تتجه تونس ومالطا إلى دفع مسار التعاون في مجال التعليم العالي والبحث العلمي إلى مرحلة جديدة تتجاوز مجرد التبادل الأكاديمي لتشمل بناء شراكات مباشرة بين المؤسسات الجامعية وتطوير مشاريع مشتركة في التدريس والبحث العلمي، بما يؤسس لشراكة أكثر نجاعة تقوم على الاستثمار في المعرفة وتبادل الخبرات والمعارف وتعزيز الحركية الأكاديمية والعلمية بين البلدين، وتفتح أمام الطلبة والباحثين فرصًا للتكوين والتعاون والاستفادة من التجارب الجامعية المتاحة من الجانبين.
ويبرز هذا التوجه خلال اللقاء الذي جمع مؤخرًا سفير تونس بمالطا زهير بوراس بوفد عن الجامعة الأمريكية بمالطا (AUM)، والذي شكّل مناسبة لبحث آليات عملية لتطوير التعاون الجامعي بين البلدين.
وتكتسب هذه الخطوة أهميتها من كونها تستند إلى أرضية تعاون قائمة الذات، بالنظر إلى أنه سبق للجامعة الأمريكية بمالطا أن أبرمت مذكرة تفاهم مع جامعة تونس المنار منذ جويلية 2024، بما يؤشر إلى وجود إطار مؤسساتي يمكن البناء عليه وتحويله إلى برامج ومبادرات أكثر انتظامًا.
وفي هذا الإطار، يندرج الاتفاق على تنظيم زيارات عمل بين المؤسسات الجامعية وتطوير مشاريع مشتركة في مجالي البحث العلمي والتدريس باعتباره آلية عملية لتعميق مسار التعاون. فالزيارات الأكاديمية تتيح التعرف المباشر على التجارب والبرامج التعليمية، فيما يمكن للمشاريع المشتركة أن تفتح المجال أمام الباحثين والأساتذة والطلبة للعمل ضمن شبكات علمية عابرة للحدود. وهذا التوجه يعزز فرص تبادل الخبرات والاستفادة من الإمكانيات المتاحة لدى الجانبين.
الطلبة.. حلقة هامة في التعاون الجامعي
وضمن هذه المقاربة يحتل الطلبة التونسيون الذين يزاولون تعليمهم العالي في مالطا موقعًا لافتًا ضمن هذا المسار، وهو ما برز خلال لقاء السفير التونسي مع مسؤولي الجامعة الأمريكية بمالطا من خلال التأكيد على مواصلة الإحاطة بهم والعمل على استقطاب المزيد من الطلبة التونسيين الراغبين في مواصلة دراساتهم في هذه المؤسسة الجامعية.
ولا تقتصر أهمية هذا الجانب على توفير فرص إضافية للدراسة، وإنما تتعلق أيضًا ببناء جسور أكاديمية مستدامة بين البلدين. فتنقل الطلبة بين الجامعات يخلق - على المدى المتوسط - شبكة من الكفاءات التي تجمعها تجارب تعليمية مشتركة، ويمكن أن تتحول لاحقًا إلى رصيد مميز للعلاقات الثنائية في مجالات متعددة، خاصة مع تنامي اهتمام الطلبة التونسيين بمجالات استراتيجية على غرار الاتصال والتكنولوجيات الحديثة.
كما أن الإحاطة بالطلبة التونسيين في الخارج تمثل جزءًا من العمل الدبلوماسي الذي يتجاوز البعد القنصلي التقليدي، ليتجه نحو مواكبة الكفاءات التونسية وربطها بمؤسسات بلد الإقامة، بما يخدم مصالح الطلبة ويعزز في الوقت نفسه حضور تونس الأكاديمي. وفي هذا السياق يمكن للتعاون الجامعي أن يصبح أحد أبرز المسارات التي تستثمر فيها الدبلوماسية التونسية لتعزيز مجالات تعاونها مع مالطا.
من الاتفاقيات إلى المشاريع
وتبدو أهمية التعاون في البحث العلمي أكثر وضوحًا في المرحلة المقبلة، باعتبار أن تطوير شراكات بين الجامعات لا يعكسه فقط حجم الاتفاقيات الموقعة، وإنما جملة المشاريع العلمية وبرامج التكوين المبرمجة. وبالتالي من شأن تفعيل مذكرة التفاهم بين جامعة تونس المنار والجامعة الأمريكية بمالطا أن يوفر أرضية ملائمة لتحديد مجالات ذات أولوية للتعاون، وربط الباحثين والمؤسسات الجامعية ببرامج مشتركة أكثر استدامة.
كما أن تطوير العلاقات بين المؤسسات الجامعية يمكن أن يفتح المجال أمام مزيد من الحركية الأكاديمية، سواء عبر زيارات الأساتذة والباحثين أو تبادل الطلبة أو تنظيم لقاءات علمية مشتركة. وهو ما يمنح التعاون الجامعي بعدًا هامًا من شأنه أن يفضي إلى بناء فضاء واسع لتبادل المعرفة والخبرات في محيط متوسطي تتقاطع فيه تونس ومالطا جغرافيًا وتاريخيًا.
اللجنة المشتركة.. إطار لتوسيع التعاون
من جهة أخرى، جدير بالذكر أن هذا الحراك الجامعي يلتئم في سياق من الزخم اللافت الذي يشهده مسار العلاقات الثنائية منذ فترة، حيث أورد سفير تونس لدى مالطا في معرض تصريحاته الإعلامية خلال شهر ماي الماضي بأن تونس ومالطا تستعدان لعقد الدورة الثانية عشرة للجنة المشتركة، مشيرًا إلى أن أعمالها ستشمل عددًا من القطاعات الحيوية، من بينها النقل والصيد البحري والتبادل الاقتصادي، إلى جانب العمل المتواصل لتحيين الاتفاقيات الثنائية.
وتحمل اللجنة المشتركة أهمية خاصة باعتبارها إحدى الآليات المؤسساتية التي تسمح للبلدين بتقييم مستوى التعاون وتحديد مجالات جديدة للشراكة ومتابعة الاتفاقيات المبرمة. وإذا كان النقل والصيد البحري والتبادل الاقتصادي تمثل ملفات تقليدية في مجال التعاون التونسي المالطي، فإن إدراج التعليم العالي والبحث العلمي ضمن الديناميكية العامة للتعاون من شأنه أن يوسع قاعدة الشراكة لتشمل الاستثمار في المعرفة والكفاءات.
ويكتسب هذا التوجه بعدًا إضافيًا بالنظر إلى المؤشرات التي قدمها السفير حول تطور العلاقات الاقتصادية. فقد أشار إلى تسجيل فائض إيجابي في الميزان التجاري لفائدة تونس، خاصة في صادرات المواد الغذائية والمنتجات الميكانيكية والإلكترونية، فضلًا عن النجاح الذي حققه زيت الزيتون التونسي في السوق المالطية. وجميعها معطيات تؤكد أن العلاقات بين البلدين تمتلك قاعدة اقتصادية صلبة يمكن توسيعها بالتوازي مع المسارات الأكاديمية والعلمية.
الدبلوماسية الجامعية
في هذا الخصوص، يكشف المسار المتنامي للتعاون الجامعي بين تونس ومالطا عن تحول جوهري في طبيعة الشراكة بعد أن تجاوز مسار التعاون جملة الملفات الاقتصادية أو السياسية ليطال الاستثمار في المعرفة وفي البعد الأكاديمي الذي يعتبر اليوم رهان المرحلة.
ومن شأن الاستثمار في هذا المسار أن يمنح العلاقات التونسية المالطية بعدًا أكثر استدامة، لأن الجامعات والباحثين والطلبة من شأنهم أن ينتجوا روابط تستمر خارج الإطار الزمني للاتفاقيات واللقاءات الرسمية. كما أن تعزيز التعاون في التعليم العالي ينسجم مع حاجة البلدين إلى تطوير الكفاءات في القطاعات الجديدة وربط التكوين الجامعي بمتطلبات الاقتصاد والتحولات التكنولوجية.
وفي هذا السياق، فإن التحرك الدبلوماسي التونسي في مالطا لا يقف عند حدود متابعة الاتفاقيات، بل يتجه أيضًا إلى فتح قنوات مباشرة بين المؤسسات، بما يسمح بتحويل العلاقات السياسية القائمة إلى مشاريع تعاون عملية.
وفي هذا الخضم، يبدو التعليم العالي أمام فرصة ليكون أحد الملفات التي تمنح العلاقات التونسية المالطية دفعًا جديدًا، من خلال تثبيت التعاون القائم بين الجامعات، وتوسيع حركية الطلبة والأساتذة والباحثين، وتحويل مذكرات التفاهم إلى مشاريع فعلية. ومع اقتراب انعقاد الدورة الثانية عشرة للجنة المشتركة، تتاح أمام البلدين مناسبة واسعة لترجمة هذه الديناميكية إلى مسار مؤسساتي متكامل، يجعل من المعرفة والكفاءات والبحث العلمي ركائز إضافية لشراكة تونسية مالطية أكثر تنوعًا وارتباطًا بالمستقبل.
منال حرزي
تونس - الصباح
تتجه تونس ومالطا إلى دفع مسار التعاون في مجال التعليم العالي والبحث العلمي إلى مرحلة جديدة تتجاوز مجرد التبادل الأكاديمي لتشمل بناء شراكات مباشرة بين المؤسسات الجامعية وتطوير مشاريع مشتركة في التدريس والبحث العلمي، بما يؤسس لشراكة أكثر نجاعة تقوم على الاستثمار في المعرفة وتبادل الخبرات والمعارف وتعزيز الحركية الأكاديمية والعلمية بين البلدين، وتفتح أمام الطلبة والباحثين فرصًا للتكوين والتعاون والاستفادة من التجارب الجامعية المتاحة من الجانبين.
ويبرز هذا التوجه خلال اللقاء الذي جمع مؤخرًا سفير تونس بمالطا زهير بوراس بوفد عن الجامعة الأمريكية بمالطا (AUM)، والذي شكّل مناسبة لبحث آليات عملية لتطوير التعاون الجامعي بين البلدين.
وتكتسب هذه الخطوة أهميتها من كونها تستند إلى أرضية تعاون قائمة الذات، بالنظر إلى أنه سبق للجامعة الأمريكية بمالطا أن أبرمت مذكرة تفاهم مع جامعة تونس المنار منذ جويلية 2024، بما يؤشر إلى وجود إطار مؤسساتي يمكن البناء عليه وتحويله إلى برامج ومبادرات أكثر انتظامًا.
وفي هذا الإطار، يندرج الاتفاق على تنظيم زيارات عمل بين المؤسسات الجامعية وتطوير مشاريع مشتركة في مجالي البحث العلمي والتدريس باعتباره آلية عملية لتعميق مسار التعاون. فالزيارات الأكاديمية تتيح التعرف المباشر على التجارب والبرامج التعليمية، فيما يمكن للمشاريع المشتركة أن تفتح المجال أمام الباحثين والأساتذة والطلبة للعمل ضمن شبكات علمية عابرة للحدود. وهذا التوجه يعزز فرص تبادل الخبرات والاستفادة من الإمكانيات المتاحة لدى الجانبين.
الطلبة.. حلقة هامة في التعاون الجامعي
وضمن هذه المقاربة يحتل الطلبة التونسيون الذين يزاولون تعليمهم العالي في مالطا موقعًا لافتًا ضمن هذا المسار، وهو ما برز خلال لقاء السفير التونسي مع مسؤولي الجامعة الأمريكية بمالطا من خلال التأكيد على مواصلة الإحاطة بهم والعمل على استقطاب المزيد من الطلبة التونسيين الراغبين في مواصلة دراساتهم في هذه المؤسسة الجامعية.
ولا تقتصر أهمية هذا الجانب على توفير فرص إضافية للدراسة، وإنما تتعلق أيضًا ببناء جسور أكاديمية مستدامة بين البلدين. فتنقل الطلبة بين الجامعات يخلق - على المدى المتوسط - شبكة من الكفاءات التي تجمعها تجارب تعليمية مشتركة، ويمكن أن تتحول لاحقًا إلى رصيد مميز للعلاقات الثنائية في مجالات متعددة، خاصة مع تنامي اهتمام الطلبة التونسيين بمجالات استراتيجية على غرار الاتصال والتكنولوجيات الحديثة.
كما أن الإحاطة بالطلبة التونسيين في الخارج تمثل جزءًا من العمل الدبلوماسي الذي يتجاوز البعد القنصلي التقليدي، ليتجه نحو مواكبة الكفاءات التونسية وربطها بمؤسسات بلد الإقامة، بما يخدم مصالح الطلبة ويعزز في الوقت نفسه حضور تونس الأكاديمي. وفي هذا السياق يمكن للتعاون الجامعي أن يصبح أحد أبرز المسارات التي تستثمر فيها الدبلوماسية التونسية لتعزيز مجالات تعاونها مع مالطا.
من الاتفاقيات إلى المشاريع
وتبدو أهمية التعاون في البحث العلمي أكثر وضوحًا في المرحلة المقبلة، باعتبار أن تطوير شراكات بين الجامعات لا يعكسه فقط حجم الاتفاقيات الموقعة، وإنما جملة المشاريع العلمية وبرامج التكوين المبرمجة. وبالتالي من شأن تفعيل مذكرة التفاهم بين جامعة تونس المنار والجامعة الأمريكية بمالطا أن يوفر أرضية ملائمة لتحديد مجالات ذات أولوية للتعاون، وربط الباحثين والمؤسسات الجامعية ببرامج مشتركة أكثر استدامة.
كما أن تطوير العلاقات بين المؤسسات الجامعية يمكن أن يفتح المجال أمام مزيد من الحركية الأكاديمية، سواء عبر زيارات الأساتذة والباحثين أو تبادل الطلبة أو تنظيم لقاءات علمية مشتركة. وهو ما يمنح التعاون الجامعي بعدًا هامًا من شأنه أن يفضي إلى بناء فضاء واسع لتبادل المعرفة والخبرات في محيط متوسطي تتقاطع فيه تونس ومالطا جغرافيًا وتاريخيًا.
اللجنة المشتركة.. إطار لتوسيع التعاون
من جهة أخرى، جدير بالذكر أن هذا الحراك الجامعي يلتئم في سياق من الزخم اللافت الذي يشهده مسار العلاقات الثنائية منذ فترة، حيث أورد سفير تونس لدى مالطا في معرض تصريحاته الإعلامية خلال شهر ماي الماضي بأن تونس ومالطا تستعدان لعقد الدورة الثانية عشرة للجنة المشتركة، مشيرًا إلى أن أعمالها ستشمل عددًا من القطاعات الحيوية، من بينها النقل والصيد البحري والتبادل الاقتصادي، إلى جانب العمل المتواصل لتحيين الاتفاقيات الثنائية.
وتحمل اللجنة المشتركة أهمية خاصة باعتبارها إحدى الآليات المؤسساتية التي تسمح للبلدين بتقييم مستوى التعاون وتحديد مجالات جديدة للشراكة ومتابعة الاتفاقيات المبرمة. وإذا كان النقل والصيد البحري والتبادل الاقتصادي تمثل ملفات تقليدية في مجال التعاون التونسي المالطي، فإن إدراج التعليم العالي والبحث العلمي ضمن الديناميكية العامة للتعاون من شأنه أن يوسع قاعدة الشراكة لتشمل الاستثمار في المعرفة والكفاءات.
ويكتسب هذا التوجه بعدًا إضافيًا بالنظر إلى المؤشرات التي قدمها السفير حول تطور العلاقات الاقتصادية. فقد أشار إلى تسجيل فائض إيجابي في الميزان التجاري لفائدة تونس، خاصة في صادرات المواد الغذائية والمنتجات الميكانيكية والإلكترونية، فضلًا عن النجاح الذي حققه زيت الزيتون التونسي في السوق المالطية. وجميعها معطيات تؤكد أن العلاقات بين البلدين تمتلك قاعدة اقتصادية صلبة يمكن توسيعها بالتوازي مع المسارات الأكاديمية والعلمية.
الدبلوماسية الجامعية
في هذا الخصوص، يكشف المسار المتنامي للتعاون الجامعي بين تونس ومالطا عن تحول جوهري في طبيعة الشراكة بعد أن تجاوز مسار التعاون جملة الملفات الاقتصادية أو السياسية ليطال الاستثمار في المعرفة وفي البعد الأكاديمي الذي يعتبر اليوم رهان المرحلة.
ومن شأن الاستثمار في هذا المسار أن يمنح العلاقات التونسية المالطية بعدًا أكثر استدامة، لأن الجامعات والباحثين والطلبة من شأنهم أن ينتجوا روابط تستمر خارج الإطار الزمني للاتفاقيات واللقاءات الرسمية. كما أن تعزيز التعاون في التعليم العالي ينسجم مع حاجة البلدين إلى تطوير الكفاءات في القطاعات الجديدة وربط التكوين الجامعي بمتطلبات الاقتصاد والتحولات التكنولوجية.
وفي هذا السياق، فإن التحرك الدبلوماسي التونسي في مالطا لا يقف عند حدود متابعة الاتفاقيات، بل يتجه أيضًا إلى فتح قنوات مباشرة بين المؤسسات، بما يسمح بتحويل العلاقات السياسية القائمة إلى مشاريع تعاون عملية.
وفي هذا الخضم، يبدو التعليم العالي أمام فرصة ليكون أحد الملفات التي تمنح العلاقات التونسية المالطية دفعًا جديدًا، من خلال تثبيت التعاون القائم بين الجامعات، وتوسيع حركية الطلبة والأساتذة والباحثين، وتحويل مذكرات التفاهم إلى مشاريع فعلية. ومع اقتراب انعقاد الدورة الثانية عشرة للجنة المشتركة، تتاح أمام البلدين مناسبة واسعة لترجمة هذه الديناميكية إلى مسار مؤسساتي متكامل، يجعل من المعرفة والكفاءات والبحث العلمي ركائز إضافية لشراكة تونسية مالطية أكثر تنوعًا وارتباطًا بالمستقبل.