إشترك في النسخة الرقمية لجريدة الصباح و LE TEMPS

دعم الاستثمار.. البنوك التونسية ورهان معاضدة جهود الدولة

تونس-الصباح

تراهن الدولة اليوم، في أعلى هرمها، على أن تلعب البنوك بشقّيها العام والخاص دورا رياديا في معاضدة جهود الدولة ودعم الاقتصاد الوطني في مرحلة تقتضي تحقيق التوازنات المالية، مع ضرورة دفع عجلة الاستثمار وتحريك الدورة الاقتصادية وتوفير شروط أفضل لخلق الثروة.

وهذا الاستحقاق أعاد رئيس الجمهورية قيس سعيّد طرحه خلال لقائه مؤخرا في قصر قرطاج برئيسة الحكومة سارة الزعفراني الزنزري ومحافظ البنك المركزي التونسي فتحي زهير النوري، من خلال وضع وظيفة البنوك، ولا سيما العمومية منها، صلب المعادلة الاقتصادية والاجتماعية للبلاد.

وذلك في إطار توجه عام يجعل من القطاع البنكي شريكا فعليا في دفع عجلة الاقتصاد الوطني ومعاضدة جهود الدولة، سواء من خلال المساهمة في تحقيق التوازنات المالية، أو تيسير الحصول على القروض بشروط ميسرة، أو دعم الاستثمار والمؤسسات والقطاعات المنتجة.

وضمن هذه المقاربة، أكد رئيس الجمهورية قيس سعيد خلال هذا اللقاء أن دور البنك المركزي، وبالتوازي مع باقي الأدوار الموكولة إليه، يقوم أيضا على دعم الاقتصاد الوطني والمساهمة في إيجاد الحلول الكفيلة بتحقيق التوازنات المالية، في إطار رؤية تقوم على مساهمة كل طرف، من موقعه واختصاصه، في توفير المناخ الملائم لدفع عجلة الدورة الاقتصادية وتحفيز الاستثمار ومرافقة المؤسسات والقطاعات المنتجة، بما يجعل السياسة المالية والنقدية أكثر ارتباطا بحاجيات الاقتصاد الوطني وأولويات الدولة في المرحلة القادمة.

 ضرورة احترام القواعد والضوابط

وضمن هذه المقاربة، أعاد رئيس الجمهورية قيس سعيد خلال هذا اللقاء التذكير بأن الغاية من إحداث البنوك العمومية هي معاضدة جهود الدولة. وهذا التذكير يحمل في جوهره تأكيدا على خصوصية موقع هذه المؤسسات داخل المنظومة الاقتصادية الوطنية.

وبالتالي، فإن البنوك العمومية، وفقا لهذا التوجه، تظل مؤسسات مالية مطالبة باحترام القواعد والضوابط، لكن من المخول لها أيضا أن تتحرك في إطار تصور يرتبط بالمصلحة الاقتصادية العامة وبالأولويات الوطنية. وبذلك لا يختزل دورها في منح القروض أو إدارة الودائع، وإنما يمتد أيضا إلى مرافقة الخيارات الاقتصادية للدولة وتمويل المشاريع والقطاعات التي يمكن أن تكون لها قيمة مضافة على مستوى الاستثمار والتنمية والتشغيل.

ولا يعني هذا الطرح، وفقا للمختصين في المجال، أن تتحول البنوك إلى مؤسسات تمويل بلا ضوابط أو أن يتم تجاوز المعايير المالية، وإنما أن يكون التمويل أكثر ارتباطا بحاجيات الاقتصاد الفعلية، وأن تكون البنوك قادرة على استيعاب حاجيات القطاعات والمؤسسات والمشاريع، وعلى المساهمة في تحويل الإمكانيات المتاحة إلى نشاط اقتصادي ملموس.

 

أهمية التمويل

يحتاج كل مشروع اقتصادي، مهما كانت أهميته وقيمته، إلى موارد مالية.

ومن هذا المنطلق، فإن دعوة رئيس الجمهورية قيس سعيد إلى تيسير الحصول على القروض بشروط ميسرة تفتح النقاش حول طبيعة العلاقة بين القطاع البنكي ومدى قدرة المنظومة المالية على مواكبة حاجيات المؤسسات، وخاصة المؤسسات التي يمكن أن تساهم في خلق القيمة المضافة وتوفير فرص الشغل، لا سيما أن تيسير عملية التمويل يمكن أن يمثل أحد أهم آليات الانتقال من اقتصاد يواجه صعوبات في تعبئة الموارد إلى اقتصاد أكثر قدرة على تحفيز الاستثمار ودعم المبادرة والإنتاج.

وهنا يعتبر المختصون في المجال أنه كلما كان التمويل أكثر مرونة وارتباطا بحاجيات المؤسسات والمشاريع القابلة للإنجاز، كلما ازدادت قدرة النسيج الاقتصادي على التوسع وخلق فرص عمل جديدة، بما يجعل البنوك شريكا فعليا في الدورة الاقتصادية.

 

مسؤولية متكاملة

لم يكن من قبيل الصدفة أن يجمع رئيس الجمهورية قيس سعيد في قصر قرطاج كلا من رئيسة الحكومة ومحافظ البنك المركزي، باعتبار أن الملفات المطروحة تتطلب تنسيقا بين السياسة الاقتصادية والمالية والنقدية.

فالبنك المركزي يحتل موقعا هاما في المنظومة المالية، من خلال دوره في المحافظة على الاستقرار النقدي والمالي ومتابعة القطاع البنكي ووضع القواعد المنظمة له. والبنوك، بدورها، تتحرك داخل هذا الإطار وتقوم بوظيفة الوساطة المالية بين المدخرات والتمويل.

لذلك، فإن التأكيد على ضرورة امتثال البنوك لمناشير البنك المركزي لا ينفصل عن الدعوة إلى تيسير القروض، وإنما يؤسس لعلاقة بينهما تقوم على التوازن بين المرونة والانضباط، بما يسمح للقطاع البنكي بأداء وظيفته الاقتصادية دون الإخلال بالاستقرار المالي.

وضمن هذا التمشي، تتجلى أهمية الدور التنظيمي الموكول للبنك المركزي عبر توفير الإطار الذي يسمح للبنوك بهامش من التحرك، وفي الوقت نفسه يحمي المنظومة المالية من المخاطر التي يمكن أن تنتج عن تمويل غير مدروس أو إخلالات مالية.

وبالتالي، فإن معاضدة جهود الدولة، وفقا لما يطرحه رئيس الدولة قيس سعيد من خلال هذا اللقاء، لا تعني تجريد البنوك من دورها الاقتصادي، وإنما تؤشر إلى جعل الدور الموكول لها أكثر قدرة على خدمة الاقتصاد الوطني وتحفيز الاستثمار.

 

العدالة.. البعد الآخر للتمويل

من جهة أخرى، ربط رئيس الجمهورية قيس سعيد خلال هذا اللقاء بين مسألة التمويل وتحقيق العدالة، معتبرا أن الواجب الوطني يقتضي تحقيق العدالة باعتبارها المقدمة الطبيعية والأساسية لبلوغ الثروة وتوزيعها بصورة عادلة.

ومن هنا، فإن تيسير النفاذ إلى القروض لا يتعلق فقط بالمؤسسات الكبرى، وإنما يطرح أيضا ضرورة التفكير في المؤسسات الصغرى والمتوسطة والمبادرات الاقتصادية والمشاريع المنتجة التي يمكن أن تجد في التمويل فرصة للانطلاق أو التوسع.

وهذا البعد الاجتماعي للتمويل ينسجم مع تصور أوسع للدولة الاجتماعية الذي طرحه رئيس الجمهورية قيس سعيد خلال اللقاء، خاصة وأن الدولة الاجتماعية تحتاج إلى اقتصاد قادر على خلق الثروة وتمويل الاستثمار والمحافظة على النشاط والإنتاج.

 

معضلة الغلاء

وإذا كان التمويل يمثل جانبا من المعادلة، فإن معضلة الغلاء تمثل بدورها الجانب الآخر الذي يمس المواطن بصورة مباشرة. وقد توقف اللقاء مطولا عند مسألة الغلاء المشط للأسعار، ليربط رئيس الجمهورية قيس سعيد مجابهته بضرورة ترشيد التوريد ومكافحة الفساد.

فمعالجة إشكالية ارتفاع الأسعار ترتبط بضرورة تنظيم الدورة الاقتصادية بكامل حلقاتها.

ومن هنا، فإن إصلاح الدورة الاقتصادية يتطلب العمل على أكثر من مستوى، حيث يرى أهل الاختصاص أنه من الضروري تمويل الإنتاج وترشيد التوريد ومقاومة الممارسات غير القانونية، وتوفير الظروف التي تسمح بعمل المرافق والمؤسسات بصورة أكثر نجاعة.

 

الفساد.. والتعطيل

من أبرز ما حمله اللقاء أيضا توسيع رئيس الجمهورية قيس سعيد لمفهوم الفساد ليشمل، إلى جانب الرشوة، كل من الغش وتعطيل سير المرافق العمومية والخدمات العامة والتنكيل بمنظوري الإدارة.

وهذه المقاربة تضع التعطيل نفسه ضمن دائرة الكلفة الاقتصادية، على اعتبار أن التعطيلات التي تطال المرافق العمومية، على غرار تأخر إسداء الخدمات، قد تكون كلفتها خسارة اقتصادية وتعطلا للاستثمار وإهدارا للموارد.

وبالتالي، فإن مقاومة الفساد تندرج في صميم الإصلاحات الاقتصادية، لأن الاقتصاد، في جانب منه، يحتاج إلى إدارة سريعة وفعالة وإلى وضوح على مستوى الإجراءات المعمول بها.

وإذا كان رئيس الجمهورية قيس سعيد قد شدد على ضرورة وضع حد سريع ونهائي لهذه الظواهر، فإن الرسالة الأبرز التي حملها اللقاء تتلخص في أن المرحلة المقبلة لا تحتمل استمرار الحلقة نفسها التي تبدأ بقرار وتنتهي بالتعطيل، حيث من الضروري أن تتحول القرارات والتوجهات إلى إجراءات فعلية وآجال واضحة ونتائج ملموسة، وأن تستعيد الإدارة دورها في تنفيذ السياسات العمومية دون تعطيل أو تراخ، بما يسمح بتحرير المشاريع والاستثمارات من مختلف العراقيل التي تكبل سير إنجازها وتحد من مردوديتها الاقتصادية والاجتماعية.

 

من التمويل إلى التنمية..

يكشف لقاء قرطاج في جوهره عن مقاربة تجعل المنظومة البنكية جزءا من مشروع اقتصادي شامل تكون فيه البنوك شريكا أساسيا في تحريك عجلة الاقتصاد وتمويل الاستثمار ومرافقة المؤسسات.

فالمراد اليوم هو إعادة طرح دور البنوك العمومية والخاصة بما يستجيب لتحديات المرحلة الراهنة، من خلال ضمان وتأمين أدائها لوظيفتها الاقتصادية والاجتماعية ضمن الأطر القانونية والمالية المنظمة لها.

فمعاضدة جهود الدولة ليست شعارا يوجه إلى البنوك، وإنما هي تصور متكامل للعلاقة بين السياسة المالية والنقدية والاقتصاد الفعلي. فالدولة تحتاج إلى اقتصاد قوي، الذي يحتاج بدوره إلى منظومة تمويلية، والتمويل يحتاج أيضا إلى منظومة بنكية قادرة على مرافقة الاستثمار، فيما تحتاج الدولة الاجتماعية المراد إرساؤها إلى تواجد كل هذه الآليات حتى تتحول خياراتها إلى واقع ملموس.

وإذا ما نجحت مختلف الأطراف في تحويل هذه التوجهات إلى خطوات عملية، فإن المرحلة القادمة يمكن أن تفتح المجال أمام ديناميكية اقتصادية أكثر قدرة على الاستجابة لحاجيات المؤسسات ودعم المبادرة وتحفيز الاستثمار، بما يجعل التمويل أكثر ارتباطا بأولويات الاقتصاد الوطني وأكثر انعكاسا على الحياة اليومية للمواطن.

فالمعادلة المنشودة، كما يطرحها رئيس الجمهورية قيس سعيد عبر هذا اللقاء، تقوم على بنوك تموّل، ومؤسسات تستثمر وتنتج، ودولة تهيئ كل الظروف الملائمة من خلال المتابعة والمراقبة المستمرة، إلى جانب اقتصاد يكون قادرا على خلق الثروة ومواطن الشغل. وحين تلتقي هذه الأدوار ضمن رؤية متكاملة، يصبح التمويل رافعة فعلية لبناء اقتصاد أكثر حيوية وقدرة على تحويل الإمكانيات المتاحة إلى إنجازات ملموسة.

منال حرزي

 

دعم الاستثمار.. البنوك التونسية ورهان معاضدة جهود الدولة

تونس-الصباح

تراهن الدولة اليوم، في أعلى هرمها، على أن تلعب البنوك بشقّيها العام والخاص دورا رياديا في معاضدة جهود الدولة ودعم الاقتصاد الوطني في مرحلة تقتضي تحقيق التوازنات المالية، مع ضرورة دفع عجلة الاستثمار وتحريك الدورة الاقتصادية وتوفير شروط أفضل لخلق الثروة.

وهذا الاستحقاق أعاد رئيس الجمهورية قيس سعيّد طرحه خلال لقائه مؤخرا في قصر قرطاج برئيسة الحكومة سارة الزعفراني الزنزري ومحافظ البنك المركزي التونسي فتحي زهير النوري، من خلال وضع وظيفة البنوك، ولا سيما العمومية منها، صلب المعادلة الاقتصادية والاجتماعية للبلاد.

وذلك في إطار توجه عام يجعل من القطاع البنكي شريكا فعليا في دفع عجلة الاقتصاد الوطني ومعاضدة جهود الدولة، سواء من خلال المساهمة في تحقيق التوازنات المالية، أو تيسير الحصول على القروض بشروط ميسرة، أو دعم الاستثمار والمؤسسات والقطاعات المنتجة.

وضمن هذه المقاربة، أكد رئيس الجمهورية قيس سعيد خلال هذا اللقاء أن دور البنك المركزي، وبالتوازي مع باقي الأدوار الموكولة إليه، يقوم أيضا على دعم الاقتصاد الوطني والمساهمة في إيجاد الحلول الكفيلة بتحقيق التوازنات المالية، في إطار رؤية تقوم على مساهمة كل طرف، من موقعه واختصاصه، في توفير المناخ الملائم لدفع عجلة الدورة الاقتصادية وتحفيز الاستثمار ومرافقة المؤسسات والقطاعات المنتجة، بما يجعل السياسة المالية والنقدية أكثر ارتباطا بحاجيات الاقتصاد الوطني وأولويات الدولة في المرحلة القادمة.

 ضرورة احترام القواعد والضوابط

وضمن هذه المقاربة، أعاد رئيس الجمهورية قيس سعيد خلال هذا اللقاء التذكير بأن الغاية من إحداث البنوك العمومية هي معاضدة جهود الدولة. وهذا التذكير يحمل في جوهره تأكيدا على خصوصية موقع هذه المؤسسات داخل المنظومة الاقتصادية الوطنية.

وبالتالي، فإن البنوك العمومية، وفقا لهذا التوجه، تظل مؤسسات مالية مطالبة باحترام القواعد والضوابط، لكن من المخول لها أيضا أن تتحرك في إطار تصور يرتبط بالمصلحة الاقتصادية العامة وبالأولويات الوطنية. وبذلك لا يختزل دورها في منح القروض أو إدارة الودائع، وإنما يمتد أيضا إلى مرافقة الخيارات الاقتصادية للدولة وتمويل المشاريع والقطاعات التي يمكن أن تكون لها قيمة مضافة على مستوى الاستثمار والتنمية والتشغيل.

ولا يعني هذا الطرح، وفقا للمختصين في المجال، أن تتحول البنوك إلى مؤسسات تمويل بلا ضوابط أو أن يتم تجاوز المعايير المالية، وإنما أن يكون التمويل أكثر ارتباطا بحاجيات الاقتصاد الفعلية، وأن تكون البنوك قادرة على استيعاب حاجيات القطاعات والمؤسسات والمشاريع، وعلى المساهمة في تحويل الإمكانيات المتاحة إلى نشاط اقتصادي ملموس.

 

أهمية التمويل

يحتاج كل مشروع اقتصادي، مهما كانت أهميته وقيمته، إلى موارد مالية.

ومن هذا المنطلق، فإن دعوة رئيس الجمهورية قيس سعيد إلى تيسير الحصول على القروض بشروط ميسرة تفتح النقاش حول طبيعة العلاقة بين القطاع البنكي ومدى قدرة المنظومة المالية على مواكبة حاجيات المؤسسات، وخاصة المؤسسات التي يمكن أن تساهم في خلق القيمة المضافة وتوفير فرص الشغل، لا سيما أن تيسير عملية التمويل يمكن أن يمثل أحد أهم آليات الانتقال من اقتصاد يواجه صعوبات في تعبئة الموارد إلى اقتصاد أكثر قدرة على تحفيز الاستثمار ودعم المبادرة والإنتاج.

وهنا يعتبر المختصون في المجال أنه كلما كان التمويل أكثر مرونة وارتباطا بحاجيات المؤسسات والمشاريع القابلة للإنجاز، كلما ازدادت قدرة النسيج الاقتصادي على التوسع وخلق فرص عمل جديدة، بما يجعل البنوك شريكا فعليا في الدورة الاقتصادية.

 

مسؤولية متكاملة

لم يكن من قبيل الصدفة أن يجمع رئيس الجمهورية قيس سعيد في قصر قرطاج كلا من رئيسة الحكومة ومحافظ البنك المركزي، باعتبار أن الملفات المطروحة تتطلب تنسيقا بين السياسة الاقتصادية والمالية والنقدية.

فالبنك المركزي يحتل موقعا هاما في المنظومة المالية، من خلال دوره في المحافظة على الاستقرار النقدي والمالي ومتابعة القطاع البنكي ووضع القواعد المنظمة له. والبنوك، بدورها، تتحرك داخل هذا الإطار وتقوم بوظيفة الوساطة المالية بين المدخرات والتمويل.

لذلك، فإن التأكيد على ضرورة امتثال البنوك لمناشير البنك المركزي لا ينفصل عن الدعوة إلى تيسير القروض، وإنما يؤسس لعلاقة بينهما تقوم على التوازن بين المرونة والانضباط، بما يسمح للقطاع البنكي بأداء وظيفته الاقتصادية دون الإخلال بالاستقرار المالي.

وضمن هذا التمشي، تتجلى أهمية الدور التنظيمي الموكول للبنك المركزي عبر توفير الإطار الذي يسمح للبنوك بهامش من التحرك، وفي الوقت نفسه يحمي المنظومة المالية من المخاطر التي يمكن أن تنتج عن تمويل غير مدروس أو إخلالات مالية.

وبالتالي، فإن معاضدة جهود الدولة، وفقا لما يطرحه رئيس الدولة قيس سعيد من خلال هذا اللقاء، لا تعني تجريد البنوك من دورها الاقتصادي، وإنما تؤشر إلى جعل الدور الموكول لها أكثر قدرة على خدمة الاقتصاد الوطني وتحفيز الاستثمار.

 

العدالة.. البعد الآخر للتمويل

من جهة أخرى، ربط رئيس الجمهورية قيس سعيد خلال هذا اللقاء بين مسألة التمويل وتحقيق العدالة، معتبرا أن الواجب الوطني يقتضي تحقيق العدالة باعتبارها المقدمة الطبيعية والأساسية لبلوغ الثروة وتوزيعها بصورة عادلة.

ومن هنا، فإن تيسير النفاذ إلى القروض لا يتعلق فقط بالمؤسسات الكبرى، وإنما يطرح أيضا ضرورة التفكير في المؤسسات الصغرى والمتوسطة والمبادرات الاقتصادية والمشاريع المنتجة التي يمكن أن تجد في التمويل فرصة للانطلاق أو التوسع.

وهذا البعد الاجتماعي للتمويل ينسجم مع تصور أوسع للدولة الاجتماعية الذي طرحه رئيس الجمهورية قيس سعيد خلال اللقاء، خاصة وأن الدولة الاجتماعية تحتاج إلى اقتصاد قادر على خلق الثروة وتمويل الاستثمار والمحافظة على النشاط والإنتاج.

 

معضلة الغلاء

وإذا كان التمويل يمثل جانبا من المعادلة، فإن معضلة الغلاء تمثل بدورها الجانب الآخر الذي يمس المواطن بصورة مباشرة. وقد توقف اللقاء مطولا عند مسألة الغلاء المشط للأسعار، ليربط رئيس الجمهورية قيس سعيد مجابهته بضرورة ترشيد التوريد ومكافحة الفساد.

فمعالجة إشكالية ارتفاع الأسعار ترتبط بضرورة تنظيم الدورة الاقتصادية بكامل حلقاتها.

ومن هنا، فإن إصلاح الدورة الاقتصادية يتطلب العمل على أكثر من مستوى، حيث يرى أهل الاختصاص أنه من الضروري تمويل الإنتاج وترشيد التوريد ومقاومة الممارسات غير القانونية، وتوفير الظروف التي تسمح بعمل المرافق والمؤسسات بصورة أكثر نجاعة.

 

الفساد.. والتعطيل

من أبرز ما حمله اللقاء أيضا توسيع رئيس الجمهورية قيس سعيد لمفهوم الفساد ليشمل، إلى جانب الرشوة، كل من الغش وتعطيل سير المرافق العمومية والخدمات العامة والتنكيل بمنظوري الإدارة.

وهذه المقاربة تضع التعطيل نفسه ضمن دائرة الكلفة الاقتصادية، على اعتبار أن التعطيلات التي تطال المرافق العمومية، على غرار تأخر إسداء الخدمات، قد تكون كلفتها خسارة اقتصادية وتعطلا للاستثمار وإهدارا للموارد.

وبالتالي، فإن مقاومة الفساد تندرج في صميم الإصلاحات الاقتصادية، لأن الاقتصاد، في جانب منه، يحتاج إلى إدارة سريعة وفعالة وإلى وضوح على مستوى الإجراءات المعمول بها.

وإذا كان رئيس الجمهورية قيس سعيد قد شدد على ضرورة وضع حد سريع ونهائي لهذه الظواهر، فإن الرسالة الأبرز التي حملها اللقاء تتلخص في أن المرحلة المقبلة لا تحتمل استمرار الحلقة نفسها التي تبدأ بقرار وتنتهي بالتعطيل، حيث من الضروري أن تتحول القرارات والتوجهات إلى إجراءات فعلية وآجال واضحة ونتائج ملموسة، وأن تستعيد الإدارة دورها في تنفيذ السياسات العمومية دون تعطيل أو تراخ، بما يسمح بتحرير المشاريع والاستثمارات من مختلف العراقيل التي تكبل سير إنجازها وتحد من مردوديتها الاقتصادية والاجتماعية.

 

من التمويل إلى التنمية..

يكشف لقاء قرطاج في جوهره عن مقاربة تجعل المنظومة البنكية جزءا من مشروع اقتصادي شامل تكون فيه البنوك شريكا أساسيا في تحريك عجلة الاقتصاد وتمويل الاستثمار ومرافقة المؤسسات.

فالمراد اليوم هو إعادة طرح دور البنوك العمومية والخاصة بما يستجيب لتحديات المرحلة الراهنة، من خلال ضمان وتأمين أدائها لوظيفتها الاقتصادية والاجتماعية ضمن الأطر القانونية والمالية المنظمة لها.

فمعاضدة جهود الدولة ليست شعارا يوجه إلى البنوك، وإنما هي تصور متكامل للعلاقة بين السياسة المالية والنقدية والاقتصاد الفعلي. فالدولة تحتاج إلى اقتصاد قوي، الذي يحتاج بدوره إلى منظومة تمويلية، والتمويل يحتاج أيضا إلى منظومة بنكية قادرة على مرافقة الاستثمار، فيما تحتاج الدولة الاجتماعية المراد إرساؤها إلى تواجد كل هذه الآليات حتى تتحول خياراتها إلى واقع ملموس.

وإذا ما نجحت مختلف الأطراف في تحويل هذه التوجهات إلى خطوات عملية، فإن المرحلة القادمة يمكن أن تفتح المجال أمام ديناميكية اقتصادية أكثر قدرة على الاستجابة لحاجيات المؤسسات ودعم المبادرة وتحفيز الاستثمار، بما يجعل التمويل أكثر ارتباطا بأولويات الاقتصاد الوطني وأكثر انعكاسا على الحياة اليومية للمواطن.

فالمعادلة المنشودة، كما يطرحها رئيس الجمهورية قيس سعيد عبر هذا اللقاء، تقوم على بنوك تموّل، ومؤسسات تستثمر وتنتج، ودولة تهيئ كل الظروف الملائمة من خلال المتابعة والمراقبة المستمرة، إلى جانب اقتصاد يكون قادرا على خلق الثروة ومواطن الشغل. وحين تلتقي هذه الأدوار ضمن رؤية متكاملة، يصبح التمويل رافعة فعلية لبناء اقتصاد أكثر حيوية وقدرة على تحويل الإمكانيات المتاحة إلى إنجازات ملموسة.

منال حرزي