إشترك في النسخة الرقمية لجريدة الصباح و LE TEMPS

أنسنة للعقوبات وتعزيزًا للبعد الإصلاحي كبديل للطابع الزجري..  العقوبات البديلة لتفادي اكتظاظ السجون ولتشجيع العمل للصالح العام  

 

تونس – الصباح

انخرطت تونس رسميًا في نظام إقرار العقوبات البديلة عوض العقوبة السالبة للحرية منذ أوت 2009، بموجب صدور قانون عدد 68، وذلك من خلال إرساء عقوبة التعويض الجزائي وتطوير الآليات البديلة للسجن، كالعمل لفائدة المصلحة العامة. وفي أواخر 2018، تم تفعيل وتطبيق بقية العقوبات الاجتماعية البديلة عمليًا على أرض الواقع.

واليوم، تعود العقوبات البديلة لتفرض نفسها كأحد الحلول المثلى لدعم فكرة الإصلاح في المؤسسة السجنية، وكذلك في علاقة بمواجهة مشكل الاكتظاظ داخل السجون، بعد الارتفاع في معدلات الجريمة واقترانها ببعض الظواهر، كانتشار آفة المخدرات، وكذلك معدلات العود، إلى جانب ارتفاع عدد المساجين. إلا أنه، ورغم مضي أعوام على إقرار آليات العقوبة البديلة، فإن اللجوء إليها ما زال إلى اليوم ضعيفًا مقارنة بعدد الأحكام السجنية السنوية، مما دفع أطرافًا برلمانية وبعض منظمات المجتمع المدني إلى الدعوة لاعتمادها، خاصة في الجرائم البسيطة التي يقترفها الأطفال وكبار السن والمرضى والحوامل، وكل الفئات التي لا تشكّل خطرًا على المجتمع.

وتضمّ تونس 30 مؤسسة سجنية موزعة على 22 ولاية، منها تسعة سجون تضمّ وحدات منفصلة مخصّصة للنساء، وسجن وحيد مخصّص بالكامل للنساء، وهو سجن منوبة، بالإضافة إلى سبعة مراكز إصلاح للأطفال الجانحين الذين تُراوح أعمارهم بين 13 و18 عامًا، وتشرف على كل هذه الوحدات الهيئة العامة للسجون والإصلاح، وذلك تحت إشراف وزارة العدل.

العقوبات البديلة وتفعيلها

وتُعرَف العقوبات البديلة في التشريع التونسي بأنها إجراءات قضائية غير سالبة للحرية تُطبّق لتقليص الاكتظاظ في السجون وإعادة إدماج المحكوم عليهم. وتنظّم هذه الآليات عدة نصوص تشريعية، أبرزها القانون عدد 68 لسنة 2009 والمرسومان عدد 28 و29 لسنة 2020 المتعلقان بالمراقبة الإلكترونية والعمل للمصلحة العامة. وتتابع وزارة العدل والهيئة العامة للسجون والإصلاح، وفق القانون المنظّم لها، تفعيل هذه البدائل عبر «مكاتب المصاحبة» بمختلف دوائر الاستئناف، للحد من ارتفاع نسب إشغال السجون.

ومن بين العقوبات البديلة التي يقرّها المشرّع التونسي، العمل لفائدة المصلحة العامة، من خلال استبدال عقوبة السجن النافذ التي لا تتجاوز مدتها عامًا، بعمل غير مأجور لفائدة مؤسسات عمومية أو جمعيات خيرية، ويُحدّد الحد الأقصى بـ600 ساعة، بمعدل ساعتين في اليوم، مع اشتراط موافقة السجين. وكذلك من العقوبات البديلة التي يقرّها المشرّع التونسي دفع مبلغ مالي لا يتجاوز 5 آلاف دينار للمتضرّر، استبدالًا لعقوبة السجن في بعض المخالفات أو الجنح التي لا تتجاوز مدتها 6 أشهر.

وإلى جانب هاتين العقوبتين البديلتين، هناك المراقبة الإلكترونية عبر السوار الإلكتروني بعد إطلاق سراح المحكوم عليه، مع التزامات ومراقبة مستمرة عبر السوار. وهي عقوبة تم إقرارها بموجب مرسوم سنة 2020، مع التوصية بتوسيع تفعيلها تدريجيًا لخفض الضغط على المؤسسات السجنية. وعقوبة السوار الإلكتروني، رغم أنها تحتاج إلى إمكانيات تقنية متطورة، فإنها معمول بها في الدول الغربية، وتجد تشجيعًا كبيرًا من المدافعين عن حقوق الإنسان.

واليوم، تُفعّل بعض هذه العقوبات، مثلما حدث في أوت الماضي، حيث، وفي إطار تنفيذ أحكام العقوبات البديلة والعمل لفائدة المصلحة العامة، ومواصلةً للبرنامج المشترك بين مكتب العقوبات بالنيابة بالمحكمة الابتدائية بجربة، وبمتابعة ممثل النيابة العمومية بالمحكمة الابتدائية بجربة، تم إقرار عقوبة بديلة لبعض السجناء شملت جمع النفايات والمواد البلاستيكية بالشريط الساحلي. وتندرج هذه المبادرة في إطار دعم الجهود الرامية إلى المحافظة على نظافة المحيط والحد من التلوث، وتهدف إلى إعادة إدماج المنتفعين وتنمية إحساسهم بالمسؤولية، وتأهيلهم للاندماج الإيجابي.

كما وقّع، في جويلية الماضي، مكتب المصاحبة بالقصرين اتفاقيات شراكة وتعاون مع كل من المندوبية الجهوية للشباب والرياضة والإدارة الجهوية للصحة، لتنفيذ عقوبة العمل لفائدة المصلحة العامة في المؤسسات الراجعة بالنظر للهيكلين المذكورين، وفق مكتب المصاحبة بالقصرين.

وفي أفريل الماضي، وفي إطار تفعيل آلية العقوبات البديلة، ووفق الإجراءات القانونية المعمول بها، تولّى مكتب المصاحبة بمحكمة الاستئناف ببنزرت تنفيذ جملة من العقوبات البديلة الصادرة في حق عدد من الجانحين المستوفين للشروط القانونية. وشمل هذا الإجراء تعيين ومرافقة عدد من المحكومين لقضاء عقوباتهم داخل مؤسسات ومصالح إدارية وفنية بالجهة، في خطوة تعكس التوجه نحو أنسنة العقوبات وتعزيز بعدها الإصلاحي كبديل عن الاقتصار على الطابع الزجري.

حلّ لأزمة الاكتظاظ

وقال رئيس الهيئة الوطنية للوقاية من التعذيب، فتحي جراي، في ندوة صحفية في ماي الماضي، إن عدد السجناء ارتفع بما لا يقل عن 10 آلاف، ليقفز من 23 ألفًا إلى نحو 33 ألف سجين، حيث بلغت أحيانًا نسبة إشغال السجون نحو 194 بالمائة من طاقتها الاستيعابية، أي بما يقارب ضعف قدرتها على الاستيعاب.

ويرى عدد من الحقوقيين أن العقوبات البديلة يمكن أن تكون حلًا عمليًا لهذا الاكتظاظ، ويمكنها أن تحقق خدمة للمصلحة العامة وتنهض بالخدمات العمومية، عوض أن يكون السجين عبئًا إضافيًا على كاهل الدولة.

وفي نوفمبر 2025، أعلن ممثلو وزارة العدل، خلال جلسة برلمانية، عن تفعيل العقوبات البديلة للسجن في 335 حالة عبر أربع آليات تشمل السوار الإلكتروني، والعمل لفائدة المصلحة العامة، والصلح بالوساطة، والتعويض، وفق محضر الجلسة المنشور على الموقع الرسمي لمجلس نواب الشعب. كما أعلنت وزارة العدل مواصلة استكمال النصوص المنظمة للعقوبات البديلة، والبحث عن مزودي الأساور الإلكترونية، إلى جانب مشاريع لتحسين ظروف الاحتجاز والرعاية الصحية.

منية العرفاوي

 

أنسنة للعقوبات وتعزيزًا للبعد الإصلاحي كبديل للطابع الزجري..   العقوبات البديلة لتفادي اكتظاظ السجون ولتشجيع العمل للصالح العام   

 

تونس – الصباح

انخرطت تونس رسميًا في نظام إقرار العقوبات البديلة عوض العقوبة السالبة للحرية منذ أوت 2009، بموجب صدور قانون عدد 68، وذلك من خلال إرساء عقوبة التعويض الجزائي وتطوير الآليات البديلة للسجن، كالعمل لفائدة المصلحة العامة. وفي أواخر 2018، تم تفعيل وتطبيق بقية العقوبات الاجتماعية البديلة عمليًا على أرض الواقع.

واليوم، تعود العقوبات البديلة لتفرض نفسها كأحد الحلول المثلى لدعم فكرة الإصلاح في المؤسسة السجنية، وكذلك في علاقة بمواجهة مشكل الاكتظاظ داخل السجون، بعد الارتفاع في معدلات الجريمة واقترانها ببعض الظواهر، كانتشار آفة المخدرات، وكذلك معدلات العود، إلى جانب ارتفاع عدد المساجين. إلا أنه، ورغم مضي أعوام على إقرار آليات العقوبة البديلة، فإن اللجوء إليها ما زال إلى اليوم ضعيفًا مقارنة بعدد الأحكام السجنية السنوية، مما دفع أطرافًا برلمانية وبعض منظمات المجتمع المدني إلى الدعوة لاعتمادها، خاصة في الجرائم البسيطة التي يقترفها الأطفال وكبار السن والمرضى والحوامل، وكل الفئات التي لا تشكّل خطرًا على المجتمع.

وتضمّ تونس 30 مؤسسة سجنية موزعة على 22 ولاية، منها تسعة سجون تضمّ وحدات منفصلة مخصّصة للنساء، وسجن وحيد مخصّص بالكامل للنساء، وهو سجن منوبة، بالإضافة إلى سبعة مراكز إصلاح للأطفال الجانحين الذين تُراوح أعمارهم بين 13 و18 عامًا، وتشرف على كل هذه الوحدات الهيئة العامة للسجون والإصلاح، وذلك تحت إشراف وزارة العدل.

العقوبات البديلة وتفعيلها

وتُعرَف العقوبات البديلة في التشريع التونسي بأنها إجراءات قضائية غير سالبة للحرية تُطبّق لتقليص الاكتظاظ في السجون وإعادة إدماج المحكوم عليهم. وتنظّم هذه الآليات عدة نصوص تشريعية، أبرزها القانون عدد 68 لسنة 2009 والمرسومان عدد 28 و29 لسنة 2020 المتعلقان بالمراقبة الإلكترونية والعمل للمصلحة العامة. وتتابع وزارة العدل والهيئة العامة للسجون والإصلاح، وفق القانون المنظّم لها، تفعيل هذه البدائل عبر «مكاتب المصاحبة» بمختلف دوائر الاستئناف، للحد من ارتفاع نسب إشغال السجون.

ومن بين العقوبات البديلة التي يقرّها المشرّع التونسي، العمل لفائدة المصلحة العامة، من خلال استبدال عقوبة السجن النافذ التي لا تتجاوز مدتها عامًا، بعمل غير مأجور لفائدة مؤسسات عمومية أو جمعيات خيرية، ويُحدّد الحد الأقصى بـ600 ساعة، بمعدل ساعتين في اليوم، مع اشتراط موافقة السجين. وكذلك من العقوبات البديلة التي يقرّها المشرّع التونسي دفع مبلغ مالي لا يتجاوز 5 آلاف دينار للمتضرّر، استبدالًا لعقوبة السجن في بعض المخالفات أو الجنح التي لا تتجاوز مدتها 6 أشهر.

وإلى جانب هاتين العقوبتين البديلتين، هناك المراقبة الإلكترونية عبر السوار الإلكتروني بعد إطلاق سراح المحكوم عليه، مع التزامات ومراقبة مستمرة عبر السوار. وهي عقوبة تم إقرارها بموجب مرسوم سنة 2020، مع التوصية بتوسيع تفعيلها تدريجيًا لخفض الضغط على المؤسسات السجنية. وعقوبة السوار الإلكتروني، رغم أنها تحتاج إلى إمكانيات تقنية متطورة، فإنها معمول بها في الدول الغربية، وتجد تشجيعًا كبيرًا من المدافعين عن حقوق الإنسان.

واليوم، تُفعّل بعض هذه العقوبات، مثلما حدث في أوت الماضي، حيث، وفي إطار تنفيذ أحكام العقوبات البديلة والعمل لفائدة المصلحة العامة، ومواصلةً للبرنامج المشترك بين مكتب العقوبات بالنيابة بالمحكمة الابتدائية بجربة، وبمتابعة ممثل النيابة العمومية بالمحكمة الابتدائية بجربة، تم إقرار عقوبة بديلة لبعض السجناء شملت جمع النفايات والمواد البلاستيكية بالشريط الساحلي. وتندرج هذه المبادرة في إطار دعم الجهود الرامية إلى المحافظة على نظافة المحيط والحد من التلوث، وتهدف إلى إعادة إدماج المنتفعين وتنمية إحساسهم بالمسؤولية، وتأهيلهم للاندماج الإيجابي.

كما وقّع، في جويلية الماضي، مكتب المصاحبة بالقصرين اتفاقيات شراكة وتعاون مع كل من المندوبية الجهوية للشباب والرياضة والإدارة الجهوية للصحة، لتنفيذ عقوبة العمل لفائدة المصلحة العامة في المؤسسات الراجعة بالنظر للهيكلين المذكورين، وفق مكتب المصاحبة بالقصرين.

وفي أفريل الماضي، وفي إطار تفعيل آلية العقوبات البديلة، ووفق الإجراءات القانونية المعمول بها، تولّى مكتب المصاحبة بمحكمة الاستئناف ببنزرت تنفيذ جملة من العقوبات البديلة الصادرة في حق عدد من الجانحين المستوفين للشروط القانونية. وشمل هذا الإجراء تعيين ومرافقة عدد من المحكومين لقضاء عقوباتهم داخل مؤسسات ومصالح إدارية وفنية بالجهة، في خطوة تعكس التوجه نحو أنسنة العقوبات وتعزيز بعدها الإصلاحي كبديل عن الاقتصار على الطابع الزجري.

حلّ لأزمة الاكتظاظ

وقال رئيس الهيئة الوطنية للوقاية من التعذيب، فتحي جراي، في ندوة صحفية في ماي الماضي، إن عدد السجناء ارتفع بما لا يقل عن 10 آلاف، ليقفز من 23 ألفًا إلى نحو 33 ألف سجين، حيث بلغت أحيانًا نسبة إشغال السجون نحو 194 بالمائة من طاقتها الاستيعابية، أي بما يقارب ضعف قدرتها على الاستيعاب.

ويرى عدد من الحقوقيين أن العقوبات البديلة يمكن أن تكون حلًا عمليًا لهذا الاكتظاظ، ويمكنها أن تحقق خدمة للمصلحة العامة وتنهض بالخدمات العمومية، عوض أن يكون السجين عبئًا إضافيًا على كاهل الدولة.

وفي نوفمبر 2025، أعلن ممثلو وزارة العدل، خلال جلسة برلمانية، عن تفعيل العقوبات البديلة للسجن في 335 حالة عبر أربع آليات تشمل السوار الإلكتروني، والعمل لفائدة المصلحة العامة، والصلح بالوساطة، والتعويض، وفق محضر الجلسة المنشور على الموقع الرسمي لمجلس نواب الشعب. كما أعلنت وزارة العدل مواصلة استكمال النصوص المنظمة للعقوبات البديلة، والبحث عن مزودي الأساور الإلكترونية، إلى جانب مشاريع لتحسين ظروف الاحتجاز والرعاية الصحية.

منية العرفاوي