إشترك في النسخة الرقمية لجريدة الصباح و LE TEMPS

أبرزها اضطرابات القلق والاكتئاب.. علاج الأمراض النفسية بالفنّ.. مقاربة علاجية تكميلية بصدد الانتشار وتحقيق نتائج إيجابية

تونس - الصباح

يُعتبر الاكتئاب والتوتر وأمراض القلق من أكثر الاضطرابات النفسية انتشارًا في تونس، بالإضافة إلى «الاحتراق الوظيفي» والضغط المهني في مقر العمل، وهي من الاضطرابات النفسية التي باتت محل نقاش في الأوساط الطبية، باعتبارها عوامل ضغط نفسي أصبحت مسؤولة بشكل مباشر عن بقية الاضطرابات النفسية.

 

منية العرفاوي

وإذا كانت الأسباب التي تقف خلف هذه الاضطرابات تتشابه بين المجتمعات، مع اختلاف الخصوصيات والتأثير والصلابة الذاتية في مواجهة تلك الأسباب الذاتية والاجتماعية والاقتصادية، فإن أساليب العلاج تختلف، كما تختلف نسب الاعتراف بالاضطراب والاقتناع بضرورة طلب المساعدة الطبية حسب البيئات الاجتماعية.

وفي السنوات الأخيرة، تنوّعت أساليب العلاج ولم تعد تقتصر على العلاج النفسي التقليدي، حيث باتت هناك اليوم علاجات حديثة تُعاضد المجهود الطبي والعلمي في تحقيق الشفاء والتعافي، مثل «العلاج بالفنّ» الذي بات يجد رواجًا في بلادنا في السنوات الأخيرة، ويُستخدم كمقاربة علاجية وتكميلية لمواجهة الاضطرابات النفسية والقلق والإدمان والضغط النفسي والاكتئاب.

وفكرة «العلاج بالفنّ» تعزّز اللياقة النفسية، والشفاء من بعض الأمراض يمكن أن يحصل بالدفع نحو التمارين الفنية والإبداعية المستمرة التي تمنح المريض في النهاية جملة من المهارات التي تساعد على إعادة التأقلم والدخول في دورة تواصل جديدة تتيح له فرصًا لحياة مختلفة. ويتم اعتماد هذه المقاربة حتى في المؤسسات الاستشفائية العمومية، مثل مستشفى الرازي، وهناك اليوم مختصون في هذه العلاجات بالواسطة يساعدون الأطباء والمختصين النفسانيين على تنفيذ هذه الأساليب الجديدة في علاج الأمراض النفسية.

ويتضمن العلاج بالفنّ في تونس مجالات متعددة ومختلفة من الفنون، منها استخدام الرسم بأنواعه والنحت والعزف على الآلات الموسيقية والرقص وكتابة الشعر والقصص والخاطرة وفنون التمثيل المسرحي والسينمائي، وقد نشأت نوادٍ مختصة وجمعيات تهتم بالعلاج بالفنّ.

 

الأمراض النفسية الأكثر شيوعًا

يختلف الطب النفسي الذي يعتمد على الأدوية وجلسات الدعم والتوجيه، ويركّز على الاضطرابات النفسية الحادّة، عن العلاج النفسي الذي يعتمد العلاج بالكلام لتعديل السلوك وفهم مشاكل المرضى وإيجاد استراتيجيات للتعامل مع الضغوط والقلق والخلافات، ويناسب الحالات الخفيفة إلى المتوسطة في الاضطرابات النفسية، ولذلك تبدو الأساليب العلاجية الجديدة، مثل العلاج بالفنّ، منسجمة مع العلاج النفسي، وتتقاطع أدوارها مع المختصين في هذا النوع من العلاجات.

وبات المجتمع، وخاصة فئة الشباب، أكثر وعيًا اليوم بضرورة اللجوء إلى العلاج النفسي، رغم بعض العقبات كنقص فضاءات الاستشفاء أو عدم الفهم المجتمعي للاضطرابات النفسية والوصم أحيانًا.

وتشير عدة تقارير ودراسات إلى أن الوضع النفسي للتونسيين ليس على ما يرام بسبب تراكم المشاكل الاقتصادية والاجتماعية وتراجع الخدمات الصحية، حيث ترتفع بشكل لافت أمراض القلق لدى الأطفال والمراهقين.

وفي وقت سابق، أكدت الجمعية التونسية لعلم النفس ضرورة اعتماد مقاربة مشتركة في صياغة وتنفيذ الاستراتيجية الوطنية للصحة النفسية، وطالبت بإدماج علم النفس السريري وعلم النفس المدرسي وعلم نفس الشغل وعلم النفس المجتمعي ضمن الرؤية الوطنية، وعدم حصر الإصلاح في البعد الطبي. كما أعلنت وزارة الصحة، سابقًا، أنها ستراجع وضع قطاع الطب النفسي وتضع خريطة طريق وطنية قابلة للتنفيذ عبر إدارتها للصحة النفسية، من أجل قيادة البرنامج الوطني للصحة النفسية عبر تقديم خدمات قريبة من المناطق السكنية، وتقليص الفوارق وإطلاق الطب النفسي عن بُعد. حيث تُسجّل تونس في السنوات الأخيرة، ووفق ما يؤكده المختصون في تصريحاتهم، انتشارًا كبيرًا لنسب الاكتئاب بسبب عوامل اجتماعية واقتصادية مختلفة، وحتى بسبب العوامل الجينية والميل إلى اكتساب اضطراب الاكتئاب.

كما تواجه المصالح الصحية النفسية في قطاع الصحة العمومية ضغطًا كبيرًا بسبب نقص الكوادر المتخصصة، حيث يعتمد المرضى على عدد قليل من الأطباء والمراكز المركزية، مثل مستشفى الرازي، فوفق الإحصائيات الرسمية، هناك أقل من ثلاثة أطباء نفسيين لكل 100 ألف نسمة، إضافة إلى موارد محدودة من الممرضين ومتخصصي الصحة النفسية، ما يجعل النظام الصحي غير قادر على تلبية احتياجات المرضى، بالإضافة إلى ارتفاع كلفة العلاج النفسي الخاص.

 

برنامج وطني للصحة النفسية

ينظّم الأمر عدد 83 لسنة 1992 المتعلق بالصحة العقلية والنفسية الضوابط التشريعية والمهنية للعلاج النفسي وشروط الإيواء بالمستشفيات في ظروف تحترم الحريات الفردية والكرامة البشرية. كما تشرف وزارة الصحة على البرنامج الوطني للصحة النفسية، ويتضمن توفير استشارات مجانية ودعم نفسي عبر الرقم الأخضر، وبالتنسيق مع الخلية المركزية للإحاطة النفسية الطارئة، بالإضافة إلى خدمات الطب النفسي عن بُعد. لكن منظومة العلاج النفسي ترتكز في الأساس على المؤسسات الاستشفائية في القطاعين العمومي والخاص، مثل مستشفى الرازي وغيره من الأقسام الجامعية للطب النفسي، إلى جانب بعض المصحات المختصة، حيث تعتبر هذه المؤسسات حجر الزاوية في التكوين والبحث والتكفل بالحالات النفسية والعقلية الحادة والمزمنة.

وفي بلاغ سابق لها، أكدت الجمعية التونسية لعلم النفس أن العدالة الصحية لا تتحقق فقط بتوزيع الخدمات، بل أيضًا بضمان تنوعها وجودتها وتكاملها، مثمنة كل مبادرة ترمي إلى تطوير خدمات الصحة النفسية وتعزيز الموارد البشرية وإدماج الطب النفسي عن بُعد.

كما بيّنت الجمعية أن الصحة النفسية ليست شأنًا طبيًا صرفًا، بل هي متعددة التخصصات وتقوم على تكامل الأدوار بين الطب النفسي وعلم النفس والعمل الاجتماعي وسائر المهن ذات الصلة، مؤكدة أن أي إصلاح هيكلي أو برنامج وطني لن ينجح دون إشراك فعلي للنفسانيين بمختلف اختصاصاتهم. والجمعية التونسية لعلم النفس، التي تأسست أواخر الخمسينات، تُعدّ من أعرق الجمعيات الطبية التونسية، وهي جمعية علمية مهنية تضم أخصائيين نفسانيين وتعمل على النهوض بالصحة النفسية وتطوير المهنة في تونس من خلال تنظيم الممارسة المهنية واحترام الأخلاقيات وتعزيز البحث والتبادل العلمي على المستويين الوطني والدولي.

 

مجالات وتطبيقات العلاج بالفنّ في تونس

العلاج بالفنّ في تونس يشمل الفنون التشخيصية، مثل الرسم والنحت، وهي فنون شائعة تساعد المريض على التعبير عن مشاعره وأفكاره، وتؤدي مباشرة إلى تشخيص حالته من خلال مقاييس علمية يمتلكها المختص. كما يوجد أيضًا «العلاج بالموسيقى» في حالات التوتر، و«العلاج بالرقص» الذي يُستعمل في الصدمات العاطفية والحوادث، ويتم التعويل فيه على حركة الجسد، وهو يحسّن أدوات التواصل غير اللفظي ويعزّز الاهتمام بالجسد. أما «العلاج بالكتابة»، سواء كانت نثرًا أو شعرًا، فهو يساعد على علاج بعض حالات الاكتئاب أو الكآبة الناتجة عن الفراغ بعد سن التقاعد، حيث تحقق الكتابة نوعًا من التواصل الذاتي وإعادة اكتشاف الذات. ويبقى العلاج بفنّ التمثيل من الأدوات المثلى للتعاطي مع فاقدي الثقة بالنفس، وذلك من خلال مجموعة من التمارين المتعلقة بالوقوف على الخشبة أو أمام الكاميرا.

واليوم تُقام ورش عمل فنية داخل مستشفيات الأمراض العقلية والنفسية وفي مصحات خاصة لمساعدة المرضى على التعبير عن مشاعرهم ودعم تعافيهم، وذلك دون التخلي عن العلاج الدوائي الذي يبقى ركيزة أساسية، لكنه يعتمد أيضًا على العلاج التأهيلي الوظيفي الذي يؤمّنه، إلى جانب الأطباء، أساتذة في الفنون التشكيلية والموسيقى والأنشطة البدنية، لإعادة إدماج المرضى اجتماعيًا وتخفيف حدة الإصابة النفسية. وقد تم بمناسبة الاحتفال بمئوية مستشفى الرازي عرض لوحات وصناعات يدوية لمرضى يقيمون بهذا القسم وينتفعون بالعلاج الوظيفي التأهيلي.

 

علاج الإدمان بالفنّ

برزت في السنوات الأخيرة تجارب مهمة وملهمة تدمج الفنّ مع مسار التعافي من الإدمان، باعتبار أن جزءًا من العلاج في الإدمان يرتكز على الجانب النفسي، مثل معرض «من الإدمان إلى الإبداع» في سبتمبر، الذي احتضنته دار الثقافة ابن رشيق بإشراف الدكتور عبد الباسط التواتي، حيث استُخدم الرسم والنحت والفسيفساء للتعبير عن التجربة ومنع الانتكاسة والعودة إلى التعاطي.

وقد لاقت لوحات ومنحوتات عُرضت بالمعرض اهتمامًا كبيرًا، رغم أن أصحابها لم يدخلوا عالم الفنّ لا من باب الهواية ولا الاحتراف، ولكن من باب المساعدة على العلاج في رحلة التعافي من الإدمان، حيث عرض عدد من المدمنين والمتعافين أعمالًا أنجزوها خلال مشاركتهم في تجربة للعلاج بالفنّ في تونس، في محاولة لتحويل مشاعرهم وتجاربهم إلى أعمال فنية واكتشاف قدرات ربما لم يكونوا على دراية بوجودها. وقد قاد التجربة الطبيب والفنان التشكيلي عبد الباسط التواتي، المختص في علاج الإدمان، الذي بدأ التجربة منذ سنوات إيمانًا منه بأن علاج الإدمان يتطلّب حلولًا من خارج الصندوق وأساليب مختلفة لمنع الانتكاسة.

ويمنح الفنّ للمريض فرصة للتعرف على نفسه واكتشاف جوانب جديدة من شخصيته. ويمكن أن تشمل التجربة ورشات متعددة في النحت والرسم والفسيفساء والخزف والكتابة. وتأتي هذه التجربة في سياق واقع معقد للإدمان في تونس، حيث تتداخل المقاربة الأمنية والقضائية مع الحاجة إلى العلاج وإعادة التأهيل، مع الارتفاع الكبير في عدد المدمنين، وخاصة من فئة الشباب وحتى المراهقين والأطفال.

 

أبرزها اضطرابات القلق والاكتئاب..  علاج الأمراض النفسية بالفنّ.. مقاربة علاجية تكميلية بصدد الانتشار وتحقيق نتائج إيجابية

تونس - الصباح

يُعتبر الاكتئاب والتوتر وأمراض القلق من أكثر الاضطرابات النفسية انتشارًا في تونس، بالإضافة إلى «الاحتراق الوظيفي» والضغط المهني في مقر العمل، وهي من الاضطرابات النفسية التي باتت محل نقاش في الأوساط الطبية، باعتبارها عوامل ضغط نفسي أصبحت مسؤولة بشكل مباشر عن بقية الاضطرابات النفسية.

 

منية العرفاوي

وإذا كانت الأسباب التي تقف خلف هذه الاضطرابات تتشابه بين المجتمعات، مع اختلاف الخصوصيات والتأثير والصلابة الذاتية في مواجهة تلك الأسباب الذاتية والاجتماعية والاقتصادية، فإن أساليب العلاج تختلف، كما تختلف نسب الاعتراف بالاضطراب والاقتناع بضرورة طلب المساعدة الطبية حسب البيئات الاجتماعية.

وفي السنوات الأخيرة، تنوّعت أساليب العلاج ولم تعد تقتصر على العلاج النفسي التقليدي، حيث باتت هناك اليوم علاجات حديثة تُعاضد المجهود الطبي والعلمي في تحقيق الشفاء والتعافي، مثل «العلاج بالفنّ» الذي بات يجد رواجًا في بلادنا في السنوات الأخيرة، ويُستخدم كمقاربة علاجية وتكميلية لمواجهة الاضطرابات النفسية والقلق والإدمان والضغط النفسي والاكتئاب.

وفكرة «العلاج بالفنّ» تعزّز اللياقة النفسية، والشفاء من بعض الأمراض يمكن أن يحصل بالدفع نحو التمارين الفنية والإبداعية المستمرة التي تمنح المريض في النهاية جملة من المهارات التي تساعد على إعادة التأقلم والدخول في دورة تواصل جديدة تتيح له فرصًا لحياة مختلفة. ويتم اعتماد هذه المقاربة حتى في المؤسسات الاستشفائية العمومية، مثل مستشفى الرازي، وهناك اليوم مختصون في هذه العلاجات بالواسطة يساعدون الأطباء والمختصين النفسانيين على تنفيذ هذه الأساليب الجديدة في علاج الأمراض النفسية.

ويتضمن العلاج بالفنّ في تونس مجالات متعددة ومختلفة من الفنون، منها استخدام الرسم بأنواعه والنحت والعزف على الآلات الموسيقية والرقص وكتابة الشعر والقصص والخاطرة وفنون التمثيل المسرحي والسينمائي، وقد نشأت نوادٍ مختصة وجمعيات تهتم بالعلاج بالفنّ.

 

الأمراض النفسية الأكثر شيوعًا

يختلف الطب النفسي الذي يعتمد على الأدوية وجلسات الدعم والتوجيه، ويركّز على الاضطرابات النفسية الحادّة، عن العلاج النفسي الذي يعتمد العلاج بالكلام لتعديل السلوك وفهم مشاكل المرضى وإيجاد استراتيجيات للتعامل مع الضغوط والقلق والخلافات، ويناسب الحالات الخفيفة إلى المتوسطة في الاضطرابات النفسية، ولذلك تبدو الأساليب العلاجية الجديدة، مثل العلاج بالفنّ، منسجمة مع العلاج النفسي، وتتقاطع أدوارها مع المختصين في هذا النوع من العلاجات.

وبات المجتمع، وخاصة فئة الشباب، أكثر وعيًا اليوم بضرورة اللجوء إلى العلاج النفسي، رغم بعض العقبات كنقص فضاءات الاستشفاء أو عدم الفهم المجتمعي للاضطرابات النفسية والوصم أحيانًا.

وتشير عدة تقارير ودراسات إلى أن الوضع النفسي للتونسيين ليس على ما يرام بسبب تراكم المشاكل الاقتصادية والاجتماعية وتراجع الخدمات الصحية، حيث ترتفع بشكل لافت أمراض القلق لدى الأطفال والمراهقين.

وفي وقت سابق، أكدت الجمعية التونسية لعلم النفس ضرورة اعتماد مقاربة مشتركة في صياغة وتنفيذ الاستراتيجية الوطنية للصحة النفسية، وطالبت بإدماج علم النفس السريري وعلم النفس المدرسي وعلم نفس الشغل وعلم النفس المجتمعي ضمن الرؤية الوطنية، وعدم حصر الإصلاح في البعد الطبي. كما أعلنت وزارة الصحة، سابقًا، أنها ستراجع وضع قطاع الطب النفسي وتضع خريطة طريق وطنية قابلة للتنفيذ عبر إدارتها للصحة النفسية، من أجل قيادة البرنامج الوطني للصحة النفسية عبر تقديم خدمات قريبة من المناطق السكنية، وتقليص الفوارق وإطلاق الطب النفسي عن بُعد. حيث تُسجّل تونس في السنوات الأخيرة، ووفق ما يؤكده المختصون في تصريحاتهم، انتشارًا كبيرًا لنسب الاكتئاب بسبب عوامل اجتماعية واقتصادية مختلفة، وحتى بسبب العوامل الجينية والميل إلى اكتساب اضطراب الاكتئاب.

كما تواجه المصالح الصحية النفسية في قطاع الصحة العمومية ضغطًا كبيرًا بسبب نقص الكوادر المتخصصة، حيث يعتمد المرضى على عدد قليل من الأطباء والمراكز المركزية، مثل مستشفى الرازي، فوفق الإحصائيات الرسمية، هناك أقل من ثلاثة أطباء نفسيين لكل 100 ألف نسمة، إضافة إلى موارد محدودة من الممرضين ومتخصصي الصحة النفسية، ما يجعل النظام الصحي غير قادر على تلبية احتياجات المرضى، بالإضافة إلى ارتفاع كلفة العلاج النفسي الخاص.

 

برنامج وطني للصحة النفسية

ينظّم الأمر عدد 83 لسنة 1992 المتعلق بالصحة العقلية والنفسية الضوابط التشريعية والمهنية للعلاج النفسي وشروط الإيواء بالمستشفيات في ظروف تحترم الحريات الفردية والكرامة البشرية. كما تشرف وزارة الصحة على البرنامج الوطني للصحة النفسية، ويتضمن توفير استشارات مجانية ودعم نفسي عبر الرقم الأخضر، وبالتنسيق مع الخلية المركزية للإحاطة النفسية الطارئة، بالإضافة إلى خدمات الطب النفسي عن بُعد. لكن منظومة العلاج النفسي ترتكز في الأساس على المؤسسات الاستشفائية في القطاعين العمومي والخاص، مثل مستشفى الرازي وغيره من الأقسام الجامعية للطب النفسي، إلى جانب بعض المصحات المختصة، حيث تعتبر هذه المؤسسات حجر الزاوية في التكوين والبحث والتكفل بالحالات النفسية والعقلية الحادة والمزمنة.

وفي بلاغ سابق لها، أكدت الجمعية التونسية لعلم النفس أن العدالة الصحية لا تتحقق فقط بتوزيع الخدمات، بل أيضًا بضمان تنوعها وجودتها وتكاملها، مثمنة كل مبادرة ترمي إلى تطوير خدمات الصحة النفسية وتعزيز الموارد البشرية وإدماج الطب النفسي عن بُعد.

كما بيّنت الجمعية أن الصحة النفسية ليست شأنًا طبيًا صرفًا، بل هي متعددة التخصصات وتقوم على تكامل الأدوار بين الطب النفسي وعلم النفس والعمل الاجتماعي وسائر المهن ذات الصلة، مؤكدة أن أي إصلاح هيكلي أو برنامج وطني لن ينجح دون إشراك فعلي للنفسانيين بمختلف اختصاصاتهم. والجمعية التونسية لعلم النفس، التي تأسست أواخر الخمسينات، تُعدّ من أعرق الجمعيات الطبية التونسية، وهي جمعية علمية مهنية تضم أخصائيين نفسانيين وتعمل على النهوض بالصحة النفسية وتطوير المهنة في تونس من خلال تنظيم الممارسة المهنية واحترام الأخلاقيات وتعزيز البحث والتبادل العلمي على المستويين الوطني والدولي.

 

مجالات وتطبيقات العلاج بالفنّ في تونس

العلاج بالفنّ في تونس يشمل الفنون التشخيصية، مثل الرسم والنحت، وهي فنون شائعة تساعد المريض على التعبير عن مشاعره وأفكاره، وتؤدي مباشرة إلى تشخيص حالته من خلال مقاييس علمية يمتلكها المختص. كما يوجد أيضًا «العلاج بالموسيقى» في حالات التوتر، و«العلاج بالرقص» الذي يُستعمل في الصدمات العاطفية والحوادث، ويتم التعويل فيه على حركة الجسد، وهو يحسّن أدوات التواصل غير اللفظي ويعزّز الاهتمام بالجسد. أما «العلاج بالكتابة»، سواء كانت نثرًا أو شعرًا، فهو يساعد على علاج بعض حالات الاكتئاب أو الكآبة الناتجة عن الفراغ بعد سن التقاعد، حيث تحقق الكتابة نوعًا من التواصل الذاتي وإعادة اكتشاف الذات. ويبقى العلاج بفنّ التمثيل من الأدوات المثلى للتعاطي مع فاقدي الثقة بالنفس، وذلك من خلال مجموعة من التمارين المتعلقة بالوقوف على الخشبة أو أمام الكاميرا.

واليوم تُقام ورش عمل فنية داخل مستشفيات الأمراض العقلية والنفسية وفي مصحات خاصة لمساعدة المرضى على التعبير عن مشاعرهم ودعم تعافيهم، وذلك دون التخلي عن العلاج الدوائي الذي يبقى ركيزة أساسية، لكنه يعتمد أيضًا على العلاج التأهيلي الوظيفي الذي يؤمّنه، إلى جانب الأطباء، أساتذة في الفنون التشكيلية والموسيقى والأنشطة البدنية، لإعادة إدماج المرضى اجتماعيًا وتخفيف حدة الإصابة النفسية. وقد تم بمناسبة الاحتفال بمئوية مستشفى الرازي عرض لوحات وصناعات يدوية لمرضى يقيمون بهذا القسم وينتفعون بالعلاج الوظيفي التأهيلي.

 

علاج الإدمان بالفنّ

برزت في السنوات الأخيرة تجارب مهمة وملهمة تدمج الفنّ مع مسار التعافي من الإدمان، باعتبار أن جزءًا من العلاج في الإدمان يرتكز على الجانب النفسي، مثل معرض «من الإدمان إلى الإبداع» في سبتمبر، الذي احتضنته دار الثقافة ابن رشيق بإشراف الدكتور عبد الباسط التواتي، حيث استُخدم الرسم والنحت والفسيفساء للتعبير عن التجربة ومنع الانتكاسة والعودة إلى التعاطي.

وقد لاقت لوحات ومنحوتات عُرضت بالمعرض اهتمامًا كبيرًا، رغم أن أصحابها لم يدخلوا عالم الفنّ لا من باب الهواية ولا الاحتراف، ولكن من باب المساعدة على العلاج في رحلة التعافي من الإدمان، حيث عرض عدد من المدمنين والمتعافين أعمالًا أنجزوها خلال مشاركتهم في تجربة للعلاج بالفنّ في تونس، في محاولة لتحويل مشاعرهم وتجاربهم إلى أعمال فنية واكتشاف قدرات ربما لم يكونوا على دراية بوجودها. وقد قاد التجربة الطبيب والفنان التشكيلي عبد الباسط التواتي، المختص في علاج الإدمان، الذي بدأ التجربة منذ سنوات إيمانًا منه بأن علاج الإدمان يتطلّب حلولًا من خارج الصندوق وأساليب مختلفة لمنع الانتكاسة.

ويمنح الفنّ للمريض فرصة للتعرف على نفسه واكتشاف جوانب جديدة من شخصيته. ويمكن أن تشمل التجربة ورشات متعددة في النحت والرسم والفسيفساء والخزف والكتابة. وتأتي هذه التجربة في سياق واقع معقد للإدمان في تونس، حيث تتداخل المقاربة الأمنية والقضائية مع الحاجة إلى العلاج وإعادة التأهيل، مع الارتفاع الكبير في عدد المدمنين، وخاصة من فئة الشباب وحتى المراهقين والأطفال.