شرعت مختلف هياكل مجلس نواب الشعب والمجلس الوطني للجهات والأقاليم في الاستعداد للنظر في مشاريع قوانين المالية وميزانية الدولة والميزان الاقتصادي لسنة 2027. ففي مجلس نواب الشعب، وبعد الإطلاع على تقرير حول مدى تنفيذ ميزانية الدولة لسنة 2026 والفرضيات والتوجهات الكبرى بمشروع ميزانية الدولة لسنة 2027 ونقاش الخطوط العريضة بهذا التقرير، تمسكت لجنة المالية والميزانية التي يرأسها النائب ماهر الكتاري ببرمجة جلسة استماع إلى وزيرة المالية رغبة من أعضائها في مزيد التعمق في دراسة هذه الوثيقة على أن تنعقد الجلسة قبيل المرور إلى دراسة المشاريع الثلاثة سالفة الذكر.
أما بالنسبة إلى بقية اللجان فهي بصدد الاستعداد للنظر في المهمات والمهمات الخاصة بمشروع ميزانية الدولة، وهناك مشاورات بينها من أجل تنسيق الجهود وتكثيف المشاورات مع الكتل البرلمانية ومع النواب غير المنتمين إلى كتل من أجل تقريب وجهات النظر والتوافق حول مقترحات تعديل مشروع قانون المالية ومقترحات الفصول الإضافية إلى جانب رغبتها في تلافي التضخم التشريعي وتجنب تكرار ما حصل خلال السنوات الماضية حيث تم تمرير كم كبير من الفصول الإضافية لمشاريع قوانين المالية خاصة قانون المالية لسنة 2026 لكن الكثير منها بقيت حبرا على ورق.
وفي نفس السياق، واستعدادا للمحطات القادمة وأبرزها نقاش مشروع الميزانية تم خلال الأسبوع الماضي تنظيم اجتماع ندوة الرؤساء بمجلس نواب الشعب، ويضم هذا الهيكل كل من رئيس المجلس ونائبيه والنواب المساعدين للرئيس ورؤساء اللجان القارة ورؤساء الكتل النيابية وممثلين عن غير المنتمين إلى كتل، وفي بلاغ صادر عن المجلس تمت الإشارة إلى أنه التداول حول "تداعيات الارتفاع المسجل في أسعار برميل النفط وانعكاساته على التوازنات المالية، والتأكيد على أهمية النظر في إعداد قانون مالية تكميلي والمصادقة عليه عند الاقتضاء، بما يتيح معالجة الاختلالات المسجلة على مستوى نفقات الميزانية والتوازنات المالية، كما تمت دعوة مجلس نواب الشعب إلى الاضطلاع بدوره في مناقشة الخيارات المالية والاقتصادية ومتابعة مدى تنفيذ الميزانية وتقييم السياسات العمومية، بما يضمن الشفافية والنجاعة وحسن التصرف في المال العام".. ومن بين المواضيع الأخرى التي تم التطرق إليها وفق نفس البلاغ "مسألة التنسيق والتواصل بين مؤسسات الدولة، حيث تمتت إثارة بعض الإشكاليات الاتصالية التي تستوجب مزيد العمل على تطوير قنوات التواصل والتنسيق المؤسساتي، بما يساهم في توحيد الجهود وتوضيح الأدوار وتسريع تنفيذ السياسات والبرامج الوطنية".
اجتماعات يومية
وفي المجلس الوطني للجهات والأقاليم، توصلت لجنة المالية والميزانية التي يرأسها النائب علي الحسومي البيولي بدورها بتقرير حول تنفيذ ميزانية الدولة إلى موفى جوان 2026 وتوجهات وفرضيات مشروع ميزانية الدولة لسنة 2027 الواردة في 35 صفحة تتوزع على أربعة أقسام. وتضمن القسم الأول معطيات ضافية حول الظرف الاقتصادي العالمي وأسواق المواد الأساسية وأزمة الطاقة وأسعار الحبوب وحول أداء الاقتصاد الوطني والنمو والتضخم والسياسة النقدية وسعر صرف الدينار أمام العملات الأجنبية والموجودات الصافية من العملة ومعطيات حول المبادرات التجارية، بينما تم التطرق في القسم الثاني إلى مدى تنفيذ ميزانية الدولة لسنة 2026 إلى غاية موفى شهر جوان، أما في القسم الثالث فتم الكشف عن التوجهات الإستراتيجية الكبرى للفترة 2027ـ 2029 في المجالات الاجتماعية والاقتصادية والتنمية الجهوية والبيئة والانتقال الطاقي، في حين تمحور الجزء الرابع حول توجهات مشروع ميزانية الدولة لسنة 2027 والفرضيات التي تم اعتمادها عند إعداد هذا المشروع..
ولتدارس هذه الوثيقة الصادرة عن وزارة المالية، كانت لجنة المالية والميزانية بالغرفة النيابية الثانية قد عقدت يوم الجمعة الماضي جلسة للغرض، وجاء في بلاغ صادر عنها أن هذه الجلسة خصصت لنقاش "أبرز المسائل الاقتصادية والمالية المتصلة بإعداد مشروع قانون المالية لسنة 2027، خصوصا الفرضيات المتعلقة بالنمو الاقتصادي وأسعار النفط والطاقة وسعر الصرف، وانعكاساتها المحتملة على توازنات الدّولة المالية، كما تم التباحث حول حاجيات التمويل وعجز الميزانية والمديونية العمومية والتحديات المرتبطة بقدرة الدولة على الإيفاء بالتزاماتها المالية وتوفير الموارد الضرورية للاستثمار ودعم التنمية، وقررت اللجنة عقد جلسات عمل يومية حول التقرير المحال إليها من وزارة المالية والمتعلّق بتنفيذ ميزانية الدّولة إلى موفّى السداسي الأول من سنة 2026 وتدقيق معطياته، ودراسة الفرضيات والتوجهات الكبرى لمشروع قانون المالية لسنة 2027 مع التعمّق في أحكامه وإجراءاته، بما يتيح بلورة مقترحات وتعديلات تستجيب للأولويات الوطنية وتراعي الإمكانيات المتاحة".. كما تم التأكيد في نفس الجلسة على "ضرورة تكثيف أشغال لجنة المالية والميزانية وتعزيز التنسيق والتكامل مع بقية اللجان، مع تشريك كافة الأطراف المتدخلة، توحيدا للجهود وقصد تبادل الآراء والتصوّرات بشأن مشروع ميزانية الدّولة ومشروع قانون المالية لسنة 2027، حتّى تضطلع لجنة المالية والميزانية بدورها في دراسة توجّهات الدّولة واختياراتها المالية، وتقدّم مقترحات عمليّة وواقعية وقابلة للتنفيذ، من شأنها تحسين التصرّف في المال العام وترسيخ مبادئ الشفافية والحوكمة الرشيدة، خدمة للمصلحة الوطنية وتكريسا للتنمية العادلة والمتوازنة بين جهات تونس وأقاليمها".
إعداد المقترحات
وخصصت لجنة الخدمات والتنمية الاجتماعية بالمجلس الوطني للجهات والأقاليم التي يرأسها النائب رفيق الشنوفي، جانب من أشغال جلستها المنعقدة يوم الثلاثاء الماضي، لمتابعة الاستعدادات المتعلقة بمناقشة مشروعي ميزانية الدولة وقانون المالية لسنة 2027، وتداولت اللجنة بالخصوص حول الملفّات ذات صلة بقطاعات الصحّة والتربية والنقل وجاء في بلاغ صادر عنها أنه تم التأكيد على "ضرورة الإعداد الجيّد لمناقشة المَهمّات خلال الجلسات المشتركة مع مجلس نواب الشعب، بما يضمن جاهزية اللجنة للاضطلاع بدورها في دراسة الاعتمادات والبرامج ومتابعة تنفيذها، وشدّد الأعضاء على أهمية دراسة المعطيات والوثائق المتعلقة بتنفيذ ميزانية الدولة خلال النصف الأول من سنة 2026، إلى جانب الإطلاع على الخطوط العريضة لمشروع قانون المالية لسنة 2027، قصد إعداد مداخلات اللجنة ومقترحاتها وملاحظاتها في إطار أداء دورها الرّقابي ومتابعة الخيارات والبرامج ذات الصّلة بمجالات اختصاصها".
وبالنسبة إلى لجنة المخططات التنموية والمشاريع الكبرى بالمجلس الوطني للجهات والأقاليم، التي ترأسها النائبة سعيدة شقير، فتم يوم الثلاثاء الماضي التأكيد على مواصلة متابعة تنفيذ مخطط التنمية 2026-2030، والوقوف على مدى ترجمة توجّهاته وأهدافه إلى برامج ومشاريع فعليّة بما يضمن تحقيق الأهداف التنموية المرسومة، كما مثّل الاستعداد لمناقشة مشروع قانون المالية لسنة 2027 حسب بلاغ صادر عنها، "محورًا هاما من محاور الجلسة، حيث تم التركيز على أهمّية متابعة الخيارات والتوجّهات التي سيقوم عليها بدقّة، بما ينسجم مع أولويّات التنمية ويستجيب للتحديات الاقتصادية والاجتماعية المطروحة".
وكان مكتب المجلس الوطني للجهات والأقاليم قد قرر خلال اجتماعه بتاريخ غرة أكتوبر الجاري دعوة كافة لجان المجلس إلى استئناف نشاطها، استعداداً للنظر في مشروع ميزانية الدولة لسنة 2027.
توجهات كبرى
ويتنزل إعداد مشروع ميزانية الدولة لسنة 2027 ضمن المقتضيات والصيغ الواردة بالقانون الأساسي عدد 15 لسنة 2019 المؤرخ في 13 فيفري 2019 والمتعلق بالقانون الأساسي للميزانية ونصوصه التطبيقية. وجاء في منشور وجهته رئيسة الحكومة منذ شهر أفريل الماضي للوزراء وكتاب الدولة ورؤساء الهياكل العمومية والولاة ورؤساء البرامج أن إعداد هذا المشروع يندرج في إطار التوجهات الإستراتيجية الكبرى لمخطط التنمية 2026ـ 2030 واعتمادا على رؤية تنبني على مبادئ وخيارات ثابتة من ذك تحديد أولويات الدولة في كل المجالات والقطاعات والتعويل على الذات. ويعتمد المشروع بالأساس على تكريس البناء القاعدي وتجسيم المنهج التصاعدي والتشاركي في تحقيق التنمية في مختلف الأقاليم والجهات بمشاركة كل الفاعلين بما يضمن تمثيلية أوسع ويؤسس لخيارات تنموية تساهم فيها الدولة من خلال مواردها ويشارك فيها المواطن. ويتضمن المشروع تنفيذ عدد من المشاريع المقترحة من قبل المجالس المحلية والمجالس الجهوية ومجالس الأقاليم في إطار مخطط التنمية مع رصد ميزانية الدولة للاعتمادات المالية اللازمة فضلا عن مرافقة الإدارة المركزية للمجالس المذكورة في تجسيم تصوراتها وتحويلها إلى مشاريع تنموية تجسيدا لفلسفة التخطيط الجديد. ويتمثل التوجه في إعداد مشروع ميزانية الدولة لسنة 2027 في جعلها ميزانية صامدة أمام الأزمات العالمية ومخلفات النزاع القائم خلال سنة 2026 وذلك من خلال تنويع النسيج الاقتصادي وتعصيره ودعم منظومات الإنتاج وتشجيع المبادرات الجماعية ومواصلة تجسيم أهداف الميزانيات السابقة من حيث بلوغ الأمن الغذائي والأمن الطاقي والأمن المائي والأمن الدوائي وكل ما هو أساسي لتوفير الأمان للمواطن التونسي في ظل الوضع الجيوسياسي المتقلب وحالة عدم اليقين التي يشهدها العالم.
كما تمت الإشارة في نفس المنشور أن الميزانية تهدف إلى تحقيق تناغم بين السياسات القطاعية والخصوصيات التنموية لكل جهة قصد تقليص الفوارق بين الجهات والارتقاء بجودة الخدمات العمومية بها، وتضع ميزانية التنمية المجالية في صدارة أولوياتها خاصة في قطاعات الصحة والتعليم والنقل بالتوازي مع ترسيخ التصرف القائم على تقييم الأداء. ويمثل تسريع انجاز المشاريع الهيكلية في مختلف الجهات رافعة أساسية لتجسيد هذا المسار التنموي الجديد وضمان فاعليته.
واستنادا إلى منشور رئيسة الحكومة سالف الذكر، فإن من أهم أولويات ميزانية الدولة لسنة 2027 "تحقيق التوازن بين متطلبات الاستدامة المالية وتوفير مقومات النمو الاقتصادي والاجتماعي الشامل وذلك بالأساس من خلال:
ـ التحكم التدريجي في التوازنات المالية وتعزيز السيادة الوطنية عبر تدعيم الموارد الذاتية للدولة وتحسين نجاعة الإنفاق العمومي وحوكمته استنادا إلى رؤية تنموية متكاملة تربط بين الاستقرار المالي وتحفيز النمو الاقتصادي وخلق الثروة بما يمكن من تقليص الحاجة للاقتراض الخارجي ويضمن استدامة المالية العمومية واستقلالية القرار الوطني.
ـ تعزيز عدالة المنظومة الجبائية وتطوير مردوديتها من خلال دعم الامتثال الضريبي وتوسيع القاعدة الجبائية والتقدم في إدماج الاقتصاد الموازي في الدورة الاقتصادية المنظمة ومكافحة مختلف أشكال التهرب الجبائي عبر تعزيز آليات الرقابة وتعصير المنظومة الجبائية بما يواكب التحول الرقمي والتكنولوجيات الحديثة.
ـ تكريس العدالة الاجتماعية وتعزيز الإدماج المالي عبر دعم الفئات محدودة الدخل وتحسين قدرتها الشرائية من خلال برامج الدعم الاجتماعي خاصة في مجالات الصحة والتعليم والسكن إلى جانب تطوير البنية التحتية المالية وتيسير النفاذ إلى التمويل لفائدة المبادرات الصغرى والمتوسطة وتشجيع التحول الرقمي في الخدمات المالية.
ـ إصلاح المنظومة الصحية ومنظومة الضمان الاجتماعي وتدعيم التغطية الصحية من خلال الارتقاء بجودة الخدمات الصحية وتأمين ديمومة النفاذ إليها والتزويد المنتظم بالأدوية وتنمية الصناعات الصيدلية المحلية فضلا عن ضمان الاستدامة المالية للصناديق الاجتماعية.
ـ دعم الأمن الغذائي بتطوير المنظومات الفلاحية وأنظمة الإنتاج النباتي والحيواني وتعزيز صمودها وإعادة تكوين القطيع الوطني من الأبقار والأغنام وتعزيز قدرات تخزين الإنتاج للحد من انعكاسات تقلبات الأسواق العالمية والتوقي من اضطرابات سلاسل الإمداد بما يحقق السيادة الغذائية.
ـ دعم الأمن المائي ومجابهة الشح المائي باعتماد تقنيات فلاحية ذكية ومقتصدة للماء بما يحقق السيادة المائية.
ـ دعم الانتقال الطاقي باعتباره أولوية إستراتيجية لخفض العجز الطاقي وتأمين الإمدادات والالتزام بالمتطلبات البيئية عبر التسريع في تنفيذ مشاريع الطاقات المتجددة ودعم النجاعة الطاقية في مختلف المجالات الاقتصادية.
ـ إعادة تنظيم وإصلاح الهياكل والمؤسسات العمومية في إطار خطة شاملة ترتكز بالأساس على المحافظة على المساهمات العمومية وضمان التوازنات المالية للمنشآت والمؤسسات العمومية واستدامتها والرفع من أدائها وإنتاجيتها وتعزيز جودة خدماتها من خلال إرساء أنظمة إدارة جودة معتمدة وتطوير نظم الحوكمة والضغط على الأعباء المالية.
ـ تعزيز التحول الرقمي الشامل من خلال تسريع الترابط البيني بين مختلف الأنظمة وتعزيز السلامة المعلوماتية بما يضمن تدفق سلس وآمن للبيانات ويرفع من أداء المرفق العمومي ونجاعته ويؤسس لبيئة رقمية مندمجة وآمنة تحفز الابتكار وتدعم الشفافية وتسرع وتيرة انجاز المشاريع وتحقيق التنمية الشاملة.
ـ دفع الاستثمار العمومي والخاص وتعزيز التنمية الجهوية المتوازنة من خلال منح أهمية قصوى لتطوير البنية التحتية ورفع نجاعة الخدمات العمومية باعتبارها ركيزة أساسية لتحسين مناخ الأعمال وتعزيز تنافسية الاقتصاد الوطني مع إعطاء الأولوية لمشاريع التنمية الجهوية بما يضمن توزيعا أكثر عدلا للثروة وتكافؤ الفرص بين مختلف الجهات ويعزز التماسك الاجتماعي والتنمية المجالية المتوازنة مع تسريع الانتقال الطاقي ودعم الاستثمار في الطاقات المتجددة".
وسيتم نقاش مشروع ميزانية الدولة ومشروع الميزان الاقتصادي ومشروع قانون المالية لسنة 2027 من قبل مجلس نواب الشعب والمجلس الوطني للجهات والأقاليم في جلسات مشتركة طبقا لأحكام الدستور وللمرسوم المنظم للعلاقات بين الغرفتين النيابيتين.
سعيدة بوهلال
تونس- الصباح
شرعت مختلف هياكل مجلس نواب الشعب والمجلس الوطني للجهات والأقاليم في الاستعداد للنظر في مشاريع قوانين المالية وميزانية الدولة والميزان الاقتصادي لسنة 2027. ففي مجلس نواب الشعب، وبعد الإطلاع على تقرير حول مدى تنفيذ ميزانية الدولة لسنة 2026 والفرضيات والتوجهات الكبرى بمشروع ميزانية الدولة لسنة 2027 ونقاش الخطوط العريضة بهذا التقرير، تمسكت لجنة المالية والميزانية التي يرأسها النائب ماهر الكتاري ببرمجة جلسة استماع إلى وزيرة المالية رغبة من أعضائها في مزيد التعمق في دراسة هذه الوثيقة على أن تنعقد الجلسة قبيل المرور إلى دراسة المشاريع الثلاثة سالفة الذكر.
أما بالنسبة إلى بقية اللجان فهي بصدد الاستعداد للنظر في المهمات والمهمات الخاصة بمشروع ميزانية الدولة، وهناك مشاورات بينها من أجل تنسيق الجهود وتكثيف المشاورات مع الكتل البرلمانية ومع النواب غير المنتمين إلى كتل من أجل تقريب وجهات النظر والتوافق حول مقترحات تعديل مشروع قانون المالية ومقترحات الفصول الإضافية إلى جانب رغبتها في تلافي التضخم التشريعي وتجنب تكرار ما حصل خلال السنوات الماضية حيث تم تمرير كم كبير من الفصول الإضافية لمشاريع قوانين المالية خاصة قانون المالية لسنة 2026 لكن الكثير منها بقيت حبرا على ورق.
وفي نفس السياق، واستعدادا للمحطات القادمة وأبرزها نقاش مشروع الميزانية تم خلال الأسبوع الماضي تنظيم اجتماع ندوة الرؤساء بمجلس نواب الشعب، ويضم هذا الهيكل كل من رئيس المجلس ونائبيه والنواب المساعدين للرئيس ورؤساء اللجان القارة ورؤساء الكتل النيابية وممثلين عن غير المنتمين إلى كتل، وفي بلاغ صادر عن المجلس تمت الإشارة إلى أنه التداول حول "تداعيات الارتفاع المسجل في أسعار برميل النفط وانعكاساته على التوازنات المالية، والتأكيد على أهمية النظر في إعداد قانون مالية تكميلي والمصادقة عليه عند الاقتضاء، بما يتيح معالجة الاختلالات المسجلة على مستوى نفقات الميزانية والتوازنات المالية، كما تمت دعوة مجلس نواب الشعب إلى الاضطلاع بدوره في مناقشة الخيارات المالية والاقتصادية ومتابعة مدى تنفيذ الميزانية وتقييم السياسات العمومية، بما يضمن الشفافية والنجاعة وحسن التصرف في المال العام".. ومن بين المواضيع الأخرى التي تم التطرق إليها وفق نفس البلاغ "مسألة التنسيق والتواصل بين مؤسسات الدولة، حيث تمتت إثارة بعض الإشكاليات الاتصالية التي تستوجب مزيد العمل على تطوير قنوات التواصل والتنسيق المؤسساتي، بما يساهم في توحيد الجهود وتوضيح الأدوار وتسريع تنفيذ السياسات والبرامج الوطنية".
اجتماعات يومية
وفي المجلس الوطني للجهات والأقاليم، توصلت لجنة المالية والميزانية التي يرأسها النائب علي الحسومي البيولي بدورها بتقرير حول تنفيذ ميزانية الدولة إلى موفى جوان 2026 وتوجهات وفرضيات مشروع ميزانية الدولة لسنة 2027 الواردة في 35 صفحة تتوزع على أربعة أقسام. وتضمن القسم الأول معطيات ضافية حول الظرف الاقتصادي العالمي وأسواق المواد الأساسية وأزمة الطاقة وأسعار الحبوب وحول أداء الاقتصاد الوطني والنمو والتضخم والسياسة النقدية وسعر صرف الدينار أمام العملات الأجنبية والموجودات الصافية من العملة ومعطيات حول المبادرات التجارية، بينما تم التطرق في القسم الثاني إلى مدى تنفيذ ميزانية الدولة لسنة 2026 إلى غاية موفى شهر جوان، أما في القسم الثالث فتم الكشف عن التوجهات الإستراتيجية الكبرى للفترة 2027ـ 2029 في المجالات الاجتماعية والاقتصادية والتنمية الجهوية والبيئة والانتقال الطاقي، في حين تمحور الجزء الرابع حول توجهات مشروع ميزانية الدولة لسنة 2027 والفرضيات التي تم اعتمادها عند إعداد هذا المشروع..
ولتدارس هذه الوثيقة الصادرة عن وزارة المالية، كانت لجنة المالية والميزانية بالغرفة النيابية الثانية قد عقدت يوم الجمعة الماضي جلسة للغرض، وجاء في بلاغ صادر عنها أن هذه الجلسة خصصت لنقاش "أبرز المسائل الاقتصادية والمالية المتصلة بإعداد مشروع قانون المالية لسنة 2027، خصوصا الفرضيات المتعلقة بالنمو الاقتصادي وأسعار النفط والطاقة وسعر الصرف، وانعكاساتها المحتملة على توازنات الدّولة المالية، كما تم التباحث حول حاجيات التمويل وعجز الميزانية والمديونية العمومية والتحديات المرتبطة بقدرة الدولة على الإيفاء بالتزاماتها المالية وتوفير الموارد الضرورية للاستثمار ودعم التنمية، وقررت اللجنة عقد جلسات عمل يومية حول التقرير المحال إليها من وزارة المالية والمتعلّق بتنفيذ ميزانية الدّولة إلى موفّى السداسي الأول من سنة 2026 وتدقيق معطياته، ودراسة الفرضيات والتوجهات الكبرى لمشروع قانون المالية لسنة 2027 مع التعمّق في أحكامه وإجراءاته، بما يتيح بلورة مقترحات وتعديلات تستجيب للأولويات الوطنية وتراعي الإمكانيات المتاحة".. كما تم التأكيد في نفس الجلسة على "ضرورة تكثيف أشغال لجنة المالية والميزانية وتعزيز التنسيق والتكامل مع بقية اللجان، مع تشريك كافة الأطراف المتدخلة، توحيدا للجهود وقصد تبادل الآراء والتصوّرات بشأن مشروع ميزانية الدّولة ومشروع قانون المالية لسنة 2027، حتّى تضطلع لجنة المالية والميزانية بدورها في دراسة توجّهات الدّولة واختياراتها المالية، وتقدّم مقترحات عمليّة وواقعية وقابلة للتنفيذ، من شأنها تحسين التصرّف في المال العام وترسيخ مبادئ الشفافية والحوكمة الرشيدة، خدمة للمصلحة الوطنية وتكريسا للتنمية العادلة والمتوازنة بين جهات تونس وأقاليمها".
إعداد المقترحات
وخصصت لجنة الخدمات والتنمية الاجتماعية بالمجلس الوطني للجهات والأقاليم التي يرأسها النائب رفيق الشنوفي، جانب من أشغال جلستها المنعقدة يوم الثلاثاء الماضي، لمتابعة الاستعدادات المتعلقة بمناقشة مشروعي ميزانية الدولة وقانون المالية لسنة 2027، وتداولت اللجنة بالخصوص حول الملفّات ذات صلة بقطاعات الصحّة والتربية والنقل وجاء في بلاغ صادر عنها أنه تم التأكيد على "ضرورة الإعداد الجيّد لمناقشة المَهمّات خلال الجلسات المشتركة مع مجلس نواب الشعب، بما يضمن جاهزية اللجنة للاضطلاع بدورها في دراسة الاعتمادات والبرامج ومتابعة تنفيذها، وشدّد الأعضاء على أهمية دراسة المعطيات والوثائق المتعلقة بتنفيذ ميزانية الدولة خلال النصف الأول من سنة 2026، إلى جانب الإطلاع على الخطوط العريضة لمشروع قانون المالية لسنة 2027، قصد إعداد مداخلات اللجنة ومقترحاتها وملاحظاتها في إطار أداء دورها الرّقابي ومتابعة الخيارات والبرامج ذات الصّلة بمجالات اختصاصها".
وبالنسبة إلى لجنة المخططات التنموية والمشاريع الكبرى بالمجلس الوطني للجهات والأقاليم، التي ترأسها النائبة سعيدة شقير، فتم يوم الثلاثاء الماضي التأكيد على مواصلة متابعة تنفيذ مخطط التنمية 2026-2030، والوقوف على مدى ترجمة توجّهاته وأهدافه إلى برامج ومشاريع فعليّة بما يضمن تحقيق الأهداف التنموية المرسومة، كما مثّل الاستعداد لمناقشة مشروع قانون المالية لسنة 2027 حسب بلاغ صادر عنها، "محورًا هاما من محاور الجلسة، حيث تم التركيز على أهمّية متابعة الخيارات والتوجّهات التي سيقوم عليها بدقّة، بما ينسجم مع أولويّات التنمية ويستجيب للتحديات الاقتصادية والاجتماعية المطروحة".
وكان مكتب المجلس الوطني للجهات والأقاليم قد قرر خلال اجتماعه بتاريخ غرة أكتوبر الجاري دعوة كافة لجان المجلس إلى استئناف نشاطها، استعداداً للنظر في مشروع ميزانية الدولة لسنة 2027.
توجهات كبرى
ويتنزل إعداد مشروع ميزانية الدولة لسنة 2027 ضمن المقتضيات والصيغ الواردة بالقانون الأساسي عدد 15 لسنة 2019 المؤرخ في 13 فيفري 2019 والمتعلق بالقانون الأساسي للميزانية ونصوصه التطبيقية. وجاء في منشور وجهته رئيسة الحكومة منذ شهر أفريل الماضي للوزراء وكتاب الدولة ورؤساء الهياكل العمومية والولاة ورؤساء البرامج أن إعداد هذا المشروع يندرج في إطار التوجهات الإستراتيجية الكبرى لمخطط التنمية 2026ـ 2030 واعتمادا على رؤية تنبني على مبادئ وخيارات ثابتة من ذك تحديد أولويات الدولة في كل المجالات والقطاعات والتعويل على الذات. ويعتمد المشروع بالأساس على تكريس البناء القاعدي وتجسيم المنهج التصاعدي والتشاركي في تحقيق التنمية في مختلف الأقاليم والجهات بمشاركة كل الفاعلين بما يضمن تمثيلية أوسع ويؤسس لخيارات تنموية تساهم فيها الدولة من خلال مواردها ويشارك فيها المواطن. ويتضمن المشروع تنفيذ عدد من المشاريع المقترحة من قبل المجالس المحلية والمجالس الجهوية ومجالس الأقاليم في إطار مخطط التنمية مع رصد ميزانية الدولة للاعتمادات المالية اللازمة فضلا عن مرافقة الإدارة المركزية للمجالس المذكورة في تجسيم تصوراتها وتحويلها إلى مشاريع تنموية تجسيدا لفلسفة التخطيط الجديد. ويتمثل التوجه في إعداد مشروع ميزانية الدولة لسنة 2027 في جعلها ميزانية صامدة أمام الأزمات العالمية ومخلفات النزاع القائم خلال سنة 2026 وذلك من خلال تنويع النسيج الاقتصادي وتعصيره ودعم منظومات الإنتاج وتشجيع المبادرات الجماعية ومواصلة تجسيم أهداف الميزانيات السابقة من حيث بلوغ الأمن الغذائي والأمن الطاقي والأمن المائي والأمن الدوائي وكل ما هو أساسي لتوفير الأمان للمواطن التونسي في ظل الوضع الجيوسياسي المتقلب وحالة عدم اليقين التي يشهدها العالم.
كما تمت الإشارة في نفس المنشور أن الميزانية تهدف إلى تحقيق تناغم بين السياسات القطاعية والخصوصيات التنموية لكل جهة قصد تقليص الفوارق بين الجهات والارتقاء بجودة الخدمات العمومية بها، وتضع ميزانية التنمية المجالية في صدارة أولوياتها خاصة في قطاعات الصحة والتعليم والنقل بالتوازي مع ترسيخ التصرف القائم على تقييم الأداء. ويمثل تسريع انجاز المشاريع الهيكلية في مختلف الجهات رافعة أساسية لتجسيد هذا المسار التنموي الجديد وضمان فاعليته.
واستنادا إلى منشور رئيسة الحكومة سالف الذكر، فإن من أهم أولويات ميزانية الدولة لسنة 2027 "تحقيق التوازن بين متطلبات الاستدامة المالية وتوفير مقومات النمو الاقتصادي والاجتماعي الشامل وذلك بالأساس من خلال:
ـ التحكم التدريجي في التوازنات المالية وتعزيز السيادة الوطنية عبر تدعيم الموارد الذاتية للدولة وتحسين نجاعة الإنفاق العمومي وحوكمته استنادا إلى رؤية تنموية متكاملة تربط بين الاستقرار المالي وتحفيز النمو الاقتصادي وخلق الثروة بما يمكن من تقليص الحاجة للاقتراض الخارجي ويضمن استدامة المالية العمومية واستقلالية القرار الوطني.
ـ تعزيز عدالة المنظومة الجبائية وتطوير مردوديتها من خلال دعم الامتثال الضريبي وتوسيع القاعدة الجبائية والتقدم في إدماج الاقتصاد الموازي في الدورة الاقتصادية المنظمة ومكافحة مختلف أشكال التهرب الجبائي عبر تعزيز آليات الرقابة وتعصير المنظومة الجبائية بما يواكب التحول الرقمي والتكنولوجيات الحديثة.
ـ تكريس العدالة الاجتماعية وتعزيز الإدماج المالي عبر دعم الفئات محدودة الدخل وتحسين قدرتها الشرائية من خلال برامج الدعم الاجتماعي خاصة في مجالات الصحة والتعليم والسكن إلى جانب تطوير البنية التحتية المالية وتيسير النفاذ إلى التمويل لفائدة المبادرات الصغرى والمتوسطة وتشجيع التحول الرقمي في الخدمات المالية.
ـ إصلاح المنظومة الصحية ومنظومة الضمان الاجتماعي وتدعيم التغطية الصحية من خلال الارتقاء بجودة الخدمات الصحية وتأمين ديمومة النفاذ إليها والتزويد المنتظم بالأدوية وتنمية الصناعات الصيدلية المحلية فضلا عن ضمان الاستدامة المالية للصناديق الاجتماعية.
ـ دعم الأمن الغذائي بتطوير المنظومات الفلاحية وأنظمة الإنتاج النباتي والحيواني وتعزيز صمودها وإعادة تكوين القطيع الوطني من الأبقار والأغنام وتعزيز قدرات تخزين الإنتاج للحد من انعكاسات تقلبات الأسواق العالمية والتوقي من اضطرابات سلاسل الإمداد بما يحقق السيادة الغذائية.
ـ دعم الأمن المائي ومجابهة الشح المائي باعتماد تقنيات فلاحية ذكية ومقتصدة للماء بما يحقق السيادة المائية.
ـ دعم الانتقال الطاقي باعتباره أولوية إستراتيجية لخفض العجز الطاقي وتأمين الإمدادات والالتزام بالمتطلبات البيئية عبر التسريع في تنفيذ مشاريع الطاقات المتجددة ودعم النجاعة الطاقية في مختلف المجالات الاقتصادية.
ـ إعادة تنظيم وإصلاح الهياكل والمؤسسات العمومية في إطار خطة شاملة ترتكز بالأساس على المحافظة على المساهمات العمومية وضمان التوازنات المالية للمنشآت والمؤسسات العمومية واستدامتها والرفع من أدائها وإنتاجيتها وتعزيز جودة خدماتها من خلال إرساء أنظمة إدارة جودة معتمدة وتطوير نظم الحوكمة والضغط على الأعباء المالية.
ـ تعزيز التحول الرقمي الشامل من خلال تسريع الترابط البيني بين مختلف الأنظمة وتعزيز السلامة المعلوماتية بما يضمن تدفق سلس وآمن للبيانات ويرفع من أداء المرفق العمومي ونجاعته ويؤسس لبيئة رقمية مندمجة وآمنة تحفز الابتكار وتدعم الشفافية وتسرع وتيرة انجاز المشاريع وتحقيق التنمية الشاملة.
ـ دفع الاستثمار العمومي والخاص وتعزيز التنمية الجهوية المتوازنة من خلال منح أهمية قصوى لتطوير البنية التحتية ورفع نجاعة الخدمات العمومية باعتبارها ركيزة أساسية لتحسين مناخ الأعمال وتعزيز تنافسية الاقتصاد الوطني مع إعطاء الأولوية لمشاريع التنمية الجهوية بما يضمن توزيعا أكثر عدلا للثروة وتكافؤ الفرص بين مختلف الجهات ويعزز التماسك الاجتماعي والتنمية المجالية المتوازنة مع تسريع الانتقال الطاقي ودعم الاستثمار في الطاقات المتجددة".
وسيتم نقاش مشروع ميزانية الدولة ومشروع الميزان الاقتصادي ومشروع قانون المالية لسنة 2027 من قبل مجلس نواب الشعب والمجلس الوطني للجهات والأقاليم في جلسات مشتركة طبقا لأحكام الدستور وللمرسوم المنظم للعلاقات بين الغرفتين النيابيتين.