تضع الدولة اليوم في أعلى هرمها ملف الصحة ضمن أوكد أولوياتها، باعتباره أحد أبرز مجالات حماية المواطن وضمان حقه في خدمات صحية أكثر نجاعة وعدلا.
وهذا التوجه لا يقف عند حدود تأمين العلاج أو استكمال مشاريع تحسين البنية التحتية أو توفير التجهيزات والمعدات الحديثة، وإنما يمتد إلى ملفات استراتيجية تتعلق بإعادة بناء منظومة الوقاية والاستباق والتنسيق بين مختلف القطاعات.
وفي هذا السياق، جاءت مشاركة وزير الصحة مصطفى الفرجاني في المؤتمر العالمي لمنظمة الأغذية والزراعة للأمم المتحدة حول "العمل من أجل الصحة الواحدة في النظم الزراعية والغذائية"، لتحمل طرحا يقوم على ضرورة إرساء تنسيق دائم بين قطاعات تعتبر استراتيجية، على غرار الصحة والفلاحة والبيئة، وتطوير آليات الرصد وتبادل المعطيات والتدخل المبكر.
وهذا التوجه يتماهى في جوهره مع توجيهات رئيس الدولة قيس سعيد في إدارة الملفات الحيوية، والتي تقوم على أهمية الانتقال من معالجة النتائج إلى استباق أسبابها، مع ضرورة التنصل من ثقافة العمل القطاعي وإرساء تكامل وتنسيق ناجع بين مختلف مؤسسات الدولة وهياكلها.
فالمقاربة التي قدمتها تونس يوم 22 سبتمبر الجاري خلال الجلسة المخصصة للحوكمة والشراكات، لم تتوقف عند الدعوة إلى مزيد من التنسيق بين قطاعات الصحة والفلاحة والبيئة، وإنما طرحت جملة من الآليات العملية التي يفترض أن تجعل من هذا التنسيق ممارسة مستمرة. وهو ما يكتسب أهمية خاصة في سياق تتقاطع فيه المخاطر الصحية مع الإنتاج الفلاحي والمجال البيئي والأمن الغذائي، مما يقتضي اليقظة المستمرة فيما يتعلق بجملة المخاطر المحدقة، وسرعة تبادل المعلومة والتدخل المبكر.
وفي هذا السياق، فإن مفهوم "الصحة الواحدة"، كما طرحته تونس في هذا المؤتمر، يندرج في صميم تصور شامل للدولة يقوم على الاستباق والتنسيق وتحمل المسؤولية وربط السياسات العمومية بعضها ببعض.
وهي مقاربة لا تنظر إلى الصحة باعتبارها شأنا يخص وزارة الصحة وحدها، بل باعتبارها مسؤولية مشتركة تتداخل فيها عدة قطاعات ومؤسسات، بما يجعل نجاحها مرتبطا بمدى القدرة على توحيد الجهود حول هدف واحد.
أهمية الاستباق
تكتسي دعوة تونس إلى إرساء آلية دائمة للتنسيق والمتابعة أهمية خاصة، لأنها تضع مسألة الاستباق في جوهر العمل المشترك، لا سيما أنه تم التأكيد خلال المؤتمر على ضرورة تطوير آليات تبادل التحاليل والمعطيات حول المخاطر المشتركة، ودعم المخابر والرصد والتكوين، إلى جانب تنظيم تمارين مشتركة للاستباق.
وهي آليات تبدو في ظاهرها تقنية، لكنها تحمل في طياتها بعدا سياسيا يتعلق بكيفية إدارة الدولة للمخاطر واستباق الأزمات، وهو طرح يتماشى في جوهره مع ما يدعو إليه رئيس الدولة قيس سعيد في مناسبات عديدة، من ذلك أهمية تجاوز منطق الانتظار والتعطيل والتحرك بصورة استباقية كلما تعلق الأمر بمسائل جوهرية تمس أمن المواطنين ومصالح الدولة.
الصحة وتداخل القطاعات
تكشف "الصحة الواحدة" أيضا عن ضرورة تجاوز الأطر التقليدية للعمل، خاصة في ظل وجود مجالات متداخلة، بالنظر إلى أن الأمراض حيوانية المنشأ ومقاومة مضادات الميكروبات والمخاطر الوبائية لا يمكن معالجتها أو التعاطي معها ضمن وزارة بعينها أو هيكل ما، مهما بلغ حجم إمكانياته.
وهذا ما يثمن المقاربة التي طرحتها تونس على مستوى الحوكمة، لأنها تقوم على جمع مختلف آليات الشبكات المتداخلة ضمن منظومة واحدة.
وهو طرح ينسجم مع مقاربة لطالما شدد عليها رئيس الدولة قيس سعيد في مناسبات عديدة، تقوم على ضرورة التناغم والتكامل بين مختلف هياكل الدولة، بالتوازي مع أهمية العمل في اتجاه واحد كلما تعلق الأمر بملفات استراتيجية.
آلية دائمة للتنسيق والمتابعة
دعت تونس، على هامش أشغال هذا المؤتمر، إلى إرساء آلية دائمة للتنسيق والمتابعة، وتطوير تبادل التحاليل والمعطيات، ودعم المخابر والرصد والتكوين، وتنظيم تمارين مشتركة للاستباق.
وضمن هذا التمشي، تبرز مسألة لطالما كانت حاضرة في اللقاءات الرسمية لرئيس الجمهورية قيس سعيد مع مختلف صناع القرار، مفادها أن نجاح السياسات العمومية والبرامج المستحدثة رهين مدى قدرتها على بلوغ مرحلة التنفيذ والمتابعة.
من جهة أخرى، جدير بالذكر أن اختيار تونس للمشاركة في أشغال هذا المؤتمر لم يكن بمعزل عن سلسلة اللقاءات الثنائية التي أجراها وزير الصحة يوم 21 سبتمبر الجاري مع عدد من المسؤولين رفيعي المستوى، من بينهم المدير العام لمنظمة الأغذية والزراعة، ووزيرة الزراعة والأغذية والسيادة الغذائية الفرنسية، والمدير العام للهيئة الوطنية للوقاية من الأمراض ومكافحتها في جمهورية الصين الشعبية، ومديرة المكتب الأفريقي لتنمية الموارد الحيوانية التابع للاتحاد الأفريقي.
فهذا الحضور المتعدد الأطراف والثنائي يفتح أمام تونس مجالا لتطوير ما يعرف بالدبلوماسية الصحية، باعتبارها أداة ناجعة لتعبئة الخبرات والقدرات والشراكات في ملفات ذات صلة مباشرة بالأمن الوطني الصحي، على أن الأهم هو أن هذه اللقاءات تناولت ملفات عملية، من بينها الوقاية والأمن الصحي والمراقبة الوبائية المدمجة ومقاومة مضادات الميكروبات والأمراض حيوانية المنشأ.
وهو ما يعطي هذه اللقاءات بعدا مختلفا، حيث تصبح العلاقات الدولية وسيلة لتبادل المعرفة والخبرات وتطوير القدرات.
وفي هذا السياق، تتناغم دعوة تونس إلى تطوير شراكات دولية منسجمة مع الأولويات الوطنية وتوجيهات رئيس الدولة قيس سعيد، الذي دعا في أكثر من مناسبة إلى ضرورة أن يكون التعاون الدولي قائما على الندية والاحترام المتبادل، وأن يخدم مصالح تونس وأولوياتها الوطنية، بعيدا عن الاتفاقيات التي لا تجد طريقها إلى التنفيذ.
ومن هذا المنطلق، فإن اللقاءات الثنائية التي أجراها وزير الصحة مع عدد من المسؤولين الدوليين على هامش مؤتمر "الصحة الواحدة" تكتسب منحى إيجابيا هاما، باعتبارها تفتح المجال أمام بناء تعاون عملي في مجالات الوقاية والأمن الصحي والمراقبة الوبائية ومقاومة مضادات الميكروبات والأمراض حيوانية المنشأ، فضلا عن الصحة الرقمية، بما يجعل الدبلوماسية الصحية أداة لتعبئة الإمكانيات والخبرات الدولية في خدمة الخيارات الوطنية.
الصحة الرقمية على الخط
من الملفات الهامة التي سجلت حضورها في اللقاءات الثنائية تعزيز فرص التعاون في مجال الصحة الرقمية، من خلال إرساء اتفاقيات شراكة ثنائية وبرامج تنفيذية مع المؤسسات والهياكل الصحية المختصة.
وهذه النقطة تفتح الباب أمام مجال هام تعمل الدولة، في أعلى هرمها، على تعزيزه في مختلف القطاعات، باعتبار أن الرقمنة أضحت اليوم خيارا حتميا لتطوير أداء المرافق العمومية وتحسين الخدمات وتقليص آجال الإجراءات وتسهيل نفاذ المواطن إلى مختلف الخدمات العمومية.
وفي هذا الخصوص، يشدد رئيس الدولة قيس سعيد في أكثر من مناسبة على ضرورة الانخراط في مسار الرقمنة، باعتبارها أداة لتحديث الإدارة وتجاوز التعقيدات التي تعطل مصالح المواطنين، وربط العمل الإداري بالنجاعة والسرعة والشفافية المطلوبة.
وبالتالي، فإن إدماج الرقمنة في المنظومة الصحية من شأنه أن يكون رافعة لتحسين جودة الخدمات وتيسير تبادل المعطيات بين الهياكل الصحية، ودعم الرصد والمتابعة، فضلا عن تقليص الفوارق بين الجهات من خلال تمكين المؤسسات الصحية من أدوات رقمية أكثر نجاعة.
في هذا الخضم، تمثل مشاركة تونس في مؤتمر الفاو فرصة لتثبيت مقاربة يمكن أن تتقاطع فيها السياسة الصحية مع الفلاحة والبيئة والرقمنة والدبلوماسية والتعاون الدولي، كما تمثل محطة لتعزيز القدرات في مجالات الوقاية والاستباق وحماية صحة المواطن.
فقد كشف مؤتمر "الصحة الواحدة" عن توجه يضع الوقاية والاستباق والتنسيق في قلب العمل الصحي، ويمنح للتعاون الدولي وظيفة تتجاوز العلاقات الثنائية الضيقة إلى بناء القدرات وتبادل الخبرات.
وإذا كان رئيس الجمهورية قيس سعيد قد جعل من ضرورة تجاوز التعطيل والسرعة في الإنجاز بمثابة عناوين أساسية للمرحلة أو لإدارة الشأن العام، فإن هذه المقاربة تطرح التوجه ذاته في مجال الصحة من خلال اعتماد تسلسل واضح يقوم على التحرك قبل وقوع الخطر، وتوحيد المعطيات قبل اتخاذ القرارات اللازمة، على أن الأهم يظل تحديد المسؤوليات.
كما أن الجمع بين الصحة والفلاحة والبيئة، والاستثمار في المخابر والرصد والتكوين، وتطوير الصحة الرقمية، وبناء شراكات دولية مرتبطة بالأولويات الوطنية، يضع تونس أمام إمكانية تطوير نموذج أكثر تكاملا في إدارة المخاطر الصحية، خاصة إذا ما تمت ترجمة هذه التوجهات إلى آليات عمل دائمة وبرامج تنفيذية قابلة للمتابعة والتقييم.
وضمن هذا المسار، تبدو مقاربة "الصحة الواحدة" فرصة لتوحيد جهود الدولة حول رؤية مشتركة تجعل الوقاية والاستباق جزءا من عمل مختلف المؤسسات والهياكل، وتمنح التعاون الدولي بعدا عمليا يخدم القدرات الوطنية.
كما أن نجاحها من شأنه أن يعزز قدرة المنظومة الصحية على رصد المخاطر والتدخل في الوقت المناسب، ويكرّس التنسيق بين مختلف القطاعات باعتباره شرطا لتحسين حماية صحة المواطن.
وبذلك، لا تكون "الصحة الواحدة" مجرد عنوان لمؤتمر دولي أو إطار للتعاون، وإنما مسارا يمكن أن تتبلور من خلاله حوكمة صحية أكثر تكاملا، تقوم على العلم والمعلومة والاستباق والمسؤولية، وتضع حماية صحة المواطن في صلب سياسات الدولة.
منال حرزي
تونس-الصباح
تضع الدولة اليوم في أعلى هرمها ملف الصحة ضمن أوكد أولوياتها، باعتباره أحد أبرز مجالات حماية المواطن وضمان حقه في خدمات صحية أكثر نجاعة وعدلا.
وهذا التوجه لا يقف عند حدود تأمين العلاج أو استكمال مشاريع تحسين البنية التحتية أو توفير التجهيزات والمعدات الحديثة، وإنما يمتد إلى ملفات استراتيجية تتعلق بإعادة بناء منظومة الوقاية والاستباق والتنسيق بين مختلف القطاعات.
وفي هذا السياق، جاءت مشاركة وزير الصحة مصطفى الفرجاني في المؤتمر العالمي لمنظمة الأغذية والزراعة للأمم المتحدة حول "العمل من أجل الصحة الواحدة في النظم الزراعية والغذائية"، لتحمل طرحا يقوم على ضرورة إرساء تنسيق دائم بين قطاعات تعتبر استراتيجية، على غرار الصحة والفلاحة والبيئة، وتطوير آليات الرصد وتبادل المعطيات والتدخل المبكر.
وهذا التوجه يتماهى في جوهره مع توجيهات رئيس الدولة قيس سعيد في إدارة الملفات الحيوية، والتي تقوم على أهمية الانتقال من معالجة النتائج إلى استباق أسبابها، مع ضرورة التنصل من ثقافة العمل القطاعي وإرساء تكامل وتنسيق ناجع بين مختلف مؤسسات الدولة وهياكلها.
فالمقاربة التي قدمتها تونس يوم 22 سبتمبر الجاري خلال الجلسة المخصصة للحوكمة والشراكات، لم تتوقف عند الدعوة إلى مزيد من التنسيق بين قطاعات الصحة والفلاحة والبيئة، وإنما طرحت جملة من الآليات العملية التي يفترض أن تجعل من هذا التنسيق ممارسة مستمرة. وهو ما يكتسب أهمية خاصة في سياق تتقاطع فيه المخاطر الصحية مع الإنتاج الفلاحي والمجال البيئي والأمن الغذائي، مما يقتضي اليقظة المستمرة فيما يتعلق بجملة المخاطر المحدقة، وسرعة تبادل المعلومة والتدخل المبكر.
وفي هذا السياق، فإن مفهوم "الصحة الواحدة"، كما طرحته تونس في هذا المؤتمر، يندرج في صميم تصور شامل للدولة يقوم على الاستباق والتنسيق وتحمل المسؤولية وربط السياسات العمومية بعضها ببعض.
وهي مقاربة لا تنظر إلى الصحة باعتبارها شأنا يخص وزارة الصحة وحدها، بل باعتبارها مسؤولية مشتركة تتداخل فيها عدة قطاعات ومؤسسات، بما يجعل نجاحها مرتبطا بمدى القدرة على توحيد الجهود حول هدف واحد.
أهمية الاستباق
تكتسي دعوة تونس إلى إرساء آلية دائمة للتنسيق والمتابعة أهمية خاصة، لأنها تضع مسألة الاستباق في جوهر العمل المشترك، لا سيما أنه تم التأكيد خلال المؤتمر على ضرورة تطوير آليات تبادل التحاليل والمعطيات حول المخاطر المشتركة، ودعم المخابر والرصد والتكوين، إلى جانب تنظيم تمارين مشتركة للاستباق.
وهي آليات تبدو في ظاهرها تقنية، لكنها تحمل في طياتها بعدا سياسيا يتعلق بكيفية إدارة الدولة للمخاطر واستباق الأزمات، وهو طرح يتماشى في جوهره مع ما يدعو إليه رئيس الدولة قيس سعيد في مناسبات عديدة، من ذلك أهمية تجاوز منطق الانتظار والتعطيل والتحرك بصورة استباقية كلما تعلق الأمر بمسائل جوهرية تمس أمن المواطنين ومصالح الدولة.
الصحة وتداخل القطاعات
تكشف "الصحة الواحدة" أيضا عن ضرورة تجاوز الأطر التقليدية للعمل، خاصة في ظل وجود مجالات متداخلة، بالنظر إلى أن الأمراض حيوانية المنشأ ومقاومة مضادات الميكروبات والمخاطر الوبائية لا يمكن معالجتها أو التعاطي معها ضمن وزارة بعينها أو هيكل ما، مهما بلغ حجم إمكانياته.
وهذا ما يثمن المقاربة التي طرحتها تونس على مستوى الحوكمة، لأنها تقوم على جمع مختلف آليات الشبكات المتداخلة ضمن منظومة واحدة.
وهو طرح ينسجم مع مقاربة لطالما شدد عليها رئيس الدولة قيس سعيد في مناسبات عديدة، تقوم على ضرورة التناغم والتكامل بين مختلف هياكل الدولة، بالتوازي مع أهمية العمل في اتجاه واحد كلما تعلق الأمر بملفات استراتيجية.
آلية دائمة للتنسيق والمتابعة
دعت تونس، على هامش أشغال هذا المؤتمر، إلى إرساء آلية دائمة للتنسيق والمتابعة، وتطوير تبادل التحاليل والمعطيات، ودعم المخابر والرصد والتكوين، وتنظيم تمارين مشتركة للاستباق.
وضمن هذا التمشي، تبرز مسألة لطالما كانت حاضرة في اللقاءات الرسمية لرئيس الجمهورية قيس سعيد مع مختلف صناع القرار، مفادها أن نجاح السياسات العمومية والبرامج المستحدثة رهين مدى قدرتها على بلوغ مرحلة التنفيذ والمتابعة.
من جهة أخرى، جدير بالذكر أن اختيار تونس للمشاركة في أشغال هذا المؤتمر لم يكن بمعزل عن سلسلة اللقاءات الثنائية التي أجراها وزير الصحة يوم 21 سبتمبر الجاري مع عدد من المسؤولين رفيعي المستوى، من بينهم المدير العام لمنظمة الأغذية والزراعة، ووزيرة الزراعة والأغذية والسيادة الغذائية الفرنسية، والمدير العام للهيئة الوطنية للوقاية من الأمراض ومكافحتها في جمهورية الصين الشعبية، ومديرة المكتب الأفريقي لتنمية الموارد الحيوانية التابع للاتحاد الأفريقي.
فهذا الحضور المتعدد الأطراف والثنائي يفتح أمام تونس مجالا لتطوير ما يعرف بالدبلوماسية الصحية، باعتبارها أداة ناجعة لتعبئة الخبرات والقدرات والشراكات في ملفات ذات صلة مباشرة بالأمن الوطني الصحي، على أن الأهم هو أن هذه اللقاءات تناولت ملفات عملية، من بينها الوقاية والأمن الصحي والمراقبة الوبائية المدمجة ومقاومة مضادات الميكروبات والأمراض حيوانية المنشأ.
وهو ما يعطي هذه اللقاءات بعدا مختلفا، حيث تصبح العلاقات الدولية وسيلة لتبادل المعرفة والخبرات وتطوير القدرات.
وفي هذا السياق، تتناغم دعوة تونس إلى تطوير شراكات دولية منسجمة مع الأولويات الوطنية وتوجيهات رئيس الدولة قيس سعيد، الذي دعا في أكثر من مناسبة إلى ضرورة أن يكون التعاون الدولي قائما على الندية والاحترام المتبادل، وأن يخدم مصالح تونس وأولوياتها الوطنية، بعيدا عن الاتفاقيات التي لا تجد طريقها إلى التنفيذ.
ومن هذا المنطلق، فإن اللقاءات الثنائية التي أجراها وزير الصحة مع عدد من المسؤولين الدوليين على هامش مؤتمر "الصحة الواحدة" تكتسب منحى إيجابيا هاما، باعتبارها تفتح المجال أمام بناء تعاون عملي في مجالات الوقاية والأمن الصحي والمراقبة الوبائية ومقاومة مضادات الميكروبات والأمراض حيوانية المنشأ، فضلا عن الصحة الرقمية، بما يجعل الدبلوماسية الصحية أداة لتعبئة الإمكانيات والخبرات الدولية في خدمة الخيارات الوطنية.
الصحة الرقمية على الخط
من الملفات الهامة التي سجلت حضورها في اللقاءات الثنائية تعزيز فرص التعاون في مجال الصحة الرقمية، من خلال إرساء اتفاقيات شراكة ثنائية وبرامج تنفيذية مع المؤسسات والهياكل الصحية المختصة.
وهذه النقطة تفتح الباب أمام مجال هام تعمل الدولة، في أعلى هرمها، على تعزيزه في مختلف القطاعات، باعتبار أن الرقمنة أضحت اليوم خيارا حتميا لتطوير أداء المرافق العمومية وتحسين الخدمات وتقليص آجال الإجراءات وتسهيل نفاذ المواطن إلى مختلف الخدمات العمومية.
وفي هذا الخصوص، يشدد رئيس الدولة قيس سعيد في أكثر من مناسبة على ضرورة الانخراط في مسار الرقمنة، باعتبارها أداة لتحديث الإدارة وتجاوز التعقيدات التي تعطل مصالح المواطنين، وربط العمل الإداري بالنجاعة والسرعة والشفافية المطلوبة.
وبالتالي، فإن إدماج الرقمنة في المنظومة الصحية من شأنه أن يكون رافعة لتحسين جودة الخدمات وتيسير تبادل المعطيات بين الهياكل الصحية، ودعم الرصد والمتابعة، فضلا عن تقليص الفوارق بين الجهات من خلال تمكين المؤسسات الصحية من أدوات رقمية أكثر نجاعة.
في هذا الخضم، تمثل مشاركة تونس في مؤتمر الفاو فرصة لتثبيت مقاربة يمكن أن تتقاطع فيها السياسة الصحية مع الفلاحة والبيئة والرقمنة والدبلوماسية والتعاون الدولي، كما تمثل محطة لتعزيز القدرات في مجالات الوقاية والاستباق وحماية صحة المواطن.
فقد كشف مؤتمر "الصحة الواحدة" عن توجه يضع الوقاية والاستباق والتنسيق في قلب العمل الصحي، ويمنح للتعاون الدولي وظيفة تتجاوز العلاقات الثنائية الضيقة إلى بناء القدرات وتبادل الخبرات.
وإذا كان رئيس الجمهورية قيس سعيد قد جعل من ضرورة تجاوز التعطيل والسرعة في الإنجاز بمثابة عناوين أساسية للمرحلة أو لإدارة الشأن العام، فإن هذه المقاربة تطرح التوجه ذاته في مجال الصحة من خلال اعتماد تسلسل واضح يقوم على التحرك قبل وقوع الخطر، وتوحيد المعطيات قبل اتخاذ القرارات اللازمة، على أن الأهم يظل تحديد المسؤوليات.
كما أن الجمع بين الصحة والفلاحة والبيئة، والاستثمار في المخابر والرصد والتكوين، وتطوير الصحة الرقمية، وبناء شراكات دولية مرتبطة بالأولويات الوطنية، يضع تونس أمام إمكانية تطوير نموذج أكثر تكاملا في إدارة المخاطر الصحية، خاصة إذا ما تمت ترجمة هذه التوجهات إلى آليات عمل دائمة وبرامج تنفيذية قابلة للمتابعة والتقييم.
وضمن هذا المسار، تبدو مقاربة "الصحة الواحدة" فرصة لتوحيد جهود الدولة حول رؤية مشتركة تجعل الوقاية والاستباق جزءا من عمل مختلف المؤسسات والهياكل، وتمنح التعاون الدولي بعدا عمليا يخدم القدرات الوطنية.
كما أن نجاحها من شأنه أن يعزز قدرة المنظومة الصحية على رصد المخاطر والتدخل في الوقت المناسب، ويكرّس التنسيق بين مختلف القطاعات باعتباره شرطا لتحسين حماية صحة المواطن.
وبذلك، لا تكون "الصحة الواحدة" مجرد عنوان لمؤتمر دولي أو إطار للتعاون، وإنما مسارا يمكن أن تتبلور من خلاله حوكمة صحية أكثر تكاملا، تقوم على العلم والمعلومة والاستباق والمسؤولية، وتضع حماية صحة المواطن في صلب سياسات الدولة.