إشترك في النسخة الرقمية لجريدة الصباح و LE TEMPS

الأولويات الاقتصادية للمرحلة المقبلة..  تحفيز الاستثمار والإنتاج وإنقاذ المؤسسات العمومية وتسريع الانتقال الطاقي  

 

تونس – الصباح

في ظلّ مرحلة اقتصادية ومالية دقيقة، تبرز الحاجة إلى تحديد أولويات واضحة، وتسريع تفعيل النصوص التشريعية القادرة على دفع الاستثمار المنتج، والحفاظ على المؤسسات والمنشآت العمومية الكبرى، والحدّ من البطالة، ودعم الانتقال الطاقي، وتعزيز قدرة المؤسسات الصغرى والمتوسطة على الصمود والنمو، إلى جانب إصلاح المنظومة الجبائية وتحسين تعبئة الموارد العمومية.

وفي هذا الإطار، أفاد عضو لجنة المالية والميزانية بمجلس نواب الشعب علي زغدود، في تصريح لـ«الصباح»، بأن الأولويات الاقتصادية والمالية للمرحلة المقبلة يجب أن تقوم على الانتقال من مرحلة تشخيص الصعوبات وإدارة الأزمات إلى مرحلة الفعل والإنجاز. واعتبر أن التحدي الحقيقي الذي تواجهه تونس اليوم لا يقتصر على توفير موارد الميزانية والمحافظة على التوازنات المالية، بل يتمثل أساسًا في بناء اقتصاد منتج قادر على خلق الثروة ومواطن الشغل، وضمان كرامة المواطن وصون استقلالية القرار الوطني.

وفي ما يتعلق بالإصلاح الاقتصادي، أوضح زغدود أن نجاحه لا يمكن أن يُختزل في الأرقام والمؤشرات المالية، بل ينبغي أن يُقاس بمدى انعكاسه على حياة التونسيين وقدرتهم الشرائية، وعلى فرص تشغيل الشباب وأصحاب الشهائد العليا، فضلًا عن قدرة الدولة على توفير الخدمات العمومية الأساسية.

خمس أولويات اقتصادية

حدّد علي زغدود خمس أولويات اقتصادية رئيسية للمرحلة المقبلة، تتصدرها استعادة المبادرة الإنتاجية للدولة، من خلال اعتماد سياسة اقتصادية تعيد الاعتبار إلى القطاعين الصناعي والفلاحي، وتدعم المؤسسات الصغرى والمتوسطة، وتشجع الاستثمار المنتج القادر على خلق قيمة مضافة حقيقية.

وشدّد في هذا السياق على ضرورة تطوير الإنتاج الوطني، وتثمين الثروات، وتعزيز القدرة التنافسية للاقتصاد التونسي، وتوجيه الاستثمارات نحو القطاعات القادرة على خلق الثروة وتوفير فرص العمل .

أما الأولوية الثانية، فتتمثل في إصلاح المالية العمومية وتحقيق العدالة الجبائية. ودعا عضو لجنة المالية والميزانية إلى مراجعة منظومة تعبئة الموارد بما يساهم في توسيع قاعدة المساهمين ومكافحة التهرب والغش الجبائيين، مع تحسين استخلاص مستحقات الدولة، وتثمين أملاكها وثرواتها، ومراجعة الامتيازات الجبائية وفق مردوديتها الاقتصادية والاجتماعية، وترشيد النفقات العمومية وتوجيهها نحو الأولويات الفعلية.

وقال في هذا الصدد: "إن التحكم في عجز الميزانية ليس غاية منفصلة عن التنمية، بل هو وسيلة لحماية استقلالية القرار الاقتصادي والمالي. كما أن التعويل على الذات لا يعني الانغلاق، وإنما حسن توظيف الإمكانات الوطنية وبناء شراكات استثمارية متوازنة تخدم المصلحة التونسية".

 وتتعلق الأولوية الثالثة بجعل التشغيل رافعة اقتصادية واجتماعية أساسية. وأبرز زغدود أن ملف أصحاب الشهائد العليا الذين طالت بطالتهم لا يحتمل مزيدًا من التأجيل، داعيًا إلى تفعيل القانون عدد 18 لسنة 2025، واستكمال نصوصه وآلياته التطبيقية، وضبط روزنامة واضحة لتنفيذه.

واعتبر أن التشغيل المستدام لا يتحقق بالانتداب وحده، بل يتطلب أيضًا اعتماد سياسة صناعية وفلاحية واستثمارية واضحة، قادرة على إحداث مواطن شغل جديدة وربط التكوين بحاجيات الاقتصاد الوطني.

وتتمثل الأولوية الرابعة في تحقيق السيادة الاقتصادية وتعزيز الأمن الغذائي والمائي والطاقي. وفي هذا الإطار، دعا إلى دعم الفلاحين والمنتجين، وتطوير منظومات التخزين والتحويل والتوزيع، وتسريع إنجاز مشاريع الطاقات المتجددة، وتحسين التصرف في الموارد المائية، وإعادة الاعتبار إلى المؤسسات والمنشآت العمومية حتى تضطلع بدورها الاقتصادي والاجتماعي.

أما الأولوية الخامسة، فتتمثل في تحقيق تنمية جهوية عادلة وقابلة للقياس. وأكد زغدود أنه لم يعد من الممكن مواصلة تجاهل التفاوت بين الجهات في فرص الاستثمار والتشغيل والبنية التحتية والخدمات الأساسية، داعيًا إلى توجيه الاستثمار العمومي وفق الحاجيات الفعلية لكل جهة، وتسريع إنجاز المشاريع المعطلة، وتهيئة المناطق الصناعية واللوجستية، وربط الاعتمادات المرصودة بآجال الإنجاز والنتائج المنتظرة.

وضرب مثالًا بولاية مدنين، مشيرًا إلى أهمية تفعيل المنطقة التجارية واللوجستية ببن قردان، وتطوير المنطقة الصناعية، ومعالجة الإشكاليات المرتبطة بمعبر رأس جدير، وتثمين موقع الجهة في المبادلات التجارية مع ليبيا والأسواق الإفريقية. واعتبر أن هذه المقومات تمثل فرصًا حقيقية لتحويل الموقع الجغرافي إلى مصدر للثروة وخلق مواطن الشغل.

نصوص تشريعية لتحرير المبادرة الاقتصادية ومعالجة الاختلالات الهيكلية

وفي ما يتعلق بالأولويات التشريعية التي تفرضها المرحلة المقبلة، أكد علي زغدود ضرورة إعطاء الأولوية للنصوص التي تعالج الاختلالات الهيكلية للاقتصاد التونسي، وتحرر المبادرة المنتجة، وتضمن عدالة توزيع الأعباء والثروة، وتوفر للدولة أدوات أكثر نجاعة في إدارة مواردها.

وأوضح أن عددًا من الملفات التشريعية يستحق أن يتصدر عمل مجلس نواب الشعب، وفي مقدمتها إصلاح الإطار القانوني للاستثمار ومجلة الصرف. وأشار إلى حاجة تونس إلى إطار تشريعي أكثر وضوحًا واستقرارًا وملاءمة لحاجيات المستثمرين والمؤسسات التونسية، بما ييسر الاستثمار المنتج، ويعزز قدرة المؤسسات على النفاذ إلى التمويل والأسواق الخارجية، ويشجع على استقطاب الاستثمارات ذات القيمة المضافة العالية.

كما شدّد على ضرورة أن تحقق مجلة الصرف التوازن بين تسهيل النشاط الاقتصادي، وحماية الاحتياطي من العملة الأجنبية، وضمان سلامة المعاملات المالية.

ودعا كذلك إلى تطوير التشريعات الداعمة للمؤسسات الصغرى والمتوسطة والاقتصاد المنتج، من خلال إعطاء الأولوية للنصوص التي تحسن النفاذ إلى التمويل، وتبسط الإجراءات الإدارية، وتدعم المؤسسات الناشئة والمبادرات الفردية والجماعية، وتساعد المؤسسات على تجاوز صعوبات التمويل والسيولة.

 وأضاف أن المرحلة المقبلة تستوجب مراجعة الآليات المعتمدة لقياس أثر الحوافز والامتيازات، تفاديًا لتحولها إلى إعفاءات لا تحقق مردودية اقتصادية أو اجتماعية واضحة، بالتوازي مع استكمال الإطار القانوني اللازم لتفعيل القانون عدد 18 لسنة 2025 المتعلق بانتداب أصحاب الشهائد العليا الذين طالت بطالتهم.

إصلاح المنظومة الجبائية ومكافحة الاقتصاد الموازي

وتطرق المتحدث إلى ضرورة إصلاح المنظومة الجبائية وتعزيز مكافحة التهرب الجبائي والاقتصاد الموازي، في ظل حاجة البلاد إلى نظام جبائي يكرس العدالة والشفافية، ويوسع قاعدة المساهمين، ويضمن مساهمة كل طرف وفق قدرته وإمكاناته، مع حماية الأجراء والمؤسسات المنتجة.

كما أكد أهمية رقمنة الإدارة الجبائية والديوانية، وتبسيط الإجراءات، وإدماج الأنشطة الاقتصادية غير المنظمة في الدورة الرسمية عبر آليات واقعية تشجع على الامتثال، بدل الاقتصار على المقاربة الردعية.

وفي ما يتعلق بالتشريعات المنظمة للمؤسسات والمنشآت العمومية، اعتبر زغدود أن مراجعتها باتت ضرورية، بما يضمن إرساء الحوكمة الرشيدة والشفافية والمساءلة، ويحسن الأداء الاقتصادي لهذه المؤسسات ويحافظ على دورها الاجتماعي والاستراتيجي.

وأوضح أن الإصلاح ينبغي أن يستند إلى تشخيص دقيق لوضعية كل مؤسسة، وتقييم موضوعي لأسباب تعثرها، ووضع برامج إنقاذ وتطوير قابلة للمتابعة والتقييم.

كما شدّد على ضرورة تطوير التشريعات المتعلقة بالاقتصاد الاجتماعي والتضامني والشركات الأهلية، من خلال توفير إطار قانوني وتمويلي يساعد المبادرات الجماعية على النجاح والاستمرار، ويربط الحوافز الاقتصادية بخلق القيمة المضافة ومواطن الشغل ودعم التنمية المحلية، مع ضمان الشفافية وحسن التصرف في الموارد.

ولفت كذلك إلى أهمية دعم المنظومات الفلاحية والصناعات التحويلية وتعزيز الأمن الغذائي، عبر سنّ نصوص وإجراءات تعالج الصعوبات الهيكلية التي تواجه الفلاحين والمنتجين، وتطور منظومات التخزين والتحويل والتسويق، وتحدّ من ضياع الإنتاج، وتدعم الصناعات المرتبطة بالمواد الأولية الوطنية.

وعلى صعيد آخر، دعا عضو لجنة المالية والميزانية إلى تعزيز الحوكمة المالية والرقابة على تنفيذ الميزانية، من خلال تطوير آليات تقييم السياسات العمومية، وربط الإنفاق بالنتائج، وتعزيز شفافية المعطيات المتعلقة بالمشاريع العمومية والتمويلات والامتيازات الجبائية.

تنفيذ برنامج 2027 ودعم الانتقال الطاقي في صدارة الاستحقاقات المقبلة

 من جهته، أفاد عضو لجنة المالية والميزانية بمجلس نواب الشعب عصام شوشان، في تصريح لـ«الصباح»، بأن من أبرز الاستحقاقات الاقتصادية والمالية للفترة المقبلة تنفيذ البرنامج المخصص لسنة 2027 في إطار مخطط التنمية للفترة 2026-2030، إلى جانب مواصلة دعم احتياطي العملة الأجنبية لدى البنك المركزي التونسي، بما يساهم في المحافظة على استقرار سعر صرف الدينار أمام العملات الأجنبية.

ويظل الانتقال الطاقي بدوره من أبرز الأولويات الاقتصادية. وفي هذا السياق، أكد شوشان ضرورة مواصلة التشجيع على التحول الطاقي والعمل على تقليص عجز الميزان التجاري الطاقي، بالتوازي مع تحقيق نسبة النمو المنتظرة لسنة 2027، والمقدرة بـ3.1 بالمائة.

وشدّد كذلك على ضرورة مواصلة دعم المؤسسات والمنشآت العمومية، وخاصة المؤسسات الكبرى، وفي مقدمتها شركة فسفاط قفصة، ومصنع الفولاذ، والشركة الوطنية لعجين الحلفاء والورق بالقصرين، نظرًا إلى دورها الاقتصادي وأهميتها في المحافظة على مواطن الشغل ودعم الإنتاج الوطني.

وفي ما يتعلق بمقترحات ومشاريع القوانين ذات الصبغة الاستعجالية، على مستوى التشريع والتفعيل، دعا شوشان إلى استكمال تفعيل الفصول التي سبق لمجلس نواب الشعب المصادقة عليها ولم تدخل بعد حيز التنفيذ، ومن بينها الأحكام المتعلقة بتشغيل أصحاب الشهائد العليا الذين طالت بطالتهم، بما يدعم سوق الشغل وينشط الدورة الاقتصادية.

وأشار أيضًا إلى أهمية تفعيل المقترحات المتعلقة بسيارة لكل عائلة، وإتاحة فتح حسابات بالعملة الأجنبية للتونسيين، وفق الأطر القانونية المنظمة لذلك.

وفي مجال دعم الانتقال الطاقي، اعتبر شوشان أن تجهيزات تخزين الطاقة ينبغي أن تحظى بدورها بإعفاءات ديوانية تشجع على الاستثمار في هذا المجال، كما دعا إلى تخصيص جزء من التمويلات المتأتية من الاقتراض المباشر من البنك المركزي لدعم المؤسسات العمومية.

مجلتا الصرف والمحروقات وقانون مكافحة الإقصاء المالي ضمن أبرز المشاريع التشريعية

ومن المنتظر أن تتواصل خلال الفترة المقبلة دراسة مجموعة من مقترحات ومشاريع القوانين ذات الأثر الاقتصادي، والتي يُرتقب أن تساهم في تطوير الإطار التشريعي المنظم للاستثمار والأنشطة الاقتصادية.

وفي هذا السياق، أوضح عصام شوشان أن من أبرز النصوص المنتظرة مجلة الصرف، ومجلة الاستثمار، ومجلة المياه، إلى جانب قانون مكافحة الإقصاء المالي، الذي يتضمن أكثر من 40 فصلًا، ومشروع إحداث البنك البريدي، ومجلة المحروقات، فضلًا عن مراجعة مجلة الصفقات العمومية.

وتعكس هذه الملفات، في مجملها، حجم الرهانات الاقتصادية والمالية المطروحة على تونس خلال المرحلة المقبلة، حيث يبقى التحدي الأساسي متمثلًا في تحويل الإصلاحات والمبادرات التشريعية إلى إجراءات ملموسة، قادرة على تحفيز الاستثمار والإنتاج، وتحسين مناخ الأعمال، ودعم المؤسسات العمومية والخاصة، وخلق فرص العمل، وتعزيز السيادة الاقتصادية والطاقية، وتحقيق تنمية أكثر توازنًا بين الجهات.

درصاف اللموشي

 

الأولويات الاقتصادية للمرحلة المقبلة..   تحفيز الاستثمار والإنتاج وإنقاذ المؤسسات العمومية وتسريع الانتقال الطاقي   

 

تونس – الصباح

في ظلّ مرحلة اقتصادية ومالية دقيقة، تبرز الحاجة إلى تحديد أولويات واضحة، وتسريع تفعيل النصوص التشريعية القادرة على دفع الاستثمار المنتج، والحفاظ على المؤسسات والمنشآت العمومية الكبرى، والحدّ من البطالة، ودعم الانتقال الطاقي، وتعزيز قدرة المؤسسات الصغرى والمتوسطة على الصمود والنمو، إلى جانب إصلاح المنظومة الجبائية وتحسين تعبئة الموارد العمومية.

وفي هذا الإطار، أفاد عضو لجنة المالية والميزانية بمجلس نواب الشعب علي زغدود، في تصريح لـ«الصباح»، بأن الأولويات الاقتصادية والمالية للمرحلة المقبلة يجب أن تقوم على الانتقال من مرحلة تشخيص الصعوبات وإدارة الأزمات إلى مرحلة الفعل والإنجاز. واعتبر أن التحدي الحقيقي الذي تواجهه تونس اليوم لا يقتصر على توفير موارد الميزانية والمحافظة على التوازنات المالية، بل يتمثل أساسًا في بناء اقتصاد منتج قادر على خلق الثروة ومواطن الشغل، وضمان كرامة المواطن وصون استقلالية القرار الوطني.

وفي ما يتعلق بالإصلاح الاقتصادي، أوضح زغدود أن نجاحه لا يمكن أن يُختزل في الأرقام والمؤشرات المالية، بل ينبغي أن يُقاس بمدى انعكاسه على حياة التونسيين وقدرتهم الشرائية، وعلى فرص تشغيل الشباب وأصحاب الشهائد العليا، فضلًا عن قدرة الدولة على توفير الخدمات العمومية الأساسية.

خمس أولويات اقتصادية

حدّد علي زغدود خمس أولويات اقتصادية رئيسية للمرحلة المقبلة، تتصدرها استعادة المبادرة الإنتاجية للدولة، من خلال اعتماد سياسة اقتصادية تعيد الاعتبار إلى القطاعين الصناعي والفلاحي، وتدعم المؤسسات الصغرى والمتوسطة، وتشجع الاستثمار المنتج القادر على خلق قيمة مضافة حقيقية.

وشدّد في هذا السياق على ضرورة تطوير الإنتاج الوطني، وتثمين الثروات، وتعزيز القدرة التنافسية للاقتصاد التونسي، وتوجيه الاستثمارات نحو القطاعات القادرة على خلق الثروة وتوفير فرص العمل .

أما الأولوية الثانية، فتتمثل في إصلاح المالية العمومية وتحقيق العدالة الجبائية. ودعا عضو لجنة المالية والميزانية إلى مراجعة منظومة تعبئة الموارد بما يساهم في توسيع قاعدة المساهمين ومكافحة التهرب والغش الجبائيين، مع تحسين استخلاص مستحقات الدولة، وتثمين أملاكها وثرواتها، ومراجعة الامتيازات الجبائية وفق مردوديتها الاقتصادية والاجتماعية، وترشيد النفقات العمومية وتوجيهها نحو الأولويات الفعلية.

وقال في هذا الصدد: "إن التحكم في عجز الميزانية ليس غاية منفصلة عن التنمية، بل هو وسيلة لحماية استقلالية القرار الاقتصادي والمالي. كما أن التعويل على الذات لا يعني الانغلاق، وإنما حسن توظيف الإمكانات الوطنية وبناء شراكات استثمارية متوازنة تخدم المصلحة التونسية".

 وتتعلق الأولوية الثالثة بجعل التشغيل رافعة اقتصادية واجتماعية أساسية. وأبرز زغدود أن ملف أصحاب الشهائد العليا الذين طالت بطالتهم لا يحتمل مزيدًا من التأجيل، داعيًا إلى تفعيل القانون عدد 18 لسنة 2025، واستكمال نصوصه وآلياته التطبيقية، وضبط روزنامة واضحة لتنفيذه.

واعتبر أن التشغيل المستدام لا يتحقق بالانتداب وحده، بل يتطلب أيضًا اعتماد سياسة صناعية وفلاحية واستثمارية واضحة، قادرة على إحداث مواطن شغل جديدة وربط التكوين بحاجيات الاقتصاد الوطني.

وتتمثل الأولوية الرابعة في تحقيق السيادة الاقتصادية وتعزيز الأمن الغذائي والمائي والطاقي. وفي هذا الإطار، دعا إلى دعم الفلاحين والمنتجين، وتطوير منظومات التخزين والتحويل والتوزيع، وتسريع إنجاز مشاريع الطاقات المتجددة، وتحسين التصرف في الموارد المائية، وإعادة الاعتبار إلى المؤسسات والمنشآت العمومية حتى تضطلع بدورها الاقتصادي والاجتماعي.

أما الأولوية الخامسة، فتتمثل في تحقيق تنمية جهوية عادلة وقابلة للقياس. وأكد زغدود أنه لم يعد من الممكن مواصلة تجاهل التفاوت بين الجهات في فرص الاستثمار والتشغيل والبنية التحتية والخدمات الأساسية، داعيًا إلى توجيه الاستثمار العمومي وفق الحاجيات الفعلية لكل جهة، وتسريع إنجاز المشاريع المعطلة، وتهيئة المناطق الصناعية واللوجستية، وربط الاعتمادات المرصودة بآجال الإنجاز والنتائج المنتظرة.

وضرب مثالًا بولاية مدنين، مشيرًا إلى أهمية تفعيل المنطقة التجارية واللوجستية ببن قردان، وتطوير المنطقة الصناعية، ومعالجة الإشكاليات المرتبطة بمعبر رأس جدير، وتثمين موقع الجهة في المبادلات التجارية مع ليبيا والأسواق الإفريقية. واعتبر أن هذه المقومات تمثل فرصًا حقيقية لتحويل الموقع الجغرافي إلى مصدر للثروة وخلق مواطن الشغل.

نصوص تشريعية لتحرير المبادرة الاقتصادية ومعالجة الاختلالات الهيكلية

وفي ما يتعلق بالأولويات التشريعية التي تفرضها المرحلة المقبلة، أكد علي زغدود ضرورة إعطاء الأولوية للنصوص التي تعالج الاختلالات الهيكلية للاقتصاد التونسي، وتحرر المبادرة المنتجة، وتضمن عدالة توزيع الأعباء والثروة، وتوفر للدولة أدوات أكثر نجاعة في إدارة مواردها.

وأوضح أن عددًا من الملفات التشريعية يستحق أن يتصدر عمل مجلس نواب الشعب، وفي مقدمتها إصلاح الإطار القانوني للاستثمار ومجلة الصرف. وأشار إلى حاجة تونس إلى إطار تشريعي أكثر وضوحًا واستقرارًا وملاءمة لحاجيات المستثمرين والمؤسسات التونسية، بما ييسر الاستثمار المنتج، ويعزز قدرة المؤسسات على النفاذ إلى التمويل والأسواق الخارجية، ويشجع على استقطاب الاستثمارات ذات القيمة المضافة العالية.

كما شدّد على ضرورة أن تحقق مجلة الصرف التوازن بين تسهيل النشاط الاقتصادي، وحماية الاحتياطي من العملة الأجنبية، وضمان سلامة المعاملات المالية.

ودعا كذلك إلى تطوير التشريعات الداعمة للمؤسسات الصغرى والمتوسطة والاقتصاد المنتج، من خلال إعطاء الأولوية للنصوص التي تحسن النفاذ إلى التمويل، وتبسط الإجراءات الإدارية، وتدعم المؤسسات الناشئة والمبادرات الفردية والجماعية، وتساعد المؤسسات على تجاوز صعوبات التمويل والسيولة.

 وأضاف أن المرحلة المقبلة تستوجب مراجعة الآليات المعتمدة لقياس أثر الحوافز والامتيازات، تفاديًا لتحولها إلى إعفاءات لا تحقق مردودية اقتصادية أو اجتماعية واضحة، بالتوازي مع استكمال الإطار القانوني اللازم لتفعيل القانون عدد 18 لسنة 2025 المتعلق بانتداب أصحاب الشهائد العليا الذين طالت بطالتهم.

إصلاح المنظومة الجبائية ومكافحة الاقتصاد الموازي

وتطرق المتحدث إلى ضرورة إصلاح المنظومة الجبائية وتعزيز مكافحة التهرب الجبائي والاقتصاد الموازي، في ظل حاجة البلاد إلى نظام جبائي يكرس العدالة والشفافية، ويوسع قاعدة المساهمين، ويضمن مساهمة كل طرف وفق قدرته وإمكاناته، مع حماية الأجراء والمؤسسات المنتجة.

كما أكد أهمية رقمنة الإدارة الجبائية والديوانية، وتبسيط الإجراءات، وإدماج الأنشطة الاقتصادية غير المنظمة في الدورة الرسمية عبر آليات واقعية تشجع على الامتثال، بدل الاقتصار على المقاربة الردعية.

وفي ما يتعلق بالتشريعات المنظمة للمؤسسات والمنشآت العمومية، اعتبر زغدود أن مراجعتها باتت ضرورية، بما يضمن إرساء الحوكمة الرشيدة والشفافية والمساءلة، ويحسن الأداء الاقتصادي لهذه المؤسسات ويحافظ على دورها الاجتماعي والاستراتيجي.

وأوضح أن الإصلاح ينبغي أن يستند إلى تشخيص دقيق لوضعية كل مؤسسة، وتقييم موضوعي لأسباب تعثرها، ووضع برامج إنقاذ وتطوير قابلة للمتابعة والتقييم.

كما شدّد على ضرورة تطوير التشريعات المتعلقة بالاقتصاد الاجتماعي والتضامني والشركات الأهلية، من خلال توفير إطار قانوني وتمويلي يساعد المبادرات الجماعية على النجاح والاستمرار، ويربط الحوافز الاقتصادية بخلق القيمة المضافة ومواطن الشغل ودعم التنمية المحلية، مع ضمان الشفافية وحسن التصرف في الموارد.

ولفت كذلك إلى أهمية دعم المنظومات الفلاحية والصناعات التحويلية وتعزيز الأمن الغذائي، عبر سنّ نصوص وإجراءات تعالج الصعوبات الهيكلية التي تواجه الفلاحين والمنتجين، وتطور منظومات التخزين والتحويل والتسويق، وتحدّ من ضياع الإنتاج، وتدعم الصناعات المرتبطة بالمواد الأولية الوطنية.

وعلى صعيد آخر، دعا عضو لجنة المالية والميزانية إلى تعزيز الحوكمة المالية والرقابة على تنفيذ الميزانية، من خلال تطوير آليات تقييم السياسات العمومية، وربط الإنفاق بالنتائج، وتعزيز شفافية المعطيات المتعلقة بالمشاريع العمومية والتمويلات والامتيازات الجبائية.

تنفيذ برنامج 2027 ودعم الانتقال الطاقي في صدارة الاستحقاقات المقبلة

 من جهته، أفاد عضو لجنة المالية والميزانية بمجلس نواب الشعب عصام شوشان، في تصريح لـ«الصباح»، بأن من أبرز الاستحقاقات الاقتصادية والمالية للفترة المقبلة تنفيذ البرنامج المخصص لسنة 2027 في إطار مخطط التنمية للفترة 2026-2030، إلى جانب مواصلة دعم احتياطي العملة الأجنبية لدى البنك المركزي التونسي، بما يساهم في المحافظة على استقرار سعر صرف الدينار أمام العملات الأجنبية.

ويظل الانتقال الطاقي بدوره من أبرز الأولويات الاقتصادية. وفي هذا السياق، أكد شوشان ضرورة مواصلة التشجيع على التحول الطاقي والعمل على تقليص عجز الميزان التجاري الطاقي، بالتوازي مع تحقيق نسبة النمو المنتظرة لسنة 2027، والمقدرة بـ3.1 بالمائة.

وشدّد كذلك على ضرورة مواصلة دعم المؤسسات والمنشآت العمومية، وخاصة المؤسسات الكبرى، وفي مقدمتها شركة فسفاط قفصة، ومصنع الفولاذ، والشركة الوطنية لعجين الحلفاء والورق بالقصرين، نظرًا إلى دورها الاقتصادي وأهميتها في المحافظة على مواطن الشغل ودعم الإنتاج الوطني.

وفي ما يتعلق بمقترحات ومشاريع القوانين ذات الصبغة الاستعجالية، على مستوى التشريع والتفعيل، دعا شوشان إلى استكمال تفعيل الفصول التي سبق لمجلس نواب الشعب المصادقة عليها ولم تدخل بعد حيز التنفيذ، ومن بينها الأحكام المتعلقة بتشغيل أصحاب الشهائد العليا الذين طالت بطالتهم، بما يدعم سوق الشغل وينشط الدورة الاقتصادية.

وأشار أيضًا إلى أهمية تفعيل المقترحات المتعلقة بسيارة لكل عائلة، وإتاحة فتح حسابات بالعملة الأجنبية للتونسيين، وفق الأطر القانونية المنظمة لذلك.

وفي مجال دعم الانتقال الطاقي، اعتبر شوشان أن تجهيزات تخزين الطاقة ينبغي أن تحظى بدورها بإعفاءات ديوانية تشجع على الاستثمار في هذا المجال، كما دعا إلى تخصيص جزء من التمويلات المتأتية من الاقتراض المباشر من البنك المركزي لدعم المؤسسات العمومية.

مجلتا الصرف والمحروقات وقانون مكافحة الإقصاء المالي ضمن أبرز المشاريع التشريعية

ومن المنتظر أن تتواصل خلال الفترة المقبلة دراسة مجموعة من مقترحات ومشاريع القوانين ذات الأثر الاقتصادي، والتي يُرتقب أن تساهم في تطوير الإطار التشريعي المنظم للاستثمار والأنشطة الاقتصادية.

وفي هذا السياق، أوضح عصام شوشان أن من أبرز النصوص المنتظرة مجلة الصرف، ومجلة الاستثمار، ومجلة المياه، إلى جانب قانون مكافحة الإقصاء المالي، الذي يتضمن أكثر من 40 فصلًا، ومشروع إحداث البنك البريدي، ومجلة المحروقات، فضلًا عن مراجعة مجلة الصفقات العمومية.

وتعكس هذه الملفات، في مجملها، حجم الرهانات الاقتصادية والمالية المطروحة على تونس خلال المرحلة المقبلة، حيث يبقى التحدي الأساسي متمثلًا في تحويل الإصلاحات والمبادرات التشريعية إلى إجراءات ملموسة، قادرة على تحفيز الاستثمار والإنتاج، وتحسين مناخ الأعمال، ودعم المؤسسات العمومية والخاصة، وخلق فرص العمل، وتعزيز السيادة الاقتصادية والطاقية، وتحقيق تنمية أكثر توازنًا بين الجهات.

درصاف اللموشي