إشترك في النسخة الرقمية لجريدة الصباح و LE TEMPS

لمواكبة متطلبات سوق الشغل.. تونس تسرّع رقمنة إدارة التشغيل وتحديث التشريعات

*مشروع قانون جديد خاص بالعمل عن بعد لاستيعاب أشكال التشغيل الجديدة

 

تونس - الصباح

في الوقت الذي تتزايد فيه الضغوطات على أسواق الشغل العربية والدولية، مع انتشار العمل عبر المنصات، والعمل عن بعد، وتغير المهارات المطلوبة بفعل الذكاء الاصطناعي، تدخل تونس مرحلة جديدة في تقرير دولي حديث حول إصلاح منظومة العمل، عنوانها الأبرز الانتقال من الإدارة التقليدية للشغل إلى إدارة أكثر اعتمادًا على البيانات والتكنولوجيا، بالتوازي مع مراجعة الإطار التشريعي لمواكبة التحولات في أنماط العمل الجديدة.

 

وفاء بن محمد

 

وفي هذا السياق، كشف تقرير دولي حديث صدر منذ يومين عن منصة "جيني" القانونية التابعة لمؤسسة "دي إل إيه بايبر" العالمية عن توجه تونس نحو إحداث نقلة نوعية في هيكلة سوق الشغل عبر الرقمنة الشاملة وتحديث المنظومة التشريعية في هذا المجال.

 

منصة رقمية للتشغيل

 

وقد انطلقت الدولة في توجيه تركيزها نحو مشروعها الوطني في رقمنة سوق الشغل عبر آليات وبرامج مضبوطة تم تحديدها واعتمادها وفق مقاربة تكنولوجية متقدمة لتحديث إدارة قطاع الشغل، وذلك عبر إطلاق منصة رقمية مخصصة للإدارة الخاصة بالتشغيل بحلول نهاية شهر سبتمبر من عام 2026.

في هذا الصدد، كانت قد أعلنت وزارة الشؤون الاجتماعية التونسية عن إعداد منصة رقمية لإدارة العمل، مع برمجة إطلاقها قريبًا، حسب ما أفاد به وزير الشؤون الاجتماعية عصام الأحمر، خلال مشاركته في الدورة 52 لمؤتمر العمل العربي المنعقد بالقاهرة من 13 إلى 20 سبتمبر الجاري.

وتستهدف المنصة بالخصوص رقمنة تدخلات طالبي الشغل، بما يسمح بتحسين متابعة ظروف العمل والتدخل بصورة أكثر سرعة، إلى جانب توفير إحصائيات وبيانات اجتماعية دقيقة ومحيّنة يمكن الاستناد إليها في إعداد خطط التدخل الفوري أو الوقائي.

وتعكس هذه الخطوة تحولًا في مفهوم إدارة سوق الشغل، إذ لا تقتصر الرقمنة على تحويل الوثائق والإجراءات الورقية إلى خدمات إلكترونية، وإنما تتجه أيضًا نحو بناء منظومة تعتمد على البيانات لمتابعة سوق العمل ورصد المخاطر والمخالفات والتدخل بصورة أكثر استباقية.

وتضع الحكومة التونسية التحول الرقمي ضمن مسار أوسع لتحديث الإدارة والاقتصاد وتعزيز تنافسية المؤسسات، في إطار المخطط التنموي 2026-2030، كما أعلنت الحكومة عن تقدم عدد من مشاريع التحول الرقمي الإداري خلال سنة 2026.

ولا يقتصر الإصلاح التونسي على الجانب الإداري، فقد أعلنت وزارة الشؤون الاجتماعية عن العمل على تكييف التشريع الاجتماعي مع التحولات الجديدة في عالم العمل، ولاسيما تلك المرتبطة بالاقتصاد الرقمي.

ومن أبرز الملفات المطروحة حاليًا، العمل عبر المنصات الرقمية، وهو نمط تشغيل توسع خلال السنوات الأخيرة وأثار أسئلة تتعلق بالوضع القانوني للعاملين فيه، والحماية الاجتماعية والاستقرار المهني، وشروط العمل اللائق المطروحة في النمط من التشغيل.

 

العمل عن بعد يدخل دائرة التنظيم القانوني

 

ومن بين الملفات الأخرى التي تتجه تونس إلى تنظيمها تشريعيًا العمل عن بعد في القطاع الخاص، حيث أعلنت وزارة الشؤون الاجتماعية عن إعداد مشروع قانون خاص بهذا النمط من العمل، الذي أصبح أكثر انتشارًا نتيجة التحول الرقمي وتطور أدوات الاتصال.

كما يطرح العمل عن بعد مسائل قانونية وعملية متعددة، من بينها تحديد ساعات العمل، والمسؤوليات المهنية، وحماية العامل، والصحة والسلامة المهنية، والحق في الفصل بين الحياة المهنية والخاصة، فضلًا عن تنظيم العلاقة بين صاحب العمل والعامل خارج مكان العمل التقليدي.

وبالتالي، فإن إدراج العمل عن بعد ضمن الإصلاح التشريعي يعكس محاولة لتوسيع مفهوم قانون الشغل بحيث يستوعب أشكال التشغيل الجديدة بدلًا من الاقتصار على علاقة العمل التقليدية.

في جانب آخر، أعلنت وزارة الشؤون الاجتماعية أنها أنجزت دراسة حول تأثير الذكاء الاصطناعي على سوق العمل، معتبرة أن التكنولوجيا تعيد تشكيل الوظائف وتنظيم العمل والمهارات المطلوبة، كما يمكن أن تكون لها انعكاسات على الحماية الاجتماعية والتوازنات الاقتصادية والاجتماعية.

وتشارك تونس في النقاش الدولي حول هذه المسألة من خلال منظمة العمل الدولية، التي خصصت مؤتمرها الدولي للعمل سنة 2026 لموضوعات مرتبطة بمستقبل العمل والذكاء الاصطناعي.

ويأتي هذا المسار بعد خطوة تشريعية مهمة شهدتها تونس في شهر ماي من السنة المنقضية 2025، مع صدور القانون عدد 9 لسنة 2025 المتعلق بتنظيم عقود الشغل ومنع المناولة، حيث يشكل هذا القانون جزءًا من التحولات التي يشهدها الإطار القانوني المنظم لعلاقات العمل في تونس.

وعلى هذا الأساس، فإن رقمنة إدارة الشغل لا تبدو مجرد مشروع منفصل عن الإصلاح التشريعي، بل هي جزء من مسار أوسع لإعادة تنظيم العلاقة بين الدولة وأصحاب العمل والعمال، مع محاولة ملاءمة التشريع مع التغيرات الاقتصادية والتكنولوجية.

 

التحول الرقمي وأهميته في إدارة سوق العمل

 

الثابت حسب التجارب المقارنة والدراسات العلمية، فإن الرقمنة اليوم بإمكانها أن تغير طبيعة عمل المؤسسات المكلفة بالرقابة والتشغيل والحماية الاجتماعية من خلال ثلاثة مسارات رئيسية تتمثل في تحسين الوصول إلى المعلومات والانتقال من التدخل بعد وقوع المشكلة إلى الوقاية، ودعم التنسيق بين مؤسسات الدولة.

 

لمواكبة متطلبات سوق الشغل.. تونس تسرّع رقمنة إدارة التشغيل وتحديث التشريعات

*مشروع قانون جديد خاص بالعمل عن بعد لاستيعاب أشكال التشغيل الجديدة

 

تونس - الصباح

في الوقت الذي تتزايد فيه الضغوطات على أسواق الشغل العربية والدولية، مع انتشار العمل عبر المنصات، والعمل عن بعد، وتغير المهارات المطلوبة بفعل الذكاء الاصطناعي، تدخل تونس مرحلة جديدة في تقرير دولي حديث حول إصلاح منظومة العمل، عنوانها الأبرز الانتقال من الإدارة التقليدية للشغل إلى إدارة أكثر اعتمادًا على البيانات والتكنولوجيا، بالتوازي مع مراجعة الإطار التشريعي لمواكبة التحولات في أنماط العمل الجديدة.

 

وفاء بن محمد

 

وفي هذا السياق، كشف تقرير دولي حديث صدر منذ يومين عن منصة "جيني" القانونية التابعة لمؤسسة "دي إل إيه بايبر" العالمية عن توجه تونس نحو إحداث نقلة نوعية في هيكلة سوق الشغل عبر الرقمنة الشاملة وتحديث المنظومة التشريعية في هذا المجال.

 

منصة رقمية للتشغيل

 

وقد انطلقت الدولة في توجيه تركيزها نحو مشروعها الوطني في رقمنة سوق الشغل عبر آليات وبرامج مضبوطة تم تحديدها واعتمادها وفق مقاربة تكنولوجية متقدمة لتحديث إدارة قطاع الشغل، وذلك عبر إطلاق منصة رقمية مخصصة للإدارة الخاصة بالتشغيل بحلول نهاية شهر سبتمبر من عام 2026.

في هذا الصدد، كانت قد أعلنت وزارة الشؤون الاجتماعية التونسية عن إعداد منصة رقمية لإدارة العمل، مع برمجة إطلاقها قريبًا، حسب ما أفاد به وزير الشؤون الاجتماعية عصام الأحمر، خلال مشاركته في الدورة 52 لمؤتمر العمل العربي المنعقد بالقاهرة من 13 إلى 20 سبتمبر الجاري.

وتستهدف المنصة بالخصوص رقمنة تدخلات طالبي الشغل، بما يسمح بتحسين متابعة ظروف العمل والتدخل بصورة أكثر سرعة، إلى جانب توفير إحصائيات وبيانات اجتماعية دقيقة ومحيّنة يمكن الاستناد إليها في إعداد خطط التدخل الفوري أو الوقائي.

وتعكس هذه الخطوة تحولًا في مفهوم إدارة سوق الشغل، إذ لا تقتصر الرقمنة على تحويل الوثائق والإجراءات الورقية إلى خدمات إلكترونية، وإنما تتجه أيضًا نحو بناء منظومة تعتمد على البيانات لمتابعة سوق العمل ورصد المخاطر والمخالفات والتدخل بصورة أكثر استباقية.

وتضع الحكومة التونسية التحول الرقمي ضمن مسار أوسع لتحديث الإدارة والاقتصاد وتعزيز تنافسية المؤسسات، في إطار المخطط التنموي 2026-2030، كما أعلنت الحكومة عن تقدم عدد من مشاريع التحول الرقمي الإداري خلال سنة 2026.

ولا يقتصر الإصلاح التونسي على الجانب الإداري، فقد أعلنت وزارة الشؤون الاجتماعية عن العمل على تكييف التشريع الاجتماعي مع التحولات الجديدة في عالم العمل، ولاسيما تلك المرتبطة بالاقتصاد الرقمي.

ومن أبرز الملفات المطروحة حاليًا، العمل عبر المنصات الرقمية، وهو نمط تشغيل توسع خلال السنوات الأخيرة وأثار أسئلة تتعلق بالوضع القانوني للعاملين فيه، والحماية الاجتماعية والاستقرار المهني، وشروط العمل اللائق المطروحة في النمط من التشغيل.

 

العمل عن بعد يدخل دائرة التنظيم القانوني

 

ومن بين الملفات الأخرى التي تتجه تونس إلى تنظيمها تشريعيًا العمل عن بعد في القطاع الخاص، حيث أعلنت وزارة الشؤون الاجتماعية عن إعداد مشروع قانون خاص بهذا النمط من العمل، الذي أصبح أكثر انتشارًا نتيجة التحول الرقمي وتطور أدوات الاتصال.

كما يطرح العمل عن بعد مسائل قانونية وعملية متعددة، من بينها تحديد ساعات العمل، والمسؤوليات المهنية، وحماية العامل، والصحة والسلامة المهنية، والحق في الفصل بين الحياة المهنية والخاصة، فضلًا عن تنظيم العلاقة بين صاحب العمل والعامل خارج مكان العمل التقليدي.

وبالتالي، فإن إدراج العمل عن بعد ضمن الإصلاح التشريعي يعكس محاولة لتوسيع مفهوم قانون الشغل بحيث يستوعب أشكال التشغيل الجديدة بدلًا من الاقتصار على علاقة العمل التقليدية.

في جانب آخر، أعلنت وزارة الشؤون الاجتماعية أنها أنجزت دراسة حول تأثير الذكاء الاصطناعي على سوق العمل، معتبرة أن التكنولوجيا تعيد تشكيل الوظائف وتنظيم العمل والمهارات المطلوبة، كما يمكن أن تكون لها انعكاسات على الحماية الاجتماعية والتوازنات الاقتصادية والاجتماعية.

وتشارك تونس في النقاش الدولي حول هذه المسألة من خلال منظمة العمل الدولية، التي خصصت مؤتمرها الدولي للعمل سنة 2026 لموضوعات مرتبطة بمستقبل العمل والذكاء الاصطناعي.

ويأتي هذا المسار بعد خطوة تشريعية مهمة شهدتها تونس في شهر ماي من السنة المنقضية 2025، مع صدور القانون عدد 9 لسنة 2025 المتعلق بتنظيم عقود الشغل ومنع المناولة، حيث يشكل هذا القانون جزءًا من التحولات التي يشهدها الإطار القانوني المنظم لعلاقات العمل في تونس.

وعلى هذا الأساس، فإن رقمنة إدارة الشغل لا تبدو مجرد مشروع منفصل عن الإصلاح التشريعي، بل هي جزء من مسار أوسع لإعادة تنظيم العلاقة بين الدولة وأصحاب العمل والعمال، مع محاولة ملاءمة التشريع مع التغيرات الاقتصادية والتكنولوجية.

 

التحول الرقمي وأهميته في إدارة سوق العمل

 

الثابت حسب التجارب المقارنة والدراسات العلمية، فإن الرقمنة اليوم بإمكانها أن تغير طبيعة عمل المؤسسات المكلفة بالرقابة والتشغيل والحماية الاجتماعية من خلال ثلاثة مسارات رئيسية تتمثل في تحسين الوصول إلى المعلومات والانتقال من التدخل بعد وقوع المشكلة إلى الوقاية، ودعم التنسيق بين مؤسسات الدولة.