لم يعد الذكاء الاصطناعي موضوعا مستقبليا منفصلا عن واقع الصناعات الثقافية، بل أصبح جزءا من التحولات التي تعيشها الموسيقى في مراحل إنتاجها وترويجها واستهلاكها. ومع توسع استخدام الأدوات الرقمية في التأليف والتوزيع والهندسة الصوتية وتوليد الأصوات، يزداد النقاش حول الحدود التي ينبغي أن تفصل بين توظيف التكنولوجيا لخدمة الفنان وبين تحولها إلى بديل عن العمل الإبداعي البشري. وهو النقاش الذي عاد إلى الواجهة من خلال الندوة التي حملت عنوان "الذكاء الاصطناعي والموسيقى: تهديد أم فرصة؟"، التي احتضنتها قاعة صوفي قلي بمدينة الثقافة الشاذلي القليبي في إطار الدورة الحادية عشرة لأيام قرطاج الموسيقية.
اللقاء، الذي أداره المستشار في اقتصاد الثقافة والصناعات الإبداعية أمين أحمد العزوزي، وشارك فيه الجامعي والفنان متعدد الاختصاصات زياد المؤدب الحمروني والموسيقي والمؤلف سامي بن سعيد، وضع التحول التكنولوجي في سياقه المهني والفني، بعيدا عن اختزاله في سؤال بسيط حول ما إذا كان الذكاء الاصطناعي "خطرا" أو "فرصة". فالمسألة، وفق ما طرح خلال النقاش، تتصل بسلسلة كاملة من التغيرات التي تمس طريقة صناعة الموسيقى، ومكانة الفنان، وحقوق المؤلف، وكذلك طبيعة العلاقة بين الإنسان والآلة.
وتأتي هذه الندوة ضمن اللقاءات المهنية التي تضمنها برنامج الدورة الحالية لأيام قرطاج الموسيقية، والتي تركز إلى جانب العروض على عدد من القضايا التي تشغل العاملين في القطاع الموسيقي. وقد خصص اللقاء المتعلق بالذكاء الاصطناعي للبحث في تأثير هذه التقنيات على مراحل الإبداع والتأليف والإنتاج والتوزيع، فضلا عن الفرص والتحديات التي تطرحها أمام الفنانين والمهنيين ومستقبل حقوق المؤلف.
وخلال النقاش، برزت حقيقة أن الذكاء الاصطناعي لم يعد مجرد أداة تجريبية، وإنما أصبح حاضرا في عدد متزايد من مراحل صناعة الموسيقى. فالتقنيات المتاحة اليوم تسمح بالمساعدة في توليد أفكار موسيقية، ومعالجة الصوت، وإنتاج توزيعات ومؤثرات، إلى جانب إمكانات مرتبطة بالأصوات الرقمية. وهو ما يفتح أمام الموسيقي إمكانات جديدة لتسريع بعض مراحل العمل وخفض كلفتها، لكنه في الوقت نفسه يفرض أسئلة تتعلق بجودة المنتج وبمصدر المواد التي تعتمد عليها النماذج الرقمية.
ومن أبرز النقاط التي أثيرت خلال الندوة ما وصف بظاهرة "صدمة الوفرة الرقمية" في ظل الارتفاع الكبير في حجم المحتوى الموسيقي الذي تنتجه وتستقبلُه المنصات الرقمية. وفي هذا السياق، تمت الإشارة خلال النقاش إلى أن منصة "ديزر" الفرنسية تستقبل، وفق المعطيات التي طرحت في الندوة، نحو 90 ألف مقطع موسيقي يوميا، وهو رقم يعكس حجم التدفق المتواصل للمحتوى في البيئة الرقمية، ويطرح في المقابل أسئلة حول قدرة الأعمال الفنية على الوصول إلى الجمهور وسط هذا الكم المتزايد من الإنتاج.
ولا تتعلق المسألة بكمية الإنتاج فقط، وإنما أيضا بقيمة العمل الفني وبكيفية اكتشافه وتمييزه عن آلاف المنتجات التي يمكن إنتاجها في وقت قصير بمساعدة الأدوات الرقمية. فالموسيقى التي كانت في السابق تمر بمراحل طويلة من الكتابة والتلحين والتسجيل والتوزيع، أصبحت اليوم قادرة على الاستفادة من أدوات تختصر بعض هذه المراحل، بما يغير تدريجيا مفهوم الزمن والكلفة في عملية الإنتاج الموسيقي.
أما الجانب الأكثر حساسية فيتعلق بحقوق المؤلف والملكية الفكرية. فالنماذج المستخدمة في إنتاج المحتوى الموسيقي تعتمد على كميات كبيرة من البيانات، وهو ما يطرح أسئلة حول مصادر هذه البيانات وكيفية استعمالها، وما إذا كان أصحاب المصنفات الفنية الأصلية يحصلون على حقوقهم عندما تستخدم أعمالهم في تدريب الأنظمة. كما يطرح الأمر إشكالا آخر يتعلق بتحديد صاحب الحق في عمل تم إنتاجه بمساعدة خوارزمية: هل هو الفنان الذي وضع الفكرة ووجه الأداة، أم المستخدم الذي أصدر التعليمات، أم الجهة المطورة للتكنولوجيا؟
وفي تصريح لـ"الصباح"، أوضح زياد المؤدب الحمروني أن التحدي الأساسي لا يكمن في تقنيات الذكاء الاصطناعي في حد ذاتها، وإنما في كيفية التعامل معها وتوجيهها. واعتبر أن القدرات الحسابية الكبيرة التي توفرها هذه التقنيات تفرض على المستخدم تحديد ما يطلبه منها بدقة، بما يضمن أن يكون الناتج منسجما مع الرؤية والهوية البشرية التي تقف وراء العمل.
وفي ما يتعلق بموقع تونس من هذه التحولات وكيفية حماية الخصوصية الثقافية والموسيقية، شدد الحمروني على أن المسألة تحتاج إلى خيار سياسي وحكومي شامل يربط بين تكنولوجيا الاتصالات والثقافة والمجالات المعلوماتية. وأكد أن بناء مشاريع قادرة على التعامل مع الذكاء الاصطناعي في المجال الموسيقي يتطلب تعاون اختصاصات متعددة، من مهندسي الإعلامية وخبراء الذكاء الاصطناعي إلى أساتذة الموسيقى والمختصين الذين يفهمون تفاصيل الموسيقى التونسية.
وأشار إلى أن مثل هذه المشاريع تحتاج كذلك إلى إمكانيات مادية ولوجستية وإلى رؤية طويلة المدى، باعتبار أن الذكاء الاصطناعي يقوم بدرجة كبيرة على البيانات الرقمية. ومن هذا المنظور، تصبح عملية رقمنة المادة الموسيقية وتوثيقها وتنظيمها مسألة تتجاوز الجانب التقني لتتصل أيضا بحماية الذاكرة الموسيقية الوطنية وإتاحة محتوياتها أمام البحث والتطوير.
من جهته، رأى الموسيقي سامي بن سعيد أن النقاش خلال الندوة انقسم أساسا بين المخاطر والفرص التي يوفرها الذكاء الاصطناعي باعتباره أداة جديدة في المجال الموسيقي. وأوضح أن هذه التقنيات يمكن أن توفر للمهنيين منتجات بجودة مقبولة وبكلفة زهيدة، وهو ما قد يساعد بعض الفنانين على إنجاز مراحل من مشاريعهم بموارد محدودة. غير أن هذه الإمكانات لا تلغي، في تقديره، إشكالية غياب الروح والمشاعر الإنسانية الأصيلة عن الأعمال التي تعتمد بصورة مفرطة على التوليد الآلي، فضلا عن الأسئلة المتعلقة بحقوق الملكية الفكرية والأدبية.
وأضاف بن سعيد أن الجانب التشريعي يظل من الملفات التي تحتاج إلى مزيد من النقاش، مشيرا إلى أن بعض التشريعات الغربية بدأت في التعامل مع المسألة، بينما ما يزال المجال محليا في حاجة إلى مزيد من البحث والتأطير. ويكتسب هذا النقاش أهمية خاصة بالنسبة إلى الفنانين، لأن التحول الرقمي لا يتعلق فقط بطريقة إنتاج الموسيقى، بل أيضا بكيفية توزيعها وتحقيق العائد منها وحماية أصحاب الحقوق المرتبطة بها.
وفي ما يخص واقع استعمال الذكاء الاصطناعي في تونس، أشار بن سعيد إلى أن أيام قرطاج الموسيقية تعاملت نسبيا مع الأعمال التي يكون فيها تدخل هذه التقنيات محدودا، موضحا أن نسبة استخدام الذكاء الاصطناعي في بعض الأعمال المقبولة يمكن أن تصل إلى حدود 20 بالمائة، شريطة ألا يؤثر ذلك سلبا في الجانب الإبداعي البحت للعمل. ويعكس هذا التوجه محاولة للتمييز بين الاستخدام الجزئي للأداة الرقمية وبين الأعمال التي يصبح فيها الذكاء الاصطناعي العنصر الأساسي في عملية الإنتاج.
وفي السياق ذاته، أوضح أن حالات الإقصاء بسبب الاستخدام المفرط للذكاء الاصطناعي في الأعمال المقدمة كانت محدودة للغاية، ولم تتجاوز، وفق ما ذكره، عملين أو ثلاثة. وهو ما يبرز أن المسألة لم تتحول إلى موقف رافض للتكنولوجيا بقدر ما أصبحت مرتبطة بكيفية استخدامها ومدى تأثيرها في القيمة الإبداعية للعمل.
ومن هنا، بدا أن الخلاف لا يتعلق بوجود الذكاء الاصطناعي في الموسيقى من عدمه، بقدر ما يتعلق بدرجة حضوره وطريقة توظيفه. فالآلة قادرة على معالجة كم هائل من المعطيات وإنتاج نتائج سريعة، لكنها لا تحدد وحدها الفكرة الفنية أو التجربة التي يريد الفنان التعبير عنها. وفي المقابل، يستطيع الموسيقي استخدام هذه الإمكانات لتطوير عمله، شرط أن تظل الرؤية الفنية والاختيار الجمالي والقرار الإبداعي في يد الإنسان.
وتطرح هذه التحولات على تونس تحديا مزدوجا: مواكبة التطور التكنولوجي وعدم البقاء خارج مسار صناعة موسيقية تتغير بسرعة، وفي الوقت نفسه حماية الخصوصية والهوية الثقافية وحقوق الفنانين وأصحاب المصنفات. ويبدو أن الإجابة لا تمر عبر رفض التكنولوجيا ولا عبر التسليم الكامل بها، وإنما عبر وضع إطار واضح لاستخدامها، وتطوير الكفاءات، ورقمنة الأرشيف الموسيقي، وتعزيز التعاون بين المختصين في التكنولوجيا والموسيقى والقانون والثقافة.
وبذلك، لم تخرج الندوة بإجابة قطعية عن السؤال الذي حمله عنوانها، لكنها نقلته إلى مستوى أكثر واقعية: كيف يمكن استخدام الذكاء الاصطناعي دون أن يتحول من أداة مساعدة إلى بديل عن الإبداع؟ وهو سؤال مرشح لأن يزداد حضورا مع اتساع استخدام التكنولوجيا في الصناعة الموسيقية، ويضع الفنان والمؤسسات الثقافية والجهات التشريعية أمام مسؤولية مشتركة تتمثل في مواكبة التحول مع الحفاظ على الإنسان باعتباره صاحب الرؤية والاختيار والمعنى في العمل الفني.
إيمان عبد اللطيف
تونس - الصباح
لم يعد الذكاء الاصطناعي موضوعا مستقبليا منفصلا عن واقع الصناعات الثقافية، بل أصبح جزءا من التحولات التي تعيشها الموسيقى في مراحل إنتاجها وترويجها واستهلاكها. ومع توسع استخدام الأدوات الرقمية في التأليف والتوزيع والهندسة الصوتية وتوليد الأصوات، يزداد النقاش حول الحدود التي ينبغي أن تفصل بين توظيف التكنولوجيا لخدمة الفنان وبين تحولها إلى بديل عن العمل الإبداعي البشري. وهو النقاش الذي عاد إلى الواجهة من خلال الندوة التي حملت عنوان "الذكاء الاصطناعي والموسيقى: تهديد أم فرصة؟"، التي احتضنتها قاعة صوفي قلي بمدينة الثقافة الشاذلي القليبي في إطار الدورة الحادية عشرة لأيام قرطاج الموسيقية.
اللقاء، الذي أداره المستشار في اقتصاد الثقافة والصناعات الإبداعية أمين أحمد العزوزي، وشارك فيه الجامعي والفنان متعدد الاختصاصات زياد المؤدب الحمروني والموسيقي والمؤلف سامي بن سعيد، وضع التحول التكنولوجي في سياقه المهني والفني، بعيدا عن اختزاله في سؤال بسيط حول ما إذا كان الذكاء الاصطناعي "خطرا" أو "فرصة". فالمسألة، وفق ما طرح خلال النقاش، تتصل بسلسلة كاملة من التغيرات التي تمس طريقة صناعة الموسيقى، ومكانة الفنان، وحقوق المؤلف، وكذلك طبيعة العلاقة بين الإنسان والآلة.
وتأتي هذه الندوة ضمن اللقاءات المهنية التي تضمنها برنامج الدورة الحالية لأيام قرطاج الموسيقية، والتي تركز إلى جانب العروض على عدد من القضايا التي تشغل العاملين في القطاع الموسيقي. وقد خصص اللقاء المتعلق بالذكاء الاصطناعي للبحث في تأثير هذه التقنيات على مراحل الإبداع والتأليف والإنتاج والتوزيع، فضلا عن الفرص والتحديات التي تطرحها أمام الفنانين والمهنيين ومستقبل حقوق المؤلف.
وخلال النقاش، برزت حقيقة أن الذكاء الاصطناعي لم يعد مجرد أداة تجريبية، وإنما أصبح حاضرا في عدد متزايد من مراحل صناعة الموسيقى. فالتقنيات المتاحة اليوم تسمح بالمساعدة في توليد أفكار موسيقية، ومعالجة الصوت، وإنتاج توزيعات ومؤثرات، إلى جانب إمكانات مرتبطة بالأصوات الرقمية. وهو ما يفتح أمام الموسيقي إمكانات جديدة لتسريع بعض مراحل العمل وخفض كلفتها، لكنه في الوقت نفسه يفرض أسئلة تتعلق بجودة المنتج وبمصدر المواد التي تعتمد عليها النماذج الرقمية.
ومن أبرز النقاط التي أثيرت خلال الندوة ما وصف بظاهرة "صدمة الوفرة الرقمية" في ظل الارتفاع الكبير في حجم المحتوى الموسيقي الذي تنتجه وتستقبلُه المنصات الرقمية. وفي هذا السياق، تمت الإشارة خلال النقاش إلى أن منصة "ديزر" الفرنسية تستقبل، وفق المعطيات التي طرحت في الندوة، نحو 90 ألف مقطع موسيقي يوميا، وهو رقم يعكس حجم التدفق المتواصل للمحتوى في البيئة الرقمية، ويطرح في المقابل أسئلة حول قدرة الأعمال الفنية على الوصول إلى الجمهور وسط هذا الكم المتزايد من الإنتاج.
ولا تتعلق المسألة بكمية الإنتاج فقط، وإنما أيضا بقيمة العمل الفني وبكيفية اكتشافه وتمييزه عن آلاف المنتجات التي يمكن إنتاجها في وقت قصير بمساعدة الأدوات الرقمية. فالموسيقى التي كانت في السابق تمر بمراحل طويلة من الكتابة والتلحين والتسجيل والتوزيع، أصبحت اليوم قادرة على الاستفادة من أدوات تختصر بعض هذه المراحل، بما يغير تدريجيا مفهوم الزمن والكلفة في عملية الإنتاج الموسيقي.
أما الجانب الأكثر حساسية فيتعلق بحقوق المؤلف والملكية الفكرية. فالنماذج المستخدمة في إنتاج المحتوى الموسيقي تعتمد على كميات كبيرة من البيانات، وهو ما يطرح أسئلة حول مصادر هذه البيانات وكيفية استعمالها، وما إذا كان أصحاب المصنفات الفنية الأصلية يحصلون على حقوقهم عندما تستخدم أعمالهم في تدريب الأنظمة. كما يطرح الأمر إشكالا آخر يتعلق بتحديد صاحب الحق في عمل تم إنتاجه بمساعدة خوارزمية: هل هو الفنان الذي وضع الفكرة ووجه الأداة، أم المستخدم الذي أصدر التعليمات، أم الجهة المطورة للتكنولوجيا؟
وفي تصريح لـ"الصباح"، أوضح زياد المؤدب الحمروني أن التحدي الأساسي لا يكمن في تقنيات الذكاء الاصطناعي في حد ذاتها، وإنما في كيفية التعامل معها وتوجيهها. واعتبر أن القدرات الحسابية الكبيرة التي توفرها هذه التقنيات تفرض على المستخدم تحديد ما يطلبه منها بدقة، بما يضمن أن يكون الناتج منسجما مع الرؤية والهوية البشرية التي تقف وراء العمل.
وفي ما يتعلق بموقع تونس من هذه التحولات وكيفية حماية الخصوصية الثقافية والموسيقية، شدد الحمروني على أن المسألة تحتاج إلى خيار سياسي وحكومي شامل يربط بين تكنولوجيا الاتصالات والثقافة والمجالات المعلوماتية. وأكد أن بناء مشاريع قادرة على التعامل مع الذكاء الاصطناعي في المجال الموسيقي يتطلب تعاون اختصاصات متعددة، من مهندسي الإعلامية وخبراء الذكاء الاصطناعي إلى أساتذة الموسيقى والمختصين الذين يفهمون تفاصيل الموسيقى التونسية.
وأشار إلى أن مثل هذه المشاريع تحتاج كذلك إلى إمكانيات مادية ولوجستية وإلى رؤية طويلة المدى، باعتبار أن الذكاء الاصطناعي يقوم بدرجة كبيرة على البيانات الرقمية. ومن هذا المنظور، تصبح عملية رقمنة المادة الموسيقية وتوثيقها وتنظيمها مسألة تتجاوز الجانب التقني لتتصل أيضا بحماية الذاكرة الموسيقية الوطنية وإتاحة محتوياتها أمام البحث والتطوير.
من جهته، رأى الموسيقي سامي بن سعيد أن النقاش خلال الندوة انقسم أساسا بين المخاطر والفرص التي يوفرها الذكاء الاصطناعي باعتباره أداة جديدة في المجال الموسيقي. وأوضح أن هذه التقنيات يمكن أن توفر للمهنيين منتجات بجودة مقبولة وبكلفة زهيدة، وهو ما قد يساعد بعض الفنانين على إنجاز مراحل من مشاريعهم بموارد محدودة. غير أن هذه الإمكانات لا تلغي، في تقديره، إشكالية غياب الروح والمشاعر الإنسانية الأصيلة عن الأعمال التي تعتمد بصورة مفرطة على التوليد الآلي، فضلا عن الأسئلة المتعلقة بحقوق الملكية الفكرية والأدبية.
وأضاف بن سعيد أن الجانب التشريعي يظل من الملفات التي تحتاج إلى مزيد من النقاش، مشيرا إلى أن بعض التشريعات الغربية بدأت في التعامل مع المسألة، بينما ما يزال المجال محليا في حاجة إلى مزيد من البحث والتأطير. ويكتسب هذا النقاش أهمية خاصة بالنسبة إلى الفنانين، لأن التحول الرقمي لا يتعلق فقط بطريقة إنتاج الموسيقى، بل أيضا بكيفية توزيعها وتحقيق العائد منها وحماية أصحاب الحقوق المرتبطة بها.
وفي ما يخص واقع استعمال الذكاء الاصطناعي في تونس، أشار بن سعيد إلى أن أيام قرطاج الموسيقية تعاملت نسبيا مع الأعمال التي يكون فيها تدخل هذه التقنيات محدودا، موضحا أن نسبة استخدام الذكاء الاصطناعي في بعض الأعمال المقبولة يمكن أن تصل إلى حدود 20 بالمائة، شريطة ألا يؤثر ذلك سلبا في الجانب الإبداعي البحت للعمل. ويعكس هذا التوجه محاولة للتمييز بين الاستخدام الجزئي للأداة الرقمية وبين الأعمال التي يصبح فيها الذكاء الاصطناعي العنصر الأساسي في عملية الإنتاج.
وفي السياق ذاته، أوضح أن حالات الإقصاء بسبب الاستخدام المفرط للذكاء الاصطناعي في الأعمال المقدمة كانت محدودة للغاية، ولم تتجاوز، وفق ما ذكره، عملين أو ثلاثة. وهو ما يبرز أن المسألة لم تتحول إلى موقف رافض للتكنولوجيا بقدر ما أصبحت مرتبطة بكيفية استخدامها ومدى تأثيرها في القيمة الإبداعية للعمل.
ومن هنا، بدا أن الخلاف لا يتعلق بوجود الذكاء الاصطناعي في الموسيقى من عدمه، بقدر ما يتعلق بدرجة حضوره وطريقة توظيفه. فالآلة قادرة على معالجة كم هائل من المعطيات وإنتاج نتائج سريعة، لكنها لا تحدد وحدها الفكرة الفنية أو التجربة التي يريد الفنان التعبير عنها. وفي المقابل، يستطيع الموسيقي استخدام هذه الإمكانات لتطوير عمله، شرط أن تظل الرؤية الفنية والاختيار الجمالي والقرار الإبداعي في يد الإنسان.
وتطرح هذه التحولات على تونس تحديا مزدوجا: مواكبة التطور التكنولوجي وعدم البقاء خارج مسار صناعة موسيقية تتغير بسرعة، وفي الوقت نفسه حماية الخصوصية والهوية الثقافية وحقوق الفنانين وأصحاب المصنفات. ويبدو أن الإجابة لا تمر عبر رفض التكنولوجيا ولا عبر التسليم الكامل بها، وإنما عبر وضع إطار واضح لاستخدامها، وتطوير الكفاءات، ورقمنة الأرشيف الموسيقي، وتعزيز التعاون بين المختصين في التكنولوجيا والموسيقى والقانون والثقافة.
وبذلك، لم تخرج الندوة بإجابة قطعية عن السؤال الذي حمله عنوانها، لكنها نقلته إلى مستوى أكثر واقعية: كيف يمكن استخدام الذكاء الاصطناعي دون أن يتحول من أداة مساعدة إلى بديل عن الإبداع؟ وهو سؤال مرشح لأن يزداد حضورا مع اتساع استخدام التكنولوجيا في الصناعة الموسيقية، ويضع الفنان والمؤسسات الثقافية والجهات التشريعية أمام مسؤولية مشتركة تتمثل في مواكبة التحول مع الحفاظ على الإنسان باعتباره صاحب الرؤية والاختيار والمعنى في العمل الفني.