بعد الأمن والدفاع والتعاون متعدد المجالات، يأتي اليوم أحدث فصول التعاون التونسي- الأمريكي من بوابة الاقتصاد والاستثمار، وتحديدًا من قطاع الفسفاط والمعادن الحيوية، بما يعكس زخمًا لافتًا في مسار التعاون الثنائي، واتجاهًا نحو توسيع قاعدة الشراكة الاقتصادية والاستثمارية بين البلدين، لتشمل قطاعات ذات أهمية استراتيجية، وتفتح في الوقت نفسه آفاقًا جديدة أمام الاستثمارات والتجارة وسلاسل الإمداد العالمية.
منال حرزي
وفي هذا الاتجاه، أعلنت مؤخرًا سفارة تونس بأمريكا عن إطلاق مشروع جديد بتمويل من الحكومة الأمريكية، وبالتعاون مع شركة «CrossBoundary»، لربط المستثمرين والشركات الأمريكية بمشروع شركة «PhosCo’s» للفسفاط في الحوض الشمالي. وسيعمل المشروع على مدار السنتين القادمتين على استقطاب الاستثمارات الخاصة، وخلق فرص عمل، وزيادة الإنتاج المحلي من الفسفاط، إلى جانب إرساء اتفاقيات لتوريد المعادن التونسية ضمن سلاسل الإمداد العالمية.
ويتخذ هذا الاستثمار أهمية كبرى، بوصفه يسعى إلى إدماج مورد تونسي استراتيجي ضمن سلاسل القيمة العالمية للمعادن الحيوية، في وقت أصبحت فيه هذه الموارد تحظى بأهمية متزايدة بالنسبة إلى الصناعات الاستراتيجية وكبرى الاقتصاديات. كما أن ربط المستثمرين والشركات الأمريكية بمشروع تونسي من هذا الحجم يفتح المجال أمام شراكات تطال الاستثمار والإنتاج والتوريد بعيد المدى.
ووفقًا لهذا الطرح، يتخذ قطاع الفسفاط، على أهميته، بعدًا جوهريًا في مسار التعاون التونسي- الأمريكي، باعتباره يتجلى اليوم كبوابة للاستثمار وخلق القيمة، ومحطة هامة لتعزيز موقع تونس ضمن سلاسل الإمداد الدولية.
من الفسفاط إلى الموانئ
وفي الاتجاه نفسه، لا يبدو الحراك الأمريكي في المجال الاقتصادي بمعزل عن بقية مسارات التعاون الثنائي الأخرى، إذ شهد شهر سبتمبر الماضي محطة أخرى لا تقل أهمية، تتعلق بإطلاق مبادرة «أيام الموانئ البحرية» بالتنسيق مع وزارة النقل ومسؤولي الموانئ، وشهدت مشاركة شركات ومؤسسات مالية أمريكية ودولية.
ويثمن كثيرون هذه المبادرة لما لها من أهمية، بالنظر إلى موقع الموانئ في الدورة الاقتصادية، وفي القدرة على تطوير المبادلات التجارية وجذب الاستثمارات وتحسين الخدمات اللوجستية. كما أن مشاركة شركات ومؤسسات مالية أمريكية ودولية في بحث فرص الاستثمار وتطوير البنية التحتية المرفئية والتجارية تعكس توجهًا نحو الانتقال من التعاون الفني الكلاسيكي إلى البحث عن فرص استثمارية عملية، من شأنها أن تكون لها تداعيات مباشرة على تعزيز الاقتصاد الوطني.
وبالتالي، يلتقي مشروع الفسفاط ومبادرة الموانئ عند نقطة هامة تتعلق أساسًا بالبحث عن فرص اقتصادية قابلة للإنجاز، وربط القدرات التونسية بحاجيات الأسواق الدولية.
وضمن هذا التمشي من تنويع مسارات التعاون الثنائي، يتصدر بدوره الجانب التجاري أجندة التعاون بين البلدين، من خلال مرافقة السفارة الأمريكية لوفد من المشترين التونسيين للمشاركة في معرض «SIAL Paris 2026»، بما أتاح للشركات التونسية التواصل المباشر مع مصدرين أمريكيين للمنتوجات الغذائية.
ولئن لا يرتبط هذا المسار مباشرة بمشروع الفسفاط أو بتطوير الموانئ، إلا أنه يعكس في جوهره اتجاهًا مشتركًا نحو توسيع وتنويع دائرة العلاقات التجارية، وفتح قنوات مباشرة بين الفاعلين الاقتصاديين في البلدين، بما من شأنه أن يوفر فرصًا جديدة للتصدير والاستيراد والشراكات التجارية.
تعاون أمني متطور
ولا يمكن التوقف عند الزخم الذي تشهده العلاقات التونسية- الأمريكية دون التوقف عند التعاون العسكري والأمني، باعتباره أحد أبرز ركائز الشراكة الثنائية وأكثرها استمرارية، خاصة أنه شهد بدوره خلال الفترة الأخيرة حركية لافتة على مستوى التدريب وتبادل الخبرات وتعزيز القدرات.
وقد اتخذ هذا التعاون أبعادًا متقدمة تجاوزت بأشواط مجرد تقديم الدعم الأمني والعسكري، لتشمل بناء القدرات التونسية في مواجهة التهديدات، وتطوير الخبرات، وتعزيز جاهزية المؤسسات المختصة، بما يعكس حرص الجانبين على مواكبة التحولات المتسارعة في طبيعة التحديات الأمنية والإقليمية.
وفي هذا الخصوص، التأم يوم 23 أكتوبر الماضي لقاء رفيع المستوى جمع وزير الدفاع الوطني خالد السهيلي بالمسؤولة الأمريكية عن الحد من التهديدات الدفاعية، إلى جانب سفير أمريكا بتونس، حيث تناول اللقاء سبل تعزيز التعاون العسكري بين تونس والولايات المتحدة الأمريكية وسبل تعزيزه وتنويع مجالاته.
وأكد وزير الدفاع الوطني بالمناسبة أن تواتر زيارات كبار المسؤولين الأمريكيين إلى تونس يعكس عمق الصداقة ومتانتها، والأهمية التي توليها الإدارة الأمريكية للتعاون العسكري مع الجانب التونسي، باعتباره أحد الركائز الأساسية لشراكة ثنائية قوامها الثقة والاحترام المتبادلان، معربًا عن تقديره للالتزام والدعم الثابت الذي تقدّمه الولايات المتحدة الأمريكية للقوات المسلحة التونسية، لا سيّما في إطار جهود الوكالة الأمريكية للحد من التهديدات الدفاعية (DTRA)، لمساهمتها الفعالة في تعزيز قدرات الجيش الوطني في مجال حماية الحدود وتأمينها والتصدي للجريمة العابرة لها.
وبالتوازي مع ذلك، احتضن مركز التميز التونسي المختص بمكافحة العبوات الناسفة في بنزرت، خلال شهر سبتمبر الماضي، مؤتمرًا دوليًا بالتنسيق مع الجيش الأمريكي، خُصص لتطوير القدرات الأمنية وبناء الخبرات. وتكتسب مثل هذه البرامج أهميتها من كونها تركز على التدريب وتبادل الخبرات وبناء القدرات، وجميعها عناصر باتت اليوم تمثل جزءًا أساسيًا من التعاون الأمني الحديث.
كما تكشف عديد المحطات الأخرى التي التأمت خلال الأشهر الماضية عن استمرارية التعاون في مواجهة التهديدات الأمنية، وأيضًا عن توجه استراتيجي يقوم على تطوير القدرات الوطنية وتعزيز الخبرات، بما يخدم المصالح الأمنية للبلدين في منطقة متوسطية وإقليمية على غاية من التعقيد.
القضاء والتعليم..
ويمتد كذلك التعاون التونسي- الأمريكي إلى المجال القانوني والقضائي، حيث استقبلت وزيرة العدل ليلى جفال يوم 28 سبتمبر الماضي السفير الأمريكي بتونس بيل بزي والوفد المرافق له، وتم خلال اللقاء بحث سبل التقدم في برامج التعاون القانوني والقضائي وتطوير المنظومتين القضائية والسجنية والإصلاحية.
وهذا المسار يضيف بعدًا مؤسساتيًا إلى العلاقات الثنائية، باعتبار أن التعاون القضائي والقانوني يرتبط بتطوير المؤسسات وتبادل الخبرات وتعزيز القدرات في مجالات تتصل مباشرة بآليات عمل الدولة.
وفي المجال الأكاديمي، تتواصل من جهة أخرى برامج ممولة من الولايات المتحدة الأمريكية، من بينها برنامج «Fulbright» للباحثين بعد الدكتوراه، الذي ظل على مدى سنوات إحدى أبرز قنوات التبادل الأكاديمي، إضافة إلى برنامج «رواد الغد» الموجه إلى طلبة المدارس الثانوية والباكالوريا.
وتبرز أهمية هذه البرامج في الاستثمار في رأس المال البشري، وهو استثمار، ولئن لا تتجلى نتائجه بالضرورة على المدى القصير، إلا أنه يساهم في بناء جسور مستدامة بين المؤسسات والجامعات والكفاءات في البلدين.
شراكة متعددة الأبعاد
تكشف مختلف هذه المحطات أن العلاقات التونسية- الأمريكية تتحرك على أكثر من واجهة: من الاقتصاد والاستثمار والتجارة والموانئ، وصولًا إلى الأمن والدفاع والقضاء والتعليم وبناء القدرات.
على أن اللافت في هذا المسار هو الجانب الاقتصادي الذي تعزز بمشاريع ترتبط بقطاعات استراتيجية، على غرار الفسفاط والمعادن الحيوية والبنية التحتية المرفئية. وهو توجه ينسجم مع التحولات التي تشهدها سلاسل الإمداد العالمية، حيث أصبحت الدول تبحث عن تأمين مصادر متنوعة للمواد الأساسية وتعزيز شراكاتها مع البلدان القادرة على توفيرها.
وفي هذا السياق، تملك تونس مقومات يمكن الاستفادة منها، من موقع جغرافي استراتيجي وموارد معدنية وبنية مرفئية قابلة للتطوير وكفاءات بشرية، إلى جانب علاقات دولية متنوعة.
وضمن هذه المقاربة، فإن الزخم المسجل خلال الأشهر الأخيرة لا يعكس تراكمًا لمبادرات منفصلة، وإنما هو مؤشر عملي على اتساع مجالات التعاون بين البلدين، وعلى إرادة فعلية في بلورة قنوات مباشرة بين المؤسسات والقطاع الخاص والفاعلين الاقتصاديين، بما يؤشر إلى أن التعاون التونسي- الأمريكي قد دخل فعليًا مرحلة جديدة قوامها شراكة اقتصادية أكثر ارتباطًا بحاجيات تونس وبالتحولات التي يشهدها الاقتصاد العالمي.
تونس-الصباح
بعد الأمن والدفاع والتعاون متعدد المجالات، يأتي اليوم أحدث فصول التعاون التونسي- الأمريكي من بوابة الاقتصاد والاستثمار، وتحديدًا من قطاع الفسفاط والمعادن الحيوية، بما يعكس زخمًا لافتًا في مسار التعاون الثنائي، واتجاهًا نحو توسيع قاعدة الشراكة الاقتصادية والاستثمارية بين البلدين، لتشمل قطاعات ذات أهمية استراتيجية، وتفتح في الوقت نفسه آفاقًا جديدة أمام الاستثمارات والتجارة وسلاسل الإمداد العالمية.
منال حرزي
وفي هذا الاتجاه، أعلنت مؤخرًا سفارة تونس بأمريكا عن إطلاق مشروع جديد بتمويل من الحكومة الأمريكية، وبالتعاون مع شركة «CrossBoundary»، لربط المستثمرين والشركات الأمريكية بمشروع شركة «PhosCo’s» للفسفاط في الحوض الشمالي. وسيعمل المشروع على مدار السنتين القادمتين على استقطاب الاستثمارات الخاصة، وخلق فرص عمل، وزيادة الإنتاج المحلي من الفسفاط، إلى جانب إرساء اتفاقيات لتوريد المعادن التونسية ضمن سلاسل الإمداد العالمية.
ويتخذ هذا الاستثمار أهمية كبرى، بوصفه يسعى إلى إدماج مورد تونسي استراتيجي ضمن سلاسل القيمة العالمية للمعادن الحيوية، في وقت أصبحت فيه هذه الموارد تحظى بأهمية متزايدة بالنسبة إلى الصناعات الاستراتيجية وكبرى الاقتصاديات. كما أن ربط المستثمرين والشركات الأمريكية بمشروع تونسي من هذا الحجم يفتح المجال أمام شراكات تطال الاستثمار والإنتاج والتوريد بعيد المدى.
ووفقًا لهذا الطرح، يتخذ قطاع الفسفاط، على أهميته، بعدًا جوهريًا في مسار التعاون التونسي- الأمريكي، باعتباره يتجلى اليوم كبوابة للاستثمار وخلق القيمة، ومحطة هامة لتعزيز موقع تونس ضمن سلاسل الإمداد الدولية.
من الفسفاط إلى الموانئ
وفي الاتجاه نفسه، لا يبدو الحراك الأمريكي في المجال الاقتصادي بمعزل عن بقية مسارات التعاون الثنائي الأخرى، إذ شهد شهر سبتمبر الماضي محطة أخرى لا تقل أهمية، تتعلق بإطلاق مبادرة «أيام الموانئ البحرية» بالتنسيق مع وزارة النقل ومسؤولي الموانئ، وشهدت مشاركة شركات ومؤسسات مالية أمريكية ودولية.
ويثمن كثيرون هذه المبادرة لما لها من أهمية، بالنظر إلى موقع الموانئ في الدورة الاقتصادية، وفي القدرة على تطوير المبادلات التجارية وجذب الاستثمارات وتحسين الخدمات اللوجستية. كما أن مشاركة شركات ومؤسسات مالية أمريكية ودولية في بحث فرص الاستثمار وتطوير البنية التحتية المرفئية والتجارية تعكس توجهًا نحو الانتقال من التعاون الفني الكلاسيكي إلى البحث عن فرص استثمارية عملية، من شأنها أن تكون لها تداعيات مباشرة على تعزيز الاقتصاد الوطني.
وبالتالي، يلتقي مشروع الفسفاط ومبادرة الموانئ عند نقطة هامة تتعلق أساسًا بالبحث عن فرص اقتصادية قابلة للإنجاز، وربط القدرات التونسية بحاجيات الأسواق الدولية.
وضمن هذا التمشي من تنويع مسارات التعاون الثنائي، يتصدر بدوره الجانب التجاري أجندة التعاون بين البلدين، من خلال مرافقة السفارة الأمريكية لوفد من المشترين التونسيين للمشاركة في معرض «SIAL Paris 2026»، بما أتاح للشركات التونسية التواصل المباشر مع مصدرين أمريكيين للمنتوجات الغذائية.
ولئن لا يرتبط هذا المسار مباشرة بمشروع الفسفاط أو بتطوير الموانئ، إلا أنه يعكس في جوهره اتجاهًا مشتركًا نحو توسيع وتنويع دائرة العلاقات التجارية، وفتح قنوات مباشرة بين الفاعلين الاقتصاديين في البلدين، بما من شأنه أن يوفر فرصًا جديدة للتصدير والاستيراد والشراكات التجارية.
تعاون أمني متطور
ولا يمكن التوقف عند الزخم الذي تشهده العلاقات التونسية- الأمريكية دون التوقف عند التعاون العسكري والأمني، باعتباره أحد أبرز ركائز الشراكة الثنائية وأكثرها استمرارية، خاصة أنه شهد بدوره خلال الفترة الأخيرة حركية لافتة على مستوى التدريب وتبادل الخبرات وتعزيز القدرات.
وقد اتخذ هذا التعاون أبعادًا متقدمة تجاوزت بأشواط مجرد تقديم الدعم الأمني والعسكري، لتشمل بناء القدرات التونسية في مواجهة التهديدات، وتطوير الخبرات، وتعزيز جاهزية المؤسسات المختصة، بما يعكس حرص الجانبين على مواكبة التحولات المتسارعة في طبيعة التحديات الأمنية والإقليمية.
وفي هذا الخصوص، التأم يوم 23 أكتوبر الماضي لقاء رفيع المستوى جمع وزير الدفاع الوطني خالد السهيلي بالمسؤولة الأمريكية عن الحد من التهديدات الدفاعية، إلى جانب سفير أمريكا بتونس، حيث تناول اللقاء سبل تعزيز التعاون العسكري بين تونس والولايات المتحدة الأمريكية وسبل تعزيزه وتنويع مجالاته.
وأكد وزير الدفاع الوطني بالمناسبة أن تواتر زيارات كبار المسؤولين الأمريكيين إلى تونس يعكس عمق الصداقة ومتانتها، والأهمية التي توليها الإدارة الأمريكية للتعاون العسكري مع الجانب التونسي، باعتباره أحد الركائز الأساسية لشراكة ثنائية قوامها الثقة والاحترام المتبادلان، معربًا عن تقديره للالتزام والدعم الثابت الذي تقدّمه الولايات المتحدة الأمريكية للقوات المسلحة التونسية، لا سيّما في إطار جهود الوكالة الأمريكية للحد من التهديدات الدفاعية (DTRA)، لمساهمتها الفعالة في تعزيز قدرات الجيش الوطني في مجال حماية الحدود وتأمينها والتصدي للجريمة العابرة لها.
وبالتوازي مع ذلك، احتضن مركز التميز التونسي المختص بمكافحة العبوات الناسفة في بنزرت، خلال شهر سبتمبر الماضي، مؤتمرًا دوليًا بالتنسيق مع الجيش الأمريكي، خُصص لتطوير القدرات الأمنية وبناء الخبرات. وتكتسب مثل هذه البرامج أهميتها من كونها تركز على التدريب وتبادل الخبرات وبناء القدرات، وجميعها عناصر باتت اليوم تمثل جزءًا أساسيًا من التعاون الأمني الحديث.
كما تكشف عديد المحطات الأخرى التي التأمت خلال الأشهر الماضية عن استمرارية التعاون في مواجهة التهديدات الأمنية، وأيضًا عن توجه استراتيجي يقوم على تطوير القدرات الوطنية وتعزيز الخبرات، بما يخدم المصالح الأمنية للبلدين في منطقة متوسطية وإقليمية على غاية من التعقيد.
القضاء والتعليم..
ويمتد كذلك التعاون التونسي- الأمريكي إلى المجال القانوني والقضائي، حيث استقبلت وزيرة العدل ليلى جفال يوم 28 سبتمبر الماضي السفير الأمريكي بتونس بيل بزي والوفد المرافق له، وتم خلال اللقاء بحث سبل التقدم في برامج التعاون القانوني والقضائي وتطوير المنظومتين القضائية والسجنية والإصلاحية.
وهذا المسار يضيف بعدًا مؤسساتيًا إلى العلاقات الثنائية، باعتبار أن التعاون القضائي والقانوني يرتبط بتطوير المؤسسات وتبادل الخبرات وتعزيز القدرات في مجالات تتصل مباشرة بآليات عمل الدولة.
وفي المجال الأكاديمي، تتواصل من جهة أخرى برامج ممولة من الولايات المتحدة الأمريكية، من بينها برنامج «Fulbright» للباحثين بعد الدكتوراه، الذي ظل على مدى سنوات إحدى أبرز قنوات التبادل الأكاديمي، إضافة إلى برنامج «رواد الغد» الموجه إلى طلبة المدارس الثانوية والباكالوريا.
وتبرز أهمية هذه البرامج في الاستثمار في رأس المال البشري، وهو استثمار، ولئن لا تتجلى نتائجه بالضرورة على المدى القصير، إلا أنه يساهم في بناء جسور مستدامة بين المؤسسات والجامعات والكفاءات في البلدين.
شراكة متعددة الأبعاد
تكشف مختلف هذه المحطات أن العلاقات التونسية- الأمريكية تتحرك على أكثر من واجهة: من الاقتصاد والاستثمار والتجارة والموانئ، وصولًا إلى الأمن والدفاع والقضاء والتعليم وبناء القدرات.
على أن اللافت في هذا المسار هو الجانب الاقتصادي الذي تعزز بمشاريع ترتبط بقطاعات استراتيجية، على غرار الفسفاط والمعادن الحيوية والبنية التحتية المرفئية. وهو توجه ينسجم مع التحولات التي تشهدها سلاسل الإمداد العالمية، حيث أصبحت الدول تبحث عن تأمين مصادر متنوعة للمواد الأساسية وتعزيز شراكاتها مع البلدان القادرة على توفيرها.
وفي هذا السياق، تملك تونس مقومات يمكن الاستفادة منها، من موقع جغرافي استراتيجي وموارد معدنية وبنية مرفئية قابلة للتطوير وكفاءات بشرية، إلى جانب علاقات دولية متنوعة.
وضمن هذه المقاربة، فإن الزخم المسجل خلال الأشهر الأخيرة لا يعكس تراكمًا لمبادرات منفصلة، وإنما هو مؤشر عملي على اتساع مجالات التعاون بين البلدين، وعلى إرادة فعلية في بلورة قنوات مباشرة بين المؤسسات والقطاع الخاص والفاعلين الاقتصاديين، بما يؤشر إلى أن التعاون التونسي- الأمريكي قد دخل فعليًا مرحلة جديدة قوامها شراكة اقتصادية أكثر ارتباطًا بحاجيات تونس وبالتحولات التي يشهدها الاقتصاد العالمي.