إشترك في النسخة الرقمية لجريدة الصباح و LE TEMPS

البنية التحتية الوقائية.. إجراءات استباقية لمواجهة التقلبات المناخية

تونس- الصباح

تسعى اليوم الدولة في أعلى هرمها إلى أن تكون البنية التحتية على درجة عالية من الجاهزية لاستيعاب كميات الغيث النافع، بما يضمن الاستفادة من الأمطار ويحول دون أن تتحول غزارتها إلى أضرار تمسّ المواطنين وممتلكاتهم وتشلّ الحركة، كما تعطل المرافق والمنشآت.

وهو ما يفسر عودة مسألة الاستعدادات لموسم الأمطار ومجابهة الفيضانات إلى صدارة النقاش العام، باعتبارها من الملفات التي لا تحتمل الانتظار أو المعالجة بعد وقوع الضرر، وإنما تفرض الاستباق والتثبت المسبق من جاهزية مختلف المنشآت وشبكات تصريف المياه ومجاري الأودية.

وفي هذا الإطار، يضع رئيس الجمهورية قيس سعيد هذا الملف ضمن مسؤولية الدولة الكاملة في حماية المواطنين وضمان سلامة المدن والتجمعات السكنية، من خلال التأكيد على ضرورة الاستعداد الجيد للتقلبات المناخية واتخاذ الإجراءات اللازمة قبل نزول الأمطار، بما يضمن سرعة التدخل ويحد من المخاطر المحتملة.

بما يضع البنية التحتية الوقائية ضمن أولويات العمل العمومي، خاصة مع تواصل تنفيذ عدد من المشاريع لحماية المدن والتجمعات السكنية من الفيضانات في مختلف جهات الجمهورية.

 

الوقاية قبل التدخل

ترتبط توصيات رئيس الجمهورية قيس سعيد بشأن الاستعداد لموسم الأمطار مباشرة بواقع البنية التحتية وبمدى جاهزية المنشآت والمنظومات التي يفترض أن تستوعب مياه الأمطار وتصرفها، لا سيما أن الغيث النافع يتحول فقط إلى كارثة عندما يتقاطع مع انسداد قنوات التصريف أو تراكم الأوساخ في مجاري المياه أو ضعف بعض المنشآت أو تأخر التدخل في نقاط معروفة مسبقا بكونها معرضة أكثر من غيرها لتسجيل تساقطات هامة.

ومن هنا يأتي تأكيد الدولة في أعلى هرمها على ضرورة الاستعداد المسبق ومراجعة مختلف مكونات البنية التحتية، بما في ذلك شبكات تصريف مياه الأمطار ومجاري الأودية والمنشآت المائية وأحواض التجميع، فضلا عن ضرورة رفع درجة اليقظة ومتابعة النقاط التي يمكن أن تشكل خطرا على المواطنين.

والمهم في هذه المقاربة أنها لا تختزل المسؤولية في وزارة أو مؤسسة بعينها، لأن حماية المدن من الفيضانات تتطلب في الواقع سلسلة مترابطة من التدخلات تبدأ من التخطيط العمراني ولا تنتهي عند عمليات الصيانة والجهر. فالمسألة تتقاطع فيها أدوار وزارة التجهيز والإسكان والسلطات المحلية والهياكل الجهوية والحماية المدنية وغيرها من المتدخلين، بما يجعل التنسيق بينهم عاملا حاسما في سرعة الاستجابة ونجاعة التدخل.

وضمن هذا التمشي، يؤكد رئيس الدولة قيس سعيد في مناسبات عديدة ضرورة التنسيق والتناغم بين مختلف أجهزة الدولة ومؤسساتها في المسائل أو الملفات التي تقتضي تضافر الجهود وتكامل الأدوار، لا سيما عندما يتعلق الأمر بملفات ذات صلة مباشرة بحياة المواطنين وسلامتهم. ويكتسب هذا الطرح أهمية في التعامل مع مخاطر الفيضانات، باعتبار أن مجابهتها لا يمكن أن تكون مسؤولية هيكل واحد، وإنما تستوجب تكامل أدوار مختلف الوزارات والهياكل المركزية والجهوية والمحلية، كلٌّ في حدود ومجال اختصاصه، بما يضمن سرعة التدخل ونجاعة القرار وتفادي تضارب الأدوار أو تأخرها.

 

ضرورة الجهر والصيانة

في هذا الإطار، تكتسب برامج الجهر والصيانة أهمية خاصة، باعتبارها خط الدفاع الأول في العديد من المناطق التي يمكن أن تشهد تجمعا سريعا للمياه. ووفق المعطيات التي أعلنتها وزارة التجهيز والإسكان، تم رصد اعتمادات تناهز 36 مليون دينار لجهر وصيانة منشآت حماية المدن من الفيضانات، إلى جانب تنظيف آلاف الكيلومترات من القنوات ومجاري الأودية، وكذلك أحواض تجميع مياه الأمطار.

وتعكس هذه الأرقام حجم الجهود المطلوبة حتى تكون البنية التحتية قادرة على أداء وظيفتها على الوجه المطلوب.

وهنا تتضح أهمية عامل الزمن الذي يحضر بقوة في مقاربة رئيس الجمهورية قيس سعيد لإدارة المشاريع والمرافق العمومية، بما أن أعمال الصيانة التي تتم بعد وقوع الضرر تفقد جزءا كبيرا من قيمتها الوقائية.

 

مشاريع حماية المدن

وبالتوازي مع أعمال الصيانة والجهر، تبرز مشاريع حماية المدن والتجمعات السكنية من الفيضانات باعتبارها أحد الحلقات الأساسية في السياسة الوقائية للدولة.

وفي هذا الإطار، تنفذ وزارة التجهيز والإسكان عددا من المشاريع والبرامج في هذا المجال بمختلف ولايات الجمهورية، بما يعكس الحاجة إلى معالجة مخاطر الفيضانات من خلال منشآت قادرة على حماية المناطق العمرانية على المدى الطويل.

وتكمن أهمية هذه المشاريع في أنها تتجاوز منطق التدخل بعد وقوع الكارثة، لتطرح معالجة مسبقة لمكامن الخطر من خلال تحسين تصريف المياه وإنجاز المنشآت اللازمة للحماية وتطوير شبكات المياه العمرانية وفق خصوصيات كل منطقة.

ومن بين المشاريع التي تم إنجازها مشروع حماية أريانة الشمالية ومدينة القيروان من الفيضانات، في إطار التعاون التونسي الياباني، وهو ما يقدم مثالا على أهمية التعاون الدولي في دعم البنية التحتية الوطنية ونقل الخبرات والتقنيات في مجالات حماية المدن وإدارة المياه.

على أن الأهم أن قائمة المشاريع لا تتوقف عند حدود ما تم إنجازه، إذ توجد مشاريع أخرى قيد الإنجاز وأخرى مبرمجة تشمل عددا من المناطق والولايات، على غرار الكاف وباجة وسيدي بورويس وقصر غيلان وقفصة والمكنين والمعمورة وجربة وتونس الغربية، إلى جانب العمل على إرساء جهاز للإنذار.

في المقابل، فإن وجود مشاريع مبرمجة أو اعتمادات مرصودة يظل لا يفي بالحاجة وحده، على اعتبار أن الرهان يكمن في إنجاز ما تمت برمجته في آجاله وتحويل الاعتمادات المرصودة إلى منشآت على أرض الواقع. وهذه النقطة تتقاطع مباشرة مع أحد العناوين المتكررة في خطاب رئيس الجمهورية قيس سعيد، والمتمثلة في ضرورة تجاوز التعطيل وتسريع نسق الإنجاز وتحميل كل طرف مسؤوليته.

وفي ملف الفيضانات تحديدا، تكتسب مسألة التسريع أهمية مضاعفة، لأن المشروع المتأخر يعني في جوهره بقاء منطقة سكنية ما عرضة للخطر.

 

أهمية الاستباق

واللافت في هذا الملف أيضا أن الأمطار، ورغم كونها ظاهرة طبيعية، فإنها تكشف في كل مرة مستوى جاهزية الدولة وقدرتها على إدارة المخاطر والتعامل معها قبل أن تتحول إلى أضرار فعلية. فالمسألة لا تتعلق بكميات الأمطار المسجلة بقدر ما تتصل بمدى استعداد البنية التحتية لاستيعابها وقدرة مختلف أجهزة الدولة على التحرك في الوقت المناسب.

وفي هذا الاتجاه، يؤكد رئيس الدولة قيس سعيد في أكثر من محطة على ضرورة الاستباق كآلية من شأنها أن تضع الدولة في موقع رد الفعل قبل وقوع الخطر، من خلال الاستعداد المسبق وتفقد المنشآت وشبكات تصريف المياه ومجاري الأودية واتخاذ الإجراءات الكفيلة بالحد من التداعيات المحتملة.

كما أن الاستباق، في هذا السياق، لا يقتصر على التدخلات العاجلة أو الموسمية، وإنما يشمل متابعة المشاريع المبرمجة لحماية المدن، وتسريع إنجازها، وضمان جاهزية المنشآت القائمة وصيانتها بصورة منتظمة، بما يجعل الوقاية سياسة متواصلة لعمل الدولة بمختلف هياكلها وأجهزتها.

 

سياسة دائمة للوقاية

وفي هذا الخضم، يضع رئيس الجمهورية قيس سعيد ملف الأمطار والاستعداد للفيضانات ضمن مقاربة شاملة عنوانها: الاستباق والجاهزية وسرعة الإنجاز وتحمل المسؤولية. وهي مقاربة تتطلب أن تتكامل التوصيات السياسية مع العمل الفني والميداني، وأن تتحول المشاريع المبرمجة إلى منشآت جاهزة، وأن تتحول أعمال الصيانة والجهر إلى ممارسة منتظمة بعيدا عن سياسة التدخلات الظرفية.

كما أن استمرار مشاريع حماية المدن، إلى جانب البرامج الجديدة وأعمال الصيانة وإرساء منظومات الإنذار، يوفر قاعدة يمكن البناء عليها لتطوير سياسة وطنية أكثر تكاملا في مواجهة الفيضانات، خاصة إذا ما تواصلت الجهود بنفس نسق المتابعة والإنجاز، وتم تعزيز التنسيق بين مختلف المتدخلين وتوجيه الاستثمارات نحو المناطق الأكثر عرضة للمخاطر.

على أن الأهم هو أن هذا التوجه يفتح الباب أمام الانتقال تدريجيا من منطق مجابهة تداعيات الفيضانات إلى منطق إدارة مخاطرها والحد منها قبل وقوعها، بما يجعل البنية التحتية أكثر قدرة على الصمود، والمدن أكثر أمانا، والمواطن أكثر حماية. فكل مشروع يدخل حيز الاستغلال، وكل منظومة إنذار يتم تفعيلها، تعتبر جميعها آليات تراكم رصيد الدولة من الجاهزية والقدرة على مواجهة التقلبات المناخية.

وبذلك لا تكون الاستعدادات لموسم الأمطار مجرد إجراء موسمي، وإنما تتحول إلى جزء من رؤية شاملة لبلورة وبناء بنية تحتية أكثر صلابة ومدن أكثر قدرة على الصمود، بما يجعل الغيث النافع مصدر حياة وتنمية، ويعزز في المقابل قدرة الدولة على حماية مواطنيها وضمان استمرارية مرافقهم في مختلف الظروف.

منال حرزي

 

البنية التحتية الوقائية..  إجراءات استباقية لمواجهة التقلبات المناخية

تونس- الصباح

تسعى اليوم الدولة في أعلى هرمها إلى أن تكون البنية التحتية على درجة عالية من الجاهزية لاستيعاب كميات الغيث النافع، بما يضمن الاستفادة من الأمطار ويحول دون أن تتحول غزارتها إلى أضرار تمسّ المواطنين وممتلكاتهم وتشلّ الحركة، كما تعطل المرافق والمنشآت.

وهو ما يفسر عودة مسألة الاستعدادات لموسم الأمطار ومجابهة الفيضانات إلى صدارة النقاش العام، باعتبارها من الملفات التي لا تحتمل الانتظار أو المعالجة بعد وقوع الضرر، وإنما تفرض الاستباق والتثبت المسبق من جاهزية مختلف المنشآت وشبكات تصريف المياه ومجاري الأودية.

وفي هذا الإطار، يضع رئيس الجمهورية قيس سعيد هذا الملف ضمن مسؤولية الدولة الكاملة في حماية المواطنين وضمان سلامة المدن والتجمعات السكنية، من خلال التأكيد على ضرورة الاستعداد الجيد للتقلبات المناخية واتخاذ الإجراءات اللازمة قبل نزول الأمطار، بما يضمن سرعة التدخل ويحد من المخاطر المحتملة.

بما يضع البنية التحتية الوقائية ضمن أولويات العمل العمومي، خاصة مع تواصل تنفيذ عدد من المشاريع لحماية المدن والتجمعات السكنية من الفيضانات في مختلف جهات الجمهورية.

 

الوقاية قبل التدخل

ترتبط توصيات رئيس الجمهورية قيس سعيد بشأن الاستعداد لموسم الأمطار مباشرة بواقع البنية التحتية وبمدى جاهزية المنشآت والمنظومات التي يفترض أن تستوعب مياه الأمطار وتصرفها، لا سيما أن الغيث النافع يتحول فقط إلى كارثة عندما يتقاطع مع انسداد قنوات التصريف أو تراكم الأوساخ في مجاري المياه أو ضعف بعض المنشآت أو تأخر التدخل في نقاط معروفة مسبقا بكونها معرضة أكثر من غيرها لتسجيل تساقطات هامة.

ومن هنا يأتي تأكيد الدولة في أعلى هرمها على ضرورة الاستعداد المسبق ومراجعة مختلف مكونات البنية التحتية، بما في ذلك شبكات تصريف مياه الأمطار ومجاري الأودية والمنشآت المائية وأحواض التجميع، فضلا عن ضرورة رفع درجة اليقظة ومتابعة النقاط التي يمكن أن تشكل خطرا على المواطنين.

والمهم في هذه المقاربة أنها لا تختزل المسؤولية في وزارة أو مؤسسة بعينها، لأن حماية المدن من الفيضانات تتطلب في الواقع سلسلة مترابطة من التدخلات تبدأ من التخطيط العمراني ولا تنتهي عند عمليات الصيانة والجهر. فالمسألة تتقاطع فيها أدوار وزارة التجهيز والإسكان والسلطات المحلية والهياكل الجهوية والحماية المدنية وغيرها من المتدخلين، بما يجعل التنسيق بينهم عاملا حاسما في سرعة الاستجابة ونجاعة التدخل.

وضمن هذا التمشي، يؤكد رئيس الدولة قيس سعيد في مناسبات عديدة ضرورة التنسيق والتناغم بين مختلف أجهزة الدولة ومؤسساتها في المسائل أو الملفات التي تقتضي تضافر الجهود وتكامل الأدوار، لا سيما عندما يتعلق الأمر بملفات ذات صلة مباشرة بحياة المواطنين وسلامتهم. ويكتسب هذا الطرح أهمية في التعامل مع مخاطر الفيضانات، باعتبار أن مجابهتها لا يمكن أن تكون مسؤولية هيكل واحد، وإنما تستوجب تكامل أدوار مختلف الوزارات والهياكل المركزية والجهوية والمحلية، كلٌّ في حدود ومجال اختصاصه، بما يضمن سرعة التدخل ونجاعة القرار وتفادي تضارب الأدوار أو تأخرها.

 

ضرورة الجهر والصيانة

في هذا الإطار، تكتسب برامج الجهر والصيانة أهمية خاصة، باعتبارها خط الدفاع الأول في العديد من المناطق التي يمكن أن تشهد تجمعا سريعا للمياه. ووفق المعطيات التي أعلنتها وزارة التجهيز والإسكان، تم رصد اعتمادات تناهز 36 مليون دينار لجهر وصيانة منشآت حماية المدن من الفيضانات، إلى جانب تنظيف آلاف الكيلومترات من القنوات ومجاري الأودية، وكذلك أحواض تجميع مياه الأمطار.

وتعكس هذه الأرقام حجم الجهود المطلوبة حتى تكون البنية التحتية قادرة على أداء وظيفتها على الوجه المطلوب.

وهنا تتضح أهمية عامل الزمن الذي يحضر بقوة في مقاربة رئيس الجمهورية قيس سعيد لإدارة المشاريع والمرافق العمومية، بما أن أعمال الصيانة التي تتم بعد وقوع الضرر تفقد جزءا كبيرا من قيمتها الوقائية.

 

مشاريع حماية المدن

وبالتوازي مع أعمال الصيانة والجهر، تبرز مشاريع حماية المدن والتجمعات السكنية من الفيضانات باعتبارها أحد الحلقات الأساسية في السياسة الوقائية للدولة.

وفي هذا الإطار، تنفذ وزارة التجهيز والإسكان عددا من المشاريع والبرامج في هذا المجال بمختلف ولايات الجمهورية، بما يعكس الحاجة إلى معالجة مخاطر الفيضانات من خلال منشآت قادرة على حماية المناطق العمرانية على المدى الطويل.

وتكمن أهمية هذه المشاريع في أنها تتجاوز منطق التدخل بعد وقوع الكارثة، لتطرح معالجة مسبقة لمكامن الخطر من خلال تحسين تصريف المياه وإنجاز المنشآت اللازمة للحماية وتطوير شبكات المياه العمرانية وفق خصوصيات كل منطقة.

ومن بين المشاريع التي تم إنجازها مشروع حماية أريانة الشمالية ومدينة القيروان من الفيضانات، في إطار التعاون التونسي الياباني، وهو ما يقدم مثالا على أهمية التعاون الدولي في دعم البنية التحتية الوطنية ونقل الخبرات والتقنيات في مجالات حماية المدن وإدارة المياه.

على أن الأهم أن قائمة المشاريع لا تتوقف عند حدود ما تم إنجازه، إذ توجد مشاريع أخرى قيد الإنجاز وأخرى مبرمجة تشمل عددا من المناطق والولايات، على غرار الكاف وباجة وسيدي بورويس وقصر غيلان وقفصة والمكنين والمعمورة وجربة وتونس الغربية، إلى جانب العمل على إرساء جهاز للإنذار.

في المقابل، فإن وجود مشاريع مبرمجة أو اعتمادات مرصودة يظل لا يفي بالحاجة وحده، على اعتبار أن الرهان يكمن في إنجاز ما تمت برمجته في آجاله وتحويل الاعتمادات المرصودة إلى منشآت على أرض الواقع. وهذه النقطة تتقاطع مباشرة مع أحد العناوين المتكررة في خطاب رئيس الجمهورية قيس سعيد، والمتمثلة في ضرورة تجاوز التعطيل وتسريع نسق الإنجاز وتحميل كل طرف مسؤوليته.

وفي ملف الفيضانات تحديدا، تكتسب مسألة التسريع أهمية مضاعفة، لأن المشروع المتأخر يعني في جوهره بقاء منطقة سكنية ما عرضة للخطر.

 

أهمية الاستباق

واللافت في هذا الملف أيضا أن الأمطار، ورغم كونها ظاهرة طبيعية، فإنها تكشف في كل مرة مستوى جاهزية الدولة وقدرتها على إدارة المخاطر والتعامل معها قبل أن تتحول إلى أضرار فعلية. فالمسألة لا تتعلق بكميات الأمطار المسجلة بقدر ما تتصل بمدى استعداد البنية التحتية لاستيعابها وقدرة مختلف أجهزة الدولة على التحرك في الوقت المناسب.

وفي هذا الاتجاه، يؤكد رئيس الدولة قيس سعيد في أكثر من محطة على ضرورة الاستباق كآلية من شأنها أن تضع الدولة في موقع رد الفعل قبل وقوع الخطر، من خلال الاستعداد المسبق وتفقد المنشآت وشبكات تصريف المياه ومجاري الأودية واتخاذ الإجراءات الكفيلة بالحد من التداعيات المحتملة.

كما أن الاستباق، في هذا السياق، لا يقتصر على التدخلات العاجلة أو الموسمية، وإنما يشمل متابعة المشاريع المبرمجة لحماية المدن، وتسريع إنجازها، وضمان جاهزية المنشآت القائمة وصيانتها بصورة منتظمة، بما يجعل الوقاية سياسة متواصلة لعمل الدولة بمختلف هياكلها وأجهزتها.

 

سياسة دائمة للوقاية

وفي هذا الخضم، يضع رئيس الجمهورية قيس سعيد ملف الأمطار والاستعداد للفيضانات ضمن مقاربة شاملة عنوانها: الاستباق والجاهزية وسرعة الإنجاز وتحمل المسؤولية. وهي مقاربة تتطلب أن تتكامل التوصيات السياسية مع العمل الفني والميداني، وأن تتحول المشاريع المبرمجة إلى منشآت جاهزة، وأن تتحول أعمال الصيانة والجهر إلى ممارسة منتظمة بعيدا عن سياسة التدخلات الظرفية.

كما أن استمرار مشاريع حماية المدن، إلى جانب البرامج الجديدة وأعمال الصيانة وإرساء منظومات الإنذار، يوفر قاعدة يمكن البناء عليها لتطوير سياسة وطنية أكثر تكاملا في مواجهة الفيضانات، خاصة إذا ما تواصلت الجهود بنفس نسق المتابعة والإنجاز، وتم تعزيز التنسيق بين مختلف المتدخلين وتوجيه الاستثمارات نحو المناطق الأكثر عرضة للمخاطر.

على أن الأهم هو أن هذا التوجه يفتح الباب أمام الانتقال تدريجيا من منطق مجابهة تداعيات الفيضانات إلى منطق إدارة مخاطرها والحد منها قبل وقوعها، بما يجعل البنية التحتية أكثر قدرة على الصمود، والمدن أكثر أمانا، والمواطن أكثر حماية. فكل مشروع يدخل حيز الاستغلال، وكل منظومة إنذار يتم تفعيلها، تعتبر جميعها آليات تراكم رصيد الدولة من الجاهزية والقدرة على مواجهة التقلبات المناخية.

وبذلك لا تكون الاستعدادات لموسم الأمطار مجرد إجراء موسمي، وإنما تتحول إلى جزء من رؤية شاملة لبلورة وبناء بنية تحتية أكثر صلابة ومدن أكثر قدرة على الصمود، بما يجعل الغيث النافع مصدر حياة وتنمية، ويعزز في المقابل قدرة الدولة على حماية مواطنيها وضمان استمرارية مرافقهم في مختلف الظروف.

منال حرزي