- نحن في حاجة إلى مشروع ثقافي وطني وسياسة ثقافية للدولة
تونس – الصباح
يطرح البلاغ الأخير لوزارة الشؤون الثقافية بتاريخ 2 سبتمبر الجاري المتعلق بقطاع الفنون التشكيلية جملة من الملفات التي طال انتظارها، من مراجعة التشريعات ودعم الفنانين وتعزيز حضور الفن التشكيلي التونسي في الخارج، إلى إعادة إصدار مجلة "بانوراما" وتثمين مقتنيات الوزارة وتقريبها من جمهور الجهات. وبين تعدد العناوين وتراكم الإشكاليات، يبرز السؤال حول قدرة هذه التوجهات على معالجة واقع القطاع فعليا، وما الذي يحتاجه الفنان التشكيلي اليوم حتى تتحول هذه المشاريع من برامج معلنة إلى سياسات ثقافية مستدامة. حول هذه الملفات، وحول واقع الفن التشكيلي التونسي وآفاقه، تحدثنا إلى الدكتور والفنان التشكيلي سامي بن عامر، الذي توقف عند عدد من النقاط الواردة في البلاغ، وطرح أسئلة تتصل بالتشريع والدعم والتوثيق والنقد والحضور الدولي واللامركزية الثقافية، والتي اعتبرها في ذات الوقت من مفارقات السياسة الثقافية لوزارة الشؤون الثقافية اليوم.
من مواضع هذه المفارقات، قال الدكتور والفنان التشكيلي سامي بن عامر لـ"الصباح" إنّ "أول ما استوقفني، عندما اطلعت على خبر الاجتماع الذي خصصته وزارة الشؤون الثقافية لقطاع الفنون التشكيلية، هو الصورة المصاحبة للخبر. فقد بدا الاجتماع مقتصرا على عدد محدود من الإطارات الإدارية، من دون حضور ظاهر للفنانين أو لممثلي الهياكل المهنية وأصحاب الخبرة، والحال أن البلاغ يتحدث عن تطوير القطاع في الداخل والخارج، وعلى مستويات متعددة، والاستجابة إلى تطلعات الفنانين والفاعلين فيه. وقد تبدو ملاحظتي شكلية، لكنها تمس جوهر المسألة. فلا يمكن التفكير في مستقبل قطاع، وفي تشريعاته ومؤسساته وآفاق تطوره، في غياب أهله الذين يفترض أن يكونوا شركاء فعليين في بناء هذا التصور".
تعزيز مشاركة تونس في المعارض والتظاهرات الفنية الدولية؟
وأضاف "من بين ما طرحه الاجتماع تعزيز مشاركة تونس في المعارض والتظاهرات الفنية الدولية. وهو هدف مهمّ، لكن السؤال يفرض نفسه: كيف نسعى إلى تعزيز حضور الفنان التونسي في الخارج، بينما نضيف في الداخل قيودا مالية وإدارية على عرض أعماله؟" موضحا "ففي 14 جويلية الماضي صدر قرار مشترك عن وزيرة الشؤون الثقافية ووزيرة المالية أخضع استغلال فضاءات المركبات الثقافية ودور الثقافة إلى معاليم وإلى عقد كتابي مسبق يخضع إلى مصادقة المندوب الجهوي للشؤون الثقافية. وقد خصّصت لهذا القرار مقالًا نُشر منذ يومين، توقفت فيه عند وضع الفنان الذي ينتج أعماله بإمكاناته الخاصة ثم يصبح مطالبًا بدفع معلوم حتى يعرضها في فضاء ثقافي عمومي يفترض أن من وظائفه إتاحة الفن للجمهور".
وأكّد بن عامر أنّه "لا يمكن البتة أن يبدأ تعزيز الحضور الدولي للفنان التونسي بإثقال حضوره داخل بلاده. ولا تقتصر المسألة على المعلوم وحده، وإنما تتعدى هذا الحد، لتتصل بتصورنا للعلاقة بين المؤسسة الثقافية والفنان، وهو في تقديري جوهر الموضوع".
"لكن بعيدا عن هذه المفارقة الآنية" - وفق قوله – "ثمة إشكال أقدم يتعلق أصلا بالشروط التي يغادر بها العمل الفني تونس. فمنذ عقود يواجه الفنان التشكيلي صعوبات حين يريد المشاركة بأعماله في الخارج. فالعمل الفني يعامل ديوانيا، في جانب من الإجراءات، باعتباره بضاعة خاضعة لنظام التصدير المؤقت، بما قد يستوجبه ذلك، بحسب الحالة، من ضمانات أو معاليم وإجراءات مسبقة، بينما يبقى خروجه للعرض مرتبطا بمدة محددة وعلى أساس إعادته لاحقا". وأضاف الدكتور سامي بن عامر "في هذه الآليات المعقدة، يجد الفنان نفسه أحيانا أمام عبء مالي وإداري قبل أن يغادر عمله البلاد أصلا، فضلا عن الإشكال الذي يطرح عندما لا يكون المعرض مناسبة للعرض فقط، بل فرصة أيضّا لبيع العمل وتسويقه دوليا" موضحا "نفهم أن تعزيز الحضور الدولي للفنان التونسي لا يبدأ عند حدود البلاد، بل من الشروط التي تحيط بالعمل الفني منذ خروجه من المرسم إلى فضاءات العرض في الداخل، ثم إلى الخارج. تصبح إذا مراجعة الإجراءات والتشريعات المحلية أحد الشروط الأساسية للحضور الدولي".
مراجعة التشريعات المنظّمة للقطاع
فـ"هذه المراجعة مطلوبة"، وفق تقديره، "لكن البداية تكون من معرفة دقيقة بما تخلقه النصوص والإجراءات الجديدة من صعوبات أمام الفنان. فالمشكل لم يعد يقتصر على تشريعات قديمة تحتاج إلى التحيين، بل تحول إلى نصوص حديثة التي وسّعت حضور الإدارة في ممارسة النّشاط الفني. وأبرز مثال على ذلك القانون عدد 8 لسنة 2026 المتعلق بالفنان والمهن الفنية، الذي يجعل ممارسة المهن الفنية بصفة محترفة مشروطة بالحصول على بطاقة مهنية يسندها الوزير المكلف بالثقافة بعد أخذ رأي لجان مختصة."
وقال "لا أرى، في تقديري، أن تقرر الإدارة الثقافية من يحق له ممارسة الفن بصفة محترفة، بقدر ما أتفق على ضرورة أن تتولى الدولة تنظيم الوضع المهني للفنان وضمان حقوقه الاجتماعية والاقتصادية. فتنظيم الحقوق شيء، ومنح صفة الفنان شيء آخر."
وفي ذات السياق أوضح بن عامر أنّ "تطبيق القانون كَشَفَ عن مشكلة أخرى. ففي الوقت الذي ثُبّتَت فيه البطاقة المهنية كمدخل إلى الاحتراف، تبين أن منظومة الحماية الاجتماعية لا تزال في حاجة إلى نصوص وإجراءات إضافية. وهو ما دفع الوزارة، في جويلية الماضي، إلى اعتماد شهادة تثبت انتماء الفنان إلى المجال الثقافي عند تعذر الاستظهار ببطاقة الاحتراف، حتى لا يُحرم من حقه في التغطية الاجتماعية، وخاصة بالنسبة إلى كبار السن. ولعل في ذلك ما يكشف أن آليات الضبط والاعتراف الإداري سبقت آليات حماية الفنان، التي يفترض أن تكون في صلب غايات القانون".
وبهذا الخصوص، قال محدثنا إنّ "المقارنة مع دول أخرى تُفيد بأن تنظيم الوضع المهني للفنان لا يقتضي بالضرورة أن تكون وزارة الثقافة هي التي تمنحه الاعتراف المهني. ففي فرنسا يرتبط الأمر أساسا بنظام الحماية الاجتماعية وتتولاه URSSAF ، وفي البرتغال يوجد سجل مهني اختياري... وحتى في مصر والعراق...، حيث التنظيم أكثر صرامة، أُسند الاعتراف أساسا إلى هياكل مهنية للفنانين لا إلى وزارة الثقافة مباشرة" مؤكدا "لا ندعو إلى استنساخ هذه النماذج، وإنما إلى التمييز بين تنظيم حقوق الفنان ووضعه المهني، ومنح الإدارة سلطة الاعتراف به فنانا محترفا.المطلوب أن تعترف الدولة بحقوق الفنان، لا أن يصبح الفنان محتاجًا إلى اعتراف الإدارة حتى يكون فنانًا محترفًا".
إعادة إصدار مجلة "بانوراما"
"أمّا "الإعلان عن "إعادة إصدار مجلة بانوراما" أثار لدي سؤالا بسيطا: أي مجلة بانوراما؟ فالبلاغ لا يقدم معطيات عن تاريخها أو تجربتها السابقة، وأنا شخصيًا، رغم متابعتي للحركة التشكيلية منذ عقود، لا أستحضرها. وفي المقابل نعرف جيدا مجلة "فنون" التي صدرت عن وزارة الشؤون الثقافية منذ الثمانينيات ثم توقّفت". وأضاف "حسب ما أعلمه جيدا، فإن مجلة "فنون" لا تزال تحتفظ بهيئة تحريرها، وهناك عدد كامل جاهز لا ينتظر إلا الموافقة على نشره، وقد خصص لتاريخ الحركة التشكيلية التونسية، في الوقت الذي تعلن فيه الوزارة عن "إعادة إصدار" مجلة أخرى يفترض أن تكون فضاء للنقد والحوار. من البديهي في هذه الحالة، أن نستكمل أولا مشروعا قائما وجاهزا. موضحا "الأجدى، في تقديري، أن تتولى هيئة تحرير "فنون" مسؤولية صدورها ضمن برنامج منتظم، بدل أن يبقى كل عدد مرتبطا بقرار إداري. فالمشكلة ليست في غياب المجلات بقدر ما هي في غياب سياسة نشر مؤسساتية تضمن لها الاستمرار".
تنظيم معارض دورية لمقتنيات وزارة الشؤون الثقافية في مختلف الولايات
في سياق متّصل اعتبر الدكتور سامي بن عامر أنّه "لا شك أن فكرة عرض مقتنيات الوزارة في الجهات إيجابية في أصلها، لكنها تستدعي التوقف عند ما حدث في المتحف الوطني للفن الحديث والمعاصر. ففي مارس 2024 افتتح المتحف معرضًا دائمًا بعنوان "ذاكرة أجيال 1894–2004"، ضم نحو 300 عمل وقدم قراءة في تاريخ الفنون التشكيلية التونسية. ثم أزيل هذا المعرض، ليحتضن المتحف لاحقًا "الصالون الوطني للفنون التشكيلية".
وقال "لا نعترض على الصالون أو على حضور فناني الجهات، وهو موضوع يستحق نقاشا آخر، وإنما نتساءل هنا عن وظيفة المتحف نفسها. فالنص المحدث له يجعل العرض الدائم للمجموعات المتحفية من مهامه، إلى جانب الحفظ والجرد والبحث وتنظيم المعارض الوقتية. والمفارقة أننا ندعو اليوم إلى تثمين الرصيد الوطني بعرضه في الجهات، بينما لم يعد معرضه القار قائمًا في المتحف الوطني نفسه. إنها مفارقة تلفت الانتباه وتدعو إلى التساؤل. فللعرض الدائم وظيفة، وللمعارض الوقتية وظيفة أخرى، متى انسجمت مع طبيعة المؤسسة المتحفية ومشروعها. ولا ينبغي أن يكون أحدهما بديلًا عن الآخر".
وفسّر بن عامر "تثمين الرصيد لا يقتصر على عرضه. فقد أعلنت الوزارة سنة 2023 نقل ما يقارب 15 ألف عمل فني إلى مخازن دار الكتب الوطنية. واضن أن الأولوية اليوم، هي استكمال التوثيق العلمي والرقمنة وربط كل عمل بقاعدة بيانات دقيقة تتيح للباحث معرفته، وتسهل بناء المعارض وتتبع حركة الأعمال. فالرصيد الفني لا يصبح ذاكرة حيّة بمجرد نقله من مخزن إلى معرض، بل حين يصبح موثقًا ومحفوظًا وقابلا للبحث".
ليؤكد أنّه لا يعتبر "هذه المفارقات مسائل منفصلة. بل إنها تحيل إلى إشكال أعمق في تصور قطاع الفنون التشكيلية وفي فهم حاجاته وآليات اشتغاله، وإلى ضعف إشراك الفنانين والباحثين والنقاد وأصحاب الخبرة في بناء هذا التصور. إلا أن المسألة أصبحت اليوم أكبر من قطاع الفنون التشكيلية. فنحن في حاجة إلى مشروع ثقافي وطني وسياسة ثقافية للدولة، لا إلى سياسة تقتصر على وزارة الشؤون الثقافية. فالثقافة جزء من سياستنا التربوية والاجتماعية والاقتصادية والبيئية..، ومن تصورنا للمدينة والمجتمع والإنسان. فلا ينبغي أن يقف التفكير عند مسألة ما تريد الوزارة أن تفعله للفنون التشكيلية، بل أن يمتد إلى ما هو أعمق: ما نريده للثقافة داخل مشروع الدولة والمجتمع.
إيمان عبد اللطيف
- نحن في حاجة إلى مشروع ثقافي وطني وسياسة ثقافية للدولة
تونس – الصباح
يطرح البلاغ الأخير لوزارة الشؤون الثقافية بتاريخ 2 سبتمبر الجاري المتعلق بقطاع الفنون التشكيلية جملة من الملفات التي طال انتظارها، من مراجعة التشريعات ودعم الفنانين وتعزيز حضور الفن التشكيلي التونسي في الخارج، إلى إعادة إصدار مجلة "بانوراما" وتثمين مقتنيات الوزارة وتقريبها من جمهور الجهات. وبين تعدد العناوين وتراكم الإشكاليات، يبرز السؤال حول قدرة هذه التوجهات على معالجة واقع القطاع فعليا، وما الذي يحتاجه الفنان التشكيلي اليوم حتى تتحول هذه المشاريع من برامج معلنة إلى سياسات ثقافية مستدامة. حول هذه الملفات، وحول واقع الفن التشكيلي التونسي وآفاقه، تحدثنا إلى الدكتور والفنان التشكيلي سامي بن عامر، الذي توقف عند عدد من النقاط الواردة في البلاغ، وطرح أسئلة تتصل بالتشريع والدعم والتوثيق والنقد والحضور الدولي واللامركزية الثقافية، والتي اعتبرها في ذات الوقت من مفارقات السياسة الثقافية لوزارة الشؤون الثقافية اليوم.
من مواضع هذه المفارقات، قال الدكتور والفنان التشكيلي سامي بن عامر لـ"الصباح" إنّ "أول ما استوقفني، عندما اطلعت على خبر الاجتماع الذي خصصته وزارة الشؤون الثقافية لقطاع الفنون التشكيلية، هو الصورة المصاحبة للخبر. فقد بدا الاجتماع مقتصرا على عدد محدود من الإطارات الإدارية، من دون حضور ظاهر للفنانين أو لممثلي الهياكل المهنية وأصحاب الخبرة، والحال أن البلاغ يتحدث عن تطوير القطاع في الداخل والخارج، وعلى مستويات متعددة، والاستجابة إلى تطلعات الفنانين والفاعلين فيه. وقد تبدو ملاحظتي شكلية، لكنها تمس جوهر المسألة. فلا يمكن التفكير في مستقبل قطاع، وفي تشريعاته ومؤسساته وآفاق تطوره، في غياب أهله الذين يفترض أن يكونوا شركاء فعليين في بناء هذا التصور".
تعزيز مشاركة تونس في المعارض والتظاهرات الفنية الدولية؟
وأضاف "من بين ما طرحه الاجتماع تعزيز مشاركة تونس في المعارض والتظاهرات الفنية الدولية. وهو هدف مهمّ، لكن السؤال يفرض نفسه: كيف نسعى إلى تعزيز حضور الفنان التونسي في الخارج، بينما نضيف في الداخل قيودا مالية وإدارية على عرض أعماله؟" موضحا "ففي 14 جويلية الماضي صدر قرار مشترك عن وزيرة الشؤون الثقافية ووزيرة المالية أخضع استغلال فضاءات المركبات الثقافية ودور الثقافة إلى معاليم وإلى عقد كتابي مسبق يخضع إلى مصادقة المندوب الجهوي للشؤون الثقافية. وقد خصّصت لهذا القرار مقالًا نُشر منذ يومين، توقفت فيه عند وضع الفنان الذي ينتج أعماله بإمكاناته الخاصة ثم يصبح مطالبًا بدفع معلوم حتى يعرضها في فضاء ثقافي عمومي يفترض أن من وظائفه إتاحة الفن للجمهور".
وأكّد بن عامر أنّه "لا يمكن البتة أن يبدأ تعزيز الحضور الدولي للفنان التونسي بإثقال حضوره داخل بلاده. ولا تقتصر المسألة على المعلوم وحده، وإنما تتعدى هذا الحد، لتتصل بتصورنا للعلاقة بين المؤسسة الثقافية والفنان، وهو في تقديري جوهر الموضوع".
"لكن بعيدا عن هذه المفارقة الآنية" - وفق قوله – "ثمة إشكال أقدم يتعلق أصلا بالشروط التي يغادر بها العمل الفني تونس. فمنذ عقود يواجه الفنان التشكيلي صعوبات حين يريد المشاركة بأعماله في الخارج. فالعمل الفني يعامل ديوانيا، في جانب من الإجراءات، باعتباره بضاعة خاضعة لنظام التصدير المؤقت، بما قد يستوجبه ذلك، بحسب الحالة، من ضمانات أو معاليم وإجراءات مسبقة، بينما يبقى خروجه للعرض مرتبطا بمدة محددة وعلى أساس إعادته لاحقا". وأضاف الدكتور سامي بن عامر "في هذه الآليات المعقدة، يجد الفنان نفسه أحيانا أمام عبء مالي وإداري قبل أن يغادر عمله البلاد أصلا، فضلا عن الإشكال الذي يطرح عندما لا يكون المعرض مناسبة للعرض فقط، بل فرصة أيضّا لبيع العمل وتسويقه دوليا" موضحا "نفهم أن تعزيز الحضور الدولي للفنان التونسي لا يبدأ عند حدود البلاد، بل من الشروط التي تحيط بالعمل الفني منذ خروجه من المرسم إلى فضاءات العرض في الداخل، ثم إلى الخارج. تصبح إذا مراجعة الإجراءات والتشريعات المحلية أحد الشروط الأساسية للحضور الدولي".
مراجعة التشريعات المنظّمة للقطاع
فـ"هذه المراجعة مطلوبة"، وفق تقديره، "لكن البداية تكون من معرفة دقيقة بما تخلقه النصوص والإجراءات الجديدة من صعوبات أمام الفنان. فالمشكل لم يعد يقتصر على تشريعات قديمة تحتاج إلى التحيين، بل تحول إلى نصوص حديثة التي وسّعت حضور الإدارة في ممارسة النّشاط الفني. وأبرز مثال على ذلك القانون عدد 8 لسنة 2026 المتعلق بالفنان والمهن الفنية، الذي يجعل ممارسة المهن الفنية بصفة محترفة مشروطة بالحصول على بطاقة مهنية يسندها الوزير المكلف بالثقافة بعد أخذ رأي لجان مختصة."
وقال "لا أرى، في تقديري، أن تقرر الإدارة الثقافية من يحق له ممارسة الفن بصفة محترفة، بقدر ما أتفق على ضرورة أن تتولى الدولة تنظيم الوضع المهني للفنان وضمان حقوقه الاجتماعية والاقتصادية. فتنظيم الحقوق شيء، ومنح صفة الفنان شيء آخر."
وفي ذات السياق أوضح بن عامر أنّ "تطبيق القانون كَشَفَ عن مشكلة أخرى. ففي الوقت الذي ثُبّتَت فيه البطاقة المهنية كمدخل إلى الاحتراف، تبين أن منظومة الحماية الاجتماعية لا تزال في حاجة إلى نصوص وإجراءات إضافية. وهو ما دفع الوزارة، في جويلية الماضي، إلى اعتماد شهادة تثبت انتماء الفنان إلى المجال الثقافي عند تعذر الاستظهار ببطاقة الاحتراف، حتى لا يُحرم من حقه في التغطية الاجتماعية، وخاصة بالنسبة إلى كبار السن. ولعل في ذلك ما يكشف أن آليات الضبط والاعتراف الإداري سبقت آليات حماية الفنان، التي يفترض أن تكون في صلب غايات القانون".
وبهذا الخصوص، قال محدثنا إنّ "المقارنة مع دول أخرى تُفيد بأن تنظيم الوضع المهني للفنان لا يقتضي بالضرورة أن تكون وزارة الثقافة هي التي تمنحه الاعتراف المهني. ففي فرنسا يرتبط الأمر أساسا بنظام الحماية الاجتماعية وتتولاه URSSAF ، وفي البرتغال يوجد سجل مهني اختياري... وحتى في مصر والعراق...، حيث التنظيم أكثر صرامة، أُسند الاعتراف أساسا إلى هياكل مهنية للفنانين لا إلى وزارة الثقافة مباشرة" مؤكدا "لا ندعو إلى استنساخ هذه النماذج، وإنما إلى التمييز بين تنظيم حقوق الفنان ووضعه المهني، ومنح الإدارة سلطة الاعتراف به فنانا محترفا.المطلوب أن تعترف الدولة بحقوق الفنان، لا أن يصبح الفنان محتاجًا إلى اعتراف الإدارة حتى يكون فنانًا محترفًا".
إعادة إصدار مجلة "بانوراما"
"أمّا "الإعلان عن "إعادة إصدار مجلة بانوراما" أثار لدي سؤالا بسيطا: أي مجلة بانوراما؟ فالبلاغ لا يقدم معطيات عن تاريخها أو تجربتها السابقة، وأنا شخصيًا، رغم متابعتي للحركة التشكيلية منذ عقود، لا أستحضرها. وفي المقابل نعرف جيدا مجلة "فنون" التي صدرت عن وزارة الشؤون الثقافية منذ الثمانينيات ثم توقّفت". وأضاف "حسب ما أعلمه جيدا، فإن مجلة "فنون" لا تزال تحتفظ بهيئة تحريرها، وهناك عدد كامل جاهز لا ينتظر إلا الموافقة على نشره، وقد خصص لتاريخ الحركة التشكيلية التونسية، في الوقت الذي تعلن فيه الوزارة عن "إعادة إصدار" مجلة أخرى يفترض أن تكون فضاء للنقد والحوار. من البديهي في هذه الحالة، أن نستكمل أولا مشروعا قائما وجاهزا. موضحا "الأجدى، في تقديري، أن تتولى هيئة تحرير "فنون" مسؤولية صدورها ضمن برنامج منتظم، بدل أن يبقى كل عدد مرتبطا بقرار إداري. فالمشكلة ليست في غياب المجلات بقدر ما هي في غياب سياسة نشر مؤسساتية تضمن لها الاستمرار".
تنظيم معارض دورية لمقتنيات وزارة الشؤون الثقافية في مختلف الولايات
في سياق متّصل اعتبر الدكتور سامي بن عامر أنّه "لا شك أن فكرة عرض مقتنيات الوزارة في الجهات إيجابية في أصلها، لكنها تستدعي التوقف عند ما حدث في المتحف الوطني للفن الحديث والمعاصر. ففي مارس 2024 افتتح المتحف معرضًا دائمًا بعنوان "ذاكرة أجيال 1894–2004"، ضم نحو 300 عمل وقدم قراءة في تاريخ الفنون التشكيلية التونسية. ثم أزيل هذا المعرض، ليحتضن المتحف لاحقًا "الصالون الوطني للفنون التشكيلية".
وقال "لا نعترض على الصالون أو على حضور فناني الجهات، وهو موضوع يستحق نقاشا آخر، وإنما نتساءل هنا عن وظيفة المتحف نفسها. فالنص المحدث له يجعل العرض الدائم للمجموعات المتحفية من مهامه، إلى جانب الحفظ والجرد والبحث وتنظيم المعارض الوقتية. والمفارقة أننا ندعو اليوم إلى تثمين الرصيد الوطني بعرضه في الجهات، بينما لم يعد معرضه القار قائمًا في المتحف الوطني نفسه. إنها مفارقة تلفت الانتباه وتدعو إلى التساؤل. فللعرض الدائم وظيفة، وللمعارض الوقتية وظيفة أخرى، متى انسجمت مع طبيعة المؤسسة المتحفية ومشروعها. ولا ينبغي أن يكون أحدهما بديلًا عن الآخر".
وفسّر بن عامر "تثمين الرصيد لا يقتصر على عرضه. فقد أعلنت الوزارة سنة 2023 نقل ما يقارب 15 ألف عمل فني إلى مخازن دار الكتب الوطنية. واضن أن الأولوية اليوم، هي استكمال التوثيق العلمي والرقمنة وربط كل عمل بقاعدة بيانات دقيقة تتيح للباحث معرفته، وتسهل بناء المعارض وتتبع حركة الأعمال. فالرصيد الفني لا يصبح ذاكرة حيّة بمجرد نقله من مخزن إلى معرض، بل حين يصبح موثقًا ومحفوظًا وقابلا للبحث".
ليؤكد أنّه لا يعتبر "هذه المفارقات مسائل منفصلة. بل إنها تحيل إلى إشكال أعمق في تصور قطاع الفنون التشكيلية وفي فهم حاجاته وآليات اشتغاله، وإلى ضعف إشراك الفنانين والباحثين والنقاد وأصحاب الخبرة في بناء هذا التصور. إلا أن المسألة أصبحت اليوم أكبر من قطاع الفنون التشكيلية. فنحن في حاجة إلى مشروع ثقافي وطني وسياسة ثقافية للدولة، لا إلى سياسة تقتصر على وزارة الشؤون الثقافية. فالثقافة جزء من سياستنا التربوية والاجتماعية والاقتصادية والبيئية..، ومن تصورنا للمدينة والمجتمع والإنسان. فلا ينبغي أن يقف التفكير عند مسألة ما تريد الوزارة أن تفعله للفنون التشكيلية، بل أن يمتد إلى ما هو أعمق: ما نريده للثقافة داخل مشروع الدولة والمجتمع.