إشترك في النسخة الرقمية لجريدة الصباح و LE TEMPS

من الصبغة الجامعية إلى انتداب أطباء الاختصاص.. خطوة نحو تحسين الخدمات الصحية 

تونس - الصباح

تمثل القرارات الأخيرة المتعلقة بمنح الصبغة الجامعية لعدد من المستشفيات والأقسام الطبية في الجهات مؤشرًا هامًا على النقلة التي بات يشهدها القطاع الصحي في بلادنا، وعلى توجه الدولة نحو توسيع الخارطة الطبية خارج الأقطاب الاستشفائية التقليدية.

وقد شملت هذه القرارات أقسامًا واختصاصات دقيقة في كل من تطاوين وسيدي بوزيد ومنزل بورقيبة، كما امتدت الإحداثات خلال الفترة الأخيرة إلى تحويل المستشفى الجهوي بجندوبة إلى مستشفى جامعي ومنح الصبغة الجامعية لعدد من الأقسام الطبية في جهات أخرى.

ولا تقف أهمية هذه القرارات عند حدود تغيير الصبغة القانونية للمؤسسات أو الأقسام المعنية، وإنما تكشف في جوهرها عن تحولات استراتيجية في طريقة إدارة المنظومة الصحية، قوامها نقل الاختصاص الطبي والخبرة والتكوين إلى الجهات، وعدم حصر الخدمات الصحية ذات المستوى المتقدم في العاصمة   bvh bv bn b   والمدن الكبرى. وتأتي هذه الجهود بالتوازي مع إحداث مؤسسات صحية جديدة وفتح مناظرة لانتداب 434 طبيب اختصاص في الصحة العمومية، بما يجعل مختلف هذه الإجراءات بمثابة حلقات مترابطة ضمن مسار واحد يرمي إلى تدعيم قدرة المؤسسات الجهوية على الاستجابة للحاجيات الصحية للمواطنين.

وتبرز في قلب هذا المسار توجيهات رئيس الدولة قيس سعيد التي تضع مسألة العدالة بين الجهات وتقليص الفوارق في النفاذ إلى الخدمات الأساسية ضمن أولويات العمل الحكومي. فالمسألة لا تتعلق فقط ببناء مؤسسة صحية في جهة داخلية أو بتوفير إطار طبي، وإنما بإرساء منظومة تكون قادرة على توفير العلاج والاختصاص والخبرة الطبية، بما يقلص الحاجة إلى التنقل نحو العاصمة أو الأقطاب الصحية التقليدية.

ولعل ما صدر خلال شهري جويلية وسبتمبر 2026 من قرارات مشتركة بين وزارتي الصحة والتعليم العالي والبحث العلمي يمثل أحد أبرز المؤشرات العملية على هذا التوجه، باعتبار أن منح الصبغة الجامعية لمؤسسات وأقسام طبية في جهات مختلفة يعني نقل جزء من الوظيفة الطبية والعلمية والتكوينية إلى خارج المراكز التقليدية المتعارف عليها.

 

 نقل الاختصاص إلى الجهات

تم في سبتمبر 2026 منح الصبغة الجامعية لقسم أمراض القلب بالمستشفى الجهوي بتطاوين، وقسم أمراض الكلى بالمستشفى الجامعي بسيدي بوزيد، وقسم جراحة الأطفال بالمستشفى الجهوي بمنزل بورقيبة. وقبل ذلك، شملت قرارات جويلية 2026 المستشفى الجهوي بجندوبة، الذي تم تحويله إلى مستشفى جامعي، إلى جانب أقسام أخرى بالمستشفى الجهوي بمنزل بورقيبة، من بينها قسم طب النساء والتوليد، فضلًا عن قسم الطب الشرعي بالمستشفى الجهوي بقبلي وأقسام أخرى في طب الأطفال وأمراض القلب والتصوير الطبي.

بما يؤشر إلى القول بأن الدولة لا تكتفي بتوسيع الخارطة الجغرافية للمؤسسات الصحية، وإنما تعمل أيضًا على توسيع خارطة الاختصاصات ذاتها.

فلطالما كان التفاوت في توزيع الاختصاصات والتجهيزات من أبرز عناوين التحديات التي تواجه المنظومة الصحية التونسية، مما أفضى إلى اكتظاظ رهيب على مستوى المركز بحثًا عن خدمات صحية متخصصة.

ومن هنا تبرز أهمية ما يجري حاليًا من توسيع لدائرة الصبغة الجامعية خارج العاصمة والأقطاب التقليدية.

وهنا تتجلى إحدى أبرز توجيهات رئيس الدولة قيس سعيد في المجال الصحي، والمتعلقة بتجسيم مبدأ العدالة الاجتماعية، فالمراد اليوم من الدولة، في أعلى هرمها، أن توفر للجهات خدمات صحية ترتقي إلى الجودة المطلوبة، سواء من حيث الاختصاصات الموجودة أو الأجهزة الطبية الحديثة المستعملة.

وضمن هذا التمشي، فإن تواتر القرارات المتعلقة بالصبغة الجامعية يمثل محاولة لإعادة رسم الخارطة الصحية على قاعدة شاملة وناجعة.

 

انتدابات في صفوف الأطباء

ويعتبر القرار الصادر في 4 سبتمبر 2026 والمتعلق بفتح مناظرة بالشهائد والأعمال لانتداب 434 طبيب اختصاص للصحة العمومية، خطوة عملية لتعزيز الخارطة الصحية في الجهات، لا سيما وأن الصبغة الجامعية تحتاج إلى أطباء اختصاص، وإلى تكوين وتأطير، وإلى تجهيزات، وإلى مسار علمي ومهني متكامل.

ومن ثم، فإن الانتداب المعلن يمثل محاولة جدية لسد الشغورات وتدعيم المؤسسات والأقسام الصحية، بما يجعل التوسع المؤسساتي مصحوبًا بتدعيم العنصر البشري.

ولا تقف التحولات التي يشهدها القطاع الصحي عند حدود الصبغة الجامعية والانتدابات، إذ تندرج ضمن مسار شامل يطال أيضًا إحداث وتنظيم مؤسسات صحية جديدة، على غرار المستشفى الذي تم إحداثه بالحنشة من ولاية صفاقس، والمؤسسة العمومية للصحة المتعلقة بمستشفى الحبيب بورقيبة بمدنين، إلى جانب المستشفى العسكري الجامعي بصفاقس الذي تم تنظيمه كمؤسسة عمومية للصحة ذات صبغة جامعية تحت إشراف وزارة الدفاع الوطني.

وتكتسب هذه الإحداثات أهمية عند وضعها ضمن المسار العام لتطوير الخارطة الصحية، لأنها تؤشر في جوهرها إلى أن الدولة تعمل على أكثر من واجهة.

وبالتالي، فإن التغيرات الراهنة على المنظومة الصحية لا يمكن اختزالها ضمن قرار أو في إجراء واحد، وإنما هي في جوهرها إعادة ترتيب لمكونات المنظومة الصحية.

وهنا يبرز التوجه الذي يطرحه رئيس الجمهورية قيس سعيد في معرض لقاءاته الرسمية، من ذلك أن الدولة مطالبة بإعادة الاعتبار إلى القطاعات الأساسية، وفي مقدمتها الصحة، بعيدًا عن سياسة الخطابات والشعارات الرنانة، وإنما عبر تحويل الخيارات إلى قرارات وإحداثات ومسارات تنفيذية يلمسها المواطن في تفاصيل يومه.

وهذا التوجه يتقاطع مع مسار شامل يطرحه رئيس الدولة قيس سعيد يتعلق بالدور الموكول للدولة في القطاعات الاجتماعية الأساسية.

وهنا يؤكد رئيس الجمهورية على ضرورة أن تكون الدولة حاضرة في الجهات، وأن يتم تجاوز مظاهر التفاوت، رابطًا مرارًا بين ضرورة تحمل المسؤولية وتبعاتها وبين ضرورة أن تتحول القرارات إلى إنجازات ملموسة.

وفي القطاع الصحي تحديدًا، تبرز هذه الرؤية من خلال التركيز على المؤسسات الجهوية وعلى الخدمات التي تصل إلى المواطن دون أن يتكبد مشقة التنقل، وهو ما ينسجم مع فكرة أن التنمية لا يمكن أن تظل متمركزة في العاصمة والمدن الكبرى المجاورة لها.

وبالتالي، فإن منح الصبغة الجامعية لمؤسسات في تطاوين وسيدي بوزيد وجندوبة ومنزل بورقيبة وقبلي لا يكتسي فقط بعدًا صحيًا، وإنما يحمل أيضًا في جوهره بعدًا تنمويًا هامًا.

 

 خارطة صحية جديدة

 

ويعتبر منح الصبغة الجامعية خطوة مؤسساتية هامة، غير أن تداعياتها الإيجابية على المواطن ستظل مرتبطة بمدى توفير الأطباء والتجهيزات والبنية الأساسية والموارد البشرية اللازمة، وبمدى قدرة المؤسسات المعنية على المحافظة على استمرارية الاختصاصات وجودة الخدمات.

وهنا يتجلى مفهوم "السرعة في الإنجاز" الذي شدد عليه رئيس الدولة قيس سعيد في عديد المناسبات، معتبرًا أن المرحلة الراهنة تقتضي تجاوز البطء الحاصل على مستوى تفعيل الإجراءات وتعطل المشاريع، وتحويل القرارات والإجراءات المعلنة إلى نتائج ملموسة يستفيد منها المواطن في أقرب الآجال.

وفي هذا الخضم، جدير بالذكر أن ما يتبلور اليوم في القطاع الصحي التونسي هو مسار يتجاوز فكرة إحداث مؤسسات جديدة إلى محاولة إعادة توزيع الوظائف الصحية نفسها.

فالمستشفى الجهوي الذي يتحول إلى مستشفى جامعي، والقسم الطبي الذي يحصل على الصبغة الجامعية، وطبيب الاختصاص الذي يتم انتدابه، والمؤسسة الصحية الجديدة التي يتم إحداثها، جميعها حلقات ضمن مسار واحد عنوانه تقريب الخدمة الطبية المتخصصة من المواطن وتوسيع قدرة الجهات على الاستجابة لحاجياتها الصحية.

وضمن هذه المقاربة، تبدو رؤية رئيس الدولة قيس سعيد قائمة على استعادة الدور المركزي للدولة في ضمان المرافق الأساسية، وعلى جعل الحق في الصحة مرتبطًا بمبدأ المساواة بين التونسيين في فرص العلاج، بغض النظر عن الجهة التي ينتمون إليها.

وإذا كان الطريق ما يزال طويلًا ومحفوفًا بالتحديات، فإن القرارات المتتالية المسجلة خلال الفترة الأخيرة تؤشر إلى أن الخارطة الصحية في تونس بدأت تشهد تحولات استراتيجية قد تفضي، في حال العمل الدؤوب والسعي الجدي إلى تفعيل القرارات المتخذة، إلى أن تترجم العدالة الصحية من مبدأ عام إلى واقع مؤسساتي ملموس، وأن تصبح الجهات الداخلية قادرة على تقديم خدمات صحية متقدمة، بما يقلص الفوارق الجهوية على مستوى الرعاية ويخفف عن المواطن مشقة التنقل بحثًا عن الاختصاص والعلاج.

وفي هذا الاتجاه، يبدو رهان رئيس الدولة قيس سعيد قائمًا على جعل الدولة حاضرة في كل نقطة من الجمهورية، وعلى أن تتحول القرارات المتعلقة بالقطاع الصحي إلى مسار متكامل يجمع بين البنية التحتية والموارد البشرية والاختصاص والتجهيز والتكوين.

وبقدر ما تتقدم عملية التجسيم على أرض الواقع، يصبح بالإمكان الانتقال من معالجة الاختلالات القائمة إلى بناء منظومة صحية أكثر توازنًا بين الجهات وأكثر قدرة على الاستجابة لحاجيات المواطنين. وعندها، لا تعود الصبغة الجامعية مجرد قرار إداري، ولا يصبح انتداب أطباء الاختصاص مجرد إجراء وظيفي، وإنما تتحول هذه الخطوات مجتمعة إلى لبنات ضمن مسار واسع يهدف إلى إعادة بناء المرفق الصحي العمومي، وترسيخ حق المواطن في خدمة صحية متقدمة داخل جهته، وهو ما يجعل سرعة الإنجاز وحسن التنفيذ واستمرارية العمل عناصر حاسمة في تحويل هذا المسار من قرارات واعدة إلى واقع صحي جديد وملموس.

 

منال حرزي

 

 

من الصبغة الجامعية إلى انتداب أطباء الاختصاص.. خطوة نحو تحسين الخدمات الصحية 

تونس - الصباح

تمثل القرارات الأخيرة المتعلقة بمنح الصبغة الجامعية لعدد من المستشفيات والأقسام الطبية في الجهات مؤشرًا هامًا على النقلة التي بات يشهدها القطاع الصحي في بلادنا، وعلى توجه الدولة نحو توسيع الخارطة الطبية خارج الأقطاب الاستشفائية التقليدية.

وقد شملت هذه القرارات أقسامًا واختصاصات دقيقة في كل من تطاوين وسيدي بوزيد ومنزل بورقيبة، كما امتدت الإحداثات خلال الفترة الأخيرة إلى تحويل المستشفى الجهوي بجندوبة إلى مستشفى جامعي ومنح الصبغة الجامعية لعدد من الأقسام الطبية في جهات أخرى.

ولا تقف أهمية هذه القرارات عند حدود تغيير الصبغة القانونية للمؤسسات أو الأقسام المعنية، وإنما تكشف في جوهرها عن تحولات استراتيجية في طريقة إدارة المنظومة الصحية، قوامها نقل الاختصاص الطبي والخبرة والتكوين إلى الجهات، وعدم حصر الخدمات الصحية ذات المستوى المتقدم في العاصمة   bvh bv bn b   والمدن الكبرى. وتأتي هذه الجهود بالتوازي مع إحداث مؤسسات صحية جديدة وفتح مناظرة لانتداب 434 طبيب اختصاص في الصحة العمومية، بما يجعل مختلف هذه الإجراءات بمثابة حلقات مترابطة ضمن مسار واحد يرمي إلى تدعيم قدرة المؤسسات الجهوية على الاستجابة للحاجيات الصحية للمواطنين.

وتبرز في قلب هذا المسار توجيهات رئيس الدولة قيس سعيد التي تضع مسألة العدالة بين الجهات وتقليص الفوارق في النفاذ إلى الخدمات الأساسية ضمن أولويات العمل الحكومي. فالمسألة لا تتعلق فقط ببناء مؤسسة صحية في جهة داخلية أو بتوفير إطار طبي، وإنما بإرساء منظومة تكون قادرة على توفير العلاج والاختصاص والخبرة الطبية، بما يقلص الحاجة إلى التنقل نحو العاصمة أو الأقطاب الصحية التقليدية.

ولعل ما صدر خلال شهري جويلية وسبتمبر 2026 من قرارات مشتركة بين وزارتي الصحة والتعليم العالي والبحث العلمي يمثل أحد أبرز المؤشرات العملية على هذا التوجه، باعتبار أن منح الصبغة الجامعية لمؤسسات وأقسام طبية في جهات مختلفة يعني نقل جزء من الوظيفة الطبية والعلمية والتكوينية إلى خارج المراكز التقليدية المتعارف عليها.

 

 نقل الاختصاص إلى الجهات

تم في سبتمبر 2026 منح الصبغة الجامعية لقسم أمراض القلب بالمستشفى الجهوي بتطاوين، وقسم أمراض الكلى بالمستشفى الجامعي بسيدي بوزيد، وقسم جراحة الأطفال بالمستشفى الجهوي بمنزل بورقيبة. وقبل ذلك، شملت قرارات جويلية 2026 المستشفى الجهوي بجندوبة، الذي تم تحويله إلى مستشفى جامعي، إلى جانب أقسام أخرى بالمستشفى الجهوي بمنزل بورقيبة، من بينها قسم طب النساء والتوليد، فضلًا عن قسم الطب الشرعي بالمستشفى الجهوي بقبلي وأقسام أخرى في طب الأطفال وأمراض القلب والتصوير الطبي.

بما يؤشر إلى القول بأن الدولة لا تكتفي بتوسيع الخارطة الجغرافية للمؤسسات الصحية، وإنما تعمل أيضًا على توسيع خارطة الاختصاصات ذاتها.

فلطالما كان التفاوت في توزيع الاختصاصات والتجهيزات من أبرز عناوين التحديات التي تواجه المنظومة الصحية التونسية، مما أفضى إلى اكتظاظ رهيب على مستوى المركز بحثًا عن خدمات صحية متخصصة.

ومن هنا تبرز أهمية ما يجري حاليًا من توسيع لدائرة الصبغة الجامعية خارج العاصمة والأقطاب التقليدية.

وهنا تتجلى إحدى أبرز توجيهات رئيس الدولة قيس سعيد في المجال الصحي، والمتعلقة بتجسيم مبدأ العدالة الاجتماعية، فالمراد اليوم من الدولة، في أعلى هرمها، أن توفر للجهات خدمات صحية ترتقي إلى الجودة المطلوبة، سواء من حيث الاختصاصات الموجودة أو الأجهزة الطبية الحديثة المستعملة.

وضمن هذا التمشي، فإن تواتر القرارات المتعلقة بالصبغة الجامعية يمثل محاولة لإعادة رسم الخارطة الصحية على قاعدة شاملة وناجعة.

 

انتدابات في صفوف الأطباء

ويعتبر القرار الصادر في 4 سبتمبر 2026 والمتعلق بفتح مناظرة بالشهائد والأعمال لانتداب 434 طبيب اختصاص للصحة العمومية، خطوة عملية لتعزيز الخارطة الصحية في الجهات، لا سيما وأن الصبغة الجامعية تحتاج إلى أطباء اختصاص، وإلى تكوين وتأطير، وإلى تجهيزات، وإلى مسار علمي ومهني متكامل.

ومن ثم، فإن الانتداب المعلن يمثل محاولة جدية لسد الشغورات وتدعيم المؤسسات والأقسام الصحية، بما يجعل التوسع المؤسساتي مصحوبًا بتدعيم العنصر البشري.

ولا تقف التحولات التي يشهدها القطاع الصحي عند حدود الصبغة الجامعية والانتدابات، إذ تندرج ضمن مسار شامل يطال أيضًا إحداث وتنظيم مؤسسات صحية جديدة، على غرار المستشفى الذي تم إحداثه بالحنشة من ولاية صفاقس، والمؤسسة العمومية للصحة المتعلقة بمستشفى الحبيب بورقيبة بمدنين، إلى جانب المستشفى العسكري الجامعي بصفاقس الذي تم تنظيمه كمؤسسة عمومية للصحة ذات صبغة جامعية تحت إشراف وزارة الدفاع الوطني.

وتكتسب هذه الإحداثات أهمية عند وضعها ضمن المسار العام لتطوير الخارطة الصحية، لأنها تؤشر في جوهرها إلى أن الدولة تعمل على أكثر من واجهة.

وبالتالي، فإن التغيرات الراهنة على المنظومة الصحية لا يمكن اختزالها ضمن قرار أو في إجراء واحد، وإنما هي في جوهرها إعادة ترتيب لمكونات المنظومة الصحية.

وهنا يبرز التوجه الذي يطرحه رئيس الجمهورية قيس سعيد في معرض لقاءاته الرسمية، من ذلك أن الدولة مطالبة بإعادة الاعتبار إلى القطاعات الأساسية، وفي مقدمتها الصحة، بعيدًا عن سياسة الخطابات والشعارات الرنانة، وإنما عبر تحويل الخيارات إلى قرارات وإحداثات ومسارات تنفيذية يلمسها المواطن في تفاصيل يومه.

وهذا التوجه يتقاطع مع مسار شامل يطرحه رئيس الدولة قيس سعيد يتعلق بالدور الموكول للدولة في القطاعات الاجتماعية الأساسية.

وهنا يؤكد رئيس الجمهورية على ضرورة أن تكون الدولة حاضرة في الجهات، وأن يتم تجاوز مظاهر التفاوت، رابطًا مرارًا بين ضرورة تحمل المسؤولية وتبعاتها وبين ضرورة أن تتحول القرارات إلى إنجازات ملموسة.

وفي القطاع الصحي تحديدًا، تبرز هذه الرؤية من خلال التركيز على المؤسسات الجهوية وعلى الخدمات التي تصل إلى المواطن دون أن يتكبد مشقة التنقل، وهو ما ينسجم مع فكرة أن التنمية لا يمكن أن تظل متمركزة في العاصمة والمدن الكبرى المجاورة لها.

وبالتالي، فإن منح الصبغة الجامعية لمؤسسات في تطاوين وسيدي بوزيد وجندوبة ومنزل بورقيبة وقبلي لا يكتسي فقط بعدًا صحيًا، وإنما يحمل أيضًا في جوهره بعدًا تنمويًا هامًا.

 

 خارطة صحية جديدة

 

ويعتبر منح الصبغة الجامعية خطوة مؤسساتية هامة، غير أن تداعياتها الإيجابية على المواطن ستظل مرتبطة بمدى توفير الأطباء والتجهيزات والبنية الأساسية والموارد البشرية اللازمة، وبمدى قدرة المؤسسات المعنية على المحافظة على استمرارية الاختصاصات وجودة الخدمات.

وهنا يتجلى مفهوم "السرعة في الإنجاز" الذي شدد عليه رئيس الدولة قيس سعيد في عديد المناسبات، معتبرًا أن المرحلة الراهنة تقتضي تجاوز البطء الحاصل على مستوى تفعيل الإجراءات وتعطل المشاريع، وتحويل القرارات والإجراءات المعلنة إلى نتائج ملموسة يستفيد منها المواطن في أقرب الآجال.

وفي هذا الخضم، جدير بالذكر أن ما يتبلور اليوم في القطاع الصحي التونسي هو مسار يتجاوز فكرة إحداث مؤسسات جديدة إلى محاولة إعادة توزيع الوظائف الصحية نفسها.

فالمستشفى الجهوي الذي يتحول إلى مستشفى جامعي، والقسم الطبي الذي يحصل على الصبغة الجامعية، وطبيب الاختصاص الذي يتم انتدابه، والمؤسسة الصحية الجديدة التي يتم إحداثها، جميعها حلقات ضمن مسار واحد عنوانه تقريب الخدمة الطبية المتخصصة من المواطن وتوسيع قدرة الجهات على الاستجابة لحاجياتها الصحية.

وضمن هذه المقاربة، تبدو رؤية رئيس الدولة قيس سعيد قائمة على استعادة الدور المركزي للدولة في ضمان المرافق الأساسية، وعلى جعل الحق في الصحة مرتبطًا بمبدأ المساواة بين التونسيين في فرص العلاج، بغض النظر عن الجهة التي ينتمون إليها.

وإذا كان الطريق ما يزال طويلًا ومحفوفًا بالتحديات، فإن القرارات المتتالية المسجلة خلال الفترة الأخيرة تؤشر إلى أن الخارطة الصحية في تونس بدأت تشهد تحولات استراتيجية قد تفضي، في حال العمل الدؤوب والسعي الجدي إلى تفعيل القرارات المتخذة، إلى أن تترجم العدالة الصحية من مبدأ عام إلى واقع مؤسساتي ملموس، وأن تصبح الجهات الداخلية قادرة على تقديم خدمات صحية متقدمة، بما يقلص الفوارق الجهوية على مستوى الرعاية ويخفف عن المواطن مشقة التنقل بحثًا عن الاختصاص والعلاج.

وفي هذا الاتجاه، يبدو رهان رئيس الدولة قيس سعيد قائمًا على جعل الدولة حاضرة في كل نقطة من الجمهورية، وعلى أن تتحول القرارات المتعلقة بالقطاع الصحي إلى مسار متكامل يجمع بين البنية التحتية والموارد البشرية والاختصاص والتجهيز والتكوين.

وبقدر ما تتقدم عملية التجسيم على أرض الواقع، يصبح بالإمكان الانتقال من معالجة الاختلالات القائمة إلى بناء منظومة صحية أكثر توازنًا بين الجهات وأكثر قدرة على الاستجابة لحاجيات المواطنين. وعندها، لا تعود الصبغة الجامعية مجرد قرار إداري، ولا يصبح انتداب أطباء الاختصاص مجرد إجراء وظيفي، وإنما تتحول هذه الخطوات مجتمعة إلى لبنات ضمن مسار واسع يهدف إلى إعادة بناء المرفق الصحي العمومي، وترسيخ حق المواطن في خدمة صحية متقدمة داخل جهته، وهو ما يجعل سرعة الإنجاز وحسن التنفيذ واستمرارية العمل عناصر حاسمة في تحويل هذا المسار من قرارات واعدة إلى واقع صحي جديد وملموس.

 

منال حرزي