وضع رئيس الجمهورية قيس سعيّد مشروع قانون المالية للسنة القادمة صلب الرؤية التنموية للدولة، من خلال التأكيد على أن الخيارات التي سيتضمنها لا يمكن أن تكون منفصلة عن المخطط الخماسي الذي تمت المصادقة عليه، بما يجعل هذا القانون أحد أبرز آليات تحقيق التنمية وخلق فرص التشغيل وبلوغ التوازن بين الجهات.
منال حرزي
فالمسألة، وفقًا لما حمله لقاء قصر قرطاج الأخير الذي أشرف عليه رئيس الدولة بحضور كل من رئيسة الحكومة سارة الزعفراني الزنزري ووزير الاقتصاد والتخطيط سمير عبد الحفيظ، لم يهتم بمجرد ضبط موارد الدولة ونفقاتها، وإنما بكيفية توجيه هذه الموارد نحو خيارات تكون قادرة على إحداث أثر اقتصادي واجتماعي ملموس.
هذا الطرح يستمد شرعيته من أن رئيس الدولة قيس سعيّد لم يتوقف عند حدود الأرقام والتوازنات المالية، وإنما تعرض إلى البيئة الحاضنة لتنفيذ مختلف الخيارات الاقتصادية، متحدثًا عن الضغط الجبائي، وعن صعوبات بعث المشاريع، وعن العراقيل الإدارية التي تواجه أصحاب المبادرات، وعن ضرورة أن يتحمل المسؤول مسؤوليته كاملة في دفع الملفات واتخاذ القرار الملائم. وهي مقاربة تضع مشروع قانون المالية ضمن معادلة مفادها أن الموارد وحدها غير كفيلة ببلوغ التنمية المنشودة، وأن أفضل الخيارات المالية يمكن أن تفقد قيمتها وأهميتها في حال اصطدمت بتعقيدات إدارية أو بتردد في اتخاذ القرار.
المخطط الخماسي.. مرجعية للخيارات المالية
وأكد رئيس الجمهورية قيس سعيّد على ضرورة أن تندرج خيارات مشروع قانون المالية ضمن إطار المخطط الخماسي، وهو ما يعني أن السياسة المالية يتعين ألا تتحرك في اتجاه منفصل عن الأولويات التنموية التي حددتها الدولة. وهذا الطرح يجد صداه بالنظر إلى أن المخطط لا يمثل مجرد وثيقة تحدد الأهداف الكبرى، على أن يصاغ لاحقًا قانون المالية في مسار آخر تحكمه الحسابات الظرفية.
ومن هذا المنطلق، يصبح قانون المالية اختبارًا عمليًا لمدى قدرة الدولة على تحويل اختياراتها إلى سياسات فعلية، فالدولة اليوم في أعلى هرمها تسعى إلى أن تكون الخيارات المالية مرتبطة بحاجيات المجتمع وبأولويات التنمية.
العدالة الجهوية وآليات التوزيع
ومن المواضيع التي كانت حاضرة بقوة خلال لقاء قرطاج مسألة العدالة، وهو حضور له أهميته السياسية والاقتصادية. فتونس، ورغم الجهود المبذولة، ما تزال تواجه تفاوتًا في مستوى التنمية والبنية الأساسية والقدرة على استقطاب الاستثمار بين مختلف المناطق الداخلية، ولذلك فإن أي سياسة مالية تريد أن تترجم مبدأ التوازن الجهوي تحتاج إلى آليات عملية قادرة على توجيه الموارد نحو المناطق الأقل استفادة من الحركية الاقتصادية.
وضمن هذا التمشي، فإن ربط رئيس الدولة قيس سعيّد مشروع قانون المالية بالمخطط الخماسي وبالتوازن الجهوي يكشف عن تصور يعتبر المالية العمومية إحدى آليات إعادة ترتيب الخارطة التنموية للبلاد.
من جانب آخر، وعلى المستوى الاقتصادي، كان تأكيد رئيس الجمهورية قيس سعيّد على ضرورة تجنب الضغط الجبائي وتيسير بعث المشاريع من أبرز النقاط التي حملها اللقاء. وهذه المسألة تكتسب أهمية لأن الاستثمار، سواء كان خاصًا أو في إطار الشركات الأهلية والمبادرات المحلية، يحتاج إلى بيئة إدارية ومالية تساعده على الانطلاق بعيدًا عن سياسة التعقيدات.
ولهذا فإن الدعوة إلى تجنب الضغط الجبائي لا تعني التخلي عن الموارد العمومية، وإنما تطرح في جوهرها تساؤلًا حول كيفية بناء توازن بين حاجة الدولة إلى التمويل وبين ضرورة الحفاظ على قدرة المؤسسة والمستثمر على الإنتاج والتوسع وخلق مواطن الشغل، على أن الأهم هو ربط رئيس الدولة قيس سعيّد هذه المسألة بالعقبات الإدارية التي تعترض أصحاب المشاريع، وهو ما يجعل الإصلاح المطلوب لا يقتصر على الجباية فقط، بل يشمل أيضًا طريقة تعامل الإدارة مع المبادرة الاقتصادية.
الإدارة أمام اختبار المسؤولية
وتعرض رئيس الجمهورية قيس سعيّد خلال هذا اللقاء إلى جملة من العبارات من قبيل «اطلعت» أو «تطبيق التراتيب الجاري بها العمل»، وهي عبارات تجسد، للأسف، ثقافة قائمة الذات في التعامل مع مختلف الملفات داخل الإدارات، حتى إن هذه الثقافة تطورت وبلغت في بعض المصالح الإدارية مرحلة الورم الذي يصعب استئصاله. وهذه العبارات التي أشار إليها رئيس الدولة لمست في جوهرها مسألة تعتبر اليوم حجر الأساس.
فالمسؤولية الإدارية، وفق الرسالة التي حملها اللقاء، تعتبر مربط الفرس في حلحلة الملفات ودفع عجلة التنمية، خاصة وأن الدولة بإمكانها أن تضبط أفضل البرامج الاقتصادية، لكنها لن تحقق مطلقًا أهدافها في حال اصطدمت بإدارة بطيئة أو مترددة أو تعوزها الجرأة في اتخاذ القرار.
وضمن هذه المقاربة، شدد رئيس الدولة قيس سعيّد على أن المسؤول إما أن يكون مسؤولًا يتحلى بروح المسؤولية والعطاء دون حدود، وإما فلا حاجة للوطن به.
وهذه الرسالة تضع مسألة المسؤولية في قلب الأداء العمومي، كونها تربط تولي المسؤولية بما يفترض أن يرافقها من قدرة على المبادرة واتخاذ القرار والعمل.
كما أن تعبير رئيس الجمهورية عن رفض «الأيادي المرتعشة» يعكس رفضًا لمنطق التردد عندما تكون الدولة مطالبة بالتحرك أو الاستباق. فالمشاريع المعطلة والملفات التي تنتظر القرار تحتاج إلى مسؤول قادر على تحمل نتائج قراراته في إطار ما يضبطه القانون.
وهنا تصبح السرعة في الإنجاز جزءًا لا يتجزأ من مفهوم المسؤولية، بما أن التأخير في حد ذاته تنجر عنه كلفة اقتصادية واجتماعية.
مكافحة الفساد
وتوقف اللقاء في جانب منه عند واحد من أبرز المواضيع الحارقة التي تتعلق بمعضلة الفساد.
ليؤكد رئيس الدولة قيس سعيّد أن هذه الظاهرة لا يمكن فصلها عن مختلف مظاهر التعطيل التي تعترض سير عمل الدولة وتمسّ من مصالح المواطنين، خاصة عندما تتسلل إلى الخدمات الأساسية أو تتحول بعض الممارسات إلى وسيلة لإرباك سير المرافق العمومية. وبالتالي فإن مقاومة الفساد، وفقًا لهذا الطرح، لا تندرج فقط ضمن معالجة تجاوزات فردية، وإنما تتصل بإعادة الاعتبار إلى القانون وفرض احترامه على الجميع، وحماية المرفق العمومي من كل ممارسة يمكن أن تعطل أداءه أو توجّه القرار فيه بعيدًا عن المصلحة العامة. وهو ما يجعل الحرب على الفساد جزءًا من معركة شاملة عنوانها استعادة فاعلية الدولة وهيبتها وترسيخ ثقافة المسؤولية، وضمان أن تكون الإدارة في خدمة المواطن وقادرة على تنفيذ الخيارات والسياسات التي يتم إقرارها.
رهانات متداخلة
في هذا الخضم، يضع لقاء قصر قرطاج مشروع قانون المالية للسنة القادمة أمام مجموعة من الرهانات المتداخلة، لعل أبرزها احترام توجهات المخطط الخماسي، وتحقيق قدر أكبر من التوازن الجهوي، وتوفير فرص العمل، وتخفيف الضغط الجبائي، وتسهيل بعث المشاريع، على أن الأهم هو مقاومة التعطيل الإداري ودعم قدرة الدولة على تنفيذ خياراتها.
وهي رهانات تجعل النقاش حول قانون المالية يتجاوز بكثير مسألة الموارد المخصصة والنفقات المضبوطة. فالمشروع سيكون، في جانب منه، تعبيرًا عن أولويات الدولة وعن الطريقة التي تريد بها إدارة مواردها وتوجيه نفقاتها وتحفيز الاستثمار ودعم التنمية في الجهات.
وفي هذا السياق، يستخلص من لقاء رئيس الدولة قيس سعيّد مع رئيسة الحكومة ووزير الاقتصاد والتخطيط أن المالية العمومية مطالبة بأن تكون جزءًا من مشروع تنموي متكامل، وأن الإدارة مطالبة بدورها بأن تكون في مستوى هذا المشروع، لأن أي فجوة بين القرار والتنفيذ يمكن أن تفرغ السياسات من جوهرها.
فالدولة في أعلى هرمها تروم اليوم أن تكون المرحلة المقبلة مرحلة تنفيذ أكثر منها مرحلة انتظار. فربط قانون المالية بالمخطط الخماسي، وربط التنمية بالتشغيل، وربط الاستثمار بتبسيط الإجراءات، واقتران كل ذلك بالمسؤولية، يقدم في جوهره صورة متكاملة عن توجه سياسي في إدارة المرحلة تعرض رئيس الجمهورية قيس سعيّد إلى تفاصيله خلال هذا اللقاء.
ويبقى نجاح هذه الخيارات مرتبطًا بقدرة مختلف مؤسسات الدولة وهياكلها على تحويلها إلى إجراءات ومشاريع ملموسة، وبمدى قدرتها على معالجة كل العقبات والإشكاليات.
وضمن هذا التمشي، فإن مشروع قانون المالية القادم يراد له أن يكون أكثر من مجرد وثيقة مالية سنوية؛ وإنما محطة يختبر من خلالها مدى قدرة الخيارات الوطنية على التحول إلى سياسات عملية، ومدى قدرة مؤسسات الدولة على تجاوز منطق التعطيل نحو منطق الإنجاز.
فالمرحلة اليوم بكل رهاناتها وتحدياتها لا تقتضي صياغة مشروع قانون مالية يستجيب للأرقام والتوازنات، وإنما بناء سياسة مالية تخدم مشروع التنمية وتفتح المجال أمام المبادرة، وتدعم الجهات، وتخلق فرص عمل حقيقية، وتعيد للمسؤولية معناها الأساسي: أن يكون المنصب العمومي التزامًا فعليًا بالإنجاز لا مجرد مساحة للانتظار أو التعطيل. وعندما تصبح المسؤولية مقترنة بالإنجاز يمكن أن تتحول الخيارات المعلنة والإرادة السياسية الملموسة إلى واقع يومي.
تونس-الصباح
وضع رئيس الجمهورية قيس سعيّد مشروع قانون المالية للسنة القادمة صلب الرؤية التنموية للدولة، من خلال التأكيد على أن الخيارات التي سيتضمنها لا يمكن أن تكون منفصلة عن المخطط الخماسي الذي تمت المصادقة عليه، بما يجعل هذا القانون أحد أبرز آليات تحقيق التنمية وخلق فرص التشغيل وبلوغ التوازن بين الجهات.
منال حرزي
فالمسألة، وفقًا لما حمله لقاء قصر قرطاج الأخير الذي أشرف عليه رئيس الدولة بحضور كل من رئيسة الحكومة سارة الزعفراني الزنزري ووزير الاقتصاد والتخطيط سمير عبد الحفيظ، لم يهتم بمجرد ضبط موارد الدولة ونفقاتها، وإنما بكيفية توجيه هذه الموارد نحو خيارات تكون قادرة على إحداث أثر اقتصادي واجتماعي ملموس.
هذا الطرح يستمد شرعيته من أن رئيس الدولة قيس سعيّد لم يتوقف عند حدود الأرقام والتوازنات المالية، وإنما تعرض إلى البيئة الحاضنة لتنفيذ مختلف الخيارات الاقتصادية، متحدثًا عن الضغط الجبائي، وعن صعوبات بعث المشاريع، وعن العراقيل الإدارية التي تواجه أصحاب المبادرات، وعن ضرورة أن يتحمل المسؤول مسؤوليته كاملة في دفع الملفات واتخاذ القرار الملائم. وهي مقاربة تضع مشروع قانون المالية ضمن معادلة مفادها أن الموارد وحدها غير كفيلة ببلوغ التنمية المنشودة، وأن أفضل الخيارات المالية يمكن أن تفقد قيمتها وأهميتها في حال اصطدمت بتعقيدات إدارية أو بتردد في اتخاذ القرار.
المخطط الخماسي.. مرجعية للخيارات المالية
وأكد رئيس الجمهورية قيس سعيّد على ضرورة أن تندرج خيارات مشروع قانون المالية ضمن إطار المخطط الخماسي، وهو ما يعني أن السياسة المالية يتعين ألا تتحرك في اتجاه منفصل عن الأولويات التنموية التي حددتها الدولة. وهذا الطرح يجد صداه بالنظر إلى أن المخطط لا يمثل مجرد وثيقة تحدد الأهداف الكبرى، على أن يصاغ لاحقًا قانون المالية في مسار آخر تحكمه الحسابات الظرفية.
ومن هذا المنطلق، يصبح قانون المالية اختبارًا عمليًا لمدى قدرة الدولة على تحويل اختياراتها إلى سياسات فعلية، فالدولة اليوم في أعلى هرمها تسعى إلى أن تكون الخيارات المالية مرتبطة بحاجيات المجتمع وبأولويات التنمية.
العدالة الجهوية وآليات التوزيع
ومن المواضيع التي كانت حاضرة بقوة خلال لقاء قرطاج مسألة العدالة، وهو حضور له أهميته السياسية والاقتصادية. فتونس، ورغم الجهود المبذولة، ما تزال تواجه تفاوتًا في مستوى التنمية والبنية الأساسية والقدرة على استقطاب الاستثمار بين مختلف المناطق الداخلية، ولذلك فإن أي سياسة مالية تريد أن تترجم مبدأ التوازن الجهوي تحتاج إلى آليات عملية قادرة على توجيه الموارد نحو المناطق الأقل استفادة من الحركية الاقتصادية.
وضمن هذا التمشي، فإن ربط رئيس الدولة قيس سعيّد مشروع قانون المالية بالمخطط الخماسي وبالتوازن الجهوي يكشف عن تصور يعتبر المالية العمومية إحدى آليات إعادة ترتيب الخارطة التنموية للبلاد.
من جانب آخر، وعلى المستوى الاقتصادي، كان تأكيد رئيس الجمهورية قيس سعيّد على ضرورة تجنب الضغط الجبائي وتيسير بعث المشاريع من أبرز النقاط التي حملها اللقاء. وهذه المسألة تكتسب أهمية لأن الاستثمار، سواء كان خاصًا أو في إطار الشركات الأهلية والمبادرات المحلية، يحتاج إلى بيئة إدارية ومالية تساعده على الانطلاق بعيدًا عن سياسة التعقيدات.
ولهذا فإن الدعوة إلى تجنب الضغط الجبائي لا تعني التخلي عن الموارد العمومية، وإنما تطرح في جوهرها تساؤلًا حول كيفية بناء توازن بين حاجة الدولة إلى التمويل وبين ضرورة الحفاظ على قدرة المؤسسة والمستثمر على الإنتاج والتوسع وخلق مواطن الشغل، على أن الأهم هو ربط رئيس الدولة قيس سعيّد هذه المسألة بالعقبات الإدارية التي تعترض أصحاب المشاريع، وهو ما يجعل الإصلاح المطلوب لا يقتصر على الجباية فقط، بل يشمل أيضًا طريقة تعامل الإدارة مع المبادرة الاقتصادية.
الإدارة أمام اختبار المسؤولية
وتعرض رئيس الجمهورية قيس سعيّد خلال هذا اللقاء إلى جملة من العبارات من قبيل «اطلعت» أو «تطبيق التراتيب الجاري بها العمل»، وهي عبارات تجسد، للأسف، ثقافة قائمة الذات في التعامل مع مختلف الملفات داخل الإدارات، حتى إن هذه الثقافة تطورت وبلغت في بعض المصالح الإدارية مرحلة الورم الذي يصعب استئصاله. وهذه العبارات التي أشار إليها رئيس الدولة لمست في جوهرها مسألة تعتبر اليوم حجر الأساس.
فالمسؤولية الإدارية، وفق الرسالة التي حملها اللقاء، تعتبر مربط الفرس في حلحلة الملفات ودفع عجلة التنمية، خاصة وأن الدولة بإمكانها أن تضبط أفضل البرامج الاقتصادية، لكنها لن تحقق مطلقًا أهدافها في حال اصطدمت بإدارة بطيئة أو مترددة أو تعوزها الجرأة في اتخاذ القرار.
وضمن هذه المقاربة، شدد رئيس الدولة قيس سعيّد على أن المسؤول إما أن يكون مسؤولًا يتحلى بروح المسؤولية والعطاء دون حدود، وإما فلا حاجة للوطن به.
وهذه الرسالة تضع مسألة المسؤولية في قلب الأداء العمومي، كونها تربط تولي المسؤولية بما يفترض أن يرافقها من قدرة على المبادرة واتخاذ القرار والعمل.
كما أن تعبير رئيس الجمهورية عن رفض «الأيادي المرتعشة» يعكس رفضًا لمنطق التردد عندما تكون الدولة مطالبة بالتحرك أو الاستباق. فالمشاريع المعطلة والملفات التي تنتظر القرار تحتاج إلى مسؤول قادر على تحمل نتائج قراراته في إطار ما يضبطه القانون.
وهنا تصبح السرعة في الإنجاز جزءًا لا يتجزأ من مفهوم المسؤولية، بما أن التأخير في حد ذاته تنجر عنه كلفة اقتصادية واجتماعية.
مكافحة الفساد
وتوقف اللقاء في جانب منه عند واحد من أبرز المواضيع الحارقة التي تتعلق بمعضلة الفساد.
ليؤكد رئيس الدولة قيس سعيّد أن هذه الظاهرة لا يمكن فصلها عن مختلف مظاهر التعطيل التي تعترض سير عمل الدولة وتمسّ من مصالح المواطنين، خاصة عندما تتسلل إلى الخدمات الأساسية أو تتحول بعض الممارسات إلى وسيلة لإرباك سير المرافق العمومية. وبالتالي فإن مقاومة الفساد، وفقًا لهذا الطرح، لا تندرج فقط ضمن معالجة تجاوزات فردية، وإنما تتصل بإعادة الاعتبار إلى القانون وفرض احترامه على الجميع، وحماية المرفق العمومي من كل ممارسة يمكن أن تعطل أداءه أو توجّه القرار فيه بعيدًا عن المصلحة العامة. وهو ما يجعل الحرب على الفساد جزءًا من معركة شاملة عنوانها استعادة فاعلية الدولة وهيبتها وترسيخ ثقافة المسؤولية، وضمان أن تكون الإدارة في خدمة المواطن وقادرة على تنفيذ الخيارات والسياسات التي يتم إقرارها.
رهانات متداخلة
في هذا الخضم، يضع لقاء قصر قرطاج مشروع قانون المالية للسنة القادمة أمام مجموعة من الرهانات المتداخلة، لعل أبرزها احترام توجهات المخطط الخماسي، وتحقيق قدر أكبر من التوازن الجهوي، وتوفير فرص العمل، وتخفيف الضغط الجبائي، وتسهيل بعث المشاريع، على أن الأهم هو مقاومة التعطيل الإداري ودعم قدرة الدولة على تنفيذ خياراتها.
وهي رهانات تجعل النقاش حول قانون المالية يتجاوز بكثير مسألة الموارد المخصصة والنفقات المضبوطة. فالمشروع سيكون، في جانب منه، تعبيرًا عن أولويات الدولة وعن الطريقة التي تريد بها إدارة مواردها وتوجيه نفقاتها وتحفيز الاستثمار ودعم التنمية في الجهات.
وفي هذا السياق، يستخلص من لقاء رئيس الدولة قيس سعيّد مع رئيسة الحكومة ووزير الاقتصاد والتخطيط أن المالية العمومية مطالبة بأن تكون جزءًا من مشروع تنموي متكامل، وأن الإدارة مطالبة بدورها بأن تكون في مستوى هذا المشروع، لأن أي فجوة بين القرار والتنفيذ يمكن أن تفرغ السياسات من جوهرها.
فالدولة في أعلى هرمها تروم اليوم أن تكون المرحلة المقبلة مرحلة تنفيذ أكثر منها مرحلة انتظار. فربط قانون المالية بالمخطط الخماسي، وربط التنمية بالتشغيل، وربط الاستثمار بتبسيط الإجراءات، واقتران كل ذلك بالمسؤولية، يقدم في جوهره صورة متكاملة عن توجه سياسي في إدارة المرحلة تعرض رئيس الجمهورية قيس سعيّد إلى تفاصيله خلال هذا اللقاء.
ويبقى نجاح هذه الخيارات مرتبطًا بقدرة مختلف مؤسسات الدولة وهياكلها على تحويلها إلى إجراءات ومشاريع ملموسة، وبمدى قدرتها على معالجة كل العقبات والإشكاليات.
وضمن هذا التمشي، فإن مشروع قانون المالية القادم يراد له أن يكون أكثر من مجرد وثيقة مالية سنوية؛ وإنما محطة يختبر من خلالها مدى قدرة الخيارات الوطنية على التحول إلى سياسات عملية، ومدى قدرة مؤسسات الدولة على تجاوز منطق التعطيل نحو منطق الإنجاز.
فالمرحلة اليوم بكل رهاناتها وتحدياتها لا تقتضي صياغة مشروع قانون مالية يستجيب للأرقام والتوازنات، وإنما بناء سياسة مالية تخدم مشروع التنمية وتفتح المجال أمام المبادرة، وتدعم الجهات، وتخلق فرص عمل حقيقية، وتعيد للمسؤولية معناها الأساسي: أن يكون المنصب العمومي التزامًا فعليًا بالإنجاز لا مجرد مساحة للانتظار أو التعطيل. وعندما تصبح المسؤولية مقترنة بالإنجاز يمكن أن تتحول الخيارات المعلنة والإرادة السياسية الملموسة إلى واقع يومي.