في قلب المدينة العتيقة بتونس العاصمة، وبين أزقتها الضيقة، وتحديدا في سوق الباي، أو ما يعرف بسوق الترك، حيث تمتزج رائحة التاريخ بصخب الحركة السياحية، اختارت جمعية تونس للرسكلة، مدعومة بتمويل من الصندوق الكندي للمبادرات المحلية، أن تبعث أولى مشاريعها المصنعة من مواد مستعملة تمت رسكلتها وتثمينها، في إطار رؤيتها للاقتصاد الدائري.
ريم سوودي
داخل «محل تونس للرسكلة»، لن تعترضك واجهات المحلات للملابس التقليدية أو التحف والحلي التي يقتنيها التونسيون تذكارا، وتصطبغ عليها بالأساس المسحة السياحية، بل ستكون في حضرة حكايات وقصص متنوعة تبدأ في غالبها من مكب للنفايات أو بجملة تجميع وتنظيف شتى المواد والنفايات، لتنتهي بقطع فنية، أو حقيبة يد، أو تحفة منزلية، أو مصباح جانبي... فداخل «محل تونس للرسكلة»، تنبت الزهرة من وسط الركام والمزابل، وتتحول المواد البلاستيكية والقماش التالف والمعلقات منتهية الصلوحية، التي كان مصيرها الإتلاف والتحلل وسط التربة بعد سنوات، إلى منتجات صديقة للبيئة تحمل قيمة اقتصادية منافسة لتلك التي تصنع وسط المعامل والشركات التجارية.
ففي منتصف شهر أفريل من السنة الجارية، تم افتتاح أول محل متخصص في تسويق الصناعات اليدوية المرسكلة، لجمعية «تونيزي روسيكلاج» (تونس للتدوير/الرسكلة)، في خطوة تعد الأولى من نوعها داخل المسلك السياحي للمدينة العتيقة بتونس العاصمة. فضاء أطلق عليه «متجر المدينة»، كان الهدف منه إعادة استخدام المواد المستعملة ووضعها في إطار المنتجات السياحية والحرفية.
وسط مساحة مفتوحة فرشت بزرابي ومفروشات تقليدية، وبإتقان كبير، وزعت المعروضات داخله بين الرفوف وعلى الجدران، لتغطي كل مساحة المحل: حقائب من أغلفة القهوة المستعملة، وحاملات أفلام ومحافظ مصنوعة من عبوات الورق المقوى أو البلاستيك، وقفف من بقايا سعف النخيل، وقمصان ولوحات فنية ومصابيح وأطباق بلورية... في الأصل، كانت بقايا من البلاستيك والخشب والورق والزجاج والمعادن والأقمشة المستعملة، فتولت بأنامل الحرفيين والحرفيات إلى مصنوعات متميزة فريدة من نوعها، يستحيل أن يدرك الحريف أنها ولدت من تلك القمامة التي تعترضه يوميا ملقاة على قارعة الطريق وتشوه شواطئ المتوسط الجميلة، أو داخل المصبات العشوائية للنفايات. منتجات متنوعة جعلت الفضاء يحظى، رغم حداثة عهده، بدعم كبير من قبل الحرفيين وقبول محترم من قبل الحرفاء التونسيين أو الأجانب على حد سواء.
ولا تقتصر فكرة «متجر المدينة» على إعادة تدوير المواد والنفايات، بل تقوم على إعادة الاعتبار إليها ومنحها حياة جديدة، في تجربة تسعى إلى تغيير النظرة السائدة للنفايات باعتبارها عبئا بيئيا، لتصبح موردا اقتصاديا يمكن أن يوفر فرص عمل ويفتح آفاقا جديدة أمام الحرفيين والشباب.
ويقول المشرف على المحل، ياسين جنيح، خلال حديثه لـ«الصباح»، إن جميع المنتجات المعروضة هي ثمرة عمل حرفيين اختاروا الاستثمار في الإبداع البيئي، ويؤمنون بأن حماية البيئة يمكن أن تتقاطع مع الفن والحرفة والإنتاج الاقتصادي.
وأوضح، خلال تقديمه للمحل، أن المواد الأولية التي يعتمدها الحرفيون يتم جمعها من مركز فرز النفايات الذي تشرف عليه الجمعية، قبل أن تخضع لعمليات تنظيف وتصميم وتحويل لتصبح منتجات قابلة للاستعمال اليومي، سواء كانت ملابس أو حقائب أو ديكورات منزلية أو هدايا تذكارية.
وأضاف أن صناعات مثل البلاستيك والزجاج والأقمشة تعد من أكثر القطاعات استهلاكا للطاقة والموارد الطبيعية، كما أن تحللها يمكن أن يتجاوز مائة عام. لذلك فإن إطالة عمر هذه المواد عبر إعادة استخدامها يحد من الضغط على البيئة ويقلص من حجم النفايات.
ويؤكد المشرف على المحل أن الإقبال على هذه المنتجات لا يقتصر على الناشطين في المجال البيئي، بل يشمل أيضا السياح التونسيين والأجانب الذين يبحثون عن تذكارات تحمل طابعا محليا ورسالة بيئية في الوقت نفسه، فضلا عن أن انخفاض كلفة المواد الأولية ينعكس على أسعار المنتجات، مما يجعلها في متناول شريحة واسعة من الزبائن.
من جانبه، أوضح رئيس جمعية «تونيزي روسيكلاج»، حسام حمدي، أن هذا المشروع يمثل نموذجا عمليا للاقتصاد الدائري، الذي يقوم على إعادة استخدام الموارد بدل استنزافها والتخلص منها.
واعتبر، في حديثه لـ«الصباح»، أن دعم مثل هذه المبادرات قادر على خلق فرص عمل جديدة لفائدة الشباب والحرفيين، والمساهمة في إدماج جزء من الاقتصاد غير المنظم ضمن الدورة الاقتصادية الرسمية، إلى جانب الحد من التلوث والحفاظ على الموارد الطبيعية.
وأكد حمدي أن النفايات في تونس ما تزال تمثل «ثروة مهدورة»، إذ إن ضعف منظومة الفرز الانتقائي يحول دون تثمينها بالشكل المطلوب، سواء في الصناعات التحويلية أو في إنتاج الطاقة أو في الصناعات الإبداعية.
ويشير إلى أن اختيار المدينة العتيقة لاحتضان هذا المشروع يحمل أكثر من دلالة، فهي إحدى أبرز الوجهات السياحية في البلاد، كما أن هذا الاختيار يحمل رسالة مفادها أن السياحة يمكن أن تتعايش مع مبادئ الاستدامة، بل وأن تتحول إلى منصة للتعريف بالمنتجات البيئية والابتكار المحلي.
ويرى أن تعميم هذه التجربة في بقية المدن السياحية يمكن أن يعزز صورة تونس كوجهة تراعي المعايير البيئية، خاصة مع تنامي الطلب العالمي على السياحة المستدامة والمنتجات الصديقة للبيئة.
ورغم الطابع الرمزي للمبادرة، فإن القائمين عليها ينظرون إليها باعتبارها خطوة أولى ضمن مشروع أشمل يهدف إلى بناء منظومة متكاملة للاقتصاد الدائري، تشمل تطوير آليات الفرز، ودعم الحرفيين، وتحفيز الاستثمار في تثمين النفايات، ونشر ثقافة الاستهلاك المسؤول.
وفي هذا الإطار، كشف حمدي عن سعي الجمعية إلى إحداث مركز متطور لتجميع وفرز النفايات داخل المدينة العتيقة، بما يسهم في تحسين الوضع البيئي للمسلك السياحي، ويوفر للحرفيين المواد الأولية للرسكلة بكلفة أقل وجودة أفضل.
وتأتي هذه المبادرات البيئية التنموية، بالتزامن مع توجه رسمي نحو تطوير قطاع تثمين النفايات، إذ تعمل وزارة البيئة على إعداد كراس شروط لإحداث أربع وحدات جديدة لتثمين النفايات في إقليم تونس الكبرى، الذي ينتج أكثر من ربع النفايات المنزلية في البلاد، وذلك ضمن خطة تستهدف الحد من انتشار المكبات العشوائية ودعم الاقتصاد الأخضر.
كما تطمح تونس، استنادا إلى ما جاء في استراتيجيتها الوطنية، إلى رفع نسبة تثمين النفايات إلى 20 بالمائة بحلول سنة 2035، إلا أن بلوغ هذا الهدف يظل رهين تطوير منظومة الفرز من المصدر، وتشجيع الاستثمار، وتوسيع المبادرات المحلية التي تثبت يوما بعد آخر أن ما يلقى في سلة المهملات قد يتحول إلى فرصة اقتصادية.
وللإشارة، تنتج البلاد سنويا ما بين 3 ملايين و3.3 مليون طن من النفايات، يتم توجيه نحو 2.8 مليون طن منها إلى المصبات، بينما لا تتجاوز نسبة التدوير حوالي 7 بالمائة فقط من إجمالي النفايات المنتجة، وهي نسبة تعكس محدودية منظومة الفرز والتثمين مقارنة بحجم الموارد القابلة للاستغلال.
كما تعاني عدة مناطق من نقص المصبات المراقبة وبلوغ عدد منها طاقتها القصوى، إلى جانب انتشار المصبات العشوائية وما تسببه من أضرار بيئية وصحية، وهو ما يجعل الانتقال نحو الاقتصاد الدائري خيارا تنمويا أكثر منه مجرد توجه بيئي.
تونس - الصباح
في قلب المدينة العتيقة بتونس العاصمة، وبين أزقتها الضيقة، وتحديدا في سوق الباي، أو ما يعرف بسوق الترك، حيث تمتزج رائحة التاريخ بصخب الحركة السياحية، اختارت جمعية تونس للرسكلة، مدعومة بتمويل من الصندوق الكندي للمبادرات المحلية، أن تبعث أولى مشاريعها المصنعة من مواد مستعملة تمت رسكلتها وتثمينها، في إطار رؤيتها للاقتصاد الدائري.
ريم سوودي
داخل «محل تونس للرسكلة»، لن تعترضك واجهات المحلات للملابس التقليدية أو التحف والحلي التي يقتنيها التونسيون تذكارا، وتصطبغ عليها بالأساس المسحة السياحية، بل ستكون في حضرة حكايات وقصص متنوعة تبدأ في غالبها من مكب للنفايات أو بجملة تجميع وتنظيف شتى المواد والنفايات، لتنتهي بقطع فنية، أو حقيبة يد، أو تحفة منزلية، أو مصباح جانبي... فداخل «محل تونس للرسكلة»، تنبت الزهرة من وسط الركام والمزابل، وتتحول المواد البلاستيكية والقماش التالف والمعلقات منتهية الصلوحية، التي كان مصيرها الإتلاف والتحلل وسط التربة بعد سنوات، إلى منتجات صديقة للبيئة تحمل قيمة اقتصادية منافسة لتلك التي تصنع وسط المعامل والشركات التجارية.
ففي منتصف شهر أفريل من السنة الجارية، تم افتتاح أول محل متخصص في تسويق الصناعات اليدوية المرسكلة، لجمعية «تونيزي روسيكلاج» (تونس للتدوير/الرسكلة)، في خطوة تعد الأولى من نوعها داخل المسلك السياحي للمدينة العتيقة بتونس العاصمة. فضاء أطلق عليه «متجر المدينة»، كان الهدف منه إعادة استخدام المواد المستعملة ووضعها في إطار المنتجات السياحية والحرفية.
وسط مساحة مفتوحة فرشت بزرابي ومفروشات تقليدية، وبإتقان كبير، وزعت المعروضات داخله بين الرفوف وعلى الجدران، لتغطي كل مساحة المحل: حقائب من أغلفة القهوة المستعملة، وحاملات أفلام ومحافظ مصنوعة من عبوات الورق المقوى أو البلاستيك، وقفف من بقايا سعف النخيل، وقمصان ولوحات فنية ومصابيح وأطباق بلورية... في الأصل، كانت بقايا من البلاستيك والخشب والورق والزجاج والمعادن والأقمشة المستعملة، فتولت بأنامل الحرفيين والحرفيات إلى مصنوعات متميزة فريدة من نوعها، يستحيل أن يدرك الحريف أنها ولدت من تلك القمامة التي تعترضه يوميا ملقاة على قارعة الطريق وتشوه شواطئ المتوسط الجميلة، أو داخل المصبات العشوائية للنفايات. منتجات متنوعة جعلت الفضاء يحظى، رغم حداثة عهده، بدعم كبير من قبل الحرفيين وقبول محترم من قبل الحرفاء التونسيين أو الأجانب على حد سواء.
ولا تقتصر فكرة «متجر المدينة» على إعادة تدوير المواد والنفايات، بل تقوم على إعادة الاعتبار إليها ومنحها حياة جديدة، في تجربة تسعى إلى تغيير النظرة السائدة للنفايات باعتبارها عبئا بيئيا، لتصبح موردا اقتصاديا يمكن أن يوفر فرص عمل ويفتح آفاقا جديدة أمام الحرفيين والشباب.
ويقول المشرف على المحل، ياسين جنيح، خلال حديثه لـ«الصباح»، إن جميع المنتجات المعروضة هي ثمرة عمل حرفيين اختاروا الاستثمار في الإبداع البيئي، ويؤمنون بأن حماية البيئة يمكن أن تتقاطع مع الفن والحرفة والإنتاج الاقتصادي.
وأوضح، خلال تقديمه للمحل، أن المواد الأولية التي يعتمدها الحرفيون يتم جمعها من مركز فرز النفايات الذي تشرف عليه الجمعية، قبل أن تخضع لعمليات تنظيف وتصميم وتحويل لتصبح منتجات قابلة للاستعمال اليومي، سواء كانت ملابس أو حقائب أو ديكورات منزلية أو هدايا تذكارية.
وأضاف أن صناعات مثل البلاستيك والزجاج والأقمشة تعد من أكثر القطاعات استهلاكا للطاقة والموارد الطبيعية، كما أن تحللها يمكن أن يتجاوز مائة عام. لذلك فإن إطالة عمر هذه المواد عبر إعادة استخدامها يحد من الضغط على البيئة ويقلص من حجم النفايات.
ويؤكد المشرف على المحل أن الإقبال على هذه المنتجات لا يقتصر على الناشطين في المجال البيئي، بل يشمل أيضا السياح التونسيين والأجانب الذين يبحثون عن تذكارات تحمل طابعا محليا ورسالة بيئية في الوقت نفسه، فضلا عن أن انخفاض كلفة المواد الأولية ينعكس على أسعار المنتجات، مما يجعلها في متناول شريحة واسعة من الزبائن.
من جانبه، أوضح رئيس جمعية «تونيزي روسيكلاج»، حسام حمدي، أن هذا المشروع يمثل نموذجا عمليا للاقتصاد الدائري، الذي يقوم على إعادة استخدام الموارد بدل استنزافها والتخلص منها.
واعتبر، في حديثه لـ«الصباح»، أن دعم مثل هذه المبادرات قادر على خلق فرص عمل جديدة لفائدة الشباب والحرفيين، والمساهمة في إدماج جزء من الاقتصاد غير المنظم ضمن الدورة الاقتصادية الرسمية، إلى جانب الحد من التلوث والحفاظ على الموارد الطبيعية.
وأكد حمدي أن النفايات في تونس ما تزال تمثل «ثروة مهدورة»، إذ إن ضعف منظومة الفرز الانتقائي يحول دون تثمينها بالشكل المطلوب، سواء في الصناعات التحويلية أو في إنتاج الطاقة أو في الصناعات الإبداعية.
ويشير إلى أن اختيار المدينة العتيقة لاحتضان هذا المشروع يحمل أكثر من دلالة، فهي إحدى أبرز الوجهات السياحية في البلاد، كما أن هذا الاختيار يحمل رسالة مفادها أن السياحة يمكن أن تتعايش مع مبادئ الاستدامة، بل وأن تتحول إلى منصة للتعريف بالمنتجات البيئية والابتكار المحلي.
ويرى أن تعميم هذه التجربة في بقية المدن السياحية يمكن أن يعزز صورة تونس كوجهة تراعي المعايير البيئية، خاصة مع تنامي الطلب العالمي على السياحة المستدامة والمنتجات الصديقة للبيئة.
ورغم الطابع الرمزي للمبادرة، فإن القائمين عليها ينظرون إليها باعتبارها خطوة أولى ضمن مشروع أشمل يهدف إلى بناء منظومة متكاملة للاقتصاد الدائري، تشمل تطوير آليات الفرز، ودعم الحرفيين، وتحفيز الاستثمار في تثمين النفايات، ونشر ثقافة الاستهلاك المسؤول.
وفي هذا الإطار، كشف حمدي عن سعي الجمعية إلى إحداث مركز متطور لتجميع وفرز النفايات داخل المدينة العتيقة، بما يسهم في تحسين الوضع البيئي للمسلك السياحي، ويوفر للحرفيين المواد الأولية للرسكلة بكلفة أقل وجودة أفضل.
وتأتي هذه المبادرات البيئية التنموية، بالتزامن مع توجه رسمي نحو تطوير قطاع تثمين النفايات، إذ تعمل وزارة البيئة على إعداد كراس شروط لإحداث أربع وحدات جديدة لتثمين النفايات في إقليم تونس الكبرى، الذي ينتج أكثر من ربع النفايات المنزلية في البلاد، وذلك ضمن خطة تستهدف الحد من انتشار المكبات العشوائية ودعم الاقتصاد الأخضر.
كما تطمح تونس، استنادا إلى ما جاء في استراتيجيتها الوطنية، إلى رفع نسبة تثمين النفايات إلى 20 بالمائة بحلول سنة 2035، إلا أن بلوغ هذا الهدف يظل رهين تطوير منظومة الفرز من المصدر، وتشجيع الاستثمار، وتوسيع المبادرات المحلية التي تثبت يوما بعد آخر أن ما يلقى في سلة المهملات قد يتحول إلى فرصة اقتصادية.
وللإشارة، تنتج البلاد سنويا ما بين 3 ملايين و3.3 مليون طن من النفايات، يتم توجيه نحو 2.8 مليون طن منها إلى المصبات، بينما لا تتجاوز نسبة التدوير حوالي 7 بالمائة فقط من إجمالي النفايات المنتجة، وهي نسبة تعكس محدودية منظومة الفرز والتثمين مقارنة بحجم الموارد القابلة للاستغلال.
كما تعاني عدة مناطق من نقص المصبات المراقبة وبلوغ عدد منها طاقتها القصوى، إلى جانب انتشار المصبات العشوائية وما تسببه من أضرار بيئية وصحية، وهو ما يجعل الانتقال نحو الاقتصاد الدائري خيارا تنمويا أكثر منه مجرد توجه بيئي.