دخل مشروع قانون المالية لسنة 2027 مرحلة جديدة إثر إحالته أمس إلى مجلس نواب الشعب، في خطوة تفتح النقاش حول الخيارات الاقتصادية والاجتماعية التي تعتزم الدولة اعتمادها خلال السنة المقبلة. ويأتي المشروع في ظرف تتقاطع فيه الحاجة إلى المحافظة على التوازنات المالية مع ضرورة تحفيز النمو والاستثمار، وتحسين القدرة الشرائية للمواطنين، ودعم القطاعات الإنتاجية، في ظل استمرار الضغوط المرتبطة بالمديونية وكلفة الدعم والتقلبات الاقتصادية الدولية.
وتتجاوز أهمية مشروع قانون المالية مجرد ضبط موارد الدولة ونفقاتها للسنة المقبلة، إذ يمثّل أحد أبرز الاختبارات لقدرة السياسة المالية على تحويل التوجهات الاقتصادية والاجتماعية المعلنة إلى إجراءات عملية قابلة للتنفيذ، بما يضمن تحسين مردودية الإنفاق العمومي، ودفع الاستثمار، وخلق الثروة ومواطن الشغل.
من التوازنات المالية إلى تحفيز النمو
تتمثّل المعادلة الأساسية المطروحة أمام مشروع ميزانية 2027 في تحقيق التوازن بين متطلبات الاستدامة المالية للدولة وحاجيات الاقتصاد الوطني إلى الاستثمار والإنتاج. فالمحافظة على التوازنات الكبرى تظل ضرورية لضمان الإيفاء بالتعهدات المالية وخلاص الدين العمومي في الآجال المحددة، غير أن التحكم في النفقات لا يمكن أن يكون هدفًا في حد ذاته إذا لم يترافق مع توجيه الموارد نحو الأنشطة القادرة على خلق القيمة المضافة وتحسين الإنتاجية.
وفي هذا الإطار، تتجه الخيارات المعلنة للمشروع إلى تثمين الموارد الوطنية، وتطوير القطاعات ذات القيمة المضافة العالية، ودعم الاستثمار العمومي والخاص، وتسريع إنجاز المشاريع التنموية، إلى جانب تعزيز التنمية الجهوية المتوازنة. كما يندرج المشروع ضمن مسار مخطط التنمية للفترة 2026-2030، بما يجعل سنة 2027 محطة مهمة للانتقال من تحديد الأولويات إلى تجسيدها على أرض الواقع.
غير أن نجاح هذا التوجه سيظل مرتبطًا بمدى وضوح الفرضيات الاقتصادية والمالية المعتمدة، وواقعية تقديرات الموارد والنفقات، وقدرة الدولة على تنفيذ المشاريع في آجالها، فضلًا عن توفير مناخ أعمال يشجّع المؤسسات على الاستثمار والتوسع والتشغيل.
رهان على تحسين مردودية الموارد
يحتل الملف الجبائي موقعا مهما في النقاش حول مشروع قانون المالية لسنة 2027، خاصة في ظل الدعوات إلى الحد من الضغط الجبائي على المؤسسات والمواطنين، وتحسين عدالة المنظومة الضريبية، وتوسيع قاعدة المساهمين في تمويل الميزانية.
وقد عكست مناقشات لجنة المالية والميزانية بمجلس نواب الشعب توجه المشروع نحو عدم إقرار ضرائب جديدة، مع التركيز على تحسين مردودية الموارد وترشيد التصرف في النفقات.
ويظل هذا التوجه، في انتظار التثبت من الأحكام النهائية للقانون، مرتبطا بمدى قدرة الإدارة على تعبئة الموارد المتاحة بصورة أكثر نجاعة، ومقاومة التهرب الجبائي، وإدماج الأنشطة الاقتصادية غير المنظمة في الدورة الاقتصادية الرسمية.
وتكمن أهمية هذا الخيار في أن تحسين موارد الدولة لا ينبغي أن يقوم حصريا على زيادة الأعباء على المؤسسات المنظمة والأجراء، بل يمكن أن يستند أيضًا إلى توسيع القاعدة الجبائية، وتطوير الرقمنة، وتعزيز تبادل المعطيات بين الإدارات، ومراجعة الامتيازات الجبائية التي لا تحقق مردودية اقتصادية واجتماعية كافية.
لكن توسيع القاعدة الجبائية يقتضي معالجة الأسباب التي تدفع بعض الأنشطة إلى البقاء خارج المنظومة المنظمة، من خلال تبسيط الإجراءات، والحد من التعقيدات الإدارية، وتوفير حوافز حقيقية للامتثال، بما يعزز المنافسة العادلة بين المؤسسات ويحدّ من الاقتصاد الموازي.
القدرة الشرائية بين الدور الاجتماعي للدولة وكلفة الدعم
تظل القدرة الشرائية من أكثر الملفات حساسية في إعداد ميزانية السنة المقبلة، بالنظر إلى انعكاسات الأسعار وكلفة المعيشة على الأسر، ولا سيما الفئات محدودة الدخل والهشة.
وتؤكد التوجهات المعلنة لمشروع قانون المالية لسنة 2027 مواصلة الدولة الاضطلاع بدورها الاجتماعي، وتحسين جودة الخدمات العمومية، ودعم العدالة الاجتماعية. غير أن ترجمة هذه الأهداف إلى نتائج ملموسة تقتضي التوفيق بين حماية الفئات الضعيفة والمحافظة على استدامة المالية العمومية.
وفي هذا السياق، تبرز مسألة نفقات الدعم باعتبارها أحد الملفات التي تستوجب تقييما دقيقا، سواء تعلق الأمر بالمواد الأساسية أو الطاقة أو الحبوب. فالمطلوب ليس فقط التحكم في حجم النفقات، وإنما أيضًا تحسين توجيهها وضمان وصول منافعها إلى مستحقيها، مع تفادي الإجراءات التي قد تنقل العبء المالي مباشرة إلى الأسر الأكثر هشاشة.
كما أن حماية القدرة الشرائية لا ترتبط بالتحويلات الاجتماعية وحدها، بل تتطلب كذلك معالجة العوامل المؤثرة في الأسعار، وتحسين الإنتاج المحلي، وتطوير سلاسل التوزيع، والحد من الاختلالات التي ترفع كلفة السلع والخدمات.
الأمن الغذائي والمائي والطاقي في صدارة الأولويات
تحتل مسألة السيادة الاقتصادية والأمن الغذائي والمائي والطاقي مكانة بارزة ضمن توجهات ميزانية 2027، في ظل التحديات المناخية والتقلبات الدولية وما تطرحه من مخاطر على التزويد والأسعار وكلفة الواردات.
فعلى المستوى الفلاحي، تشمل الأولويات المعلنة دعم الإنتاج، ومساندة صغار الفلاحين، وتعزيز منظومة زيت الزيتون. وتكتسي هذه الخيارات أهمية خاصة بالنظر إلى دور القطاع الفلاحي في توفير الغذاء، وخلق مواطن الشغل، وتحريك النشاط الاقتصادي في الجهات الداخلية.
أما في المجال المائي، فتتجه الأولويات إلى مواصلة تمويل المشاريع الكبرى لتعبئة المياه ونقلها، وتحسين التصرف في الموارد المائية وترشيد استهلاكها. ويقتضي ذلك ربط الاعتمادات المرصودة بمؤشرات واضحة لقياس مدى تقدم المشاريع ونجاعتها، بالنظر إلى انعكاسات الإجهاد المائي على الإنتاج الفلاحي والأمن الغذائي والنشاط الاقتصادي عمومًا.
أما في القطاع الطاقي، فيبرز التوجه نحو تشجيع إنتاج الطاقات المتجددة واستعمالها، بما يدعم تنويع مصادر الطاقة ويحدّ من التعرض لتقلبات الأسواق الخارجية. غير أن تحقيق هذه الأهداف يستوجب تسريع إنجاز المشاريع القابلة للتنفيذ وتحسين النجاعة الطاقية.
وتكشف هذه الملفات أن الأمن الاقتصادي لا يتحقق بمجرد رصد اعتمادات مالية، بل يتطلب سياسات متكاملة تربط التمويل بالإنتاج والاستثمار والحوكمة وحسن التصرف في الموارد.
المؤسسات العمومية والاستثمار.. من الدعم المالي إلى النجاعة الاقتصادية
تطرح وضعية المؤسسات والمنشآت العمومية تحديا إضافيا أمام ميزانية 2027، بالنظر إلى ما قد يترتب على الصعوبات المالية التي تواجه بعضها من أعباء على ميزانية الدولة، فضلًا عن تأثير أدائها في جودة الخدمات العمومية وتنافسية الاقتصاد.
وتتضمن التوجهات المعلنة مساندة المؤسسات العمومية وتخفيف أعبائها والتقليص من مديونيتها، إلى جانب العمل على إصلاحها وإعادة هيكلتها. ويظل الرهان الأساسي في هذا المجال هو الانتقال من معالجة الاختلالات المالية بصورة ظرفية إلى إقرار إصلاحات تعزز الحوكمة، وتحسّن الإنتاجية وجودة الخدمات، وتدعم قدرة المؤسسات على تحقيق موارد ذاتية مستدامة.
ويمثّل الاستثمار الخاص أحد المفاتيح الأساسية لتحسين النمو وتوسيع قاعدة التشغيل. فالدولة، مهما اتسعت تدخلاتها، لا تستطيع بمفردها توفير جميع الموارد الضرورية للتنمية، ما يجعل تحسين مناخ الاستثمار، وتبسيط الإجراءات، وتطوير البنية التحتية، عوامل أساسية لتشجيع المبادرة الاقتصادية.
كما يكتسي تسريع تنفيذ المشاريع العمومية أهمية مباشرة، لأن تأخر الإنجاز لا يؤدي فقط إلى تأجيل المنافع الاقتصادية والاجتماعية، بل قد يرفع الكلفة ويضعف مردودية الاعتمادات المرصودة. ومن هنا، تبرز ضرورة إخضاع المشاريع لمعايير واضحة للجدوى الاقتصادية والاجتماعية، ومتابعة تنفيذها بالاستناد إلى مؤشرات دورية قابلة للتقييم.
الدين العمومي.. الخيارات المتاحة
يظل الدين العمومي من أبرز المحددات التي تضبط الخيارات المتاحة أمام الدولة عند إعداد ميزانيتها، فكلما ارتفعت الالتزامات المرتبطة بخدمة الدين، تقلّصت الموارد المتاحة لتوسيع الاستثمار، وتحسين الخدمات العمومية، وتمويل البرامج الاجتماعية.
ولهذا، فإن المحافظة على التوازنات المالية لا تقتصر على احترام تقديرات الميزانية، بل تقتضي أيضًا تحسين جودة الإنفاق، والحد من النفقات غير المنتجة، وتطوير الموارد الذاتية، وتعزيز النمو القادر على توفير موارد إضافية للدولة.
وفي هذا الإطار، تكتسي الفرضيات المتعلقة بالنمو والتضخم وأسعار الطاقة وسعر صرف الدينار أهمية خاصة، لأنها تؤثر بصورة مباشرة أو غير مباشرة في المداخيل الجبائية، وكلفة الواردات والدعم وخدمة الدين. كما أن التغيرات الجيوسياسية وتقلبات الأسواق الدولية تفرضان اعتماد تقديرات واقعية، مع الاستعداد لسيناريوهات مختلفة في حال تغير الظروف الاقتصادية خلال السنة المقبلة.
ويقتضي ذلك أن يستند تقييم مشروع قانون المالية إلى قراءة متكاملة للأرقام، لا إلى الأهداف المعلنة وحدها، مع توضيح المخاطر التي قد تؤثر في تنفيذ الميزانية ومدى قدرة الدولة على الاستجابة لها.
تحويل التوجهات إلى نتائج ملموسة
لا تُقاس الأهمية الاقتصادية لمشروع قانون المالية لسنة 2027 بحجم الميزانية أو عدد الإجراءات المعلنة فحسب، بل بمدى قدرته على تحويل التوجهات إلى نتائج ملموسة، من خلال ضبط الموارد والنفقات، وتحديد الاعتمادات المخصصة للاستثمار، وتقييم أثر الإجراءات الجبائية والاجتماعية على المؤسسات والأسر.
ويكتسي هذا الجانب أهمية خاصة في ضوء الملاحظات التي طُرحت خلال مناقشة التوجهات الأولية للمشروع بمجلس نواب الشعب، بشأن ضرورة توفير معطيات مالية أكثر تفصيلًا، وتوضيح آليات التنفيذ والمتابعة والتقييم.
فتكريس العدالة الجبائية يقتضي توسيع القاعدة الضريبية، ودعم الاستثمار يستوجب متابعة إنجاز المشاريع وحجم التمويلات ومواطن الشغل، فيما يتطلب تحسين النفقات العمومية قياس جودة الخدمات والنتائج المحققة مقارنة بالاعتمادات المرصودة. ومن شأن اعتماد مؤشرات واضحة أن يعزز الثقة بين الدولة والفاعلين الاقتصاديين، ويدعم الرقابة البرلمانية، ويتيح تقييمًا موضوعيًا لمدى نجاح السياسات العمومية في تحقيق أهدافها.
يمثّل مشروع قانون المالية لسنة 2027 فرصة لإرساء توازن أكثر استدامة بين الدور الاجتماعي للدولة ومتطلبات النجاعة الاقتصادية، وبين تعبئة الموارد وحماية القدرة الشرائية، وبين التحكم في النفقات ودفع الاستثمار المنتج.
غير أن بلوغ هذه الأهداف يظل رهينًا بمدى انسجام الإجراءات المقترحة، وواقعية الفرضيات المعتمدة، وقدرة الإدارة على التنفيذ، ووضوح الأولويات التي ستُوجَّه إليها الموارد العمومية.
عمومًا، لن يكون الاختبار الحقيقي لميزانية 2027 في مدى قدرتها على ضبط الحسابات المالية فحسب، بل أيضًا في قدرتها على إحداث أثر اقتصادي واجتماعي ملموس، من خلال زيادة الإنتاج، وتحسين نجاعة الاستثمار، وتوسيع فرص العمل، والارتقاء بالخدمات العمومية، وتحقيق عدالة أكبر في توزيع الأعباء والموارد.
وهي معادلة تفرض أن تتحول الميزانية من وثيقة سنوية لتقدير الموارد والنفقات إلى أداة فعلية لتوجيه الاقتصاد، وتحسين مردودية المال العام، وتعزيز قدرة تونس على مواجهة الصدمات الداخلية والخارجية، دون التفريط في متطلبات الاستقرار المالي والاجتماعي.
جهاد الكلبوسي
عضو لجنة المالية بمجلس نواب الشعب عصام شوشان لـ«الصباح»:
ارتفاع عجز ميزانية الدولة يطرح تساؤلات حول قدرتها على خلق الثروة ودفع الاستثمار
أكد عضو لجنة المالية بمجلس نواب الشعب، عصام شوشان، في تصريح لـ«الصباح»، أن القراءة الأولية لمشروع ميزانية الدولة تكشف عن مؤشرات تستوجب التوقف عندها، خاصة في ما يتعلق بارتفاع عجز الميزانية وتواصل اللجوء إلى الاقتراض الداخلي والتمويل المباشر من البنك المركزي، معتبرًا أن هذه المؤشرات تطرح تساؤلات جدية حول مدى قدرة السياسات المالية المعتمدة على خلق الثروة، وتحفيز الاستثمار، وتعزيز الموارد الذاتية للدولة.
وأوضح شوشان أن تطور الموارد الجبائية قد يعكس تحسنا في استخلاص الضرائب أو توسعا في النشاط الاقتصادي، في حين تشمل الموارد غير الجبائية مداخيل مختلفة، من بينها الخطايا والإتاوات.
وشدد على ضرورة التمييز بين الموارد الناتجة عن خلق الثروة وتلك التي لا تعكس بالضرورة تطورًا مستدامًا للإنتاج والاستثمار، مؤكدًا أن ارتفاع عجز الميزانية يفرض تقييم مدى نجاعة الخيارات الاقتصادية المعتمدة.
وفي ما يتعلق بالاقتراض الداخلي، اعتبر عضو لجنة المالية أن تواصل اعتماد الدولة على هذه الآلية قد يؤثر في قدرة المؤسسات الاقتصادية على النفاذ إلى التمويل، باعتبار أن جزءًا من الموارد المالية التي يمكن توجيهها نحو الاستثمار الخاص وتمويل المؤسسات الصغرى والمتوسطة والقطاعات الصناعية والتجارية والفلاحية قد يُستعمل لتغطية حاجيات خزينة الدولة.
كما حذّر من التداعيات المحتملة للتمويل المباشر من البنك المركزي، مشيرًا إلى أنه قد يسهم في زيادة الضغوط التضخمية، ويحدّ من توجيه الموارد نحو الاستثمار المنتج وخلق الثروة، فضلًا عن انعكاساته المحتملة على التوازنات النقدية والمالية وثقة المستثمرين.
وشدد شوشان على أن التعويل على الذات لا يعني تمويل عجز الميزانية عن طريق الاقتراض المباشر من البنك المركزي، بل يقوم أساسًا على خلق الثروة، وتنمية الإنتاج، وتعزيز قدرة الاقتصاد الوطني على توفير موارده بصورة مستدامة. واعتبر أن الفرق جوهري بين بناء اقتصاد منتج والاعتماد على آليات تمويل قد تكون لها تداعيات سلبية على الاستثمار.
وفي تقييمه لمشروع قانون المالية، أشار إلى أن دعم الموارد الوطنية، وتطوير القطاعات ذات القيمة المضافة العالية، وتحفيز الاستثمار العمومي والخاص، يجب أن تُترجم إلى إجراءات ملموسة، داعيًا إلى إعطاء الأولوية لثلاثة محاور أساسية.
ويتمثل المحور الأول في تحفيز الاستثمار من خلال مراجعة العبء الجبائي على المؤسسات، ودراسة إمكانية تخفيض بعض الأداءات المرتبطة بالاستثمار، أو المحافظة على الامتيازات الجبائية التي أقرتها قوانين المالية السابقة، بما يضمن استقرار الإطار التشريعي ويشجع المؤسسات على التوسع وإحداث مواطن الشغل.
أما المحور الثاني، فيتعلق بتحسين مناخ الاستثمار وتوفير ظروف أكثر ملاءمة للمستثمرين المحليين والأجانب، مع مراجعة كلفة التمويل ودراسة إمكانية تخفيض نسبة الفائدة المديرية للبنك المركزي، باعتبارها أحد العوامل المؤثرة في كلفة الاقتراض وقرارات الاستثمار.
ويتمثل المحور الثالث في ضرورة تعزيز حوكمة المؤسسات والمنشآت العمومية وإصلاح آليات التصرف فيها، بما يضمن تحسين أدائها الاقتصادي والمالي. وأشار شوشان إلى أهمية إيلاء هذا الملف مكانة واضحة ضمن مشروع قانون المالية.
وفي سياق متصل، اعتبر شوشان أن مكافحة الاقتصاد الموازي تمثل إحدى أبرز النقاط التي تستوجب مزيدًا من الاهتمام، مشيرًا إلى أن محدودية الإجراءات المخصصة لهذا الملف في المشروع تطرح إشكالًا حقيقيًا، بالنظر إلى انعكاساته على موارد الدولة والعدالة الجبائية والمنافسة بين المؤسسات.
وأكد أن إدماج الأنشطة الاقتصادية غير المنظمة في الدورة الاقتصادية الرسمية، وتوسيع القاعدة الجبائية، وضمان تكافؤ الفرص بين المؤسسات، تمثل شروطا أساسية لتحسين مناخ الاستثمار وتحقيق نمو اقتصادي مستدام.
وفي المقابل، ثمّن عددا من الإجراءات التحفيزية الواردة في المشروع، من بينها الإعفاء الجبائي لمدة أربع سنوات لفائدة المؤسسات الجديدة التي تُحدث خلال الفترة الممتدة من 2027 إلى 2030، وفق الشروط المنصوص عليها، إلى جانب تكفّل الدولة بالمساهمات الاجتماعية لفائدة المؤسسات الصغرى المُحدثة سنة 2027 لمدة ثلاث سنوات.
كما أشار إلى أهمية خطوط التمويل الموجهة إلى المؤسسات الناشئة وحاملي بطاقة «طالب مبادر» والقطاع الفلاحي، معتبرًا أن هذه الإجراءات تمثل خطوات إيجابية لدعم المبادرة والاستثمار، على أن تقترن بتسهيل الانتفاع بها وضمان نجاعتها في دفع النشاط الاقتصادي وخلق فرص العمل.
وأكد عصام شوشان أن التحدي الأساسي أمام مشروع قانون المالية لا يقتصر على تعبئة الموارد اللازمة لتغطية نفقات الدولة، بل يتمثل في إرساء سياسة اقتصادية متكاملة توازن بين التحكم في العجز، وتحفيز الاستثمار، ودعم المؤسسات، ومكافحة الاقتصاد الموازي.
وشدد على أن التعويل الحقيقي على الذات يمر عبر بناء اقتصاد منتج، قادر على خلق القيمة المضافة ومواطن الشغل وتوفير موارد جبائية مستدامة، معتبرًا أن نجاح قانون المالية يجب أن يُقاس بمدى قدرته على دفع الاستثمار، وخلق الثروة، وتحسين التوازنات المالية والاقتصادية للبلاد.
المستشار الجبائي محمد صالح العياري لـ"الصباح":
مشروع قانون المالية لسنة 2027 يتضمن إجراءات لدعم الاستثمار والمؤسسات الصغرى وتعزيز العدالة الجبائية
اعتبر المستشار الجبائي والأستاذ الجامعي في الجباية محمد صالح العياري، في تصريح لـ"الصباح" أن مشروع قانون المالية لسنة 2027 يندرج ضمن توجهات المخطط الخماسي للتنمية 2026-2030، مشيرا إلى أن المشروع يتضمن جملة من الإجراءات الرامية إلى تيسير إحداث المشاريع وتمويلها، وتعزيز الدور الاجتماعي للدولة، ودعم الأمن الغذائي والمائي والطاقي، إلى جانب تكريس العدالة الجبائية والحد من الاقتصاد الموازي.
وأوضح العياري، في قراءة أولية لمشروع القانون، أن أبرز توجهاته تتمثل في تيسير بعث المشاريع وتمويل المبادرات الجماعية والخاصة، وتعزيز الاندماج الاقتصادي، ومواصلة تكريس الحق في الصحة والسكن والتعليم والنقل، فضلًا عن مساندة المؤسسات العمومية ودعم المؤسسات الاقتصادية.
وبخصوص المؤشرات المالية، أفاد العياري بأن مداخيل ميزانية الدولة المبرمجة لسنة 2027 تبلغ نحو 54.28 مليار دينار، مقابل نفقات تناهز 68.895 مليار دينار.
وأشار إلى أن المداخيل سترتفع، مقارنة بسنة 2026، بنحو 1.72 مليار دينار، في حين ستزيد النفقات بحوالي 5.4 مليار دينار، باعتبار أن نفقات ميزانية سنة 2026 كانت مقدرة بنحو 63.5 مليار دينار.
وبيّن أن الموارد الجبائية تمثل المصدر الأساسي لمداخيل الميزانية، بقيمة تناهز 49.6 مليار دينار، مقابل مداخيل غير جبائية في حدود 4.3 مليار دينار، وهبات تُقدّر بنحو 350 مليون دينار.
وأضاف أن الموارد الجملية المبرمجة للدولة، باحتساب موارد الاقتراض المقدرة بنحو 28.122 مليار دينار، تبلغ حوالي 82.402 مليار دينار.
وفي ما يتعلق بتمويل الخزينة، لفت العياري إلى أن الفصل 12 من مشروع القانون ينص على الترخيص للبنك المركزي التونسي في منح تسهيلات لفائدة الخزينة في حدود 9.8 مليار دينار.
وفي ما يخص أبرز الإجراءات الواردة في مشروع القانون، اعتبر العياري أن الفصل 14، المتعلق بمرافقة المؤسسات الصغرى خلال فترة انطلاقها، يمثل إجراء إيجابيًا من شأنه تخفيف الأعباء الاجتماعية عنها.
ويتمثل الإجراء، وفق قراءة المستشار الجبائي، في تكفّل الدولة بالمساهمات الاجتماعية المستوجبة بعنوان المؤسسة المعنية بنسبة 100 % خلال السنة الأولى، و75 % خلال السنة الثانية، و50 % خلال السنة الثالثة، بما يخفف كلفة الانتداب ويساعد المؤسسات الجديدة على الاستمرار والتطور.
كما أشار إلى أن الفصل 20 يتضمن تخصيص اعتماد إضافي بقيمة 35 مليون دينار من موارد الصندوق الوطني للتشغيل لفائدة دعم الشركات الأهلية، معتبرًا أن مواصلة هذا التوجه تمثل آلية لمساندة هذا الصنف من المؤسسات.
إعفاء المؤسسات الجديدة من الضريبة لمدة أربع سنوات
ووصف العياري الإجراء المتعلق بإعفاء المؤسسات الجديدة من الضريبة على الدخل أو الضريبة على الشركات بأنه من أبرز الإجراءات التي يتضمنها المشروع.
ويتمثل هذا الإجراء في إقرار إعفاء جبائي لمدة أربع سنوات لفائدة المؤسسات التي يقع إحداثها خلال الفترة الممتدة من 1 جانفي 2027 إلى 31 ديسمبر 2030.
وأوضح أن هذا التوجه سبق اعتماده في قوانين مالية سابقة، من بينها قانونا المالية لسنتي 2018 و2024، معتبرًا أن تجديده من شأنه تشجيع المبادرة والاستثمار وإحداث المؤسسات الجديدة.
تخفيف الجباية على اقتناء المسكن الأول
وفي الجانب الاجتماعي، تطرق العياري إلى الفصل 30 المتعلق بتخفيف المعاليم الجبائية عند اقتناء المسكن الأول، موضحًا أن المشروع يقترح اعتماد نسب تسجيل تصاعدية بحسب مساحة المسكن.
وتبلغ نسبة معلوم التسجيل 1 % للمساكن التي لا تتجاوز مساحتها 120 مترًا مربعًا، و2 % للمساكن التي تتراوح مساحتها بين 120 و300 متر مربع، و3 % للمساكن التي تتراوح مساحتها بين 300 و600 متر مربع، في حين تبلغ النسبة 5 % للمساكن التي تتجاوز مساحتها 600 متر مربع.
واعتبر العياري أن هذا الإجراء يندرج ضمن التدابير الاجتماعية الرامية إلى تخفيف كلفة اقتناء المسكن الأول، مع الإشارة إلى ضرورة الرجوع إلى الصياغة النهائية للفصل لضبط كيفية تطبيق هذه النسب وشروط الانتفاع بها.
خط تمويل بقيمة 100 مليون دينار لصغار الفلاحين
وفي ما يتعلق بالقطاع الفلاحي، أبرز العياري أهمية الفصل 37، الذي ينص على إحداث خط تمويل بقيمة 100 مليون دينار من موارد ميزانية الدولة خلال الفترة الممتدة من 1 جانفي 2027 إلى 31 ديسمبر 2030.
وسيُخصص هذا الخط لإسناد قروض موسمية وقروض استثمار بشروط تفاضلية لفائدة صغار الفلاحين والشركات التعاونية للخدمات الفلاحية الناشطة في منظومة الزيتون.
واعتبر العياري أن هذا الإجراء من شأنه دعم الفلاحين وتيسير حصولهم على التمويلات الضرورية لممارسة أنشطتهم وتطويرها، بما يعزز القدرة الإنتاجية والتنافسية للقطاع الفلاحي.
امتيازات جبائية لدعم المؤسسات الصناعية والطاقات المتجددة
وفي إطار دعم القدرة التنافسية للمؤسسات الصناعية، أشار العياري إلى أن الفصل 39 يتضمن إجراءات تتعلق بالأداء على القيمة المضافة، تتمثل في توقيف العمل بهذا الأداء أو تطبيق نسبة 7% على بعض الاقتناءات، وفق الشروط المنصوص عليها في المشروع.
كما تم تضمين مقترح فصل يتعلق بتخفيف الجباية على البطاريات المعدة لتخزين الكهرباء، موضحًا أن المشروع ينص على إعفائها من المعاليم الديوانية والأداء على القيمة المضافة والمعلوم المهني الموظف لفائدة صندوق تنمية القدرة التنافسية الصناعية.
وأضاف أن المشروع يتضمن تخفيض المعاليم الديوانية على اللاقطات الشمسية، بما يدعم الاستثمار في الطاقة الشمسية ويساهم في تعزيز الأمن الطاقي.
واعتبر العياري أن هذه الإجراءات تكتسي أهمية خاصة في ظل التحديات المرتبطة بالتزود بالكهرباء، والحاجة إلى تطوير حلول تخزين الطاقة وتشجيع استعمال الطاقات المتجددة.
تعزيز الرقابة الجبائية والحد من الاقتصاد الموازي
وفي ما يتعلق بمقاومة الاقتصاد الموازي وتوسيع قاعدة المطالبين بالأداء، لفت العياري إلى أن الفصل 66 يتضمن إضافة الفصل 16 مكرر إلى مجلة الحقوق والإجراءات الجبائية، في إطار تعزيز حق الاطلاع المخوّل لمصالح الجباية.
وينص الإجراء، بحسب توضيحاته، على إلزام مزودي خدمات توصيل السلع والمنتجات المباعة عبر الإنترنت ووسائل البث السمعي والبصري، وكذلك مزودي خدمات الربط عبر المنصات الإلكترونية، بمدّ الإدارة الجبائية بقائمة اسمية للمتعاملين معهم من مزودي السلع والمنتجات، وذلك في أجل أقصاه 15 يومًا من بداية كل سداسية، بعنوان السداسية السابقة، وفق نموذج تعدّه الإدارة.
وتهدف هذه الآلية إلى تمكين مصالح الجباية من الاطلاع على المعاملات والمداخيل المرتبطة بالأنشطة التي تتم عبر خدمات التوصيل والمنصات الإلكترونية، بما يساعد على تحسين الامتثال الجبائي، والحد من التهرب الضريبي، وتوسيع قاعدة الموارد الجبائية.
قراءة أولية في انتظار استكمال المسار التشريعي
وشدد محمد صالح العياري على أن هذه الملاحظات تمثل قراءة أولية لأبرز الإجراءات الواردة في مشروع قانون المالية لسنة 2027، في انتظار مناقشته واستكمال مساره التشريعي.
كما أشار إلى إمكانية تقديم مقترحات إضافية خلال النقاشات البرلمانية، بهدف إثراء المشروع وتعزيز نجاعته الاقتصادية والاجتماعية، ولا سيما في ما يتعلق بدعم الاستثمار، وتحفيز المؤسسات الصغرى، ومساندة القطاع الفلاحي، وتخفيف الأعباء الجبائية، وتحسين العدالة الجبائية، ومقاومة الاقتصاد الموازي.
ج. الكلبوسي
تونس - الصباح
دخل مشروع قانون المالية لسنة 2027 مرحلة جديدة إثر إحالته أمس إلى مجلس نواب الشعب، في خطوة تفتح النقاش حول الخيارات الاقتصادية والاجتماعية التي تعتزم الدولة اعتمادها خلال السنة المقبلة. ويأتي المشروع في ظرف تتقاطع فيه الحاجة إلى المحافظة على التوازنات المالية مع ضرورة تحفيز النمو والاستثمار، وتحسين القدرة الشرائية للمواطنين، ودعم القطاعات الإنتاجية، في ظل استمرار الضغوط المرتبطة بالمديونية وكلفة الدعم والتقلبات الاقتصادية الدولية.
وتتجاوز أهمية مشروع قانون المالية مجرد ضبط موارد الدولة ونفقاتها للسنة المقبلة، إذ يمثّل أحد أبرز الاختبارات لقدرة السياسة المالية على تحويل التوجهات الاقتصادية والاجتماعية المعلنة إلى إجراءات عملية قابلة للتنفيذ، بما يضمن تحسين مردودية الإنفاق العمومي، ودفع الاستثمار، وخلق الثروة ومواطن الشغل.
من التوازنات المالية إلى تحفيز النمو
تتمثّل المعادلة الأساسية المطروحة أمام مشروع ميزانية 2027 في تحقيق التوازن بين متطلبات الاستدامة المالية للدولة وحاجيات الاقتصاد الوطني إلى الاستثمار والإنتاج. فالمحافظة على التوازنات الكبرى تظل ضرورية لضمان الإيفاء بالتعهدات المالية وخلاص الدين العمومي في الآجال المحددة، غير أن التحكم في النفقات لا يمكن أن يكون هدفًا في حد ذاته إذا لم يترافق مع توجيه الموارد نحو الأنشطة القادرة على خلق القيمة المضافة وتحسين الإنتاجية.
وفي هذا الإطار، تتجه الخيارات المعلنة للمشروع إلى تثمين الموارد الوطنية، وتطوير القطاعات ذات القيمة المضافة العالية، ودعم الاستثمار العمومي والخاص، وتسريع إنجاز المشاريع التنموية، إلى جانب تعزيز التنمية الجهوية المتوازنة. كما يندرج المشروع ضمن مسار مخطط التنمية للفترة 2026-2030، بما يجعل سنة 2027 محطة مهمة للانتقال من تحديد الأولويات إلى تجسيدها على أرض الواقع.
غير أن نجاح هذا التوجه سيظل مرتبطًا بمدى وضوح الفرضيات الاقتصادية والمالية المعتمدة، وواقعية تقديرات الموارد والنفقات، وقدرة الدولة على تنفيذ المشاريع في آجالها، فضلًا عن توفير مناخ أعمال يشجّع المؤسسات على الاستثمار والتوسع والتشغيل.
رهان على تحسين مردودية الموارد
يحتل الملف الجبائي موقعا مهما في النقاش حول مشروع قانون المالية لسنة 2027، خاصة في ظل الدعوات إلى الحد من الضغط الجبائي على المؤسسات والمواطنين، وتحسين عدالة المنظومة الضريبية، وتوسيع قاعدة المساهمين في تمويل الميزانية.
وقد عكست مناقشات لجنة المالية والميزانية بمجلس نواب الشعب توجه المشروع نحو عدم إقرار ضرائب جديدة، مع التركيز على تحسين مردودية الموارد وترشيد التصرف في النفقات.
ويظل هذا التوجه، في انتظار التثبت من الأحكام النهائية للقانون، مرتبطا بمدى قدرة الإدارة على تعبئة الموارد المتاحة بصورة أكثر نجاعة، ومقاومة التهرب الجبائي، وإدماج الأنشطة الاقتصادية غير المنظمة في الدورة الاقتصادية الرسمية.
وتكمن أهمية هذا الخيار في أن تحسين موارد الدولة لا ينبغي أن يقوم حصريا على زيادة الأعباء على المؤسسات المنظمة والأجراء، بل يمكن أن يستند أيضًا إلى توسيع القاعدة الجبائية، وتطوير الرقمنة، وتعزيز تبادل المعطيات بين الإدارات، ومراجعة الامتيازات الجبائية التي لا تحقق مردودية اقتصادية واجتماعية كافية.
لكن توسيع القاعدة الجبائية يقتضي معالجة الأسباب التي تدفع بعض الأنشطة إلى البقاء خارج المنظومة المنظمة، من خلال تبسيط الإجراءات، والحد من التعقيدات الإدارية، وتوفير حوافز حقيقية للامتثال، بما يعزز المنافسة العادلة بين المؤسسات ويحدّ من الاقتصاد الموازي.
القدرة الشرائية بين الدور الاجتماعي للدولة وكلفة الدعم
تظل القدرة الشرائية من أكثر الملفات حساسية في إعداد ميزانية السنة المقبلة، بالنظر إلى انعكاسات الأسعار وكلفة المعيشة على الأسر، ولا سيما الفئات محدودة الدخل والهشة.
وتؤكد التوجهات المعلنة لمشروع قانون المالية لسنة 2027 مواصلة الدولة الاضطلاع بدورها الاجتماعي، وتحسين جودة الخدمات العمومية، ودعم العدالة الاجتماعية. غير أن ترجمة هذه الأهداف إلى نتائج ملموسة تقتضي التوفيق بين حماية الفئات الضعيفة والمحافظة على استدامة المالية العمومية.
وفي هذا السياق، تبرز مسألة نفقات الدعم باعتبارها أحد الملفات التي تستوجب تقييما دقيقا، سواء تعلق الأمر بالمواد الأساسية أو الطاقة أو الحبوب. فالمطلوب ليس فقط التحكم في حجم النفقات، وإنما أيضًا تحسين توجيهها وضمان وصول منافعها إلى مستحقيها، مع تفادي الإجراءات التي قد تنقل العبء المالي مباشرة إلى الأسر الأكثر هشاشة.
كما أن حماية القدرة الشرائية لا ترتبط بالتحويلات الاجتماعية وحدها، بل تتطلب كذلك معالجة العوامل المؤثرة في الأسعار، وتحسين الإنتاج المحلي، وتطوير سلاسل التوزيع، والحد من الاختلالات التي ترفع كلفة السلع والخدمات.
الأمن الغذائي والمائي والطاقي في صدارة الأولويات
تحتل مسألة السيادة الاقتصادية والأمن الغذائي والمائي والطاقي مكانة بارزة ضمن توجهات ميزانية 2027، في ظل التحديات المناخية والتقلبات الدولية وما تطرحه من مخاطر على التزويد والأسعار وكلفة الواردات.
فعلى المستوى الفلاحي، تشمل الأولويات المعلنة دعم الإنتاج، ومساندة صغار الفلاحين، وتعزيز منظومة زيت الزيتون. وتكتسي هذه الخيارات أهمية خاصة بالنظر إلى دور القطاع الفلاحي في توفير الغذاء، وخلق مواطن الشغل، وتحريك النشاط الاقتصادي في الجهات الداخلية.
أما في المجال المائي، فتتجه الأولويات إلى مواصلة تمويل المشاريع الكبرى لتعبئة المياه ونقلها، وتحسين التصرف في الموارد المائية وترشيد استهلاكها. ويقتضي ذلك ربط الاعتمادات المرصودة بمؤشرات واضحة لقياس مدى تقدم المشاريع ونجاعتها، بالنظر إلى انعكاسات الإجهاد المائي على الإنتاج الفلاحي والأمن الغذائي والنشاط الاقتصادي عمومًا.
أما في القطاع الطاقي، فيبرز التوجه نحو تشجيع إنتاج الطاقات المتجددة واستعمالها، بما يدعم تنويع مصادر الطاقة ويحدّ من التعرض لتقلبات الأسواق الخارجية. غير أن تحقيق هذه الأهداف يستوجب تسريع إنجاز المشاريع القابلة للتنفيذ وتحسين النجاعة الطاقية.
وتكشف هذه الملفات أن الأمن الاقتصادي لا يتحقق بمجرد رصد اعتمادات مالية، بل يتطلب سياسات متكاملة تربط التمويل بالإنتاج والاستثمار والحوكمة وحسن التصرف في الموارد.
المؤسسات العمومية والاستثمار.. من الدعم المالي إلى النجاعة الاقتصادية
تطرح وضعية المؤسسات والمنشآت العمومية تحديا إضافيا أمام ميزانية 2027، بالنظر إلى ما قد يترتب على الصعوبات المالية التي تواجه بعضها من أعباء على ميزانية الدولة، فضلًا عن تأثير أدائها في جودة الخدمات العمومية وتنافسية الاقتصاد.
وتتضمن التوجهات المعلنة مساندة المؤسسات العمومية وتخفيف أعبائها والتقليص من مديونيتها، إلى جانب العمل على إصلاحها وإعادة هيكلتها. ويظل الرهان الأساسي في هذا المجال هو الانتقال من معالجة الاختلالات المالية بصورة ظرفية إلى إقرار إصلاحات تعزز الحوكمة، وتحسّن الإنتاجية وجودة الخدمات، وتدعم قدرة المؤسسات على تحقيق موارد ذاتية مستدامة.
ويمثّل الاستثمار الخاص أحد المفاتيح الأساسية لتحسين النمو وتوسيع قاعدة التشغيل. فالدولة، مهما اتسعت تدخلاتها، لا تستطيع بمفردها توفير جميع الموارد الضرورية للتنمية، ما يجعل تحسين مناخ الاستثمار، وتبسيط الإجراءات، وتطوير البنية التحتية، عوامل أساسية لتشجيع المبادرة الاقتصادية.
كما يكتسي تسريع تنفيذ المشاريع العمومية أهمية مباشرة، لأن تأخر الإنجاز لا يؤدي فقط إلى تأجيل المنافع الاقتصادية والاجتماعية، بل قد يرفع الكلفة ويضعف مردودية الاعتمادات المرصودة. ومن هنا، تبرز ضرورة إخضاع المشاريع لمعايير واضحة للجدوى الاقتصادية والاجتماعية، ومتابعة تنفيذها بالاستناد إلى مؤشرات دورية قابلة للتقييم.
الدين العمومي.. الخيارات المتاحة
يظل الدين العمومي من أبرز المحددات التي تضبط الخيارات المتاحة أمام الدولة عند إعداد ميزانيتها، فكلما ارتفعت الالتزامات المرتبطة بخدمة الدين، تقلّصت الموارد المتاحة لتوسيع الاستثمار، وتحسين الخدمات العمومية، وتمويل البرامج الاجتماعية.
ولهذا، فإن المحافظة على التوازنات المالية لا تقتصر على احترام تقديرات الميزانية، بل تقتضي أيضًا تحسين جودة الإنفاق، والحد من النفقات غير المنتجة، وتطوير الموارد الذاتية، وتعزيز النمو القادر على توفير موارد إضافية للدولة.
وفي هذا الإطار، تكتسي الفرضيات المتعلقة بالنمو والتضخم وأسعار الطاقة وسعر صرف الدينار أهمية خاصة، لأنها تؤثر بصورة مباشرة أو غير مباشرة في المداخيل الجبائية، وكلفة الواردات والدعم وخدمة الدين. كما أن التغيرات الجيوسياسية وتقلبات الأسواق الدولية تفرضان اعتماد تقديرات واقعية، مع الاستعداد لسيناريوهات مختلفة في حال تغير الظروف الاقتصادية خلال السنة المقبلة.
ويقتضي ذلك أن يستند تقييم مشروع قانون المالية إلى قراءة متكاملة للأرقام، لا إلى الأهداف المعلنة وحدها، مع توضيح المخاطر التي قد تؤثر في تنفيذ الميزانية ومدى قدرة الدولة على الاستجابة لها.
تحويل التوجهات إلى نتائج ملموسة
لا تُقاس الأهمية الاقتصادية لمشروع قانون المالية لسنة 2027 بحجم الميزانية أو عدد الإجراءات المعلنة فحسب، بل بمدى قدرته على تحويل التوجهات إلى نتائج ملموسة، من خلال ضبط الموارد والنفقات، وتحديد الاعتمادات المخصصة للاستثمار، وتقييم أثر الإجراءات الجبائية والاجتماعية على المؤسسات والأسر.
ويكتسي هذا الجانب أهمية خاصة في ضوء الملاحظات التي طُرحت خلال مناقشة التوجهات الأولية للمشروع بمجلس نواب الشعب، بشأن ضرورة توفير معطيات مالية أكثر تفصيلًا، وتوضيح آليات التنفيذ والمتابعة والتقييم.
فتكريس العدالة الجبائية يقتضي توسيع القاعدة الضريبية، ودعم الاستثمار يستوجب متابعة إنجاز المشاريع وحجم التمويلات ومواطن الشغل، فيما يتطلب تحسين النفقات العمومية قياس جودة الخدمات والنتائج المحققة مقارنة بالاعتمادات المرصودة. ومن شأن اعتماد مؤشرات واضحة أن يعزز الثقة بين الدولة والفاعلين الاقتصاديين، ويدعم الرقابة البرلمانية، ويتيح تقييمًا موضوعيًا لمدى نجاح السياسات العمومية في تحقيق أهدافها.
يمثّل مشروع قانون المالية لسنة 2027 فرصة لإرساء توازن أكثر استدامة بين الدور الاجتماعي للدولة ومتطلبات النجاعة الاقتصادية، وبين تعبئة الموارد وحماية القدرة الشرائية، وبين التحكم في النفقات ودفع الاستثمار المنتج.
غير أن بلوغ هذه الأهداف يظل رهينًا بمدى انسجام الإجراءات المقترحة، وواقعية الفرضيات المعتمدة، وقدرة الإدارة على التنفيذ، ووضوح الأولويات التي ستُوجَّه إليها الموارد العمومية.
عمومًا، لن يكون الاختبار الحقيقي لميزانية 2027 في مدى قدرتها على ضبط الحسابات المالية فحسب، بل أيضًا في قدرتها على إحداث أثر اقتصادي واجتماعي ملموس، من خلال زيادة الإنتاج، وتحسين نجاعة الاستثمار، وتوسيع فرص العمل، والارتقاء بالخدمات العمومية، وتحقيق عدالة أكبر في توزيع الأعباء والموارد.
وهي معادلة تفرض أن تتحول الميزانية من وثيقة سنوية لتقدير الموارد والنفقات إلى أداة فعلية لتوجيه الاقتصاد، وتحسين مردودية المال العام، وتعزيز قدرة تونس على مواجهة الصدمات الداخلية والخارجية، دون التفريط في متطلبات الاستقرار المالي والاجتماعي.
جهاد الكلبوسي
عضو لجنة المالية بمجلس نواب الشعب عصام شوشان لـ«الصباح»:
ارتفاع عجز ميزانية الدولة يطرح تساؤلات حول قدرتها على خلق الثروة ودفع الاستثمار
أكد عضو لجنة المالية بمجلس نواب الشعب، عصام شوشان، في تصريح لـ«الصباح»، أن القراءة الأولية لمشروع ميزانية الدولة تكشف عن مؤشرات تستوجب التوقف عندها، خاصة في ما يتعلق بارتفاع عجز الميزانية وتواصل اللجوء إلى الاقتراض الداخلي والتمويل المباشر من البنك المركزي، معتبرًا أن هذه المؤشرات تطرح تساؤلات جدية حول مدى قدرة السياسات المالية المعتمدة على خلق الثروة، وتحفيز الاستثمار، وتعزيز الموارد الذاتية للدولة.
وأوضح شوشان أن تطور الموارد الجبائية قد يعكس تحسنا في استخلاص الضرائب أو توسعا في النشاط الاقتصادي، في حين تشمل الموارد غير الجبائية مداخيل مختلفة، من بينها الخطايا والإتاوات.
وشدد على ضرورة التمييز بين الموارد الناتجة عن خلق الثروة وتلك التي لا تعكس بالضرورة تطورًا مستدامًا للإنتاج والاستثمار، مؤكدًا أن ارتفاع عجز الميزانية يفرض تقييم مدى نجاعة الخيارات الاقتصادية المعتمدة.
وفي ما يتعلق بالاقتراض الداخلي، اعتبر عضو لجنة المالية أن تواصل اعتماد الدولة على هذه الآلية قد يؤثر في قدرة المؤسسات الاقتصادية على النفاذ إلى التمويل، باعتبار أن جزءًا من الموارد المالية التي يمكن توجيهها نحو الاستثمار الخاص وتمويل المؤسسات الصغرى والمتوسطة والقطاعات الصناعية والتجارية والفلاحية قد يُستعمل لتغطية حاجيات خزينة الدولة.
كما حذّر من التداعيات المحتملة للتمويل المباشر من البنك المركزي، مشيرًا إلى أنه قد يسهم في زيادة الضغوط التضخمية، ويحدّ من توجيه الموارد نحو الاستثمار المنتج وخلق الثروة، فضلًا عن انعكاساته المحتملة على التوازنات النقدية والمالية وثقة المستثمرين.
وشدد شوشان على أن التعويل على الذات لا يعني تمويل عجز الميزانية عن طريق الاقتراض المباشر من البنك المركزي، بل يقوم أساسًا على خلق الثروة، وتنمية الإنتاج، وتعزيز قدرة الاقتصاد الوطني على توفير موارده بصورة مستدامة. واعتبر أن الفرق جوهري بين بناء اقتصاد منتج والاعتماد على آليات تمويل قد تكون لها تداعيات سلبية على الاستثمار.
وفي تقييمه لمشروع قانون المالية، أشار إلى أن دعم الموارد الوطنية، وتطوير القطاعات ذات القيمة المضافة العالية، وتحفيز الاستثمار العمومي والخاص، يجب أن تُترجم إلى إجراءات ملموسة، داعيًا إلى إعطاء الأولوية لثلاثة محاور أساسية.
ويتمثل المحور الأول في تحفيز الاستثمار من خلال مراجعة العبء الجبائي على المؤسسات، ودراسة إمكانية تخفيض بعض الأداءات المرتبطة بالاستثمار، أو المحافظة على الامتيازات الجبائية التي أقرتها قوانين المالية السابقة، بما يضمن استقرار الإطار التشريعي ويشجع المؤسسات على التوسع وإحداث مواطن الشغل.
أما المحور الثاني، فيتعلق بتحسين مناخ الاستثمار وتوفير ظروف أكثر ملاءمة للمستثمرين المحليين والأجانب، مع مراجعة كلفة التمويل ودراسة إمكانية تخفيض نسبة الفائدة المديرية للبنك المركزي، باعتبارها أحد العوامل المؤثرة في كلفة الاقتراض وقرارات الاستثمار.
ويتمثل المحور الثالث في ضرورة تعزيز حوكمة المؤسسات والمنشآت العمومية وإصلاح آليات التصرف فيها، بما يضمن تحسين أدائها الاقتصادي والمالي. وأشار شوشان إلى أهمية إيلاء هذا الملف مكانة واضحة ضمن مشروع قانون المالية.
وفي سياق متصل، اعتبر شوشان أن مكافحة الاقتصاد الموازي تمثل إحدى أبرز النقاط التي تستوجب مزيدًا من الاهتمام، مشيرًا إلى أن محدودية الإجراءات المخصصة لهذا الملف في المشروع تطرح إشكالًا حقيقيًا، بالنظر إلى انعكاساته على موارد الدولة والعدالة الجبائية والمنافسة بين المؤسسات.
وأكد أن إدماج الأنشطة الاقتصادية غير المنظمة في الدورة الاقتصادية الرسمية، وتوسيع القاعدة الجبائية، وضمان تكافؤ الفرص بين المؤسسات، تمثل شروطا أساسية لتحسين مناخ الاستثمار وتحقيق نمو اقتصادي مستدام.
وفي المقابل، ثمّن عددا من الإجراءات التحفيزية الواردة في المشروع، من بينها الإعفاء الجبائي لمدة أربع سنوات لفائدة المؤسسات الجديدة التي تُحدث خلال الفترة الممتدة من 2027 إلى 2030، وفق الشروط المنصوص عليها، إلى جانب تكفّل الدولة بالمساهمات الاجتماعية لفائدة المؤسسات الصغرى المُحدثة سنة 2027 لمدة ثلاث سنوات.
كما أشار إلى أهمية خطوط التمويل الموجهة إلى المؤسسات الناشئة وحاملي بطاقة «طالب مبادر» والقطاع الفلاحي، معتبرًا أن هذه الإجراءات تمثل خطوات إيجابية لدعم المبادرة والاستثمار، على أن تقترن بتسهيل الانتفاع بها وضمان نجاعتها في دفع النشاط الاقتصادي وخلق فرص العمل.
وأكد عصام شوشان أن التحدي الأساسي أمام مشروع قانون المالية لا يقتصر على تعبئة الموارد اللازمة لتغطية نفقات الدولة، بل يتمثل في إرساء سياسة اقتصادية متكاملة توازن بين التحكم في العجز، وتحفيز الاستثمار، ودعم المؤسسات، ومكافحة الاقتصاد الموازي.
وشدد على أن التعويل الحقيقي على الذات يمر عبر بناء اقتصاد منتج، قادر على خلق القيمة المضافة ومواطن الشغل وتوفير موارد جبائية مستدامة، معتبرًا أن نجاح قانون المالية يجب أن يُقاس بمدى قدرته على دفع الاستثمار، وخلق الثروة، وتحسين التوازنات المالية والاقتصادية للبلاد.
المستشار الجبائي محمد صالح العياري لـ"الصباح":
مشروع قانون المالية لسنة 2027 يتضمن إجراءات لدعم الاستثمار والمؤسسات الصغرى وتعزيز العدالة الجبائية
اعتبر المستشار الجبائي والأستاذ الجامعي في الجباية محمد صالح العياري، في تصريح لـ"الصباح" أن مشروع قانون المالية لسنة 2027 يندرج ضمن توجهات المخطط الخماسي للتنمية 2026-2030، مشيرا إلى أن المشروع يتضمن جملة من الإجراءات الرامية إلى تيسير إحداث المشاريع وتمويلها، وتعزيز الدور الاجتماعي للدولة، ودعم الأمن الغذائي والمائي والطاقي، إلى جانب تكريس العدالة الجبائية والحد من الاقتصاد الموازي.
وأوضح العياري، في قراءة أولية لمشروع القانون، أن أبرز توجهاته تتمثل في تيسير بعث المشاريع وتمويل المبادرات الجماعية والخاصة، وتعزيز الاندماج الاقتصادي، ومواصلة تكريس الحق في الصحة والسكن والتعليم والنقل، فضلًا عن مساندة المؤسسات العمومية ودعم المؤسسات الاقتصادية.
وبخصوص المؤشرات المالية، أفاد العياري بأن مداخيل ميزانية الدولة المبرمجة لسنة 2027 تبلغ نحو 54.28 مليار دينار، مقابل نفقات تناهز 68.895 مليار دينار.
وأشار إلى أن المداخيل سترتفع، مقارنة بسنة 2026، بنحو 1.72 مليار دينار، في حين ستزيد النفقات بحوالي 5.4 مليار دينار، باعتبار أن نفقات ميزانية سنة 2026 كانت مقدرة بنحو 63.5 مليار دينار.
وبيّن أن الموارد الجبائية تمثل المصدر الأساسي لمداخيل الميزانية، بقيمة تناهز 49.6 مليار دينار، مقابل مداخيل غير جبائية في حدود 4.3 مليار دينار، وهبات تُقدّر بنحو 350 مليون دينار.
وأضاف أن الموارد الجملية المبرمجة للدولة، باحتساب موارد الاقتراض المقدرة بنحو 28.122 مليار دينار، تبلغ حوالي 82.402 مليار دينار.
وفي ما يتعلق بتمويل الخزينة، لفت العياري إلى أن الفصل 12 من مشروع القانون ينص على الترخيص للبنك المركزي التونسي في منح تسهيلات لفائدة الخزينة في حدود 9.8 مليار دينار.
وفي ما يخص أبرز الإجراءات الواردة في مشروع القانون، اعتبر العياري أن الفصل 14، المتعلق بمرافقة المؤسسات الصغرى خلال فترة انطلاقها، يمثل إجراء إيجابيًا من شأنه تخفيف الأعباء الاجتماعية عنها.
ويتمثل الإجراء، وفق قراءة المستشار الجبائي، في تكفّل الدولة بالمساهمات الاجتماعية المستوجبة بعنوان المؤسسة المعنية بنسبة 100 % خلال السنة الأولى، و75 % خلال السنة الثانية، و50 % خلال السنة الثالثة، بما يخفف كلفة الانتداب ويساعد المؤسسات الجديدة على الاستمرار والتطور.
كما أشار إلى أن الفصل 20 يتضمن تخصيص اعتماد إضافي بقيمة 35 مليون دينار من موارد الصندوق الوطني للتشغيل لفائدة دعم الشركات الأهلية، معتبرًا أن مواصلة هذا التوجه تمثل آلية لمساندة هذا الصنف من المؤسسات.
إعفاء المؤسسات الجديدة من الضريبة لمدة أربع سنوات
ووصف العياري الإجراء المتعلق بإعفاء المؤسسات الجديدة من الضريبة على الدخل أو الضريبة على الشركات بأنه من أبرز الإجراءات التي يتضمنها المشروع.
ويتمثل هذا الإجراء في إقرار إعفاء جبائي لمدة أربع سنوات لفائدة المؤسسات التي يقع إحداثها خلال الفترة الممتدة من 1 جانفي 2027 إلى 31 ديسمبر 2030.
وأوضح أن هذا التوجه سبق اعتماده في قوانين مالية سابقة، من بينها قانونا المالية لسنتي 2018 و2024، معتبرًا أن تجديده من شأنه تشجيع المبادرة والاستثمار وإحداث المؤسسات الجديدة.
تخفيف الجباية على اقتناء المسكن الأول
وفي الجانب الاجتماعي، تطرق العياري إلى الفصل 30 المتعلق بتخفيف المعاليم الجبائية عند اقتناء المسكن الأول، موضحًا أن المشروع يقترح اعتماد نسب تسجيل تصاعدية بحسب مساحة المسكن.
وتبلغ نسبة معلوم التسجيل 1 % للمساكن التي لا تتجاوز مساحتها 120 مترًا مربعًا، و2 % للمساكن التي تتراوح مساحتها بين 120 و300 متر مربع، و3 % للمساكن التي تتراوح مساحتها بين 300 و600 متر مربع، في حين تبلغ النسبة 5 % للمساكن التي تتجاوز مساحتها 600 متر مربع.
واعتبر العياري أن هذا الإجراء يندرج ضمن التدابير الاجتماعية الرامية إلى تخفيف كلفة اقتناء المسكن الأول، مع الإشارة إلى ضرورة الرجوع إلى الصياغة النهائية للفصل لضبط كيفية تطبيق هذه النسب وشروط الانتفاع بها.
خط تمويل بقيمة 100 مليون دينار لصغار الفلاحين
وفي ما يتعلق بالقطاع الفلاحي، أبرز العياري أهمية الفصل 37، الذي ينص على إحداث خط تمويل بقيمة 100 مليون دينار من موارد ميزانية الدولة خلال الفترة الممتدة من 1 جانفي 2027 إلى 31 ديسمبر 2030.
وسيُخصص هذا الخط لإسناد قروض موسمية وقروض استثمار بشروط تفاضلية لفائدة صغار الفلاحين والشركات التعاونية للخدمات الفلاحية الناشطة في منظومة الزيتون.
واعتبر العياري أن هذا الإجراء من شأنه دعم الفلاحين وتيسير حصولهم على التمويلات الضرورية لممارسة أنشطتهم وتطويرها، بما يعزز القدرة الإنتاجية والتنافسية للقطاع الفلاحي.
امتيازات جبائية لدعم المؤسسات الصناعية والطاقات المتجددة
وفي إطار دعم القدرة التنافسية للمؤسسات الصناعية، أشار العياري إلى أن الفصل 39 يتضمن إجراءات تتعلق بالأداء على القيمة المضافة، تتمثل في توقيف العمل بهذا الأداء أو تطبيق نسبة 7% على بعض الاقتناءات، وفق الشروط المنصوص عليها في المشروع.
كما تم تضمين مقترح فصل يتعلق بتخفيف الجباية على البطاريات المعدة لتخزين الكهرباء، موضحًا أن المشروع ينص على إعفائها من المعاليم الديوانية والأداء على القيمة المضافة والمعلوم المهني الموظف لفائدة صندوق تنمية القدرة التنافسية الصناعية.
وأضاف أن المشروع يتضمن تخفيض المعاليم الديوانية على اللاقطات الشمسية، بما يدعم الاستثمار في الطاقة الشمسية ويساهم في تعزيز الأمن الطاقي.
واعتبر العياري أن هذه الإجراءات تكتسي أهمية خاصة في ظل التحديات المرتبطة بالتزود بالكهرباء، والحاجة إلى تطوير حلول تخزين الطاقة وتشجيع استعمال الطاقات المتجددة.
تعزيز الرقابة الجبائية والحد من الاقتصاد الموازي
وفي ما يتعلق بمقاومة الاقتصاد الموازي وتوسيع قاعدة المطالبين بالأداء، لفت العياري إلى أن الفصل 66 يتضمن إضافة الفصل 16 مكرر إلى مجلة الحقوق والإجراءات الجبائية، في إطار تعزيز حق الاطلاع المخوّل لمصالح الجباية.
وينص الإجراء، بحسب توضيحاته، على إلزام مزودي خدمات توصيل السلع والمنتجات المباعة عبر الإنترنت ووسائل البث السمعي والبصري، وكذلك مزودي خدمات الربط عبر المنصات الإلكترونية، بمدّ الإدارة الجبائية بقائمة اسمية للمتعاملين معهم من مزودي السلع والمنتجات، وذلك في أجل أقصاه 15 يومًا من بداية كل سداسية، بعنوان السداسية السابقة، وفق نموذج تعدّه الإدارة.
وتهدف هذه الآلية إلى تمكين مصالح الجباية من الاطلاع على المعاملات والمداخيل المرتبطة بالأنشطة التي تتم عبر خدمات التوصيل والمنصات الإلكترونية، بما يساعد على تحسين الامتثال الجبائي، والحد من التهرب الضريبي، وتوسيع قاعدة الموارد الجبائية.
قراءة أولية في انتظار استكمال المسار التشريعي
وشدد محمد صالح العياري على أن هذه الملاحظات تمثل قراءة أولية لأبرز الإجراءات الواردة في مشروع قانون المالية لسنة 2027، في انتظار مناقشته واستكمال مساره التشريعي.
كما أشار إلى إمكانية تقديم مقترحات إضافية خلال النقاشات البرلمانية، بهدف إثراء المشروع وتعزيز نجاعته الاقتصادية والاجتماعية، ولا سيما في ما يتعلق بدعم الاستثمار، وتحفيز المؤسسات الصغرى، ومساندة القطاع الفلاحي، وتخفيف الأعباء الجبائية، وتحسين العدالة الجبائية، ومقاومة الاقتصاد الموازي.