رفع صندوق النقد الدولي تقديراته لنمو الاقتصاد التونسي إلى 2.4 % خلال عام 2026 و2 % في 2027، وفق إصدار أكتوبر 2026 من تقرير «آفاق الاقتصاد العالمي»، في مراجعة تعكس تحسنا نسبيا في توقعات النشاط الاقتصادي. ورغم ما يحمله هذا التعديل من مؤشرات إيجابية، فإنه لا يعني بالضرورة دخول الاقتصاد التونسي مرحلة تعافٍ مستدام، في ظل استمرار التحديات المرتبطة بضعف الاستثمار، ومحدودية النمو وقدرته على خلق فرص العمل وتحسين القدرة الشرائية للمواطنين.
ويظل تحويل هذه التوقعات إلى نتائج ملموسة رهينا بقدرة الاقتصاد على استعادة نسق الإنتاج والاستثمار وتعزيز مصادر النمو، بما يضمن أثرا أوسع على التشغيل ومستوى المعيشة.
وتفيد التوقعات الجديدة بأن الاقتصاد التونسي سينمو بنسبة 2.4 % خلال سنة 2026، مقابل 2.1 % في تقديرات أفريل الماضي، فيما يُنتظر أن يبلغ النمو 2 % سنة 2027، مقارنة بـ1.6 % سابقا. وتكتسي هذه المراجعة أهمية بالنظر إلى السياق الدولي المضطرب، لكنها تطرح، في المقابل، مسألة الفارق بين تحسن التوقعات وتحسن الأداء الاقتصادي الفعلي، خصوصا في ظل الحاجة إلى نمو أكثر قدرة على توسيع القاعدة الإنتاجية وخلق مواطن الشغل.
تحسّن توقعات النمو لا يعني بالضرورة انتعاشة اقتصادية قوية
رفع صندوق النقد الدولي توقعاته لنمو الاقتصاد التونسي خلال سنتي 2026 و2027، في مؤشر يعكس تحسنا نسبيا في تقديراته لآفاق النشاط الاقتصادي. فبعد أن كان يتوقع نمو الناتج المحلي الإجمالي بنسبة 2.1 % خلال 2026، أصبح ينتظر بلوغه 2.4 %، فيما رفع تقديراته لسنة 2027 من 1.6 % إلى 2 %. ورغم أهمية هذا التعديل، فإن دلالته تظل مرتبطة بمدى قدرة الاقتصاد على تحويل هذه التوقعات إلى نمو فعلي ومستدام.
فمعدلات النمو المنتظرة، رغم تجاوزها التقديرات السابقة، تبقى في مستويات معتدلة ولا تكفي بمفردها للحديث عن انتعاشة اقتصادية قوية؛ إذ لا يُقاس أداء الاقتصاد بنسبة نمو الناتج المحلي الإجمالي فقط، بل أيضا بمصادر هذا النمو، ومدى استمراريته، وقدرته على تنشيط الاستثمار والإنتاج وخلق فرص العمل.
ومن هذا المنطلق، يظل التحدي الأساسي أمام تونس هو الانتقال من تحسن المؤشرات الإجمالية إلى توسع فعلي في النشاط الاقتصادي.
ويتوقف تحقيق هذا الهدف بدرجة كبيرة على نسق الاستثمار الخاص والعام، وقدرة المؤسسات على تطوير إنتاجها وتحسين إنتاجيتها وتعزيز تنافسيتها. فالاستثمار لا يساهم في تنشيط الطلب فحسب، بل يمثل أيضا رافعة لتجديد القدرات الإنتاجية ورفع القيمة المضافة. وفي المقابل، فإن محدودية الاستثمار وارتفاع كلفة الإنتاج والتمويل يمكن أن يحدّا من قدرة المؤسسات على التوسع، ويضعفا إمكانات تحقيق نمو أعلى على المدى المتوسط.
غير أن ارتفاع الناتج المحلي الإجمالي لا يضمن بالضرورة انعكاسا مباشرا على التشغيل والمداخيل والقدرة الشرائية؛ فالأثر الاجتماعي للنمو يتوقف على طبيعة القطاعات التي تقود النشاط الاقتصادي، ومدى قدرتها على استيعاب اليد العاملة وإحداث مواطن شغل جديدة. كما تظل استفادة الأسر من التحسن الاقتصادي مرتبطة بتطور الأجور الحقيقية مقارنة بالأسعار، بما يجعل جودة النمو وأثره في مستوى العيش عنصرين أساسيين في تقييم الأداء الاقتصادي.
إن المراجعة الإيجابية لتوقعات صندوق النقد الدولي تمثل مؤشرا أفضل لآفاق الاقتصاد التونسي، لكنها لا تحسم بعد مسار التعافي. فالمعيار الفعلي سيظل مدى قدرة الاقتصاد على تحقيق نمو يستند إلى الاستثمار والإنتاجية، ويوسع القاعدة الإنتاجية، ويخلق الثروة وفرص العمل. وهي عناصر من شأنها أن تحدد ما إذا كان التحسن المنتظر سيشكل خطوة نحو تعاف مستدام، أم سيبقى في حدود نمو معتدل لا تكفي آثاره لإحداث تحول ملموس في الوضع الاقتصادي والاجتماعي.
النمو الاقتصادي في تونس.. من التحسن المؤقت إلى النمو المستدام
لا يتمثل التحدي الاقتصادي في تونس في تسجيل معدل نمو إيجابي فحسب، بل في رفع النمو المحتمل للاقتصاد، أي قدرته على التوسع بصورة مستدامة دون توليد اختلالات اقتصادية متفاقمة. ويتطلب ذلك تحسين الإنتاجية، وتوسيع الاستثمار المنتج، وتطوير النسيج الصناعي والخدماتي، وتعزيز القيمة المضافة للأنشطة الاقتصادية.
وفي هذا الإطار، يحتل الاستثمار مكانة محورية باعتباره أحد المحددات الرئيسية لتجديد القدرات الإنتاجية، وتطوير البنية التحتية، وتحسين التنافسية. فانخفاض الاستثمار في الأصول الإنتاجية أو تباطؤه من شأنهما الحد من قدرة الاقتصاد على توسيع طاقته الإنتاجية، حتى عندما يتحسن الطلب أو تتراجع بعض الضغوط الظرفية.
كما أن تحفيز النمو يقتضي تحسين مناخ الأعمال، وتيسير الإجراءات الإدارية، وتعزيز وضوح الإطار التنظيمي، وتحسين النفاذ إلى التمويل، خصوصا بالنسبة إلى المؤسسات الصغرى والمتوسطة. فهذه المؤسسات تمثل جزءا مهما من النسيج الاقتصادي، لكن قدرتها على الاستثمار والتوسع تظل مرتبطة بكلفة التمويل، ومستوى الطلب، ووضوح الآفاق الاقتصادية.
ومن زاوية أخرى، لا يمكن فصل النمو عن الإنتاجية والقدرة التنافسية؛ فالتوسع الاقتصادي المستدام لا يقوم على زيادة حجم النشاط وحدها، بل يتطلب أيضا إنتاج سلع وخدمات ذات قيمة مضافة أعلى، وتحسين جودة المنتجات، وتطوير المحتوى التكنولوجي، وتعزيز القدرة على النفاذ إلى أسواق جديدة.
وعليه، فإن مراجعة توقعات صندوق النقد الدولي تكتسب قيمتها الحقيقية بقدر ما تترافق مع مؤشرات فعلية على تحسن الاستثمار والإنتاجية وتوسع الأنشطة القابلة للتصدير.
نمو عالمي أبطأ وضغوط تضخمية مستمرة
تأتي التوقعات الجديدة بشأن تونس في بيئة دولية تتسم باستمرار حالة عدم اليقين. فحسب التقرير، أظهر الاقتصاد العالمي قدرة على الصمود أمام تداعيات الاضطرابات الجيوسياسية، مستفيدا من الطفرة التكنولوجية ومن عوامل التكيف وامتصاص الصدمات.
لكن هذه القدرة على الصمود لا تلغي المخاطر؛ إذ يتوقع صندوق النقد الدولي تباطؤ النمو العالمي إلى 3.1 % سنة 2026، قبل ارتفاعه إلى 3.4 % سنة 2027. وفي المقابل، يُرجّح أن يبلغ التضخم العالمي 4.7 % سنة 2026، قبل أن يتراجع إلى 4.1 % في السنة الموالية.
وتكشف هذه المؤشرات عن بيئة اقتصادية لا تزال تجمع بين تباطؤ نسق النشاط واستمرار الضغوط على الأسعار. وبالنسبة إلى تونس، فإن انعكاسات هذه التطورات تمر أساسا عبر قنوات التجارة الخارجية، وكلفة التوريد، والطلب على الصادرات، والتدفقات السياحية والاستثمارية.
فارتفاع الأسعار في الأسواق العالمية، خصوصا بالنسبة إلى الطاقة والمواد الأولية، قد يزيد من كلفة الواردات ويضغط على الميزان التجاري، بما قد ينعكس على حاجيات التمويل الخارجي. وفي المقابل، فإن تباطؤ النمو لدى الشركاء التجاريين يمكن أن يحد من الطلب على المنتجات والخدمات التونسية، ويؤثر في نسق الصادرات.
وتزداد أهمية هذه القنوات بالنظر إلى الترابط بين القطاع الخارجي والنشاط الاقتصادي الداخلي. لذلك، فإن قدرة تونس على احتواء الصدمات الخارجية لا ترتبط بالظرف الدولي وحده، بل أيضا بمدى تنويع قاعدة الإنتاج والتصدير، وتحسين تنافسية المؤسسات، والحد من مواطن الهشاشة المرتبطة بالتبعية للتوريد.
إفريقيا جنوب الصحراء.. استقرار نسبي لا يخلو من التحديات
على المستوى الإقليمي، يتوقع صندوق النقد الدولي استقرار النمو في إفريقيا جنوب الصحراء عند 4.5 % خلال سنة 2026، وهي النسبة نفسها المسجلة في تقديرات سنة 2025 والمتوقعة لسنة 2027.
ويشير هذا المسار إلى استقرار نسبي في النشاط الاقتصادي للمنطقة، لكنه لا يعني تماثل الأداء بين اقتصاداتها، بالنظر إلى اختلاف هياكل الإنتاج، ودرجة التنوع الاقتصادي، ومستويات الاستثمار، والتعرض لتقلبات أسعار المواد الأولية.
وبالنسبة إلى تونس، فإن المقارنة الإقليمية تظل مفيدة متى تجاوزت مجرد ترتيب الاقتصادات حسب معدلات النمو؛ فالأهم هو مدى قدرة الاقتصاد الوطني على استغلال فرص التبادل التجاري والاستثمار، وتطوير موقعه ضمن سلاسل القيمة الإقليمية والدولية، وتنويع أسواق التصدير.
كما أن تعزيز المبادلات مع الأسواق الإفريقية يمكن أن يوفر فرصا إضافية للمؤسسات التونسية، شرط توفر القدرة التنافسية والتمويل، إلى جانب معالجة العوائق التي تحد من النفاذ إلى تلك الأسواق.
تفاوت الآفاق الإقليمية يعزز حالة الحذر
في المقابل، تتسم توقعات الشرق الأوسط وآسيا الوسطى بتقلبات أكثر حدة؛ إذ يُنتظر، وفق الأرقام الواردة في المعطيات المقدمة، أن يتراجع الناتج المحلي الإجمالي الحقيقي للمنطقة بنسبة 0.3 % سنة 2026، بعد نمو مقدّر بـ3.7 % سنة 2025، قبل أن يرتفع النمو المتوقع إلى 6.3 % سنة 2027.
ويبرز هذا التفاوت مدى تأثر الآفاق الاقتصادية بالتطورات الجيوسياسية والتحولات في أسواق الطاقة والتجارة، كما يؤكد أن التوقعات تظل قابلة للمراجعة كلما تغيرت الفرضيات التي تستند إليها.
ومن هذا المنطلق، لا يمكن التعامل مع تحسن التقديرات الخاصة بتونس بمعزل عن المحيط الخارجي، بل ينبغي قراءته ضمن مشهد عالمي تتعايش فيه فرص التعافي مع مخاطر التضخم والتباطؤ وعدم اليقين.
النمو الاقتصادي بين التشغيل والقدرة الشرائية
تظل القيمة الاقتصادية والاجتماعية للنمو مرتبطة بقدرته على الانتقال من المؤشرات الإجمالية إلى نتائج ملموسة. فبالنسبة إلى المواطن والمؤسسة، لا يمثل ارتفاع الناتج المحلي الإجمالي غاية في حد ذاته، بقدر ما تبرز أهميته في مدى انعكاسه على التشغيل والمداخيل والاستثمار والخدمات.
ومن هنا، تبرز ضرورة التمييز بين النمو الاقتصادي وخلق فرص العمل؛ فكل تحسن في النشاط لا يؤدي بالضرورة إلى زيادة متناسبة في التشغيل، خصوصا عندما يكون التوسع محدودا أو متركزا في قطاعات ذات كثافة تشغيلية ضعيفة. ويصبح الرهان، تبعا لذلك، هو تحقيق نمو أكثر قدرة على استيعاب الداخلين الجدد إلى سوق الشغل وتحسين إنتاجية العمل في الوقت نفسه.
أما القدرة الشرائية، فتظل مرتبطة بالتفاعل بين تطور الأجور والأسعار. وحتى في حال تحسن النشاط الاقتصادي، قد تبقى المكاسب محدودة بالنسبة إلى الأسر إذا استمرت الأسعار في الارتفاع بوتيرة تتجاوز نمو المداخيل.
ويعني ذلك أن تقييم نتائج النمو يقتضي متابعة مؤشرات مكمّلة، من بينها التضخم والاستثمار والبطالة والأجور الحقيقية والتوازنات الخارجية والمالية. فهذه المؤشرات مجتمعة تسمح بفهم أكثر دقة لطبيعة التحسن الاقتصادي وحدوده، بدل الاكتفاء بنسبة نمو واحدة.
تحسن في التوقعات واختبار في الأداء
يمثل رفع صندوق النقد الدولي توقعاته لنمو الاقتصاد التونسي خلال سنتي 2026 و2027 تطورا إيجابيا في تقييم الآفاق الاقتصادية للبلاد، غير أن دلالته تظل مرتبطة بمدى قدرة الاقتصاد على تحويل هذا التحسن المتوقع إلى ديناميكية إنتاجية مستدامة، تدعم الاستثمار والتشغيل، وترفع القيمة المضافة، وتحد من مواطن الهشاشة الخارجية.
فالنمو بنسبة 2.4 % سنة 2026 و2 % سنة 2027، وفق التقديرات الواردة، يفتح المجال لتفاؤل حذر، لكنه لا يحسم مسألة التعافي الاقتصادي؛ إذ يبقى الانتقال إلى نسق نمو أقوى رهينا بقدرة السياسات الاقتصادية على تحفيز الاستثمار المنتج، وتحسين الإنتاجية، وتعزيز تنافسية المؤسسات، وتوسيع قاعدة الصادرات.
وعموما، لا تكمن أهمية مراجعة التوقعات في كونها أرقاما أفضل من السابق فحسب، بل في ما إذا كانت ستجد ما يسندها من تحسن فعلي في المؤشرات الاقتصادية. فبين التوقعات والأداء مسافة لا تختصرها النسب وحدها، وإنما يحددها تطور الاستثمار والإنتاج والتشغيل، ومدى انعكاسها على مستوى عيش التونسيين.
جهاد الكلبوسي
تونس – الصباح
رفع صندوق النقد الدولي تقديراته لنمو الاقتصاد التونسي إلى 2.4 % خلال عام 2026 و2 % في 2027، وفق إصدار أكتوبر 2026 من تقرير «آفاق الاقتصاد العالمي»، في مراجعة تعكس تحسنا نسبيا في توقعات النشاط الاقتصادي. ورغم ما يحمله هذا التعديل من مؤشرات إيجابية، فإنه لا يعني بالضرورة دخول الاقتصاد التونسي مرحلة تعافٍ مستدام، في ظل استمرار التحديات المرتبطة بضعف الاستثمار، ومحدودية النمو وقدرته على خلق فرص العمل وتحسين القدرة الشرائية للمواطنين.
ويظل تحويل هذه التوقعات إلى نتائج ملموسة رهينا بقدرة الاقتصاد على استعادة نسق الإنتاج والاستثمار وتعزيز مصادر النمو، بما يضمن أثرا أوسع على التشغيل ومستوى المعيشة.
وتفيد التوقعات الجديدة بأن الاقتصاد التونسي سينمو بنسبة 2.4 % خلال سنة 2026، مقابل 2.1 % في تقديرات أفريل الماضي، فيما يُنتظر أن يبلغ النمو 2 % سنة 2027، مقارنة بـ1.6 % سابقا. وتكتسي هذه المراجعة أهمية بالنظر إلى السياق الدولي المضطرب، لكنها تطرح، في المقابل، مسألة الفارق بين تحسن التوقعات وتحسن الأداء الاقتصادي الفعلي، خصوصا في ظل الحاجة إلى نمو أكثر قدرة على توسيع القاعدة الإنتاجية وخلق مواطن الشغل.
تحسّن توقعات النمو لا يعني بالضرورة انتعاشة اقتصادية قوية
رفع صندوق النقد الدولي توقعاته لنمو الاقتصاد التونسي خلال سنتي 2026 و2027، في مؤشر يعكس تحسنا نسبيا في تقديراته لآفاق النشاط الاقتصادي. فبعد أن كان يتوقع نمو الناتج المحلي الإجمالي بنسبة 2.1 % خلال 2026، أصبح ينتظر بلوغه 2.4 %، فيما رفع تقديراته لسنة 2027 من 1.6 % إلى 2 %. ورغم أهمية هذا التعديل، فإن دلالته تظل مرتبطة بمدى قدرة الاقتصاد على تحويل هذه التوقعات إلى نمو فعلي ومستدام.
فمعدلات النمو المنتظرة، رغم تجاوزها التقديرات السابقة، تبقى في مستويات معتدلة ولا تكفي بمفردها للحديث عن انتعاشة اقتصادية قوية؛ إذ لا يُقاس أداء الاقتصاد بنسبة نمو الناتج المحلي الإجمالي فقط، بل أيضا بمصادر هذا النمو، ومدى استمراريته، وقدرته على تنشيط الاستثمار والإنتاج وخلق فرص العمل.
ومن هذا المنطلق، يظل التحدي الأساسي أمام تونس هو الانتقال من تحسن المؤشرات الإجمالية إلى توسع فعلي في النشاط الاقتصادي.
ويتوقف تحقيق هذا الهدف بدرجة كبيرة على نسق الاستثمار الخاص والعام، وقدرة المؤسسات على تطوير إنتاجها وتحسين إنتاجيتها وتعزيز تنافسيتها. فالاستثمار لا يساهم في تنشيط الطلب فحسب، بل يمثل أيضا رافعة لتجديد القدرات الإنتاجية ورفع القيمة المضافة. وفي المقابل، فإن محدودية الاستثمار وارتفاع كلفة الإنتاج والتمويل يمكن أن يحدّا من قدرة المؤسسات على التوسع، ويضعفا إمكانات تحقيق نمو أعلى على المدى المتوسط.
غير أن ارتفاع الناتج المحلي الإجمالي لا يضمن بالضرورة انعكاسا مباشرا على التشغيل والمداخيل والقدرة الشرائية؛ فالأثر الاجتماعي للنمو يتوقف على طبيعة القطاعات التي تقود النشاط الاقتصادي، ومدى قدرتها على استيعاب اليد العاملة وإحداث مواطن شغل جديدة. كما تظل استفادة الأسر من التحسن الاقتصادي مرتبطة بتطور الأجور الحقيقية مقارنة بالأسعار، بما يجعل جودة النمو وأثره في مستوى العيش عنصرين أساسيين في تقييم الأداء الاقتصادي.
إن المراجعة الإيجابية لتوقعات صندوق النقد الدولي تمثل مؤشرا أفضل لآفاق الاقتصاد التونسي، لكنها لا تحسم بعد مسار التعافي. فالمعيار الفعلي سيظل مدى قدرة الاقتصاد على تحقيق نمو يستند إلى الاستثمار والإنتاجية، ويوسع القاعدة الإنتاجية، ويخلق الثروة وفرص العمل. وهي عناصر من شأنها أن تحدد ما إذا كان التحسن المنتظر سيشكل خطوة نحو تعاف مستدام، أم سيبقى في حدود نمو معتدل لا تكفي آثاره لإحداث تحول ملموس في الوضع الاقتصادي والاجتماعي.
النمو الاقتصادي في تونس.. من التحسن المؤقت إلى النمو المستدام
لا يتمثل التحدي الاقتصادي في تونس في تسجيل معدل نمو إيجابي فحسب، بل في رفع النمو المحتمل للاقتصاد، أي قدرته على التوسع بصورة مستدامة دون توليد اختلالات اقتصادية متفاقمة. ويتطلب ذلك تحسين الإنتاجية، وتوسيع الاستثمار المنتج، وتطوير النسيج الصناعي والخدماتي، وتعزيز القيمة المضافة للأنشطة الاقتصادية.
وفي هذا الإطار، يحتل الاستثمار مكانة محورية باعتباره أحد المحددات الرئيسية لتجديد القدرات الإنتاجية، وتطوير البنية التحتية، وتحسين التنافسية. فانخفاض الاستثمار في الأصول الإنتاجية أو تباطؤه من شأنهما الحد من قدرة الاقتصاد على توسيع طاقته الإنتاجية، حتى عندما يتحسن الطلب أو تتراجع بعض الضغوط الظرفية.
كما أن تحفيز النمو يقتضي تحسين مناخ الأعمال، وتيسير الإجراءات الإدارية، وتعزيز وضوح الإطار التنظيمي، وتحسين النفاذ إلى التمويل، خصوصا بالنسبة إلى المؤسسات الصغرى والمتوسطة. فهذه المؤسسات تمثل جزءا مهما من النسيج الاقتصادي، لكن قدرتها على الاستثمار والتوسع تظل مرتبطة بكلفة التمويل، ومستوى الطلب، ووضوح الآفاق الاقتصادية.
ومن زاوية أخرى، لا يمكن فصل النمو عن الإنتاجية والقدرة التنافسية؛ فالتوسع الاقتصادي المستدام لا يقوم على زيادة حجم النشاط وحدها، بل يتطلب أيضا إنتاج سلع وخدمات ذات قيمة مضافة أعلى، وتحسين جودة المنتجات، وتطوير المحتوى التكنولوجي، وتعزيز القدرة على النفاذ إلى أسواق جديدة.
وعليه، فإن مراجعة توقعات صندوق النقد الدولي تكتسب قيمتها الحقيقية بقدر ما تترافق مع مؤشرات فعلية على تحسن الاستثمار والإنتاجية وتوسع الأنشطة القابلة للتصدير.
نمو عالمي أبطأ وضغوط تضخمية مستمرة
تأتي التوقعات الجديدة بشأن تونس في بيئة دولية تتسم باستمرار حالة عدم اليقين. فحسب التقرير، أظهر الاقتصاد العالمي قدرة على الصمود أمام تداعيات الاضطرابات الجيوسياسية، مستفيدا من الطفرة التكنولوجية ومن عوامل التكيف وامتصاص الصدمات.
لكن هذه القدرة على الصمود لا تلغي المخاطر؛ إذ يتوقع صندوق النقد الدولي تباطؤ النمو العالمي إلى 3.1 % سنة 2026، قبل ارتفاعه إلى 3.4 % سنة 2027. وفي المقابل، يُرجّح أن يبلغ التضخم العالمي 4.7 % سنة 2026، قبل أن يتراجع إلى 4.1 % في السنة الموالية.
وتكشف هذه المؤشرات عن بيئة اقتصادية لا تزال تجمع بين تباطؤ نسق النشاط واستمرار الضغوط على الأسعار. وبالنسبة إلى تونس، فإن انعكاسات هذه التطورات تمر أساسا عبر قنوات التجارة الخارجية، وكلفة التوريد، والطلب على الصادرات، والتدفقات السياحية والاستثمارية.
فارتفاع الأسعار في الأسواق العالمية، خصوصا بالنسبة إلى الطاقة والمواد الأولية، قد يزيد من كلفة الواردات ويضغط على الميزان التجاري، بما قد ينعكس على حاجيات التمويل الخارجي. وفي المقابل، فإن تباطؤ النمو لدى الشركاء التجاريين يمكن أن يحد من الطلب على المنتجات والخدمات التونسية، ويؤثر في نسق الصادرات.
وتزداد أهمية هذه القنوات بالنظر إلى الترابط بين القطاع الخارجي والنشاط الاقتصادي الداخلي. لذلك، فإن قدرة تونس على احتواء الصدمات الخارجية لا ترتبط بالظرف الدولي وحده، بل أيضا بمدى تنويع قاعدة الإنتاج والتصدير، وتحسين تنافسية المؤسسات، والحد من مواطن الهشاشة المرتبطة بالتبعية للتوريد.
إفريقيا جنوب الصحراء.. استقرار نسبي لا يخلو من التحديات
على المستوى الإقليمي، يتوقع صندوق النقد الدولي استقرار النمو في إفريقيا جنوب الصحراء عند 4.5 % خلال سنة 2026، وهي النسبة نفسها المسجلة في تقديرات سنة 2025 والمتوقعة لسنة 2027.
ويشير هذا المسار إلى استقرار نسبي في النشاط الاقتصادي للمنطقة، لكنه لا يعني تماثل الأداء بين اقتصاداتها، بالنظر إلى اختلاف هياكل الإنتاج، ودرجة التنوع الاقتصادي، ومستويات الاستثمار، والتعرض لتقلبات أسعار المواد الأولية.
وبالنسبة إلى تونس، فإن المقارنة الإقليمية تظل مفيدة متى تجاوزت مجرد ترتيب الاقتصادات حسب معدلات النمو؛ فالأهم هو مدى قدرة الاقتصاد الوطني على استغلال فرص التبادل التجاري والاستثمار، وتطوير موقعه ضمن سلاسل القيمة الإقليمية والدولية، وتنويع أسواق التصدير.
كما أن تعزيز المبادلات مع الأسواق الإفريقية يمكن أن يوفر فرصا إضافية للمؤسسات التونسية، شرط توفر القدرة التنافسية والتمويل، إلى جانب معالجة العوائق التي تحد من النفاذ إلى تلك الأسواق.
تفاوت الآفاق الإقليمية يعزز حالة الحذر
في المقابل، تتسم توقعات الشرق الأوسط وآسيا الوسطى بتقلبات أكثر حدة؛ إذ يُنتظر، وفق الأرقام الواردة في المعطيات المقدمة، أن يتراجع الناتج المحلي الإجمالي الحقيقي للمنطقة بنسبة 0.3 % سنة 2026، بعد نمو مقدّر بـ3.7 % سنة 2025، قبل أن يرتفع النمو المتوقع إلى 6.3 % سنة 2027.
ويبرز هذا التفاوت مدى تأثر الآفاق الاقتصادية بالتطورات الجيوسياسية والتحولات في أسواق الطاقة والتجارة، كما يؤكد أن التوقعات تظل قابلة للمراجعة كلما تغيرت الفرضيات التي تستند إليها.
ومن هذا المنطلق، لا يمكن التعامل مع تحسن التقديرات الخاصة بتونس بمعزل عن المحيط الخارجي، بل ينبغي قراءته ضمن مشهد عالمي تتعايش فيه فرص التعافي مع مخاطر التضخم والتباطؤ وعدم اليقين.
النمو الاقتصادي بين التشغيل والقدرة الشرائية
تظل القيمة الاقتصادية والاجتماعية للنمو مرتبطة بقدرته على الانتقال من المؤشرات الإجمالية إلى نتائج ملموسة. فبالنسبة إلى المواطن والمؤسسة، لا يمثل ارتفاع الناتج المحلي الإجمالي غاية في حد ذاته، بقدر ما تبرز أهميته في مدى انعكاسه على التشغيل والمداخيل والاستثمار والخدمات.
ومن هنا، تبرز ضرورة التمييز بين النمو الاقتصادي وخلق فرص العمل؛ فكل تحسن في النشاط لا يؤدي بالضرورة إلى زيادة متناسبة في التشغيل، خصوصا عندما يكون التوسع محدودا أو متركزا في قطاعات ذات كثافة تشغيلية ضعيفة. ويصبح الرهان، تبعا لذلك، هو تحقيق نمو أكثر قدرة على استيعاب الداخلين الجدد إلى سوق الشغل وتحسين إنتاجية العمل في الوقت نفسه.
أما القدرة الشرائية، فتظل مرتبطة بالتفاعل بين تطور الأجور والأسعار. وحتى في حال تحسن النشاط الاقتصادي، قد تبقى المكاسب محدودة بالنسبة إلى الأسر إذا استمرت الأسعار في الارتفاع بوتيرة تتجاوز نمو المداخيل.
ويعني ذلك أن تقييم نتائج النمو يقتضي متابعة مؤشرات مكمّلة، من بينها التضخم والاستثمار والبطالة والأجور الحقيقية والتوازنات الخارجية والمالية. فهذه المؤشرات مجتمعة تسمح بفهم أكثر دقة لطبيعة التحسن الاقتصادي وحدوده، بدل الاكتفاء بنسبة نمو واحدة.
تحسن في التوقعات واختبار في الأداء
يمثل رفع صندوق النقد الدولي توقعاته لنمو الاقتصاد التونسي خلال سنتي 2026 و2027 تطورا إيجابيا في تقييم الآفاق الاقتصادية للبلاد، غير أن دلالته تظل مرتبطة بمدى قدرة الاقتصاد على تحويل هذا التحسن المتوقع إلى ديناميكية إنتاجية مستدامة، تدعم الاستثمار والتشغيل، وترفع القيمة المضافة، وتحد من مواطن الهشاشة الخارجية.
فالنمو بنسبة 2.4 % سنة 2026 و2 % سنة 2027، وفق التقديرات الواردة، يفتح المجال لتفاؤل حذر، لكنه لا يحسم مسألة التعافي الاقتصادي؛ إذ يبقى الانتقال إلى نسق نمو أقوى رهينا بقدرة السياسات الاقتصادية على تحفيز الاستثمار المنتج، وتحسين الإنتاجية، وتعزيز تنافسية المؤسسات، وتوسيع قاعدة الصادرات.
وعموما، لا تكمن أهمية مراجعة التوقعات في كونها أرقاما أفضل من السابق فحسب، بل في ما إذا كانت ستجد ما يسندها من تحسن فعلي في المؤشرات الاقتصادية. فبين التوقعات والأداء مسافة لا تختصرها النسب وحدها، وإنما يحددها تطور الاستثمار والإنتاج والتشغيل، ومدى انعكاسها على مستوى عيش التونسيين.