الأول، والعلاقات مع الولايات المتحدة تتطور في مجالات اقتصادية واستثمارية هامة، والصين تتحول تدريجيًا إلى شريك استراتيجي لتونس في دعم مشاريع البنية التحتية والتنموية، فيما تفتح روسيا مجالًا جديدًا للتعاون، أما إفريقيا فإن تونس تستمد منها عمقها الإفريقي لتصبح فضاءً طبيعيًا لتوسيع حضور المؤسسات والمنتجات والخبرات التونسية، على أن القاسم المشترك بين كل هذه المسارات هو تعزيز المصلحة الوطنية.
وهذا الطرح يمثل أولوية بالنسبة إلى رئيس الدولة قيس سعيّد، الذي أكد في عديد المحطات أن علاقات تونس الخارجية يتعين أن تكون أداة لخدمة الدولة والمجتمع والاقتصاد، وأن تقوم على الندية والاحترام المتبادل، وألا يكون الانفتاح على طرف على حساب طرف آخر. وما إقرار رئيس الدولة قيس سعيّد سنة 2025 سنة العمل المتعدد الأطراف، وإعادة التأكيد على التعددية وأهميتها مؤخرًا خلال الاحتفاء بيوم الأمم المتحدة، إلا تأكيد على هذا التوجه الذي يجعل من تعدد الشراكات والانفتاح على مختلف الفضاءات الدولية خيارًا دبلوماسيًا واقتصاديًا يخدم المصالح الوطنية.
فالتعددية، وفقًا لهذا التوجه، لا تعني فقط توسيع دائرة الحضور التونسي في المحافل الدولية، وإنما تتيح أيضًا بناء شبكة واسعة من الشراكات والدفاع عن مصالح تونس والاستفادة من الفرص التي تتيحها التحولات الجارية على مستوى الاقتصاد العالمي، بما يعزز قدرة البلاد على التفاوض ويمنحها هامشًا مهمًا لتنويع علاقاتها وأسواقها ومصادر الاستثمار والتعاون.
علاقات دولية رافعة للتنمية
في هذا الخضم، جدير بالذكر أن المعادلة التي بصدد التشكل اليوم ليست «أوروبا أم الصين أم روسيا أم أمريكا»، وإنما أوروبا والصين وروسيا وأمريكا وإفريقيا، هذا دون التغافل عن الاتحاد الأوروبي وكل شريك يمكن أن يضيف إلى قدرة تونس على بناء اقتصاد أكثر انفتاحًا وتنوعًا وقدرة على المنافسة، والأهم كل شريك من شأنه أن يقدم إضافة نوعية على مستوى جلب الاستثمارات.
وضمن هذا التمشي، فإن تنويع الشراكات الذي تدفع إليه الدولة بتوجيهات من رئيس الجمهورية قيس سعيّد لا يمثل حيادًا عن مسارها التقليدي، وإنما هو تطور طبيعي في سياستها الخارجية والاقتصادية، بما من شأنه أن يعزز مسارًا يحفظ خصوصية الشركاء الاستراتيجيين ويفتح في الوقت نفسه نوافذ جديدة أمام الاستثمار والتكنولوجيا والسياحة.
ومع المحافظة على الشركاء التقليديين، وفي مقدمتهم الاتحاد الأوروبي، تمضي تونس اليوم في توسيع دائرة خياراتها حتى تصبح علاقاتها الدولية رافعة مباشرة للتنمية، وتتحول الدبلوماسية من فضاء لإدارة العلاقات إلى أداة ناجعة لولوج أسواق جديدة وجلب الاستثمار وتعزيز الإنتاج والصادرات، وهو ما ينسجم مع رؤية رئيس الجمهورية قيس سعيّد لدولة تتحرك وفق مصالحها الوطنية وتبني علاقاتها على أساس الندية والاحترام المتبادل.
تونس – الصباح
من موسكو، حيث شاركت تونس بحر الأسبوع الجاري في أشغال القمة الروسية الإفريقية الثالثة بوفد ترأسته رئيسة الحكومة سارة الزعفراني الزنزري، بتكليف من رئيس الجمهورية قيس سعيّد، تتأكد مجددًا ملامح حركية دبلوماسية تتجه بصورة مكثفة نحو توسيع دائرة الشراكات والانفتاح على فضاءات اقتصادية وسياسية جديدة، دون أن يعني ذلك بأي شكل من الأشكال التخلي عن شركاء تونس التقليديين، وفي مقدمتهم الاتحاد الأوروبي، أو إعادة ترتيب العلاقات بمنطق القطيعة أو الاصطفاف ضمن سياسة المحاور.
منال حرزي
هذا التوجه ينسجم مع المقاربة التي يطرحها رئيس الدولة قيس سعيّد في إدارة علاقات تونس الخارجية، والقائمة على توسيع دائرة التعاون الدولي مع الحفاظ على استقلالية القرار الوطني واحترام سيادة الدول، وخاصة اعتماد مبدأ الندية في التعامل، بما يتيح لتونس هامشًا مهمًا من التحرك في فضاءات متعددة والاستفادة من مختلف فرص التعاون المتاحة، دون الارتهان إلى شريك واحد أو الانغلاق داخل محور ضيق.
كما يشدد رئيس الجمهورية قيس سعيّد على أن تنويع الشراكات لا يعني تغيير وجهة تونس، وإنما توسيع خياراتها بما يخدم مصالحها الوطنية ويدعم قدرتها على استقطاب الاستثمار وفتح أسواق جديدة وتعزيز المبادلات ونقل التكنولوجيا والخبرات.
في هذا الخصوص، تعتبر القمة الروسية الإفريقية آخر محطات هذا التنوع، بالنظر إلى الملفات المطروحة على جدول أعمالها، من الاقتصاد والاستثمار والطاقة والبنية التحتية والصحة والتعليم إلى التكنولوجيا والابتكار ورأس المال البشري. وهي مجالات تتقاطع بصورة مباشرة مع أولويات تونس في المرحلة الراهنة، بما يجعل المشاركة في فعاليات القمة محطة هامة لعرض إمكانيات تونس أمام مختلف الشركاء والفاعلين.
وبالتوازي مع القمة الروسية -الإفريقية، فقد كان لتونس صولات وجولات في عدد من القمم والمنتديات الدولية والإقليمية التي عكست بدورها حرصها على توسيع قاعدة تحركها الخارجي وبناء علاقات أكثر تنوعًا.
وضمن هذه المقاربة، واكبت تونس فعاليات القمة الإفريقية- الإيطالية الثانية والدورة التاسعة والثلاثين للاتحاد الإفريقي بأديس أبابا خلال شهر فيفري 2026، حيث كان ملف المياه وضمان النفاذ الدائم إليها في صدارة النقاشات. كما شاركت بلادنا أيضًا في القمة الإفريقية- الفرنسية بنيروبي خلال شهر ماي الماضي، بما أتاح بحث مجالات جديدة للشراكة الاقتصادية والاستثمارية، إلى جانب ملفات السيادة الصحية والزراعة المستدامة والذكاء الاصطناعي. كما مثلت القمة الإفريقية -الأوروبية السابعة بأنغولا في نوفمبر 2025 محطة أخرى طرحت خلالها تونس رؤيتها بشأن الهجرة والتنقل البشري والاستثمار المشترك، هذا بالتوازي مع مشاركتها في الدورة الثامنة والثلاثين للاتحاد الإفريقي بأديس أبابا سنة 2025، بما يعكس حرصًا متواصلًا على تعزيز حضورها داخل محيطها الإفريقي.
ولا يقف هذا التحرك عند الفضاء الإفريقي، فقد مثلت قمة منتدى التعاون الصيني الإفريقي «فوكاك 2024» ببكين محطة هامة في مسار الشراكة التونسية -الصينية، خاصة في ما تعلق بمشاريع البنية التحتية والنقل والصحة وتسهيل نفاذ المنتجات التونسية إلى السوق الصينية، قبل أن تتواصل متابعة مخرجات المنتدى خلال الاجتماع الوزاري التنسيقي في تشانغشا سنة 2025، بما يؤشر إلى أن الحضور التونسي في هذه المحطات يعكس في جوهره توجهًا نحو بناء شبكة واسعة وثرية من العلاقات الاقتصادية والسياسية، تستفيد فيها تونس من تعدد الشركاء والفضاءات والأسواق، مع المحافظة في الوقت نفسه على استمرارية علاقاتها مع شركائها التقليديين، وفي مقدمتهم الاتحاد الأوروبي الذي يظل الشريك الاستراتيجي رقم واحد بالنسبة إلى تونس.
دبلوماسية تقوم على تعدد الخيارات
هذا التوجه في التعددية والتنوع يتناغم في جوهره مع رؤية رئيس الجمهورية قيس سعيّد للسياسة الخارجية، التي جعلت من احترام سيادة الدول وعدم التدخل في شؤونها الداخلية والندية في العلاقات الدولية مرتكزات أساسية في تحرك تونس الخارجي.
فقد أكد رئيس الدولة في أكثر من مناسبة أن تونس لا تبحث عن الاصطفاف، ولا تحتكم في علاقاتها الخارجية إلى سياسة المحاور، وإنما تتحرك وفقًا لما يخدم مصالحها ويحفظ قرارها الوطني. ولذلك، فإن الانفتاح على روسيا والصين وآسيا وإفريقيا لا يعني ابتعاد تونس عن شركائها الاستراتيجيين، على غرار أوروبا والولايات المتحدة الأمريكية، أو تجاوزها لعمق العلاقات التي راكمتها تونس على مدى عقود معهم، وإنما يكمن التوجه الخارجي في التنويع ومواكبة التحولات الاقتصادية التي تسعى الدولة إلى مواكبتها، بما يفضي إلى توسيع هامش الخيارات ومجالات التحرك الخارجي.
الاتحاد الأوروبي... الشريك الاستراتيجي الأول
وفي خضم هذا التوجه، تظل العلاقة مع الاتحاد الأوروبي في صدارة الشراكات التونسية، بالنظر إلى ثقل وزنها الاقتصادي والاستثماري والتجاري والاجتماعي، وإلى التشابك الكبير بين تونس والفضاء الأوروبي.
فالاتحاد الأوروبي يمثل الشريك التجاري الأول لتونس، كما أن السوق الأوروبية تستقطب النسبة الأكبر من المبادلات التجارية التونسية، فضلًا عن الحضور المهم للمؤسسات والشركات الأوروبية والاستثمارات في بلادنا، إلى جانب الروابط البشرية القوية التي تجمع تونس بعدد من الدول الأوروبية.
وفي خطوة عملية تترجم اهتمام تونس بشركائها التقليديين، دعا رئيس الجمهورية قيس سعيّد إلى ضرورة مراجعة اتفاقية الشراكة بين تونس والاتحاد الأوروبي حتى تكون أكثر عدلًا وإنصافًا وتوازنًا، بما يحفظ مصالح الطرفين ويأخذ بعين الاعتبار التحولات الاقتصادية التي تشهدها تونس وحاجياتها إلى بلورة علاقات تجارية واستثمارية أكثر قدرة على دعم النمو والتنمية. وهذه الدعوة تؤكد أن التوجه نحو تنويع الشراكات لا يعني مطلقًا تجاوز تونس لعلاقاتها الضاربة في القدم، وإنما العمل على تطويرها وإعادة صياغة جوانب منها، بما يجعلها أكثر انسجامًا مع المصلحة الوطنية وأكثر قدرة على تحقيق منفعة متبادلة ومستدامة.
شراكات المشاريع الكبرى
وضمن هذه المقاربة، تقدم العلاقة التونسية- الصينية مثالًا واضحًا على هذا التوجه.
فمشاركة تونس في منتدى التعاون الصيني الإفريقي «فوكاك 2024» ببكين مثلت محطة هامة في مسار تطوير هذه الشراكة، خاصة مع طرح مشاريع ترتبط بالنقل والبنية التحتية والصحة والرياضة، إلى جانب العمل على تسهيل نفاذ المنتجات التونسية إلى السوق الصينية.
وتبرز هنا أهمية المشاريع التي تم الاتفاق حولها أو بحث آليات تنفيذها على أرض الواقع، على غرار المساهمة الصينية في مشروع بناء مدينة الأغالبة الصحية بالقيروان وإعادة تهيئة الحي الرياضي بالمنزه، فضلًا عن التعاون في مجال النقل والربط الحديدي وتعزيز أسطول الحافلات.
وتكمن أهمية هذه الشراكة في أن تونس تبحث اليوم عن شركاء قادرين على المساهمة في إنجاز مشاريع البنية التحتية، وفي نقل الخبرة والتكنولوجيا والتمويل، وهي عناصر تحتاجها البلاد لتسريع نسق الإنجاز ودعم قدرتها الإنتاجية.
وإذا كانت الصين وروسيا تمثلان جزءًا من مسار تنويع الشراكات، فإن الولايات المتحدة بدورها تشهد العلاقات معها اليوم زخمًا لافتًا، خاصة في المجال الاقتصادي.
ويأتي في هذا السياق الإعلان مؤخرًا عن مشروع أمريكي استراتيجي جديد في قطاع الفسفاط ليعطي دفعًا إضافيًا لهذا المسار. فالمشروع، الممول من الحكومة الأمريكية بالتعاون مع مؤسسة «CrossBoundary»، يستهدف ربط المستثمرين والشركات الأمريكية بمشروع شركة «PhosCo» للفسفاط بالحوض الشمالي، بما يفتح المجال أمام استقطاب استثمارات أمريكية في قطاع استراتيجي بالنسبة إلى تونس.
وتتجاوز أهمية هذا التعاون مجرد استقطاب رؤوس الأموال، على اعتبار أن إدماج المعادن التونسية الحيوية ضمن سلاسل الإمداد العالمية يمكن أن يمنح القطاع قدرة أكبر على استعادة موقعه الاقتصادي، كما يمكن أن يفتح أمام تونس المجال لبلورة علاقات تعاون ممتدة مع مؤسسات وشركات دولية ناشطة في الصناعات التحويلية.
الاستثمار.. محرك للدبلوماسية الاقتصادية
من هذا المنطلق، تعكس مختلف صولات تونس في الخارج، وتحديدًا في عدد من القمم الأوروبية والإفريقية الهامة، الدور الريادي للدبلوماسية الاقتصادية التي تتحرك اليوم، وبتوجيهات من رئيس الدولة قيس سعيّد، في أكثر من اتجاه.
وفي هذا السياق، لطالما اعتبر رئيس الدولة أن الدبلوماسية الاقتصادية يتعين اليوم أن تتحول إلى أداة فعلية لخدمة الاقتصاد الوطني وجلب الاستثمارات وفتح الأسواق أمام المنتجات التونسية وتعزيز المبادلات ونقل التكنولوجيا والخبرات، بما من شأنه أن يترجم العلاقات السياسية مع مختلف الشركاء إلى مشاريع وفرص حقيقية تعود بالنفع على تونس. كما أن تعدد الوجهات التي تتحرك فيها الدبلوماسية التونسية لا يمثل غاية في حد ذاته، وإنما هو وسيلة لتوسيع هامش الخيارات الاقتصادية أمام البلاد والاستفادة من الإمكانيات التي يتيحها كل فضاء وشريك، مع الحفاظ على العلاقات الاستراتيجية القائمة وتطويرها على قاعدة المصالح المشتركة والندية.
ولعل الإشعاع العالمي الذي حصده، السنة الماضية، زيت الزيتون التونسي من مراكز دولية متقدمة ومن تتويجات وحضور متزايد في أسواق مختلفة، أنسب مثال على ما يمكن أن تحققه الدبلوماسية الاقتصادية عندما تتكامل مع جودة المنتوج الوطني وقدرته التنافسية العالية، بعد أن تحول زيت الزيتون التونسي إلى عنوان من عناوين الحضور الاقتصادي لتونس في الخارج، ورافعة لتعزيز الصادرات وفتح أسواق جديدة وترسيخ صورة تونس كبلد قادر على إنتاج منتجات ذات قيمة وجودة تنافسية عالية على المستوى الدولي.
دبلوماسية متعددة الاتجاهات
يقوم المسار الذي تتقدم فيه تونس اليوم وتسعى إلى ترسيخه على عدم الاكتفاء بشريك بديل، وإنما على بناء شبكة شراكات متوازنة.
فأوروبا تبقى الشريك الاستراتيجي الأول، والعلاقات مع الولايات المتحدة تتطور في مجالات اقتصادية واستثمارية هامة، والصين تتحول تدريجيًا إلى شريك استراتيجي لتونس في دعم مشاريع البنية التحتية والتنموية، فيما تفتح روسيا مجالًا جديدًا للتعاون، أما إفريقيا فإن تونس تستمد منها عمقها الإفريقي لتصبح فضاءً طبيعيًا لتوسيع حضور المؤسسات والمنتجات والخبرات التونسية، على أن القاسم المشترك بين كل هذه المسارات هو تعزيز المصلحة الوطنية.
وهذا الطرح يمثل أولوية بالنسبة إلى رئيس الدولة قيس سعيّد، الذي أكد في عديد المحطات أن علاقات تونس الخارجية يتعين أن تكون أداة لخدمة الدولة والمجتمع والاقتصاد، وأن تقوم على الندية والاحترام المتبادل، وألا يكون الانفتاح على طرف على حساب طرف آخر. وما إقرار رئيس الدولة قيس سعيّد سنة 2025 سنة العمل المتعدد الأطراف، وإعادة التأكيد على التعددية وأهميتها مؤخرًا خلال الاحتفاء بيوم الأمم المتحدة، إلا تأكيد على هذا التوجه الذي يجعل من تعدد الشراكات والانفتاح على مختلف الفضاءات الدولية خيارًا دبلوماسيًا واقتصاديًا يخدم المصالح الوطنية.
فالتعددية، وفقًا لهذا التوجه، لا تعني فقط توسيع دائرة الحضور التونسي في المحافل الدولية، وإنما تتيح أيضًا بناء شبكة واسعة من الشراكات والدفاع عن مصالح تونس والاستفادة من الفرص التي تتيحها التحولات الجارية على مستوى الاقتصاد العالمي، بما يعزز قدرة البلاد على التفاوض ويمنحها هامشًا مهمًا لتنويع علاقاتها وأسواقها ومصادر الاستثمار والتعاون.
علاقات دولية رافعة للتنمية
في هذا الخضم، جدير بالذكر أن المعادلة التي بصدد التشكل اليوم ليست «أوروبا أم الصين أم روسيا أم أمريكا»، وإنما أوروبا والصين وروسيا وأمريكا وإفريقيا، هذا دون التغافل عن الاتحاد الأوروبي وكل شريك يمكن أن يضيف إلى قدرة تونس على بناء اقتصاد أكثر انفتاحًا وتنوعًا وقدرة على المنافسة، والأهم كل شريك من شأنه أن يقدم إضافة نوعية على مستوى جلب الاستثمارات.
وضمن هذا التمشي، فإن تنويع الشراكات الذي تدفع إليه الدولة بتوجيهات من رئيس الجمهورية قيس سعيّد لا يمثل حيادًا عن مسارها التقليدي، وإنما هو تطور طبيعي في سياستها الخارجية والاقتصادية، بما من شأنه أن يعزز مسارًا يحفظ خصوصية الشركاء الاستراتيجيين ويفتح في الوقت نفسه نوافذ جديدة أمام الاستثمار والتكنولوجيا والسياحة.
ومع المحافظة على الشركاء التقليديين، وفي مقدمتهم الاتحاد الأوروبي، تمضي تونس اليوم في توسيع دائرة خياراتها حتى تصبح علاقاتها الدولية رافعة مباشرة للتنمية، وتتحول الدبلوماسية من فضاء لإدارة العلاقات إلى أداة ناجعة لولوج أسواق جديدة وجلب الاستثمار وتعزيز الإنتاج والصادرات، وهو ما ينسجم مع رؤية رئيس الجمهورية قيس سعيّد لدولة تتحرك وفق مصالحها الوطنية وتبني علاقاتها على أساس الندية والاحترام المتبادل.