يُعتبر "سوق العصر" بتونس العاصمة من بين أشهر وأقدم الأسواق الشعبية بالمدينة، فهو يمثل بوابتها من الجهة الغربية، ويحيط به كل من نهج المر، ومونفلوري، ومعقل الزعيم، والقرجاني. وقد ظهرت هذه السوق بعيد الاستقلال، إثر تشكّل ملامحها الأولى مرحليا، لتتطور وتأخذ الطابع الذي تُعرف به اليوم، ومنذ سنوات..
وقد مثّلت سوق العصر، حسب رواية الحاج التيجاني، وهو من أقدم تجارها الذين لا يزالون على قيد الحياة، امتدادا لسوقي باب العسل والحفصية وسط المدينة العتيقة، تلبية لحاجة بعض التجار والحرفيين البسطاء من متساكني الأحياء القريبة من وسط العاصمة، كالملاسين وحي هلال، ثم الزهور في مرحلة أخرى، إلى القرب من مساكنهم، وهو ما نجحوا فيه فعلا، بجعلها سوقا لا تتوقف الحركة بها إلا بغروب شمس اليوم.
فكانت تنشط بالأساس إثر توقف الحركة بسوقي باب العسل والحفصية مع حلول الظهر، لتنتقل إلى أعلى باب الجديد وتتواصل في فترة ما بعد العصر، وهو أصل التسمية بـ"سوق العصر". وهي رواية أكدها "عم سلومة"، وهي كنية منسوبة لعبد السلام، وهو أيضا أحد أكبر وأقدم تجار سوق العصر، الذي ذكر بأن سوق العصر تشكلت ملامحها الأولى في علاقة بسوق الدواب القديمة بـ"المركاض"، إذ استغلها بعض الباحثين عن مورد رزق للاتجار في كل ما هو مرتبط بالمواشي والحمير، من حبال ومداور وأعلاف وغيرها، ليظهر باعة البيض المسلوق و"الكسكروتات"، ثم شوّاؤو السمك، بشكل خلق مزيدا من الحركية والنشاط، دفعت ببعض الحرفيين إلى فتح دكاكين لبيع الأثاث الخشبي على وجه الخصوص.
وتوسعت هذه الأنشطة، وظهرت دكاكين الحرفيين، وبدأت سوق العصر في صنع تاريخها الخاص، واتخاذ طابعها الذي يميزها، وهو بيع الأثاث المستعمل و"الأنْتيكة" والخردة والأقمشة وكل أنواع الفريب من الأحذية والملابس، سيما بعد غلق سوق الحفصية سنة 1972، حسب ما رواه العم التيجاني وأكده عم عبد السلام.
من هم تجار سوق العصر؟
كان تجار سوق العصر والباعة المنتصبون بها عند بداية ظهورها من الأشخاص البسطاء الباحثين عن الاسترزاق، ولم يكونوا من أصحاب الأموال، وهو ما فسّر بساطة بضاعتهم وأثمانها البخسة، ليلتحق بهم في مرحلة أخرى الحرفيون من نجارين وحدادين، ثم تجار سوق الحفصية من أصحاب رؤوس الأموال المتوسطة والكبيرة، ويكونون سببا في ما يشبه التغيير الذي طرأ على أصل السوق، وذلك في فترة الثمانينات، بدخول تجارة "الفريب" الرفيع والأثاث القديم الرفيع والربيع جدا.
فكانت السوق مصدر خير للجميع، وشكّلت فضاء جامعا للتجار والحرفيين، ولخّصت داخلها، حسب ما رواه عم سلومة، الهوية التونسية في كل عناصرها وأبهى تجلياتها، من خلال تمازج حضاري بين هؤلاء التجار المنحدرين من جهات مختلفة من البلاد.
مصادر البضائع المعروضة بسوق العصر
اختصت سوق العصر منذ تكوّنها ببيع الأثاث المستعمل و"الأنْتيكة" والخردة، وذلك قبل توسعها لتشمل أنواعا أخرى من البضائع والسلع. أما عن مصدرها وكيفية الحصول عليها، فقد أكد العم التيجاني أن التاجر لا يبحث عن البضاعة، بل هي التي تأتي إليه عن طريق العائلات التي تقوم بتغيير أثاث منازلها، والحرفيين الذين يجددون دكاكينهم ومحلاتهم أو يضطرون لغلقها بسبب أو آخر، فيتخلصون من محتوياتها، كالحداد واللحام والنجار والخزاف، إضافة إلى مستودعات الإدارات الحكومية وغير الحكومية التي تتخلص من الأثاث القديم والمكسّر وغيره.
وكلها مصادر توفر من البضاعة ما اختلفت أشكاله وأنواعه والحاجة إليه، ولخّص محدثنا ذلك بجملة: "سوق العصر فيه حليب الغولة وشي ما يطيش منو"..
من هم حرفاء سوق العصر؟
أما عن حرفاء تجار سوق العصر وباعته، فهم عامة الناس ومثقفوهم وسياسيوهم. فقد أكد عم سلومة، في حديثه عن الحرفاء، أنهم من جميع الشرائح، فتجد بينهم الفقير والبسيط والطالب والموظف والفنان والرياضي والإعلامي والسياسي المشهور، وفئة أخرى متفردة بحبها خاصة للأشياء الثمينة وللتغيير المتواصل، وصولا إلى الباحثين والمختصين في مجالات متعددة.
وقد أتى على ذكر عديد الأسماء المعروفة والمشهورة، ارتأينا عدم كتابتها.. فالكل يجد بغيته في هذه السوق الملتفة على نفسها، وتخفي بين ثناياها الثمين والنفيس والبسيط في آن واحد..
سوق العصر وحاجتها إلى الترميم..
أغلب من تحدثنا إليهم من التجار والباعة البسطاء والمنتصبين العرضيين أكدوا حاجة سوق العصر إلى اهتمام لم يكن لها الحظ فيه، رغم أنها تمثل جزءا لا يتجزأ من تاريخ مدينة تونس العاصمة، وشاهدا على العصر بحكم ما عاشته من تطورات فصلت فترات مختلفة من الزمن، منذ فترة ما بعد الاستقلال إلى اليوم.
وهو اهتمام وحظوة هي جديرة بهما حتى لا تتلاشى مكوناتها وتختفي شيئا فشيئا، وهو ما يحدث اليوم بالغلق المتواصل والمستمر لدكاكينها، وسط تأكيدات بأن 90% منها تم غلقها بشكل نهائي، وهو ما دفع إلى المطالبة بترميم مباني هذه السوق بشكل مدروس يتماشى وطبيعتها وقيمتها الأثرية، باعتبار أن أغلب البنايات تعود للإسبان والفرنسيين.
وقد أعرب كل أصحاب المحلات، على وجه الخصوص، عن الالتزام بكل ما يقع إقراره بشأن تسوية ما تخلد بذمتهم أو ما تعلق بالوضعية العقارية لممتلكاتهم، وذلك حرصا على ديمومة السوق واستمرار النشاط بها وتواصل الحركة والحياة بها، وهو ما لخّصه عم سلومة في جملة: "حيوط سوق العصر تستاهل البوس ليل نهار ونفديها بالغالي والنفيس".
عادل عونلي
تونس-الصباح
يُعتبر "سوق العصر" بتونس العاصمة من بين أشهر وأقدم الأسواق الشعبية بالمدينة، فهو يمثل بوابتها من الجهة الغربية، ويحيط به كل من نهج المر، ومونفلوري، ومعقل الزعيم، والقرجاني. وقد ظهرت هذه السوق بعيد الاستقلال، إثر تشكّل ملامحها الأولى مرحليا، لتتطور وتأخذ الطابع الذي تُعرف به اليوم، ومنذ سنوات..
وقد مثّلت سوق العصر، حسب رواية الحاج التيجاني، وهو من أقدم تجارها الذين لا يزالون على قيد الحياة، امتدادا لسوقي باب العسل والحفصية وسط المدينة العتيقة، تلبية لحاجة بعض التجار والحرفيين البسطاء من متساكني الأحياء القريبة من وسط العاصمة، كالملاسين وحي هلال، ثم الزهور في مرحلة أخرى، إلى القرب من مساكنهم، وهو ما نجحوا فيه فعلا، بجعلها سوقا لا تتوقف الحركة بها إلا بغروب شمس اليوم.
فكانت تنشط بالأساس إثر توقف الحركة بسوقي باب العسل والحفصية مع حلول الظهر، لتنتقل إلى أعلى باب الجديد وتتواصل في فترة ما بعد العصر، وهو أصل التسمية بـ"سوق العصر". وهي رواية أكدها "عم سلومة"، وهي كنية منسوبة لعبد السلام، وهو أيضا أحد أكبر وأقدم تجار سوق العصر، الذي ذكر بأن سوق العصر تشكلت ملامحها الأولى في علاقة بسوق الدواب القديمة بـ"المركاض"، إذ استغلها بعض الباحثين عن مورد رزق للاتجار في كل ما هو مرتبط بالمواشي والحمير، من حبال ومداور وأعلاف وغيرها، ليظهر باعة البيض المسلوق و"الكسكروتات"، ثم شوّاؤو السمك، بشكل خلق مزيدا من الحركية والنشاط، دفعت ببعض الحرفيين إلى فتح دكاكين لبيع الأثاث الخشبي على وجه الخصوص.
وتوسعت هذه الأنشطة، وظهرت دكاكين الحرفيين، وبدأت سوق العصر في صنع تاريخها الخاص، واتخاذ طابعها الذي يميزها، وهو بيع الأثاث المستعمل و"الأنْتيكة" والخردة والأقمشة وكل أنواع الفريب من الأحذية والملابس، سيما بعد غلق سوق الحفصية سنة 1972، حسب ما رواه العم التيجاني وأكده عم عبد السلام.
من هم تجار سوق العصر؟
كان تجار سوق العصر والباعة المنتصبون بها عند بداية ظهورها من الأشخاص البسطاء الباحثين عن الاسترزاق، ولم يكونوا من أصحاب الأموال، وهو ما فسّر بساطة بضاعتهم وأثمانها البخسة، ليلتحق بهم في مرحلة أخرى الحرفيون من نجارين وحدادين، ثم تجار سوق الحفصية من أصحاب رؤوس الأموال المتوسطة والكبيرة، ويكونون سببا في ما يشبه التغيير الذي طرأ على أصل السوق، وذلك في فترة الثمانينات، بدخول تجارة "الفريب" الرفيع والأثاث القديم الرفيع والربيع جدا.
فكانت السوق مصدر خير للجميع، وشكّلت فضاء جامعا للتجار والحرفيين، ولخّصت داخلها، حسب ما رواه عم سلومة، الهوية التونسية في كل عناصرها وأبهى تجلياتها، من خلال تمازج حضاري بين هؤلاء التجار المنحدرين من جهات مختلفة من البلاد.
مصادر البضائع المعروضة بسوق العصر
اختصت سوق العصر منذ تكوّنها ببيع الأثاث المستعمل و"الأنْتيكة" والخردة، وذلك قبل توسعها لتشمل أنواعا أخرى من البضائع والسلع. أما عن مصدرها وكيفية الحصول عليها، فقد أكد العم التيجاني أن التاجر لا يبحث عن البضاعة، بل هي التي تأتي إليه عن طريق العائلات التي تقوم بتغيير أثاث منازلها، والحرفيين الذين يجددون دكاكينهم ومحلاتهم أو يضطرون لغلقها بسبب أو آخر، فيتخلصون من محتوياتها، كالحداد واللحام والنجار والخزاف، إضافة إلى مستودعات الإدارات الحكومية وغير الحكومية التي تتخلص من الأثاث القديم والمكسّر وغيره.
وكلها مصادر توفر من البضاعة ما اختلفت أشكاله وأنواعه والحاجة إليه، ولخّص محدثنا ذلك بجملة: "سوق العصر فيه حليب الغولة وشي ما يطيش منو"..
من هم حرفاء سوق العصر؟
أما عن حرفاء تجار سوق العصر وباعته، فهم عامة الناس ومثقفوهم وسياسيوهم. فقد أكد عم سلومة، في حديثه عن الحرفاء، أنهم من جميع الشرائح، فتجد بينهم الفقير والبسيط والطالب والموظف والفنان والرياضي والإعلامي والسياسي المشهور، وفئة أخرى متفردة بحبها خاصة للأشياء الثمينة وللتغيير المتواصل، وصولا إلى الباحثين والمختصين في مجالات متعددة.
وقد أتى على ذكر عديد الأسماء المعروفة والمشهورة، ارتأينا عدم كتابتها.. فالكل يجد بغيته في هذه السوق الملتفة على نفسها، وتخفي بين ثناياها الثمين والنفيس والبسيط في آن واحد..
سوق العصر وحاجتها إلى الترميم..
أغلب من تحدثنا إليهم من التجار والباعة البسطاء والمنتصبين العرضيين أكدوا حاجة سوق العصر إلى اهتمام لم يكن لها الحظ فيه، رغم أنها تمثل جزءا لا يتجزأ من تاريخ مدينة تونس العاصمة، وشاهدا على العصر بحكم ما عاشته من تطورات فصلت فترات مختلفة من الزمن، منذ فترة ما بعد الاستقلال إلى اليوم.
وهو اهتمام وحظوة هي جديرة بهما حتى لا تتلاشى مكوناتها وتختفي شيئا فشيئا، وهو ما يحدث اليوم بالغلق المتواصل والمستمر لدكاكينها، وسط تأكيدات بأن 90% منها تم غلقها بشكل نهائي، وهو ما دفع إلى المطالبة بترميم مباني هذه السوق بشكل مدروس يتماشى وطبيعتها وقيمتها الأثرية، باعتبار أن أغلب البنايات تعود للإسبان والفرنسيين.
وقد أعرب كل أصحاب المحلات، على وجه الخصوص، عن الالتزام بكل ما يقع إقراره بشأن تسوية ما تخلد بذمتهم أو ما تعلق بالوضعية العقارية لممتلكاتهم، وذلك حرصا على ديمومة السوق واستمرار النشاط بها وتواصل الحركة والحياة بها، وهو ما لخّصه عم سلومة في جملة: "حيوط سوق العصر تستاهل البوس ليل نهار ونفديها بالغالي والنفيس".