إشترك في النسخة الرقمية لجريدة الصباح و LE TEMPS

في الاجتماع الثلاثي لآلية دول الجوار..  تونس تجدّد تمسّكها بحلّ ليبي-ليبي وترفض التدخلات الخارجية  

 

تونس – الصباح

تواصل تونس التمسك بموقفها الثابت في التعاطي مع ملف الأزمة الليبية، سواء في إطار السياسة الخارجية التونسية تجاه ليبيا، أو في إطار تعاونها ومشاركتها في المبادرات الدولية والإقليمية المتعلقة بهذه الأزمة، التي باتت تهدد استقرار الدولة ووحدة أراضيها وأمن شعبها. وهو ما تترجمه مواقف رئيس الجمهورية قيس سعيّد، من خلال تمسكه بمبدأ عدم التدخل في الشؤون الداخلية لليبيا، وتشديده على ضرورة أن يكون الحل ليبيّا-ليبيّا.

 

وقد مثّل اجتماع وزراء خارجية تونس والجزائر ومصر، الذي انعقد بالعاصمة الجزائرية أول أمس الأحد في إطار آلية دول الجوار الثلاثية، معطى عمليّا آخر يؤكد حرص تونس على الدفع نحو حلول جذرية وعملية في ليبيا، في كنف احترام القانون الدولي وسيادة الدول وحق شعوبها وحريتها في تقرير مصيرها السياسي والاقتصادي.

لطالما أكد رئيس الجمهورية قيس سعيّد أن الحل السياسي للأزمة في ليبيا لا يكون إلا «ليبيّا-ليبيّا»، بعيدًا عن أي تدخلات أو ضغوطات خارجية، وبما يحفظ وحدة ليبيا وسيادتها وأمنها. وشدّد، في المناسبات التي جمعته بشخصيات سياسية ليبية، أو عند تطرقه إلى الأزمة خلال لقائه بوزير الشؤون الخارجية والهجرة والتونسيين بالخارج، على أن الشعب الليبي هو صاحب السيادة، وأن له وحده الحق في تقرير مصيره وإدارة شؤون بلاده.

وجسّد رئيس الدولة، من خلال هذه المواقف، فلسفة السياسة الخارجية لتونس، التي تتمسك بعدم التدخل في الشؤون الداخلية للبلدان والانتصار للقضايا العادلة، مع العمل على أن تضطلع الدولة بدور فاعل في حلحلة الأزمة وتمهيد الأرضية الملائمة لتقريب وجهات نظر الفرقاء السياسيين وتوحيدها ضمن حلول متكاملة تراعي المصلحة العامة للدولة والشعب، في إطار رعاية أممية وإقليمية، باعتبار أن دول الجوار والاتحاد الإفريقي بإمكانهما الاضطلاع بأدوار مهمة في مسار معالجة الملف الليبي وتدارك تفاقم الأزمة، تفاديا لتداعياتها الاقتصادية والاجتماعية والأمنية على دول الجوار، بما في ذلك تونس.

لذلك، يُعدّ الملف الليبي من بين الملفات المهمة التي توليها السياسة الخارجية التونسية الأهمية والمتابعة اللازمتين، لا سيما في ظل التطورات الأمنية والسياسية المسجلة على الأراضي الليبية، وما يشهده العالم من تغيرات جيوسياسية، وما تعرفه القارة الإفريقية من صراعات ومطامع.

وقد أجرى وزير الشؤون الخارجية والهجرة والتونسيين بالخارج، محمد علي النفطي، أول أمس، لقاءين جمعاه، على التوالي، بوزير الدولة الجزائري ووزير الشؤون الخارجية والجالية الوطنية بالخارج والشؤون الإفريقية، أحمد عطاف، ووزير الخارجية والتعاون الدولي والمصريين بالخارج، بدر عبد العاطي، وذلك بمناسبة مشاركته في أشغال الاجتماع الوزاري لآلية التشاور الثلاثي حول ليبيا.

وتناول النفطي، خلال اللقاءين، وفق بلاغ أصدرته الوزارة، جوانب التعاون القائم مع هذين البلدين الشقيقين، والاستعدادات الجارية للإعداد للاستحقاقات القادمة، إلى جانب التباحث بشأن آخر المستجدات الإقليمية والدولية وسبل تعزيز التنسيق والتشاور حول مختلف القضايا ذات الاهتمام المشترك.

ويأتي هذا اللقاء في وقت يشهد فيه العالم نشأة تحالفات وقوى جديدة تقوم على المصالح الاقتصادية والعسكرية، بما يعزز العلاقات المتينة التي تربط هذه البلدان. وتمثل المبادرات المشتركة في المجال الاقتصادي والتعاون في مجالات مختلفة تجسيدًا عمليًّا لهذه السياسة وللتقارب المسجل بين قيادات هذه الدول.

 علاقات متينة وإرادة مشتركة

كان رئيس الجمهورية الجزائرية الديمقراطية الشعبية قد استقبل، يوم الأحد المنقضي، بقصر المرادية بالعاصمة الجزائرية، وزير الشؤون الخارجية والهجرة والتونسيين بالخارج، محمد علي النفطي، وذلك بمناسبة زيارته إلى الجزائر للمشاركة في اجتماع آلية التشاور الثلاثي حول ليبيا.

وكان اللقاء مناسبة أخرى لتأكيد متانة العلاقة التي تجمع البلدين، قيادة وشعبا، وتجسيد الإرادة المشتركة والتقارب في المواقف ووجهات النظر تجاه بعض القضايا الدولية والإنسانية. كما أكد لقاء الرئيس الجزائري بوزير الخارجية التونسي مناخ الثقة المتبادلة والتنسيق المستمر على أعلى مستوى بين تونس والجزائر، وفق توجه رئيس الدولة قيس سعيّد.

وأكد اللقاء كذلك الإرادة المشتركة لمزيد تطوير التعاون الثنائي في مختلف المجالات، بما يعزز مسارات التنمية والشراكة المتضامنة بين البلدين، مع الإشارة إلى الجهود التي تبذلها مختلف القطاعات للإعداد الجيد للاستحقاقات الثنائية القادمة، تنفيذًا للإرادة المشتركة لقائدي البلدين.

وتكشف السياسة الخارجية التونسية، مرة أخرى، عن موقفها الثابت إزاء العلاقات مع دول الجوار، وعن تطابق مواقف قيادتي البلدين الشقيقين بشأن الأزمة الليبية، القائمة على دعم التسوية السياسية الشاملة بين مختلف مكونات المشهد السياسي الليبي، تحت مظلة الأمم المتحدة، وعلى أهمية مواصلة التشاور وتنسيق المواقف من خلال آلية التشاور الثلاثي بين تونس والجزائر ومصر، للإسهام الفاعل والناجع في تسريع وتيرة الحل السياسي في القطر الليبي الشقيق، وفق ما أكده محمد علي النفطي خلال هذه المناسبة.

ويعكس تنظيم الجزائر لهذا الاجتماع المهم حرصا مشتركا على الحفاظ على دورية انعقاده، في إطار من المسؤولية التاريخية المشتركة بين الدول الثلاث تجاه ليبيا الشقيقة.

مخرجات الاجتماع الثلاثي لآلية دول الجوار

جدّد البيان الختامي لاجتماع وزراء خارجية الجزائر وتونس ومصر، الذي انعقد في العاصمة الجزائرية يوم الأحد المنقضي بشأن ليبيا، في إطار آلية دول الجوار الثلاثية، والصادر أول أمس، التأكيد على تقاطع مواقف السياسة الخارجية للبلدان الثلاثة بشأن الأزمة الليبية، وتبنيها موقفًا موحدًا يقوم على مواصلة التشاور والتباحث والتمسك بالدور المركزي لدول الجوار في دعم المسار السياسي الليبي والدفع نحو إيجاد حلول جذرية وعاجلة للأزمة التي تعيشها ليبيا، وفق حل ليبي-ليبي خالص وتحت رعاية أممية.

وينسجم هذا الموقف مع توجهات رئيس الجمهورية قيس سعيّد في علاقة بالأزمة الليبية والسياسة التونسية في التعاطي معها، لا سيما في ظل متانة العلاقات التونسية الليبية والمصالح المشتركة وبرامج التعاون والشراكة بين البلدين.

ويُشار إلى أن البيان الصادر إثر اجتماع وزراء خارجية البلدان الثلاثة، تونس والجزائر ومصر، شدد على أهمية تكريس نهج التشاور والتنسيق وتنفيذ مخرجات اجتماع آلية دول الجوار الثلاثية بشأن الأزمة الليبية، الذي انعقد بالقاهرة يوم 21 ماي 2026. ويأتي الاجتماع المنعقد بالعاصمة الجزائرية أول أمس مواصلةً للمسار التشاوري في إطار هذه الآلية، لمتابعة مستجدات الأزمة الليبية وآفاق حلها، على أن تحتضن تونس الاجتماع القادم لهذه الآلية، وفق اتفاق الوزراء أنفسهم، في موعد يُتفق عليه لاحقًا.

مسار توافقي

يأتي هذا الاجتماع في مرحلة يشهد فيها الوضع في ليبيا تأزما وتفاقما للأوضاع الأمنية والاقتصادية والاجتماعية، وفي سياق حرص دول الجوار الثلاث على الدفع نحو حلحلة هذه الأزمة وما تشكله من خطر يهدد وحدة الدولة وأمنها واستقرارها، لا سيما في ظل تعدد روابط التعاون والمصالح المشتركة التي تربط دول الجوار الثلاث بليبيا، وما للأزمة الداخلية الليبية من تداعيات على هذه البلدان التي تمتد جغرافيتها على شمال إفريقيا وجنوب حوض البحر الأبيض المتوسط.

وتكمن أهمية هذه الآلية الثلاثية في دعمها المسار السياسي الليبي تحت رعاية الأمم المتحدة، إلى جانب مساندة كل المساعي الجادة والهادفة إلى إنهاء الأزمة الليبية، مع ضرورة الأخذ بعين الاعتبار دور دول الجوار المحوري، باعتبارها الدول المعنية أكثر من غيرها بتطورات الوضع في هذا البلد الجار والشقيق ومستجداته، والأكثر وعيا بتعقيدات الأزمة وتداعياتها وتأثيراتها، والأكثر حرصا على الإسراع في إيجاد تسوية شاملة وجذرية لها، وفق ما جاء في البيان الذي تضمن إحدى عشرة نقطة.

وترجم البيان هذا التوجه من خلال الدعوة إلى التمسك بدعم الجهود الأممية والمساعي الدولية الرامية إلى تيسير العملية السياسية، بهدف تنظيم انتخابات رئاسية وبرلمانية متزامنة، حرة ونزيهة، وفق إطار دستوري وقانوني متوافق عليه، بما يفضي إلى إنهاء كامل للمراحل الانتقالية التي أصبحت أمرا واقعا يزيد في تعميق الأزمة واستفحالها، وينتج عن هذه الانتخابات مؤسسات دستورية شرعية موحدة وقوية ومستقرة، من شأنها أن تضع حدًّا لحالة الانقسام المؤسساتي القائمة.

وتُعدّ هذه النقاط من أبرز المسائل المفصلية المتحكمة في مسار الأزمة التي تعيشها ليبيا خلال السنوات الأخيرة، والتي عجزت المبادرات الداخلية والخارجية عن إيجاد حلول لها. ويضع هذا الاجتماع الأزمة في سياقها الصحيح، بما يجعل مبادرة الدول الثلاث المجاورة لليبيا آلية عملية تتكامل مع المبادرات الإقليمية والدولية والأممية في هذا المجال، وتسهم في المضي قدمًا نحو مسار سياسي ليبي جامع، تيسّره بعثة الأمم المتحدة للدعم في ليبيا، بما يعزز الملكية الليبية للعملية ويسهم في حل الأزمة.

ويأتي ذلك خاصة أن وزراء الخارجية المشاركين في هذا الاجتماع شددوا على دعم بلدانهم جهود السلطات الليبية المختصة والاتحاد الإفريقي، تحت الرعاية الأممية، لبلوغ هذا الهدف.

وتراهن تونس والجزائر ومصر، من خلال مبادرة آلية دول الجوار، على توحيد صفوف الفرقاء السياسيين في ليبيا والاضطلاع بأدوار فاعلة لتجنب تفاقم الأوضاع هناك، والتنبيه إلى خطورة التدخل الأجنبي واستنزاف مقدرات الدولة وثرواتها الطبيعية والطاقية والاقتصادية والبشرية.

ويكون ذلك من خلال الدعوة إلى ضرورة التمسك بخارطة الطريق السياسية التي أُعلن عنها في أواخر صائفة 2025، وما أفرزته لجنة الحوار المصغرة (4+4)، والاتفاق الإطاري الموقّع عليه في أوت الماضي.

وعبّرت الدول الثلاث عن هذا التوجه في البيان نفسه، من خلال التأكيد على أن تكون العملية السياسية ليبية القيادة والملكية، وأن يكون الحل السياسي نابعًا من إرادة الشعب الليبي وتوافقه الوطني، بما يضمن وحدة الدولة الليبية وسيادتها وسلامة أراضيها.

وبذلك، يؤكد الموقف التونسي-الجزائري-المصري الوقوف إلى جانب خيارات الفرقاء السياسيين في ليبيا، من خلال بلورة موقف سياسي ثابت وموحد يدعم استقرار الدولة ووحدة أراضيها ويحميها من التدخلات الخارجية في شؤونها، مع التشديد على ضرورة انسحاب المرتزقة والمقاتلين الأجانب والقوات الأجنبية من كامل التراب الليبي، والحفاظ على مكتسبات اتفاق وقف إطلاق النار، والإسراع في توحيد جميع المؤسسات الليبية، بما فيها المؤسسات العسكرية والأمنية، والانتصار للحلول الجامعة والمتكاملة التي تمكّن من تحقيق المصالحة الوطنية بين أبناء الشعب الليبي الواحد.

وتراهن الدول المشاركة في هذا الاجتماع الثلاثي على مخرجات آلية دول الجوار للمساهمة في حل الأزمة الليبية، في سياق إقليمي ودولي مضطرب تغلب عليه الصراعات الجيوسياسية والإستراتيجية، بما يمهّد لوضع خارطة طريق جديدة تحمل حلولًا عملية كفيلة بتحقيق تفاهمات وتسويات في كنف احترام مبادئ القانون الدولي وحقوق الإنسان.

نزيهة الغضباني

 

في الاجتماع الثلاثي لآلية دول الجوار..   تونس تجدّد تمسّكها بحلّ ليبي-ليبي وترفض التدخلات الخارجية   

 

تونس – الصباح

تواصل تونس التمسك بموقفها الثابت في التعاطي مع ملف الأزمة الليبية، سواء في إطار السياسة الخارجية التونسية تجاه ليبيا، أو في إطار تعاونها ومشاركتها في المبادرات الدولية والإقليمية المتعلقة بهذه الأزمة، التي باتت تهدد استقرار الدولة ووحدة أراضيها وأمن شعبها. وهو ما تترجمه مواقف رئيس الجمهورية قيس سعيّد، من خلال تمسكه بمبدأ عدم التدخل في الشؤون الداخلية لليبيا، وتشديده على ضرورة أن يكون الحل ليبيّا-ليبيّا.

 

وقد مثّل اجتماع وزراء خارجية تونس والجزائر ومصر، الذي انعقد بالعاصمة الجزائرية أول أمس الأحد في إطار آلية دول الجوار الثلاثية، معطى عمليّا آخر يؤكد حرص تونس على الدفع نحو حلول جذرية وعملية في ليبيا، في كنف احترام القانون الدولي وسيادة الدول وحق شعوبها وحريتها في تقرير مصيرها السياسي والاقتصادي.

لطالما أكد رئيس الجمهورية قيس سعيّد أن الحل السياسي للأزمة في ليبيا لا يكون إلا «ليبيّا-ليبيّا»، بعيدًا عن أي تدخلات أو ضغوطات خارجية، وبما يحفظ وحدة ليبيا وسيادتها وأمنها. وشدّد، في المناسبات التي جمعته بشخصيات سياسية ليبية، أو عند تطرقه إلى الأزمة خلال لقائه بوزير الشؤون الخارجية والهجرة والتونسيين بالخارج، على أن الشعب الليبي هو صاحب السيادة، وأن له وحده الحق في تقرير مصيره وإدارة شؤون بلاده.

وجسّد رئيس الدولة، من خلال هذه المواقف، فلسفة السياسة الخارجية لتونس، التي تتمسك بعدم التدخل في الشؤون الداخلية للبلدان والانتصار للقضايا العادلة، مع العمل على أن تضطلع الدولة بدور فاعل في حلحلة الأزمة وتمهيد الأرضية الملائمة لتقريب وجهات نظر الفرقاء السياسيين وتوحيدها ضمن حلول متكاملة تراعي المصلحة العامة للدولة والشعب، في إطار رعاية أممية وإقليمية، باعتبار أن دول الجوار والاتحاد الإفريقي بإمكانهما الاضطلاع بأدوار مهمة في مسار معالجة الملف الليبي وتدارك تفاقم الأزمة، تفاديا لتداعياتها الاقتصادية والاجتماعية والأمنية على دول الجوار، بما في ذلك تونس.

لذلك، يُعدّ الملف الليبي من بين الملفات المهمة التي توليها السياسة الخارجية التونسية الأهمية والمتابعة اللازمتين، لا سيما في ظل التطورات الأمنية والسياسية المسجلة على الأراضي الليبية، وما يشهده العالم من تغيرات جيوسياسية، وما تعرفه القارة الإفريقية من صراعات ومطامع.

وقد أجرى وزير الشؤون الخارجية والهجرة والتونسيين بالخارج، محمد علي النفطي، أول أمس، لقاءين جمعاه، على التوالي، بوزير الدولة الجزائري ووزير الشؤون الخارجية والجالية الوطنية بالخارج والشؤون الإفريقية، أحمد عطاف، ووزير الخارجية والتعاون الدولي والمصريين بالخارج، بدر عبد العاطي، وذلك بمناسبة مشاركته في أشغال الاجتماع الوزاري لآلية التشاور الثلاثي حول ليبيا.

وتناول النفطي، خلال اللقاءين، وفق بلاغ أصدرته الوزارة، جوانب التعاون القائم مع هذين البلدين الشقيقين، والاستعدادات الجارية للإعداد للاستحقاقات القادمة، إلى جانب التباحث بشأن آخر المستجدات الإقليمية والدولية وسبل تعزيز التنسيق والتشاور حول مختلف القضايا ذات الاهتمام المشترك.

ويأتي هذا اللقاء في وقت يشهد فيه العالم نشأة تحالفات وقوى جديدة تقوم على المصالح الاقتصادية والعسكرية، بما يعزز العلاقات المتينة التي تربط هذه البلدان. وتمثل المبادرات المشتركة في المجال الاقتصادي والتعاون في مجالات مختلفة تجسيدًا عمليًّا لهذه السياسة وللتقارب المسجل بين قيادات هذه الدول.

 علاقات متينة وإرادة مشتركة

كان رئيس الجمهورية الجزائرية الديمقراطية الشعبية قد استقبل، يوم الأحد المنقضي، بقصر المرادية بالعاصمة الجزائرية، وزير الشؤون الخارجية والهجرة والتونسيين بالخارج، محمد علي النفطي، وذلك بمناسبة زيارته إلى الجزائر للمشاركة في اجتماع آلية التشاور الثلاثي حول ليبيا.

وكان اللقاء مناسبة أخرى لتأكيد متانة العلاقة التي تجمع البلدين، قيادة وشعبا، وتجسيد الإرادة المشتركة والتقارب في المواقف ووجهات النظر تجاه بعض القضايا الدولية والإنسانية. كما أكد لقاء الرئيس الجزائري بوزير الخارجية التونسي مناخ الثقة المتبادلة والتنسيق المستمر على أعلى مستوى بين تونس والجزائر، وفق توجه رئيس الدولة قيس سعيّد.

وأكد اللقاء كذلك الإرادة المشتركة لمزيد تطوير التعاون الثنائي في مختلف المجالات، بما يعزز مسارات التنمية والشراكة المتضامنة بين البلدين، مع الإشارة إلى الجهود التي تبذلها مختلف القطاعات للإعداد الجيد للاستحقاقات الثنائية القادمة، تنفيذًا للإرادة المشتركة لقائدي البلدين.

وتكشف السياسة الخارجية التونسية، مرة أخرى، عن موقفها الثابت إزاء العلاقات مع دول الجوار، وعن تطابق مواقف قيادتي البلدين الشقيقين بشأن الأزمة الليبية، القائمة على دعم التسوية السياسية الشاملة بين مختلف مكونات المشهد السياسي الليبي، تحت مظلة الأمم المتحدة، وعلى أهمية مواصلة التشاور وتنسيق المواقف من خلال آلية التشاور الثلاثي بين تونس والجزائر ومصر، للإسهام الفاعل والناجع في تسريع وتيرة الحل السياسي في القطر الليبي الشقيق، وفق ما أكده محمد علي النفطي خلال هذه المناسبة.

ويعكس تنظيم الجزائر لهذا الاجتماع المهم حرصا مشتركا على الحفاظ على دورية انعقاده، في إطار من المسؤولية التاريخية المشتركة بين الدول الثلاث تجاه ليبيا الشقيقة.

مخرجات الاجتماع الثلاثي لآلية دول الجوار

جدّد البيان الختامي لاجتماع وزراء خارجية الجزائر وتونس ومصر، الذي انعقد في العاصمة الجزائرية يوم الأحد المنقضي بشأن ليبيا، في إطار آلية دول الجوار الثلاثية، والصادر أول أمس، التأكيد على تقاطع مواقف السياسة الخارجية للبلدان الثلاثة بشأن الأزمة الليبية، وتبنيها موقفًا موحدًا يقوم على مواصلة التشاور والتباحث والتمسك بالدور المركزي لدول الجوار في دعم المسار السياسي الليبي والدفع نحو إيجاد حلول جذرية وعاجلة للأزمة التي تعيشها ليبيا، وفق حل ليبي-ليبي خالص وتحت رعاية أممية.

وينسجم هذا الموقف مع توجهات رئيس الجمهورية قيس سعيّد في علاقة بالأزمة الليبية والسياسة التونسية في التعاطي معها، لا سيما في ظل متانة العلاقات التونسية الليبية والمصالح المشتركة وبرامج التعاون والشراكة بين البلدين.

ويُشار إلى أن البيان الصادر إثر اجتماع وزراء خارجية البلدان الثلاثة، تونس والجزائر ومصر، شدد على أهمية تكريس نهج التشاور والتنسيق وتنفيذ مخرجات اجتماع آلية دول الجوار الثلاثية بشأن الأزمة الليبية، الذي انعقد بالقاهرة يوم 21 ماي 2026. ويأتي الاجتماع المنعقد بالعاصمة الجزائرية أول أمس مواصلةً للمسار التشاوري في إطار هذه الآلية، لمتابعة مستجدات الأزمة الليبية وآفاق حلها، على أن تحتضن تونس الاجتماع القادم لهذه الآلية، وفق اتفاق الوزراء أنفسهم، في موعد يُتفق عليه لاحقًا.

مسار توافقي

يأتي هذا الاجتماع في مرحلة يشهد فيها الوضع في ليبيا تأزما وتفاقما للأوضاع الأمنية والاقتصادية والاجتماعية، وفي سياق حرص دول الجوار الثلاث على الدفع نحو حلحلة هذه الأزمة وما تشكله من خطر يهدد وحدة الدولة وأمنها واستقرارها، لا سيما في ظل تعدد روابط التعاون والمصالح المشتركة التي تربط دول الجوار الثلاث بليبيا، وما للأزمة الداخلية الليبية من تداعيات على هذه البلدان التي تمتد جغرافيتها على شمال إفريقيا وجنوب حوض البحر الأبيض المتوسط.

وتكمن أهمية هذه الآلية الثلاثية في دعمها المسار السياسي الليبي تحت رعاية الأمم المتحدة، إلى جانب مساندة كل المساعي الجادة والهادفة إلى إنهاء الأزمة الليبية، مع ضرورة الأخذ بعين الاعتبار دور دول الجوار المحوري، باعتبارها الدول المعنية أكثر من غيرها بتطورات الوضع في هذا البلد الجار والشقيق ومستجداته، والأكثر وعيا بتعقيدات الأزمة وتداعياتها وتأثيراتها، والأكثر حرصا على الإسراع في إيجاد تسوية شاملة وجذرية لها، وفق ما جاء في البيان الذي تضمن إحدى عشرة نقطة.

وترجم البيان هذا التوجه من خلال الدعوة إلى التمسك بدعم الجهود الأممية والمساعي الدولية الرامية إلى تيسير العملية السياسية، بهدف تنظيم انتخابات رئاسية وبرلمانية متزامنة، حرة ونزيهة، وفق إطار دستوري وقانوني متوافق عليه، بما يفضي إلى إنهاء كامل للمراحل الانتقالية التي أصبحت أمرا واقعا يزيد في تعميق الأزمة واستفحالها، وينتج عن هذه الانتخابات مؤسسات دستورية شرعية موحدة وقوية ومستقرة، من شأنها أن تضع حدًّا لحالة الانقسام المؤسساتي القائمة.

وتُعدّ هذه النقاط من أبرز المسائل المفصلية المتحكمة في مسار الأزمة التي تعيشها ليبيا خلال السنوات الأخيرة، والتي عجزت المبادرات الداخلية والخارجية عن إيجاد حلول لها. ويضع هذا الاجتماع الأزمة في سياقها الصحيح، بما يجعل مبادرة الدول الثلاث المجاورة لليبيا آلية عملية تتكامل مع المبادرات الإقليمية والدولية والأممية في هذا المجال، وتسهم في المضي قدمًا نحو مسار سياسي ليبي جامع، تيسّره بعثة الأمم المتحدة للدعم في ليبيا، بما يعزز الملكية الليبية للعملية ويسهم في حل الأزمة.

ويأتي ذلك خاصة أن وزراء الخارجية المشاركين في هذا الاجتماع شددوا على دعم بلدانهم جهود السلطات الليبية المختصة والاتحاد الإفريقي، تحت الرعاية الأممية، لبلوغ هذا الهدف.

وتراهن تونس والجزائر ومصر، من خلال مبادرة آلية دول الجوار، على توحيد صفوف الفرقاء السياسيين في ليبيا والاضطلاع بأدوار فاعلة لتجنب تفاقم الأوضاع هناك، والتنبيه إلى خطورة التدخل الأجنبي واستنزاف مقدرات الدولة وثرواتها الطبيعية والطاقية والاقتصادية والبشرية.

ويكون ذلك من خلال الدعوة إلى ضرورة التمسك بخارطة الطريق السياسية التي أُعلن عنها في أواخر صائفة 2025، وما أفرزته لجنة الحوار المصغرة (4+4)، والاتفاق الإطاري الموقّع عليه في أوت الماضي.

وعبّرت الدول الثلاث عن هذا التوجه في البيان نفسه، من خلال التأكيد على أن تكون العملية السياسية ليبية القيادة والملكية، وأن يكون الحل السياسي نابعًا من إرادة الشعب الليبي وتوافقه الوطني، بما يضمن وحدة الدولة الليبية وسيادتها وسلامة أراضيها.

وبذلك، يؤكد الموقف التونسي-الجزائري-المصري الوقوف إلى جانب خيارات الفرقاء السياسيين في ليبيا، من خلال بلورة موقف سياسي ثابت وموحد يدعم استقرار الدولة ووحدة أراضيها ويحميها من التدخلات الخارجية في شؤونها، مع التشديد على ضرورة انسحاب المرتزقة والمقاتلين الأجانب والقوات الأجنبية من كامل التراب الليبي، والحفاظ على مكتسبات اتفاق وقف إطلاق النار، والإسراع في توحيد جميع المؤسسات الليبية، بما فيها المؤسسات العسكرية والأمنية، والانتصار للحلول الجامعة والمتكاملة التي تمكّن من تحقيق المصالحة الوطنية بين أبناء الشعب الليبي الواحد.

وتراهن الدول المشاركة في هذا الاجتماع الثلاثي على مخرجات آلية دول الجوار للمساهمة في حل الأزمة الليبية، في سياق إقليمي ودولي مضطرب تغلب عليه الصراعات الجيوسياسية والإستراتيجية، بما يمهّد لوضع خارطة طريق جديدة تحمل حلولًا عملية كفيلة بتحقيق تفاهمات وتسويات في كنف احترام مبادئ القانون الدولي وحقوق الإنسان.

نزيهة الغضباني