إشترك في النسخة الرقمية لجريدة الصباح و LE TEMPS

بين الإصلاحات وتحسين الخدمات.. بناء منظومة صحية عمومية عادلة وناجعة

تونس - الصباح

مرة أخرى، وضع رئيس الجمهورية قيس سعيّد، لدى لقائه مؤخرا بوزير الصحة مصطفى الفرجاني، ملف الصحة العمومية أمام استحقاق يتجاوز مجرد استكمال المشاريع أو توفير التجهيزات، ليطال ضرورة تجاوز التعطيل المرصود وإعادة الاعتبار لمرفق حيوي حتى يكون في مستوى التطلعات المنتظرة. فالصحة في تونس، ورغم العلل والهنات، ليست ذلك الرجل المريض الذي فقد القدرة على النهوض، وإنما هي منظومة قد تمرض بفعل سوء التصرف والتقصير وتعطيل المشاريع أو سوء استغلال الإمكانيات، لكنها تظل قادرة على التعافي واستعادة عافيتها متى توفرت الإرادة الجادة للإصلاح، ووُضعت المسؤولية في مكانها، وسُرّع نسق الإنجاز، ووُظّفت ما تزخر به البلاد من كفاءات وإمكانيات.

 

منال حرزي

من هذا المنطلق، شمل لقاء قرطاج جملة من الملفات المتصلة بواقع القطاع، على غرار مدى تقدم إنجاز المشاريع الصحية في مختلف الجهات، وتطوير الخدمات والاستفادة من التجهيزات المتوفرة، وصولا إلى تثمين الكفاءات الطبية وشبه الطبية وتوفير الإطار القانوني الذي يمكّنها من أداء مهامها ومزيد تطوير قدراتها.

ولئن بدت هذه الملفات متباينة في طبيعتها، فإنها تلتقي عند هدف واحد، وهو ضرورة الارتقاء بأداء المنظومة الصحية وتحويل الإمكانيات المتاحة إلى نتائج ملموسة يشعر بها المواطن، خاصة في ما يتعلق بتقريب الخدمات الصحية وتقليص آجال الانتظار والحد من مشقة التنقل بين الجهات.

وفي هذا الاتجاه، فإن ما طُرح خلال اللقاء يتجاوز المتابعة الظرفية لعدد من المشاريع، ليطال مستقبل المرفق الصحي العمومي ومدى قدرته على استعادة دوره كإحدى ركائز العدالة الاجتماعية، وعلى ضرورة الاعتماد على الكفاءات التونسية التي أثبتت جدارتها وتميزها داخل البلاد وخارجها.

الصحة حق

وضع تأكيد رئيس الجمهورية قيس سعيّد على أن الصحة حق طبيعي من حقوق الإنسان يجب أن يتوفر للجميع على قدم المساواة، النقاش في مستوى يتجاوز مجرد توفير الخدمات الطبية إلى مسألة العدالة في توزيعها وإتاحتها.

فالمواطن، وفقا لهذه الرؤية، ليس مجبرا على تحمل أعباء الطريق بسبب غياب خدمة، وبالتالي تبرز أهمية المشاريع التي أشار إليها رئيس الدولة قيس سعيّد، لاسيما تلك المرتبطة بقراءة التحاليل والصور بالأشعة وغيرها من الخدمات التي يمكن أن تختصر المسافات وفترات الانتظار. فهذه المشاريع من شأنها أن تكرّس مبدأ العدالة الصحية من خلال تقريب الخدمات الطبية من المواطنين في مختلف الجهات، والحد من الفوارق في مستوى النفاذ إلى العلاج.

ومن جانب آخر، مثّل التوقف عند المشاريع التي تأخر إنجازها، رغم توفر الاعتمادات المالية اللازمة لها، أحد أبرز أبعاد اللقاء، حيث انتقل النقاش إلى واحدة من المسائل الجوهرية التي لطالما أثارت الكثير من الجدل، وهي الطريقة التي تدار بها المشاريع العمومية ومدى القدرة على تحويل الاعتمادات المالية المرصودة إلى منشآت وتجهيزات وخدمات فعلية.

ومن هذا المنطلق، فإن الرسالة السياسية التي حملها اللقاء، والتي أكد عليها ضمنيا رئيس الدولة قيس سعيّد، تؤشر في جوهرها إلى ضرورة تجاوز ثقافة التعطيل من خلال اعتماد توجه أكثر ارتباطا بالإنجاز والمتابعة والمساءلة.

وبهذا الطرح، تصبح سرعة الإنجاز في القطاع الصحي جزءا من مسؤولية الدولة تجاه المواطن وتجاه تكريس عدالة صحية على قدم المساواة.

جدلية التعطيل والمحاسبة

وتطرق رئيس الجمهورية قيس سعيّد أيضا إلى ما وصفه بتعمد تعطيل عدد من المشاريع والمعدات والتجهيزات من قبل من انخرطوا في الفساد، مؤكدا أن هؤلاء لا تنفع معهم سوى المحاسبة العادلة.

ويكشف هذا الجانب من اللقاء عن استمرار جدلية المسؤولية والمحاسبة في مقاربة تعاطي الدولة، في أعلى هرمها، مع المرفق العمومي. فالإشكالية أو التعثر في الإنجاز لا يتعلق دائما بنقص في الإمكانيات والاعتمادات، وإنما يرتبط في كثير من الأحيان بسوء التصرف أو الإدارة أو تجاوز العقبات. وهنا يصح التساؤل: لماذا تعطل المشروع؟ ومن يتحمل مسؤولية ذلك في ظل وجود اعتمادات مرصودة؟

وهذا التساؤل يحيل بالضرورة إلى مبدأ المحاسبة، باعتبار أن توفر الإمكانيات المالية لا يكفي وحده لضمان إنجاز المشاريع، وإنما يفترض أيضا وجود مسؤولية واضحة في مختلف مراحل التنفيذ، من البرمجة إلى المتابعة وصولا إلى الإنجاز.

وفي هذا السياق، فإن حديث رئيس الجمهورية قيس سعيّد عن المحاسبة العادلة يحمل أيضا إشارة إلى ضرورة أن تكون محاسبة المسؤولين عن التعطيل قائمة على المسؤولية الفعلية وعلى القانون، بما يضمن حماية المال العام واستمرارية المشاريع.

إشعاع طبي

في المقابل، ورغم الهنات والتحديات الجسام، خصّ رئيس الدولة قيس سعيّد الإطار الطبي وشبه الطبي والعملة بإشادة واضحة، مستحضرا إقبال دول عديدة، بما فيها دول متقدمة علميا، على استقطاب الكفاءات الطبية التونسية. وهذه الإشادة تحمل في طياتها تثميناً للرصيد البشري الذي يعتبر عنصر قوة للمنظومة الصحية العمومية، رغم ندرة الإمكانيات في بعض المناطق.

وهذا التثمين لا يعني تجاهل الصعوبات، وإنما يؤسس لطرح مفاده أن إعادة بناء الصحة العمومية يجب أن تنطلق أيضا من الموارد البشرية الموجودة، ومن خبراتها وقدرتها على التطوير والإبداع والنهوض بواقع المنظومة العمومية.

الصحة العمومية.. منظومة متكاملة

تحدث رئيس الدولة قيس سعيّد خلال هذا اللقاء عن الصحة العمومية باعتبارها «منظومة متكاملة». وضمن هذه المقاربة، فإن المنظومة الصحية لا تختزل في المستشفى، ولا في الطبيب، ولا في التجهيزات، وإنما تقوم على ترابط وتماسك مختلف الحلقات: من البنية التحتية إلى التجهيزات، إلى الموارد البشرية، ثم الخدمات الرقمية، وصولا إلى الإطار القانوني وتفعيل آليات المتابعة والمساءلة.

ولهذا، فإن معالجة جانب واحد دون بقية الجوانب لا تفضي إلى النتائج المرجوة، بينما يتطلب الإصلاح الفعلي رؤية تجمع بين تطوير البنية الأساسية وتحسين الخدمات وتأهيل الموارد البشرية وحسن استغلال التجهيزات.

وتتجلى أهمية هذه المقاربة في المشاريع التي أشار إليها اللقاء، خاصة تلك التي تعتمد على الخدمات عن بعد في قراءة التحاليل والصور بالأشعة، باعتبارها نموذجا على إمكانية توظيف التكنولوجيا لتقريب الخدمة من المواطن وتقليص التنقل والانتظار.

وهنا يصبح التحول الرقمي في الصحة أداة لإعادة توزيع الخدمة وتقليص الفوارق بين الجهات، وهو ما تسعى اليوم سلطة الإشراف إلى تجسيمه بتوجيهات مباشرة من رئيس الدولة، حيث تعتبر الرقمنة خيارا عمليا لتطوير أداء المنظومة الصحية وتحسين جودة الخدمات وتقريبها من المواطن.

التعافي.. عنوان المرحلة

واختتم رئيس الجمهورية قيس سعيّد اللقاء بالتعبير عن يقينه بأن قطاع الصحة وسائر المرافق العمومية ستتعافى، وأن عملية البناء والتشييد ستتواصل، معتبرا أن ذلك هو مسار الثورة ومسار التاريخ.

وهنا ينتقل الخطاب من متابعة ملفات محددة إلى وضع قطاع الصحة ضمن تصور شامل لإعادة بناء المرافق العمومية. فالمطلوب، وفقا لهذا التوجه، ليس فقط استكمال مشروع في الآجال المحددة أو اعتماد تجهيزات حديثة، وإنما استعادة قدرة المرفق العمومي على القيام بدوره باعتباره إحدى آليات الدولة الأساسية لخدمة المواطن.

ويحمل هذا الطرح في الوقت نفسه بعدا سياسيا، باعتبار أن الصحة تمثل أحد أكثر القطاعات التصاقا بالحياة اليومية. وكل تحسن ملحوظ على مستوى الخدمات الصحية المقدمة سينعكس مباشرة على المواطن.

لذلك، فإن نجاح مسار الإصلاح في هذا القطاع سيكون مرتبطا بمدى القدرة على تحويل التوجيهات والإرادة السياسية المعلنة إلى مشاريع منجزة وإلى خدمات يلحظها المواطن.

وفي خضم ذلك، يكشف لقاء رئيس الجمهورية قيس سعيّد بوزير الصحة، في مجمله، عن ثلاث رسائل مترابطة: تتمثل الأولى في تثبيت الحق في الصحة، والثانية في تسريع وتيرة إنجاز المشاريع، أما الثالثة فتتلخص في ضرورة إعادة الاعتبار للمسؤولية داخل المرفق العمومي.

وضمن هذا التمشي، لا تبدو الصحة في هذا اللقاء مجرد ملف قطاعي معزول، وإنما جزءا من تصور شامل للدولة يقوم على إعادة الاعتبار للمرافق العمومية، وعلى تحويل الإمكانيات المتوفرة إلى نتائج ملموسة والمشاريع المبرمجة إلى خدمات فعلية يستفيد منها المواطن في مختلف الجهات. وهو توجه يجعل من الإنجاز والمتابعة وحسن التصرف عناصر وآليات أساسية في استعادة فاعلية المرفق العمومي وتحسين وتطوير أدائه.

وتتأكد أهمية هذا التوجه في قطاع الصحة تحديدا، باعتبار أن تطويره لا يرتبط فقط ببناء المؤسسات وتجهيزها، وإنما أيضا بتثمين الكفاءات الطبية وشبه الطبية، وتوسيع الاستفادة من الخدمات التي تتيحها الرقمنة، وتقريب الخدمات من المواطنين، وتسريع المشاريع التي من شأنها أن تحدث فارقا حقيقيا لدى المرضى وعائلاتهم.

الصحة ليست ذلك الرجل المريض

وبالتالي، تراهن الدولة، في أعلى هرمها، اليوم على الانتقال من تشخيص النقائص إلى معالجة أسبابها، ومن الإعلان عن المشاريع إلى تجسيمها، بما يجعل الإصلاح مسارا متواصلا تترجم نجاعته ونتائجه بما يلمسه المواطن على أرض الواقع.

فالقطاع الصحي في تونس اليوم ليس ذلك «الرجل المريض» الذي فقد القدرة على النهوض، وإنما هو منظومة ما تزال تمتلك من الكفاءات والخبرات والإمكانيات ما يؤهلها لاستعادة عافيتها ومواصلة الاضطلاع بدورها. واستعادة هذه العافية، كما أشار إلى ذلك رئيس الدولة قيس سعيّد، تظل ممكنة كلما اقترنت الإرادة بالإنجاز، والمسؤولية بالمتابعة والمحاسبة. وعند توفر ذلك، يمكن للعدالة الصحية أن تتحول من هدف معلن إلى واقع متاح لجميع التونسيين.

 

بين الإصلاحات وتحسين الخدمات.. بناء منظومة صحية عمومية عادلة وناجعة

تونس - الصباح

مرة أخرى، وضع رئيس الجمهورية قيس سعيّد، لدى لقائه مؤخرا بوزير الصحة مصطفى الفرجاني، ملف الصحة العمومية أمام استحقاق يتجاوز مجرد استكمال المشاريع أو توفير التجهيزات، ليطال ضرورة تجاوز التعطيل المرصود وإعادة الاعتبار لمرفق حيوي حتى يكون في مستوى التطلعات المنتظرة. فالصحة في تونس، ورغم العلل والهنات، ليست ذلك الرجل المريض الذي فقد القدرة على النهوض، وإنما هي منظومة قد تمرض بفعل سوء التصرف والتقصير وتعطيل المشاريع أو سوء استغلال الإمكانيات، لكنها تظل قادرة على التعافي واستعادة عافيتها متى توفرت الإرادة الجادة للإصلاح، ووُضعت المسؤولية في مكانها، وسُرّع نسق الإنجاز، ووُظّفت ما تزخر به البلاد من كفاءات وإمكانيات.

 

منال حرزي

من هذا المنطلق، شمل لقاء قرطاج جملة من الملفات المتصلة بواقع القطاع، على غرار مدى تقدم إنجاز المشاريع الصحية في مختلف الجهات، وتطوير الخدمات والاستفادة من التجهيزات المتوفرة، وصولا إلى تثمين الكفاءات الطبية وشبه الطبية وتوفير الإطار القانوني الذي يمكّنها من أداء مهامها ومزيد تطوير قدراتها.

ولئن بدت هذه الملفات متباينة في طبيعتها، فإنها تلتقي عند هدف واحد، وهو ضرورة الارتقاء بأداء المنظومة الصحية وتحويل الإمكانيات المتاحة إلى نتائج ملموسة يشعر بها المواطن، خاصة في ما يتعلق بتقريب الخدمات الصحية وتقليص آجال الانتظار والحد من مشقة التنقل بين الجهات.

وفي هذا الاتجاه، فإن ما طُرح خلال اللقاء يتجاوز المتابعة الظرفية لعدد من المشاريع، ليطال مستقبل المرفق الصحي العمومي ومدى قدرته على استعادة دوره كإحدى ركائز العدالة الاجتماعية، وعلى ضرورة الاعتماد على الكفاءات التونسية التي أثبتت جدارتها وتميزها داخل البلاد وخارجها.

الصحة حق

وضع تأكيد رئيس الجمهورية قيس سعيّد على أن الصحة حق طبيعي من حقوق الإنسان يجب أن يتوفر للجميع على قدم المساواة، النقاش في مستوى يتجاوز مجرد توفير الخدمات الطبية إلى مسألة العدالة في توزيعها وإتاحتها.

فالمواطن، وفقا لهذه الرؤية، ليس مجبرا على تحمل أعباء الطريق بسبب غياب خدمة، وبالتالي تبرز أهمية المشاريع التي أشار إليها رئيس الدولة قيس سعيّد، لاسيما تلك المرتبطة بقراءة التحاليل والصور بالأشعة وغيرها من الخدمات التي يمكن أن تختصر المسافات وفترات الانتظار. فهذه المشاريع من شأنها أن تكرّس مبدأ العدالة الصحية من خلال تقريب الخدمات الطبية من المواطنين في مختلف الجهات، والحد من الفوارق في مستوى النفاذ إلى العلاج.

ومن جانب آخر، مثّل التوقف عند المشاريع التي تأخر إنجازها، رغم توفر الاعتمادات المالية اللازمة لها، أحد أبرز أبعاد اللقاء، حيث انتقل النقاش إلى واحدة من المسائل الجوهرية التي لطالما أثارت الكثير من الجدل، وهي الطريقة التي تدار بها المشاريع العمومية ومدى القدرة على تحويل الاعتمادات المالية المرصودة إلى منشآت وتجهيزات وخدمات فعلية.

ومن هذا المنطلق، فإن الرسالة السياسية التي حملها اللقاء، والتي أكد عليها ضمنيا رئيس الدولة قيس سعيّد، تؤشر في جوهرها إلى ضرورة تجاوز ثقافة التعطيل من خلال اعتماد توجه أكثر ارتباطا بالإنجاز والمتابعة والمساءلة.

وبهذا الطرح، تصبح سرعة الإنجاز في القطاع الصحي جزءا من مسؤولية الدولة تجاه المواطن وتجاه تكريس عدالة صحية على قدم المساواة.

جدلية التعطيل والمحاسبة

وتطرق رئيس الجمهورية قيس سعيّد أيضا إلى ما وصفه بتعمد تعطيل عدد من المشاريع والمعدات والتجهيزات من قبل من انخرطوا في الفساد، مؤكدا أن هؤلاء لا تنفع معهم سوى المحاسبة العادلة.

ويكشف هذا الجانب من اللقاء عن استمرار جدلية المسؤولية والمحاسبة في مقاربة تعاطي الدولة، في أعلى هرمها، مع المرفق العمومي. فالإشكالية أو التعثر في الإنجاز لا يتعلق دائما بنقص في الإمكانيات والاعتمادات، وإنما يرتبط في كثير من الأحيان بسوء التصرف أو الإدارة أو تجاوز العقبات. وهنا يصح التساؤل: لماذا تعطل المشروع؟ ومن يتحمل مسؤولية ذلك في ظل وجود اعتمادات مرصودة؟

وهذا التساؤل يحيل بالضرورة إلى مبدأ المحاسبة، باعتبار أن توفر الإمكانيات المالية لا يكفي وحده لضمان إنجاز المشاريع، وإنما يفترض أيضا وجود مسؤولية واضحة في مختلف مراحل التنفيذ، من البرمجة إلى المتابعة وصولا إلى الإنجاز.

وفي هذا السياق، فإن حديث رئيس الجمهورية قيس سعيّد عن المحاسبة العادلة يحمل أيضا إشارة إلى ضرورة أن تكون محاسبة المسؤولين عن التعطيل قائمة على المسؤولية الفعلية وعلى القانون، بما يضمن حماية المال العام واستمرارية المشاريع.

إشعاع طبي

في المقابل، ورغم الهنات والتحديات الجسام، خصّ رئيس الدولة قيس سعيّد الإطار الطبي وشبه الطبي والعملة بإشادة واضحة، مستحضرا إقبال دول عديدة، بما فيها دول متقدمة علميا، على استقطاب الكفاءات الطبية التونسية. وهذه الإشادة تحمل في طياتها تثميناً للرصيد البشري الذي يعتبر عنصر قوة للمنظومة الصحية العمومية، رغم ندرة الإمكانيات في بعض المناطق.

وهذا التثمين لا يعني تجاهل الصعوبات، وإنما يؤسس لطرح مفاده أن إعادة بناء الصحة العمومية يجب أن تنطلق أيضا من الموارد البشرية الموجودة، ومن خبراتها وقدرتها على التطوير والإبداع والنهوض بواقع المنظومة العمومية.

الصحة العمومية.. منظومة متكاملة

تحدث رئيس الدولة قيس سعيّد خلال هذا اللقاء عن الصحة العمومية باعتبارها «منظومة متكاملة». وضمن هذه المقاربة، فإن المنظومة الصحية لا تختزل في المستشفى، ولا في الطبيب، ولا في التجهيزات، وإنما تقوم على ترابط وتماسك مختلف الحلقات: من البنية التحتية إلى التجهيزات، إلى الموارد البشرية، ثم الخدمات الرقمية، وصولا إلى الإطار القانوني وتفعيل آليات المتابعة والمساءلة.

ولهذا، فإن معالجة جانب واحد دون بقية الجوانب لا تفضي إلى النتائج المرجوة، بينما يتطلب الإصلاح الفعلي رؤية تجمع بين تطوير البنية الأساسية وتحسين الخدمات وتأهيل الموارد البشرية وحسن استغلال التجهيزات.

وتتجلى أهمية هذه المقاربة في المشاريع التي أشار إليها اللقاء، خاصة تلك التي تعتمد على الخدمات عن بعد في قراءة التحاليل والصور بالأشعة، باعتبارها نموذجا على إمكانية توظيف التكنولوجيا لتقريب الخدمة من المواطن وتقليص التنقل والانتظار.

وهنا يصبح التحول الرقمي في الصحة أداة لإعادة توزيع الخدمة وتقليص الفوارق بين الجهات، وهو ما تسعى اليوم سلطة الإشراف إلى تجسيمه بتوجيهات مباشرة من رئيس الدولة، حيث تعتبر الرقمنة خيارا عمليا لتطوير أداء المنظومة الصحية وتحسين جودة الخدمات وتقريبها من المواطن.

التعافي.. عنوان المرحلة

واختتم رئيس الجمهورية قيس سعيّد اللقاء بالتعبير عن يقينه بأن قطاع الصحة وسائر المرافق العمومية ستتعافى، وأن عملية البناء والتشييد ستتواصل، معتبرا أن ذلك هو مسار الثورة ومسار التاريخ.

وهنا ينتقل الخطاب من متابعة ملفات محددة إلى وضع قطاع الصحة ضمن تصور شامل لإعادة بناء المرافق العمومية. فالمطلوب، وفقا لهذا التوجه، ليس فقط استكمال مشروع في الآجال المحددة أو اعتماد تجهيزات حديثة، وإنما استعادة قدرة المرفق العمومي على القيام بدوره باعتباره إحدى آليات الدولة الأساسية لخدمة المواطن.

ويحمل هذا الطرح في الوقت نفسه بعدا سياسيا، باعتبار أن الصحة تمثل أحد أكثر القطاعات التصاقا بالحياة اليومية. وكل تحسن ملحوظ على مستوى الخدمات الصحية المقدمة سينعكس مباشرة على المواطن.

لذلك، فإن نجاح مسار الإصلاح في هذا القطاع سيكون مرتبطا بمدى القدرة على تحويل التوجيهات والإرادة السياسية المعلنة إلى مشاريع منجزة وإلى خدمات يلحظها المواطن.

وفي خضم ذلك، يكشف لقاء رئيس الجمهورية قيس سعيّد بوزير الصحة، في مجمله، عن ثلاث رسائل مترابطة: تتمثل الأولى في تثبيت الحق في الصحة، والثانية في تسريع وتيرة إنجاز المشاريع، أما الثالثة فتتلخص في ضرورة إعادة الاعتبار للمسؤولية داخل المرفق العمومي.

وضمن هذا التمشي، لا تبدو الصحة في هذا اللقاء مجرد ملف قطاعي معزول، وإنما جزءا من تصور شامل للدولة يقوم على إعادة الاعتبار للمرافق العمومية، وعلى تحويل الإمكانيات المتوفرة إلى نتائج ملموسة والمشاريع المبرمجة إلى خدمات فعلية يستفيد منها المواطن في مختلف الجهات. وهو توجه يجعل من الإنجاز والمتابعة وحسن التصرف عناصر وآليات أساسية في استعادة فاعلية المرفق العمومي وتحسين وتطوير أدائه.

وتتأكد أهمية هذا التوجه في قطاع الصحة تحديدا، باعتبار أن تطويره لا يرتبط فقط ببناء المؤسسات وتجهيزها، وإنما أيضا بتثمين الكفاءات الطبية وشبه الطبية، وتوسيع الاستفادة من الخدمات التي تتيحها الرقمنة، وتقريب الخدمات من المواطنين، وتسريع المشاريع التي من شأنها أن تحدث فارقا حقيقيا لدى المرضى وعائلاتهم.

الصحة ليست ذلك الرجل المريض

وبالتالي، تراهن الدولة، في أعلى هرمها، اليوم على الانتقال من تشخيص النقائص إلى معالجة أسبابها، ومن الإعلان عن المشاريع إلى تجسيمها، بما يجعل الإصلاح مسارا متواصلا تترجم نجاعته ونتائجه بما يلمسه المواطن على أرض الواقع.

فالقطاع الصحي في تونس اليوم ليس ذلك «الرجل المريض» الذي فقد القدرة على النهوض، وإنما هو منظومة ما تزال تمتلك من الكفاءات والخبرات والإمكانيات ما يؤهلها لاستعادة عافيتها ومواصلة الاضطلاع بدورها. واستعادة هذه العافية، كما أشار إلى ذلك رئيس الدولة قيس سعيّد، تظل ممكنة كلما اقترنت الإرادة بالإنجاز، والمسؤولية بالمتابعة والمحاسبة. وعند توفر ذلك، يمكن للعدالة الصحية أن تتحول من هدف معلن إلى واقع متاح لجميع التونسيين.