عديدة هي التوصيات التي تقدم بها أعضاء مجلس نواب الشعب خلال الدورات النيابية الماضية بهدف تجفيف مستنقعات المال الآسن الذي يكتنزه أباطرة الفساد وعصابات المخدرات والتهريب والمضاربة والاحتكار وغيرهم، وهناك منهم من بادر بتقديم مقترحات قوانين في الغرض وهي معروضة على أنظار بعض اللجان البرلمانية، وتضمنت هذه المقترحات عديد الأحكام الرامية إلى مصادرة كل الأموال المكتسبة بطرق غير مشروعة، بل هناك مبادرة تشريعية أحالها مكتب المجلس منذ 22 نوفمبر 2024 إلى لجنتي التشريع العام وتنظيم الإدارة وتطويرها والرقمنة والحوكمة ومكافحة الفساد، ترمي إلى مراجعة مرسوم المصادرة، في حين هناك فصول متفرقة مبثوثة في مبادرات تشريعية أخرى تهدف بدورها إلى المصادرة.
ففي مقترح القانون المتعلق بالمصادرة المدنية، تم التنصيص على باب كامل يهدف إلى مصادرة الأموال المكتسبة بطريقة غير مشروعة، وبناء على الفصل الرابع عشر بهذا الباب، "تصادر الأموال المكتسبة بطريقة غير مشروعة لفائدة الدولة التونسية وتنقل ملكيتها للدولة بصدور حكم المصادرة ومن تاريخ قرار التجميد". ويهدف مقترح هذا القانون، الذي لم يقع نقاشه بعد وفق ما أكده مقرر لجنة تنظيم الإدارة عماد الدين سديري، إلى معاضدة الجهود الوطنية لمكافحة الفساد في القطاعين العام والخاص، وذلك طبقًا للمعايير الدولية والإقليمية التي صادقت عليها الدولة التونسية، وذلك بضبط شروط وإجراءات وصيغ منع الأشخاص المباشرين أو المستفيدين من نشاط غير مشروع من الاحتفاظ بالأموال المكتسبة نتيجة هذا النشاط أو تداولها أو الانتفاع بعائداتها أو إحالتها أو التصرف فيها بأي شكل من الأشكال. وتضمن المقترح 34 فصلًا تم توزيعها على عنوانين، تعلق العنوان الأول بالأحكام العامة، وتضمن العنوان الثاني أربعة أبواب، وهي تقصي الأموال المكتسبة بطريقة غير مشروعة وتجميدها، ومصادرة الأموال المكتسبة بطريقة غير مشروعة، والتصرف في الأموال المصادرة، والأحكام الانتقالية. ومن خلال مقترح القانون تم تعريف الأموال المكتسبة بطريقة غير مشروعة بالممتلكات بكل أنواعها المتحصل عليها بأي وسيلة كانت، مادية أو غير مادية، منقولة أو غير منقولة، والمداخيل والمرابيح الناتجة عنها، والسندات والوثائق والصكوك القانونية، مادية كانت أو إلكترونية، التي تثبت ملكية تلك الممتلكات أو وجود حق فيها أو متعلق بها، والتي تنجر عن ممارسة نشاط غير مشروع أو من ارتفاع غير طبيعي في الثروة أو نقص غير طبيعي في الديون، وذلك بمقارنة المدخول الصافي والأموال المكتسبة، في حين يقصد بالمصادرة بأنها تجريد دائم كليًا أو جزئيًا من الأموال المكتسبة بطريقة غير مشروعة أو المتحوز عليها بأي عنوان، بناء على قرار صادر عن محكمة مدنية ودون الحاجة إلى إدانة جزائية.
وترى جهة المبادرة بمقترح القانون الأساسي المتعلق بالمصادرة المدنية أنه أمام الثغرات التشريعية الموجودة في مختلف النصوص القانونية الجاري بها العمل والتي تم استعمالها لغايات شخصية على حساب المجموعة الوطنية، وأمام مخاطر الفساد المرتكب من قبل منظومة العشرية السابقة، أصبح تنقيح المرسوم عدد 13 لسنة 2011 المؤرخ في 14 مارس 2011 المتعلق بالمصادرة من أوكد المسائل لإرساء منظومة قانونية واضحة وثابتة، خاصة في ظل الانتقادات التي وجهت لهذا المرسوم بسبب عدم وضوح أساسه القانوني والتشريعي، بالتالي عدم وضوح الطبيعة القانونية لقرار المصادرة، فضلًا عن الإشكاليات التطبيقية التي يطرحها هذا المرسوم، خاصة بعد التنقيح الذي أدخل عليه بمقتضى المرسوم عدد 47 لسنة 2011 المؤرخ في 30 مارس 2011.
أموال مسمومة
وإضافة إلى مقترح القانون الأساسي المتعلق بالمصادرة المدنية، توجد عديد المبادرات التشريعية الأخرى التي تتضمن أحكامًا ترمي بدورها إلى مصادرة الأموال المكتسبة بطرق غير مشروعة. إذ تم صلب مقترح القانون الأساسي المتعلق بالأمن القومي التربوي المعروض على أنظار لجنة التشريع العام، التنصيص على وجوبية المصادرة، وذلك إضافة إلى عقوبة السجن المؤبد لمن يروج المخدرات ضمن شبكة منظمة للقصر داخل الحرم التربوي، حيث "تقع وجوبًا مصادرة الأموال والممتلكات المتأتية من هذه الجرائم مع إمكانية توسيع المصادرة إلى الأملاك غير المبررة"، وتم اعتبار هذه الأحكام وغيرها من الفصول الواردة بمقترح القانون من النظام العام السيادي، وبالتالي لها علوية على جميع النصوص الأخرى، ويجب تطبيقها دون سواها في حال وجود تعارض مع بقية القوانين، لأنها حسب ما جاء في الفصل 12 من مقترح القانون المذكور "تعتبر إطارًا تشريعيًا خاصًا بعقيدة الدولة العليا في موضوع الأمن القومي التربوي". ويذكر أنه تم تقديم مقترح القانون الأساسي المتعلق بالأمن التربوي منذ شهر فيفري الماضي من قبل النواب شفيق عز الدين الزعفوري وعبد السلام الدحماني ونجيب عكرمي ونزار الصديق وصابر المصمودي وفوزي دعاس وباديس بلحاج علي ومسعود قريرة وجلال الخدمي ومحمد ضو وريم الصغير، وكثيرًا ما عبر هؤلاء عن قلقهم الكبير من تفشي المخدرات وطالبوا بالتصدي إلى الشبكات التي تروج هذه السموم وتجني الأموال الطائلة.
وفي انتظار الشروع في نقاش مقترح القانون الأساسي المتعلق بالأمن القومي التربوي، يذكر أن لجنة التشريع العام قطعت شوطًا متقدمًا في دراسة المبادرة التشريعية المتعلقة بتنقيح القانون عدد 52 لسنة 1992 المؤرخ في 18 ماي 1992 المتعلق بمكافحة جرائم المخدرات التي تم إيداعها بتاريخ 25 فيفري 2025، وتضمنت هذه المبادرة، إلى جانب الخطايا المالية الكبيرة والعقوبات السالبة للحرية التي تصل إلى السجن المؤبد، أحكامًا تنص على "أن تحجز وتستصفى لفائدة صندوق الدولة جميع المكاسب المتحصل عليها بصفة مباشرة أو غير مباشرة من جرائم المخدرات، سواء كانت هذه المكاسب منقولة أو عقارية أو أرصدة مالية على ملك المحكوم عليه أو على ملك غيره، مع مراعاة حقوق الغير حسن النية، ويمكن للنيابة العمومية أو قاضي التحقيق الإذن بتجميد المكاسب المذكورة إلى حين البت في القضية بشكل نهائي".
ثراء فجئي
ونبه بعض النواب خلال جلسة استماع إلى ممثلين عن وزارة الداخلية كانت قد عقدتها لجنة التشريع العام قبيل العطلة البرلمانية بمناسبة النظر في المبادرة التشريعية المتعلقة بتنقيح قانون المخدرات سالف الذكر إلى تفشي مظاهر إثراء أشخاص بصفة فجئية ودون مبررات، وتساءلوا عن كيفية تعاطي السلطات القضائية معهم، ومن خلال الإجابة التي قدمها ممثلو الوزارة اتضح للجنة وجود فراغ تشريعي لا بد من سده، حيث أشار ممثلو الوزارة، وفق ما ورد في محضر جلسة اللجنة بتاريخ 25 جوان 2026، إلى غياب نص قانوني يمكن الاستناد إليه لمعالجة هذه الظاهرة، لأن قانون الإثراء غير المشروع هو قانون ساري المفعول على الموظفين العموميين ولا يشمل غيرهم، أما بالنسبة إلى القانون المتعلق بمكافحة الإرهاب ومنع غسل الأموال، فيشترط في تطبيقه وجود جريمة أصلية للقيام ضد المدعى عليه أو المشتبه به بدعوى الإثراء دون سبب. وأكد ممثلو الوزارة في تلك الجلسة على ضرورة تنقيح قانون المخدرات، وقدموا عديد الأرقام التي تدل على تفاقم هذه الآفة وتهديدها للأمن القومي، واستحسنوا التنصيص في المبادرة التشريعية على المصادرة، وشددوا بالخصوص على وجود حاجة ملحة إلى إقرار آليات قانونية تتيح اعتماد التحقيقات المالية الموازية التي تقوم على تتبع العائدات المالية لجرائم المخدرات وحجزها ومصادرتها لفائدة الدولة، خاصة وأن اعتماد هذه الآلية في تجارب مقارنة أثبت نجاعته في استهداف البنية الاقتصادية لشبكات وعصابات المخدرات.
أموال القمار
ولا تقتصر مظاهر الثراء الفاحش على عصابات المخدرات أو المهربين أو المضاربين، بل هناك عصابات أخرى لا تقل خطرًا على المجتمع، وهي تنشط في القمار وتسبح في العالم الافتراضي وتتصيد الحالمين بتحسين أوضاعهم المعيشية وتجني من خلال طرق الإغواء والتحيل الأموال الطائلة، لتتسبب حسب وصف ممثلي جهة المبادرة بمقترح القانون المتعلق بمكافحة القمار في خراب البيوت. وأمام خطورة الوضع، أدرجت لجنة التشريع العام خلال الدورة النيابية الماضية مقترح هذا القانون الرامي إلى تنقيح المرسوم عدد 20 لسنة 1974 المتعلق بمعارض الألعاب وألعاب البيت واليانصيب وإتمامه، ضمن أولوياتها التشريعية منذ وروده عليها بتاريخ 3 فيفري 2026. وتضمنت هذه المبادرة التشريعية بدورها جملة من الأحكام الرامية إلى مصادرة الأموال والمكاسب والأدوات المستخدمة في القمار المحجور، بما في ذلك الحسابات البنكية والمحافظ الرقمية، وذلك إضافة إلى غرامة مالية تتراوح من عشرة آلاف إلى خمسمائة ألف دينار وعقوبة بالسجن من سنة إلى خمس سنوات لكل من نظم أو أدار أو موّل أو روّج أو أعلن عن أي نشاط قمار، سواء تقليدي أو إلكتروني، مع مضاعفة العقوبات في حالة العود أو إذا ارتكب النشاط ضد القُصّر أو كان مرتبطًا بتبييض أموال أو جريمة منظمة.
ونبه أصحاب هذه المبادرة التشريعية إلى أن القمار أصبح اليوم نشاطًا منظمًا عابرًا للحدود، يعتمد الوسائل الرقمية الحديثة، ويستهدف فئات واسعة من الشباب والقُصّر والفئات الهشة، مستغلًا ضعف الإطار القانوني الحالي وقدم النصوص المنظمة لهذا المجال، وفي مقدمتها المرسوم عدد 20 الصادر منذ سنة 1974 والذي لم يعد يستجيب للتطورات التكنولوجية والاقتصادية الراهنة، ولاحظوا أن القمار الإلكتروني أضحى مجالًا خصبًا للتهرب الجبائي وتبييض الأموال وتمويل شبكات الجريمة المنظمة، فضلًا عمّا يسببه من إدمان وتفكك أسري واضطرابات اجتماعية تمسّ مباشرة الأمن المجتمعي.
وحتى بالنسبة إلى مرتكبي جرائم الصرف فقد شملتهم مقترحات النواب الرامية إلى مصادرة الأموال غير المشروعة، إذ يوجد أمام أنظار لجنة المالية والميزانية بمجلس نواب الشعب مقترح قانون من الحجم الثقيل، وهو يتعلق بإصدار مجلة الصرف، وقد جاء في الفصل 78 من هذه المبادرة التشريعية أن المحكمة تقضي بمصادرة الأموال والممتلكات الموجودة بالبلاد التونسية التي ثبت الحصول عليها بصفة مباشرة أو غير مباشرة من الجريمة، ولو انتقلت إلى ذمة مالية أخرى، وذلك دون المساس بحقوق الغير حسن النية.
سعيدة بوهلال
تونس-الصباح
عديدة هي التوصيات التي تقدم بها أعضاء مجلس نواب الشعب خلال الدورات النيابية الماضية بهدف تجفيف مستنقعات المال الآسن الذي يكتنزه أباطرة الفساد وعصابات المخدرات والتهريب والمضاربة والاحتكار وغيرهم، وهناك منهم من بادر بتقديم مقترحات قوانين في الغرض وهي معروضة على أنظار بعض اللجان البرلمانية، وتضمنت هذه المقترحات عديد الأحكام الرامية إلى مصادرة كل الأموال المكتسبة بطرق غير مشروعة، بل هناك مبادرة تشريعية أحالها مكتب المجلس منذ 22 نوفمبر 2024 إلى لجنتي التشريع العام وتنظيم الإدارة وتطويرها والرقمنة والحوكمة ومكافحة الفساد، ترمي إلى مراجعة مرسوم المصادرة، في حين هناك فصول متفرقة مبثوثة في مبادرات تشريعية أخرى تهدف بدورها إلى المصادرة.
ففي مقترح القانون المتعلق بالمصادرة المدنية، تم التنصيص على باب كامل يهدف إلى مصادرة الأموال المكتسبة بطريقة غير مشروعة، وبناء على الفصل الرابع عشر بهذا الباب، "تصادر الأموال المكتسبة بطريقة غير مشروعة لفائدة الدولة التونسية وتنقل ملكيتها للدولة بصدور حكم المصادرة ومن تاريخ قرار التجميد". ويهدف مقترح هذا القانون، الذي لم يقع نقاشه بعد وفق ما أكده مقرر لجنة تنظيم الإدارة عماد الدين سديري، إلى معاضدة الجهود الوطنية لمكافحة الفساد في القطاعين العام والخاص، وذلك طبقًا للمعايير الدولية والإقليمية التي صادقت عليها الدولة التونسية، وذلك بضبط شروط وإجراءات وصيغ منع الأشخاص المباشرين أو المستفيدين من نشاط غير مشروع من الاحتفاظ بالأموال المكتسبة نتيجة هذا النشاط أو تداولها أو الانتفاع بعائداتها أو إحالتها أو التصرف فيها بأي شكل من الأشكال. وتضمن المقترح 34 فصلًا تم توزيعها على عنوانين، تعلق العنوان الأول بالأحكام العامة، وتضمن العنوان الثاني أربعة أبواب، وهي تقصي الأموال المكتسبة بطريقة غير مشروعة وتجميدها، ومصادرة الأموال المكتسبة بطريقة غير مشروعة، والتصرف في الأموال المصادرة، والأحكام الانتقالية. ومن خلال مقترح القانون تم تعريف الأموال المكتسبة بطريقة غير مشروعة بالممتلكات بكل أنواعها المتحصل عليها بأي وسيلة كانت، مادية أو غير مادية، منقولة أو غير منقولة، والمداخيل والمرابيح الناتجة عنها، والسندات والوثائق والصكوك القانونية، مادية كانت أو إلكترونية، التي تثبت ملكية تلك الممتلكات أو وجود حق فيها أو متعلق بها، والتي تنجر عن ممارسة نشاط غير مشروع أو من ارتفاع غير طبيعي في الثروة أو نقص غير طبيعي في الديون، وذلك بمقارنة المدخول الصافي والأموال المكتسبة، في حين يقصد بالمصادرة بأنها تجريد دائم كليًا أو جزئيًا من الأموال المكتسبة بطريقة غير مشروعة أو المتحوز عليها بأي عنوان، بناء على قرار صادر عن محكمة مدنية ودون الحاجة إلى إدانة جزائية.
وترى جهة المبادرة بمقترح القانون الأساسي المتعلق بالمصادرة المدنية أنه أمام الثغرات التشريعية الموجودة في مختلف النصوص القانونية الجاري بها العمل والتي تم استعمالها لغايات شخصية على حساب المجموعة الوطنية، وأمام مخاطر الفساد المرتكب من قبل منظومة العشرية السابقة، أصبح تنقيح المرسوم عدد 13 لسنة 2011 المؤرخ في 14 مارس 2011 المتعلق بالمصادرة من أوكد المسائل لإرساء منظومة قانونية واضحة وثابتة، خاصة في ظل الانتقادات التي وجهت لهذا المرسوم بسبب عدم وضوح أساسه القانوني والتشريعي، بالتالي عدم وضوح الطبيعة القانونية لقرار المصادرة، فضلًا عن الإشكاليات التطبيقية التي يطرحها هذا المرسوم، خاصة بعد التنقيح الذي أدخل عليه بمقتضى المرسوم عدد 47 لسنة 2011 المؤرخ في 30 مارس 2011.
أموال مسمومة
وإضافة إلى مقترح القانون الأساسي المتعلق بالمصادرة المدنية، توجد عديد المبادرات التشريعية الأخرى التي تتضمن أحكامًا ترمي بدورها إلى مصادرة الأموال المكتسبة بطرق غير مشروعة. إذ تم صلب مقترح القانون الأساسي المتعلق بالأمن القومي التربوي المعروض على أنظار لجنة التشريع العام، التنصيص على وجوبية المصادرة، وذلك إضافة إلى عقوبة السجن المؤبد لمن يروج المخدرات ضمن شبكة منظمة للقصر داخل الحرم التربوي، حيث "تقع وجوبًا مصادرة الأموال والممتلكات المتأتية من هذه الجرائم مع إمكانية توسيع المصادرة إلى الأملاك غير المبررة"، وتم اعتبار هذه الأحكام وغيرها من الفصول الواردة بمقترح القانون من النظام العام السيادي، وبالتالي لها علوية على جميع النصوص الأخرى، ويجب تطبيقها دون سواها في حال وجود تعارض مع بقية القوانين، لأنها حسب ما جاء في الفصل 12 من مقترح القانون المذكور "تعتبر إطارًا تشريعيًا خاصًا بعقيدة الدولة العليا في موضوع الأمن القومي التربوي". ويذكر أنه تم تقديم مقترح القانون الأساسي المتعلق بالأمن التربوي منذ شهر فيفري الماضي من قبل النواب شفيق عز الدين الزعفوري وعبد السلام الدحماني ونجيب عكرمي ونزار الصديق وصابر المصمودي وفوزي دعاس وباديس بلحاج علي ومسعود قريرة وجلال الخدمي ومحمد ضو وريم الصغير، وكثيرًا ما عبر هؤلاء عن قلقهم الكبير من تفشي المخدرات وطالبوا بالتصدي إلى الشبكات التي تروج هذه السموم وتجني الأموال الطائلة.
وفي انتظار الشروع في نقاش مقترح القانون الأساسي المتعلق بالأمن القومي التربوي، يذكر أن لجنة التشريع العام قطعت شوطًا متقدمًا في دراسة المبادرة التشريعية المتعلقة بتنقيح القانون عدد 52 لسنة 1992 المؤرخ في 18 ماي 1992 المتعلق بمكافحة جرائم المخدرات التي تم إيداعها بتاريخ 25 فيفري 2025، وتضمنت هذه المبادرة، إلى جانب الخطايا المالية الكبيرة والعقوبات السالبة للحرية التي تصل إلى السجن المؤبد، أحكامًا تنص على "أن تحجز وتستصفى لفائدة صندوق الدولة جميع المكاسب المتحصل عليها بصفة مباشرة أو غير مباشرة من جرائم المخدرات، سواء كانت هذه المكاسب منقولة أو عقارية أو أرصدة مالية على ملك المحكوم عليه أو على ملك غيره، مع مراعاة حقوق الغير حسن النية، ويمكن للنيابة العمومية أو قاضي التحقيق الإذن بتجميد المكاسب المذكورة إلى حين البت في القضية بشكل نهائي".
ثراء فجئي
ونبه بعض النواب خلال جلسة استماع إلى ممثلين عن وزارة الداخلية كانت قد عقدتها لجنة التشريع العام قبيل العطلة البرلمانية بمناسبة النظر في المبادرة التشريعية المتعلقة بتنقيح قانون المخدرات سالف الذكر إلى تفشي مظاهر إثراء أشخاص بصفة فجئية ودون مبررات، وتساءلوا عن كيفية تعاطي السلطات القضائية معهم، ومن خلال الإجابة التي قدمها ممثلو الوزارة اتضح للجنة وجود فراغ تشريعي لا بد من سده، حيث أشار ممثلو الوزارة، وفق ما ورد في محضر جلسة اللجنة بتاريخ 25 جوان 2026، إلى غياب نص قانوني يمكن الاستناد إليه لمعالجة هذه الظاهرة، لأن قانون الإثراء غير المشروع هو قانون ساري المفعول على الموظفين العموميين ولا يشمل غيرهم، أما بالنسبة إلى القانون المتعلق بمكافحة الإرهاب ومنع غسل الأموال، فيشترط في تطبيقه وجود جريمة أصلية للقيام ضد المدعى عليه أو المشتبه به بدعوى الإثراء دون سبب. وأكد ممثلو الوزارة في تلك الجلسة على ضرورة تنقيح قانون المخدرات، وقدموا عديد الأرقام التي تدل على تفاقم هذه الآفة وتهديدها للأمن القومي، واستحسنوا التنصيص في المبادرة التشريعية على المصادرة، وشددوا بالخصوص على وجود حاجة ملحة إلى إقرار آليات قانونية تتيح اعتماد التحقيقات المالية الموازية التي تقوم على تتبع العائدات المالية لجرائم المخدرات وحجزها ومصادرتها لفائدة الدولة، خاصة وأن اعتماد هذه الآلية في تجارب مقارنة أثبت نجاعته في استهداف البنية الاقتصادية لشبكات وعصابات المخدرات.
أموال القمار
ولا تقتصر مظاهر الثراء الفاحش على عصابات المخدرات أو المهربين أو المضاربين، بل هناك عصابات أخرى لا تقل خطرًا على المجتمع، وهي تنشط في القمار وتسبح في العالم الافتراضي وتتصيد الحالمين بتحسين أوضاعهم المعيشية وتجني من خلال طرق الإغواء والتحيل الأموال الطائلة، لتتسبب حسب وصف ممثلي جهة المبادرة بمقترح القانون المتعلق بمكافحة القمار في خراب البيوت. وأمام خطورة الوضع، أدرجت لجنة التشريع العام خلال الدورة النيابية الماضية مقترح هذا القانون الرامي إلى تنقيح المرسوم عدد 20 لسنة 1974 المتعلق بمعارض الألعاب وألعاب البيت واليانصيب وإتمامه، ضمن أولوياتها التشريعية منذ وروده عليها بتاريخ 3 فيفري 2026. وتضمنت هذه المبادرة التشريعية بدورها جملة من الأحكام الرامية إلى مصادرة الأموال والمكاسب والأدوات المستخدمة في القمار المحجور، بما في ذلك الحسابات البنكية والمحافظ الرقمية، وذلك إضافة إلى غرامة مالية تتراوح من عشرة آلاف إلى خمسمائة ألف دينار وعقوبة بالسجن من سنة إلى خمس سنوات لكل من نظم أو أدار أو موّل أو روّج أو أعلن عن أي نشاط قمار، سواء تقليدي أو إلكتروني، مع مضاعفة العقوبات في حالة العود أو إذا ارتكب النشاط ضد القُصّر أو كان مرتبطًا بتبييض أموال أو جريمة منظمة.
ونبه أصحاب هذه المبادرة التشريعية إلى أن القمار أصبح اليوم نشاطًا منظمًا عابرًا للحدود، يعتمد الوسائل الرقمية الحديثة، ويستهدف فئات واسعة من الشباب والقُصّر والفئات الهشة، مستغلًا ضعف الإطار القانوني الحالي وقدم النصوص المنظمة لهذا المجال، وفي مقدمتها المرسوم عدد 20 الصادر منذ سنة 1974 والذي لم يعد يستجيب للتطورات التكنولوجية والاقتصادية الراهنة، ولاحظوا أن القمار الإلكتروني أضحى مجالًا خصبًا للتهرب الجبائي وتبييض الأموال وتمويل شبكات الجريمة المنظمة، فضلًا عمّا يسببه من إدمان وتفكك أسري واضطرابات اجتماعية تمسّ مباشرة الأمن المجتمعي.
وحتى بالنسبة إلى مرتكبي جرائم الصرف فقد شملتهم مقترحات النواب الرامية إلى مصادرة الأموال غير المشروعة، إذ يوجد أمام أنظار لجنة المالية والميزانية بمجلس نواب الشعب مقترح قانون من الحجم الثقيل، وهو يتعلق بإصدار مجلة الصرف، وقد جاء في الفصل 78 من هذه المبادرة التشريعية أن المحكمة تقضي بمصادرة الأموال والممتلكات الموجودة بالبلاد التونسية التي ثبت الحصول عليها بصفة مباشرة أو غير مباشرة من الجريمة، ولو انتقلت إلى ذمة مالية أخرى، وذلك دون المساس بحقوق الغير حسن النية.