من محطة إلى أخرى، يتأكد إشعاع تونس في المحافل والتصنيفات الدولية من خلال سلسلة من التتويجات والنجاحات التي تحمل توقيع أسماء تونسية، بما يضع الكفاءة الوطنية في مواقع متقدمة على الساحة الدولية.
فمن البحث العلمي والدراسات الجيولوجية والجيوفيزيائية إلى الفلاحة والتنمية الريفية والابتكار، تبرهن هذه النجاحات على أن تونس تمتلك رصيدا بشريا وعلميا قادرا على المنافسة وصناعة التميز وفرض حضوره خارج حدود أرض الوطن.
ولا تقف أهمية هذه التتويجات عند حدود الاعتراف الدولي، وإنما تمتد لتشكل عنوانا لإشعاع تونس وكفاءاتها، مؤكدة أن الثروة الحقيقية للبلاد تظل في طاقاتها البشرية وما راكمته من معرفة وخبرة وقدرة على الابتكار وصناعة القيمة المضافة.
وهو ما يتقاطع مع رؤية رئيس الجمهورية، قيس سعيّد، التي تقوم على ضرورة التعويل على الطاقات البشرية والعلم والمعرفة، وربط الكفاءة بمسار التنمية وبقدرة الدولة على تحويل ما تزخر به من إمكانيات بشرية إلى إنجازات ملموسة.
من هذا المنطلق، برزت مؤخرا أسماء تونسية في مواقع متقدمة ضمن تصنيفات دولية، وتُوّجت أسماء أخرى تقديرا لتجاربها ومساهماتها في تطوير قطاعات استراتيجية.
وتبرز في هذا السياق أمل الماكني، التي اختارتها منظمة الأغذية والزراعة للأمم المتحدة «الفاو» ضمن قائمة تضم 100 امرأة رائدة في مجالي النظم الزراعية والغذائية والتنمية الريفية لسنة 2026، إلى جانب ثلاثة باحثين تونسيين حققوا مراتب متقدمة عالميا في الدراسات الجيولوجية والجيوفيزيائية، فضلا عن تجارب أخرى في مجالات الابتكار والثقافة والبيئة.
وتعيد هذه النجاحات إلى الواجهة مسألة الكفاءات التونسية باعتبارها إحدى آليات القوة الناعمة وأهم دعائم القوة الوطنية.
ولا تقف أهمية هذا التتويج عند حدود المسار المهني للماكني، إذ تشير المعطيات المنشورة من قبل وكالة النهوض بالاستثمارات الفلاحية إلى مساهمتها في تكوين وتأطير أكثر من 100 متربص من مؤسسات التعليم العالي ومراكز التكوين، فضلا عن مرافقة 30 امرأة ريفية منخرطة في مجمع تنموي فلاحي ودعم تمكينهن الاقتصادي والاجتماعي. وهو ما يجعل من تجربتها نموذجا يجمع بين المعرفة الفلاحية والعمل الميداني والتنمية المحلية.
وفي مجال آخر، برزت أسماء تونسية في تصنيف «Top1000 Scholar» لسنة 2026، للفترة المرجعية 2021–2025، في اختصاص الدراسات الجيولوجية والجيوفيزيائية. فقد حلّ يونس حامد، الأستاذ بكلية العلوم بقفصة، في المرتبة الأولى وطنيا، فيما جاء حكيم قبطني، الأستاذ بمركز بحوث وتكنولوجيات المياه، ثانيا وطنيا و38 عالميا، بينما أحرز محمد السوسي، الأستاذ بكلية العلوم بتونس، المرتبة الثالثة وطنيا و39 عالميا.
وتكتسب هذه النتائج أهمية خاصة بالنظر إلى ارتباط الاختصاصات العلمية المعنية بملفات الموارد الطبيعية والمياه الجوفية، وبالمعرفة العلمية التي يمكن أن تجد تطبيقاتها في صلب السياسات التنموية.
ولا تقف التتويجات عند هذا الحد، ففي سبتمبر 2026، برزت الباحثة والحقوقية والناشطة البيئية التونسية بثينة بن كريديس، من خلال حصولها على شهادة اعتماد مهني بوصفها «أخصائي ابتكار ثقافي معتمد» من معهد الابتكار السعودي، في مسار يعكس بدوره اتساع مجالات الحضور التونسي الفاعل خارج حدود أرض الوطن، وانتقال الكفاءات الوطنية إلى مجالات جديدة تتقاطع فيها الثقافة والبحث والابتكار والعمل المجتمعي.
الثروة الوطنية
تفضي هذه التتويجات إلى مسألة تراهن عليها الدولة في أعلى هرمها، تتمثل في تثمين الطاقات البشرية وتيسير سبل توظيف الكفاءات الوطنية في خدمة التنمية، بما يحوّل المعرفة والخبرة من رصيد فردي إلى قوة دفع وطنية، ويمنح الكفاءات التونسية الفرصة والمجال للمساهمة في صياغة الحلول ودعم مسار البناء والإصلاح.
وهي مقاربة تندرج في صلب رؤية رئيس الجمهورية، قيس سعيّد، التي تضع الإنسان والكفاءة والقدرة على الإنجاز في صميم المشروع الوطني، من خلال المراهنة على ما تزخر به تونس من طاقات قادرة على تحويل الإمكانيات المتاحة إلى قيمة مضافة ومشاريع وإنجازات ملموسة.
التنمية الريفية
وبالعودة إلى النجاحات سالفة الذكر، تجدر الإشارة إلى أن تجربة أمل الماكني تكتسي أهمية خاصة، لأنها تعيد الاعتبار إلى الجهات الداخلية باعتبارها فضاء للكفاءة والمبادرة والابتكار.
فأن يصعد نجم مهندسة تونسية من باجة لتصبح ضمن قائمة دولية تضم 100 امرأة رائدة في النظم الزراعية والغذائية والتنمية الريفية، وأن يقترن ذلك بتجربة ميدانية في تربية الماشية والتكوين ومرافقة النساء الريفيات، يعني أن التنمية يمكن أن تصنع نماذج نجاح من داخل الجهات نفسها.
وهذا الطرح يتقاطع مع توجه رئيس الدولة، قيس سعيّد، نحو إعادة ترتيب العلاقة بين المركز والجهات، وربط التنمية بخصوصيات كل منطقة وإمكانياتها البشرية والطبيعية، بما يجعل الاستثمار في الإنسان والموارد المحلية جزءا من معالجة مختلف الإشكاليات التنموية.
تثمين البحث العلمي
من جانب آخر، تفتح النتائج التي حققها الباحثون التونسيون في الدراسات الجيولوجية والجيوفيزيائية النقاش حول موقع البحث العلمي في الخيارات الوطنية، خصوصا في ظل الحاجة الملحة إلى المعرفة العلمية في إدارة الموارد الطبيعية.
فتقدم ثلاثة باحثين تونسيين إلى مراتب متقدمة عالميا في اختصاصات ترتبط بالمياه الجوفية والموارد الطبيعية يحمل في جوهره دلالة تتجاوز البعد الأكاديمي، لا سيما أن تونس تواجه تحديات تتعلق بالمياه والأمن الغذائي والتغيرات المناخية واستدامة الموارد. وهي ملفات، على أهميتها، لا يمكن التعامل معها من خلال اعتماد سياسة القرارات الإدارية فحسب، باعتبار أنها تتطلب معرفة دقيقة وبيانات وبحثا علميا قادرا على تقديم حلول قابلة للتطبيق.
وفي هذا الاتجاه، تتقاطع هذه النجاحات مع تأكيد رئيس الجمهورية، قيس سعيّد، في أكثر من مناسبة، أهمية العلم والمعرفة وتثمين الكفاءات الوطنية، وضرورة أن يكون التعليم والبحث العلمي مرتبطين بحاجيات المجتمع وبمعالجة مختلف الإشكاليات التي تواجهها البلاد في عديد المجالات.
المرأة التونسية.. كفاءة تصنع التنمية
تطرح تجربة أمل الماكني بُعدا آخر لا يقل أهمية، يتعلق بموقع المرأة في المنظومة الاقتصادية والتنموية. فاختيارها ضمن قائمة «الفاو» للنساء الرائدات في النظم الزراعية والغذائية والتنمية الريفية يؤكد أن المرأة التونسية تبرز بوصفها فاعلة وصاحبة مشروع وخبرة ومبادرة.
واللافت في تجربتها أنها لا تتوقف عند حدود مزرعتها أو مشروعها، وإنما تمتد إلى التكوين ونقل الخبرة ومرافقة النساء الريفيات. وهو ما يحوّل الكفاءة الفردية إلى أثر جماعي، ويجعل من المعرفة أداة لخلق فرص جديدة داخل المجتمع المحلي.
وهذا المعطى يلتقي مع الحاجة التي يطرحها الواقع التنموي إلى الانتقال من المقاربات التقليدية في التعامل مع المرأة الريفية إلى مقاربة تقوم على التمكين الاقتصادي الفعلي، وعلى توفير الظروف التي تسمح لها بأن تكون شريكا في الإنتاج والاستثمار والتنمية.
وتتقاطع تجربة المرأة الريفية ونجاحها في هذا السياق مع توجه الدولة في أعلى هرمها، حيث أكد رئيس الجمهورية، قيس سعيّد، في مناسبات عديدة، ضرورة إيلاء المناطق الريفية والجهات الداخلية مكانة أكبر في السياسات التنموية، وعدم اختزال التنمية في المؤشرات الاقتصادية العامة، وإنما ربطها بقدرة المواطنين، وخاصة النساء في الأرياف، على تحويل الإمكانيات المحلية إلى مشاريع ومداخيل مستقرة.
وقد انعكس هذا التوجه في عدد من القرارات والإجراءات الرامية إلى دعم صغار الفلاحين والمنتجين، وتشجيع المبادرات الاقتصادية المحلية، وتوفير آليات تمويل لفائدة الفئات التي ظلت لسنوات تواجه صعوبات في النفاذ إلى التمويل، إلى جانب الدفع نحو تطوير المجامع التنموية الفلاحية ودعم دورها في خلق مواطن الشغل وتحسين ظروف العيش في المناطق الريفية.
كما أولى رئيس الدولة، قيس سعيّد، أهمية خاصة لمسألة تمكين المرأة اقتصاديا، باعتبارها شريكا أساسيا في التنمية، وليس مجرد مستفيدة من برامج المساعدة، بما يجعل الاستثمار في قدراتها وفي المشاريع التي تقودها مدخلا لتعزيز التنمية المحلية.
وتلتقي هذه الرؤية مع نماذج نسائية ناجحة، على غرار تجربة أمل الماكني التي جمعت بين الاستثمار الفلاحي والتكوين ومرافقة النساء الريفيات، لتؤكد أن تمكين المرأة في الريف يمكن أن يتحول من هدف اجتماعي إلى رافعة فعلية للإنتاج والتنمية والإشعاع الدولي.
ضرورة التعويل على الذات
في هذا الخضم، تبقى التتويجات الدولية مهمة لأنها تمنح صورة إيجابية عن تونس وتكشف مستوى الكفاءات التي تمتلكها، لكنها تصبح أكثر أهمية عندما تتحول إلى حافز لبناء سياسات عمومية تستثمر في هذه الكفاءات وتمنحها مجالا أكبر للمبادرة والابتكار.
وفي هذا السياق، تكتسب دعوات رئيس الجمهورية، قيس سعيّد، إلى التعويل على الطاقات الوطنية أهمية باعتبارها مدخلا مهما لإعادة بناء الثقة في قدرة التونسيين على إيجاد الحلول لمشاكلهم، وتحويل الإمكانيات المتوفرة إلى مشاريع وإنجازات ملموسة.
ومع ما تحقق من نجاحات تونسية وما سيتحقق لاحقا، تكشف قصص النجاح هذه، في جوهرها، عن وجه آخر لصورة تونس في الخارج؛ وجه لا تصنعه اللقاءات الرسمية والاتفاقيات والشراكات فحسب، وإنما تصنعه أيضا أسماء تونسية تفرض حضورها في البحث العلمي والفلاحة والابتكار والتنمية والبيئة، بما يرفع راية الوطن عاليا في الخارج.
فأمل الماكني، أصيلة ولاية باجة، والباحثون التونسيون الذين بلغوا مراتب متقدمة عالميا في الدراسات الجيولوجية والجيوفيزيائية، وبثينة بن كريديس في مجال الابتكار الثقافي، يمثلون مسارات مختلفة تلتقي عند نقطة واحدة، هي القدرة التونسية على صناعة التميز عندما تتوفر المعرفة والإرادة والمبادرة.
فإشعاع الكفاءات التونسية في الخارج ليس مجرد اعتراف دولي بأشخاص بعينهم، وإنما هو شهادة على رصيد بشري يمكن للدولة أن تراهن عليه لبناء تنمية أكثر اعتمادا على المعرفة، وأكثر التصاقا بالجهات، وأكثر قدرة على تحويل الطاقات التونسية إلى قوة فعل وإنجاز.
منال حرزي
تونس – الصباح
من محطة إلى أخرى، يتأكد إشعاع تونس في المحافل والتصنيفات الدولية من خلال سلسلة من التتويجات والنجاحات التي تحمل توقيع أسماء تونسية، بما يضع الكفاءة الوطنية في مواقع متقدمة على الساحة الدولية.
فمن البحث العلمي والدراسات الجيولوجية والجيوفيزيائية إلى الفلاحة والتنمية الريفية والابتكار، تبرهن هذه النجاحات على أن تونس تمتلك رصيدا بشريا وعلميا قادرا على المنافسة وصناعة التميز وفرض حضوره خارج حدود أرض الوطن.
ولا تقف أهمية هذه التتويجات عند حدود الاعتراف الدولي، وإنما تمتد لتشكل عنوانا لإشعاع تونس وكفاءاتها، مؤكدة أن الثروة الحقيقية للبلاد تظل في طاقاتها البشرية وما راكمته من معرفة وخبرة وقدرة على الابتكار وصناعة القيمة المضافة.
وهو ما يتقاطع مع رؤية رئيس الجمهورية، قيس سعيّد، التي تقوم على ضرورة التعويل على الطاقات البشرية والعلم والمعرفة، وربط الكفاءة بمسار التنمية وبقدرة الدولة على تحويل ما تزخر به من إمكانيات بشرية إلى إنجازات ملموسة.
من هذا المنطلق، برزت مؤخرا أسماء تونسية في مواقع متقدمة ضمن تصنيفات دولية، وتُوّجت أسماء أخرى تقديرا لتجاربها ومساهماتها في تطوير قطاعات استراتيجية.
وتبرز في هذا السياق أمل الماكني، التي اختارتها منظمة الأغذية والزراعة للأمم المتحدة «الفاو» ضمن قائمة تضم 100 امرأة رائدة في مجالي النظم الزراعية والغذائية والتنمية الريفية لسنة 2026، إلى جانب ثلاثة باحثين تونسيين حققوا مراتب متقدمة عالميا في الدراسات الجيولوجية والجيوفيزيائية، فضلا عن تجارب أخرى في مجالات الابتكار والثقافة والبيئة.
وتعيد هذه النجاحات إلى الواجهة مسألة الكفاءات التونسية باعتبارها إحدى آليات القوة الناعمة وأهم دعائم القوة الوطنية.
ولا تقف أهمية هذا التتويج عند حدود المسار المهني للماكني، إذ تشير المعطيات المنشورة من قبل وكالة النهوض بالاستثمارات الفلاحية إلى مساهمتها في تكوين وتأطير أكثر من 100 متربص من مؤسسات التعليم العالي ومراكز التكوين، فضلا عن مرافقة 30 امرأة ريفية منخرطة في مجمع تنموي فلاحي ودعم تمكينهن الاقتصادي والاجتماعي. وهو ما يجعل من تجربتها نموذجا يجمع بين المعرفة الفلاحية والعمل الميداني والتنمية المحلية.
وفي مجال آخر، برزت أسماء تونسية في تصنيف «Top1000 Scholar» لسنة 2026، للفترة المرجعية 2021–2025، في اختصاص الدراسات الجيولوجية والجيوفيزيائية. فقد حلّ يونس حامد، الأستاذ بكلية العلوم بقفصة، في المرتبة الأولى وطنيا، فيما جاء حكيم قبطني، الأستاذ بمركز بحوث وتكنولوجيات المياه، ثانيا وطنيا و38 عالميا، بينما أحرز محمد السوسي، الأستاذ بكلية العلوم بتونس، المرتبة الثالثة وطنيا و39 عالميا.
وتكتسب هذه النتائج أهمية خاصة بالنظر إلى ارتباط الاختصاصات العلمية المعنية بملفات الموارد الطبيعية والمياه الجوفية، وبالمعرفة العلمية التي يمكن أن تجد تطبيقاتها في صلب السياسات التنموية.
ولا تقف التتويجات عند هذا الحد، ففي سبتمبر 2026، برزت الباحثة والحقوقية والناشطة البيئية التونسية بثينة بن كريديس، من خلال حصولها على شهادة اعتماد مهني بوصفها «أخصائي ابتكار ثقافي معتمد» من معهد الابتكار السعودي، في مسار يعكس بدوره اتساع مجالات الحضور التونسي الفاعل خارج حدود أرض الوطن، وانتقال الكفاءات الوطنية إلى مجالات جديدة تتقاطع فيها الثقافة والبحث والابتكار والعمل المجتمعي.
الثروة الوطنية
تفضي هذه التتويجات إلى مسألة تراهن عليها الدولة في أعلى هرمها، تتمثل في تثمين الطاقات البشرية وتيسير سبل توظيف الكفاءات الوطنية في خدمة التنمية، بما يحوّل المعرفة والخبرة من رصيد فردي إلى قوة دفع وطنية، ويمنح الكفاءات التونسية الفرصة والمجال للمساهمة في صياغة الحلول ودعم مسار البناء والإصلاح.
وهي مقاربة تندرج في صلب رؤية رئيس الجمهورية، قيس سعيّد، التي تضع الإنسان والكفاءة والقدرة على الإنجاز في صميم المشروع الوطني، من خلال المراهنة على ما تزخر به تونس من طاقات قادرة على تحويل الإمكانيات المتاحة إلى قيمة مضافة ومشاريع وإنجازات ملموسة.
التنمية الريفية
وبالعودة إلى النجاحات سالفة الذكر، تجدر الإشارة إلى أن تجربة أمل الماكني تكتسي أهمية خاصة، لأنها تعيد الاعتبار إلى الجهات الداخلية باعتبارها فضاء للكفاءة والمبادرة والابتكار.
فأن يصعد نجم مهندسة تونسية من باجة لتصبح ضمن قائمة دولية تضم 100 امرأة رائدة في النظم الزراعية والغذائية والتنمية الريفية، وأن يقترن ذلك بتجربة ميدانية في تربية الماشية والتكوين ومرافقة النساء الريفيات، يعني أن التنمية يمكن أن تصنع نماذج نجاح من داخل الجهات نفسها.
وهذا الطرح يتقاطع مع توجه رئيس الدولة، قيس سعيّد، نحو إعادة ترتيب العلاقة بين المركز والجهات، وربط التنمية بخصوصيات كل منطقة وإمكانياتها البشرية والطبيعية، بما يجعل الاستثمار في الإنسان والموارد المحلية جزءا من معالجة مختلف الإشكاليات التنموية.
تثمين البحث العلمي
من جانب آخر، تفتح النتائج التي حققها الباحثون التونسيون في الدراسات الجيولوجية والجيوفيزيائية النقاش حول موقع البحث العلمي في الخيارات الوطنية، خصوصا في ظل الحاجة الملحة إلى المعرفة العلمية في إدارة الموارد الطبيعية.
فتقدم ثلاثة باحثين تونسيين إلى مراتب متقدمة عالميا في اختصاصات ترتبط بالمياه الجوفية والموارد الطبيعية يحمل في جوهره دلالة تتجاوز البعد الأكاديمي، لا سيما أن تونس تواجه تحديات تتعلق بالمياه والأمن الغذائي والتغيرات المناخية واستدامة الموارد. وهي ملفات، على أهميتها، لا يمكن التعامل معها من خلال اعتماد سياسة القرارات الإدارية فحسب، باعتبار أنها تتطلب معرفة دقيقة وبيانات وبحثا علميا قادرا على تقديم حلول قابلة للتطبيق.
وفي هذا الاتجاه، تتقاطع هذه النجاحات مع تأكيد رئيس الجمهورية، قيس سعيّد، في أكثر من مناسبة، أهمية العلم والمعرفة وتثمين الكفاءات الوطنية، وضرورة أن يكون التعليم والبحث العلمي مرتبطين بحاجيات المجتمع وبمعالجة مختلف الإشكاليات التي تواجهها البلاد في عديد المجالات.
المرأة التونسية.. كفاءة تصنع التنمية
تطرح تجربة أمل الماكني بُعدا آخر لا يقل أهمية، يتعلق بموقع المرأة في المنظومة الاقتصادية والتنموية. فاختيارها ضمن قائمة «الفاو» للنساء الرائدات في النظم الزراعية والغذائية والتنمية الريفية يؤكد أن المرأة التونسية تبرز بوصفها فاعلة وصاحبة مشروع وخبرة ومبادرة.
واللافت في تجربتها أنها لا تتوقف عند حدود مزرعتها أو مشروعها، وإنما تمتد إلى التكوين ونقل الخبرة ومرافقة النساء الريفيات. وهو ما يحوّل الكفاءة الفردية إلى أثر جماعي، ويجعل من المعرفة أداة لخلق فرص جديدة داخل المجتمع المحلي.
وهذا المعطى يلتقي مع الحاجة التي يطرحها الواقع التنموي إلى الانتقال من المقاربات التقليدية في التعامل مع المرأة الريفية إلى مقاربة تقوم على التمكين الاقتصادي الفعلي، وعلى توفير الظروف التي تسمح لها بأن تكون شريكا في الإنتاج والاستثمار والتنمية.
وتتقاطع تجربة المرأة الريفية ونجاحها في هذا السياق مع توجه الدولة في أعلى هرمها، حيث أكد رئيس الجمهورية، قيس سعيّد، في مناسبات عديدة، ضرورة إيلاء المناطق الريفية والجهات الداخلية مكانة أكبر في السياسات التنموية، وعدم اختزال التنمية في المؤشرات الاقتصادية العامة، وإنما ربطها بقدرة المواطنين، وخاصة النساء في الأرياف، على تحويل الإمكانيات المحلية إلى مشاريع ومداخيل مستقرة.
وقد انعكس هذا التوجه في عدد من القرارات والإجراءات الرامية إلى دعم صغار الفلاحين والمنتجين، وتشجيع المبادرات الاقتصادية المحلية، وتوفير آليات تمويل لفائدة الفئات التي ظلت لسنوات تواجه صعوبات في النفاذ إلى التمويل، إلى جانب الدفع نحو تطوير المجامع التنموية الفلاحية ودعم دورها في خلق مواطن الشغل وتحسين ظروف العيش في المناطق الريفية.
كما أولى رئيس الدولة، قيس سعيّد، أهمية خاصة لمسألة تمكين المرأة اقتصاديا، باعتبارها شريكا أساسيا في التنمية، وليس مجرد مستفيدة من برامج المساعدة، بما يجعل الاستثمار في قدراتها وفي المشاريع التي تقودها مدخلا لتعزيز التنمية المحلية.
وتلتقي هذه الرؤية مع نماذج نسائية ناجحة، على غرار تجربة أمل الماكني التي جمعت بين الاستثمار الفلاحي والتكوين ومرافقة النساء الريفيات، لتؤكد أن تمكين المرأة في الريف يمكن أن يتحول من هدف اجتماعي إلى رافعة فعلية للإنتاج والتنمية والإشعاع الدولي.
ضرورة التعويل على الذات
في هذا الخضم، تبقى التتويجات الدولية مهمة لأنها تمنح صورة إيجابية عن تونس وتكشف مستوى الكفاءات التي تمتلكها، لكنها تصبح أكثر أهمية عندما تتحول إلى حافز لبناء سياسات عمومية تستثمر في هذه الكفاءات وتمنحها مجالا أكبر للمبادرة والابتكار.
وفي هذا السياق، تكتسب دعوات رئيس الجمهورية، قيس سعيّد، إلى التعويل على الطاقات الوطنية أهمية باعتبارها مدخلا مهما لإعادة بناء الثقة في قدرة التونسيين على إيجاد الحلول لمشاكلهم، وتحويل الإمكانيات المتوفرة إلى مشاريع وإنجازات ملموسة.
ومع ما تحقق من نجاحات تونسية وما سيتحقق لاحقا، تكشف قصص النجاح هذه، في جوهرها، عن وجه آخر لصورة تونس في الخارج؛ وجه لا تصنعه اللقاءات الرسمية والاتفاقيات والشراكات فحسب، وإنما تصنعه أيضا أسماء تونسية تفرض حضورها في البحث العلمي والفلاحة والابتكار والتنمية والبيئة، بما يرفع راية الوطن عاليا في الخارج.
فأمل الماكني، أصيلة ولاية باجة، والباحثون التونسيون الذين بلغوا مراتب متقدمة عالميا في الدراسات الجيولوجية والجيوفيزيائية، وبثينة بن كريديس في مجال الابتكار الثقافي، يمثلون مسارات مختلفة تلتقي عند نقطة واحدة، هي القدرة التونسية على صناعة التميز عندما تتوفر المعرفة والإرادة والمبادرة.
فإشعاع الكفاءات التونسية في الخارج ليس مجرد اعتراف دولي بأشخاص بعينهم، وإنما هو شهادة على رصيد بشري يمكن للدولة أن تراهن عليه لبناء تنمية أكثر اعتمادا على المعرفة، وأكثر التصاقا بالجهات، وأكثر قدرة على تحويل الطاقات التونسية إلى قوة فعل وإنجاز.