إشترك في النسخة الرقمية لجريدة الصباح و LE TEMPS

خارطة طريق لإصلاح التعليم.. من أجل ضمان عودة مدرسية ناجحة

 

تونس-الصباح

من إصلاح منظومة ستحدد مستقبل الأجيال القادمة، إلى معالجة النقائص المطروحة مع اقتراب انطلاق السنة الدراسية والجامعية، وصولا إلى مساعدة التلاميذ الذين تعترضهم صعوبات في التنقل، فضلا عن أهمية توفير وتأمين كل مستلزمات العودة، جمع الاجتماع الذي أشرف عليه رئيس الجمهورية قيس سعيّد، أمس، بقصر قرطاج، بعدد من أعضاء الحكومة، ملفات متشابكة وضعها رئيس الدولة في إطار رؤية واحدة عنوانها بناء تعليم وطني ديمقراطي دون تمييز.

وهي رؤية تؤكد أن نجاح هذا الرهان لا يمكن أن يكون مسؤولية قطاع واحد، وإنما هي مسؤولية مشتركة بين مختلف أجهزة الدولة، لأن الحق في التعليم لا يقتصر فقط على الالتحاق بمقاعد الدراسة في الآجال، وإنما يشمل أيضا توفير كل الظروف المناسبة التي تضمن للتلميذ والطالب تعليما مستقرا وآمنا وعادلا.

في هذا الخصوص، تؤكد طبيعة الملفات التي طُرحت والقطاعات التي تم التداول فيها أن الدولة، في أعلى هرمها، تعتبر الاستعدادات للسنة الدراسية الجديدة ملفا وطنيا متعدد الأبعاد، يتجاوز حدود المؤسسة التربوية ليشمل النقل والصحة والأمن والشؤون الاجتماعية وطبيعة الظروف اليومية للتلميذ والطالب، حيث وضع الاجتماع الذي أشرف عليه رئيس الدولة قيس سعيّد مسارين متوازيين أمام مختلف أجهزة الدولة: مسار أول يتعلق بالإصلاح العميق لمنظومة التربية والتعليم، ومسار ثانٍ يتعلق بالاستعداد الجيد لتأمين انطلاقة سنة دراسية وجامعية جديدة في أفضل الظروف، وتجاوز النقائص التي يمكن أن تكون حجر عثرة أمام حق التلاميذ والطلبة في تعليم جيد وآمن ومتاح للجميع.

 

انطلاق الإصلاح

من بين أبرز تصريحات رئيس الجمهورية قيس سعيّد خلال هذا الاجتماع، الذي ضمّ كلا من وزراء الداخلية والشؤون الاجتماعية والتربية والتعليم العالي والتشغيل والتكوين المهني، تأكيده أن عملية إصلاح التربية والتعليم قد انطلقت، وأنها ستستغرق من الوقت ما تقتضيه.

وهو تصريح يحمل في طياته إقرارا بأن إصلاح منظومة التعليم لا يُعتبر قرارا ظرفيا يمكن إنجازه في بضعة أشهر قليلة، أو أنه رهين اتخاذ جملة من الإجراءات والقرارات المعزولة التي يمكن أن تعالج بمفردها تراكمات عرفها القطاع على مدار سنوات خلت.

على أن اللافت هو تحذير رئيس الدولة قيس سعيّد من أن أي اختيار غير موفق في هذا المجال قد لا يمكن تداركه إلا بعد ما يناهز العقدين من الزمن. وهذه العبارة تختزل، في الواقع، أحد أهم أبعاد ملف إصلاح التعليم، على اعتبار أن الخطأ في هذا القطاع غير مسموح به، بما أن تداعياته تطال أجيالا كاملة، وقد تمتد إلى سوق الشغل وغيرها من المجالات الاستراتيجية.

ومن هنا، فإن تصريحات رئيس الجمهورية قيس سعيّد عن ضرورة عدم الوقوع في الخطأ تضع إصلاح التعليم في مستوى الرهانات الاستراتيجية للدولة. فالإصلاح الذي طال انتظاره يتجاوز مجرد مراجعة البرامج أو تغيير المناهج، ليطال رؤية متكاملة قوامها: أي مدرسة نريد؟ وأي طالب تريد الجامعة أن تفرزه؟ وأي كفاءات يحتاجها الاقتصاد الوطني؟

وبالتالي، فإن رئيس الدولة قيس سعيّد أراد التأكيد، عبر هذا الاجتماع، أن عملية الإصلاح تحتاج إلى الوقت الكافي والضروري، ولكن هذا لا يعني مطلقا التراخي أو التأجيل، وإنما التمعن في المسارات التي تضمن الاستمرارية والنجاعة.

 

سنة دراسية جديدة... والاستعدادات اللازمة

في انتظار استكمال مسار الإصلاح، أعاد رئيس الجمهورية قيس سعيّد توجيه الاهتمام نحو الاستحقاق الأكثر أهمية في المخيال الشعبي التونسي، وهي العودة المدرسية والجامعية.

فنجاح العودة لا يقتصر على فتح أبواب المؤسسات التربوية والجامعية في موعدها، وإنما يقتضي منظومة كاملة ومترابطة من الاستعدادات.

وفي هذا السياق، أشار رئيس الدولة قيس سعيّد إلى ضرورة تلافي النقائص ومزيد البذل والعطاء على مختلف الأصعدة، من فضاءات التدريس ومحيط المؤسسات إلى النقل والصحة وتأمين التلاميذ في محيط مؤسساتهم وفي الطريق إليها وعند مغادرتها.

فالعودة المدرسية ليست شأنا يخص وزارة التربية وحدها، كما أن العودة الجامعية ليست أيضا مسؤولية وزارة التعليم العالي بمفردها.

ولهذا، فإن حضور وزراء الداخلية والشؤون الاجتماعية والتربية والتعليم العالي والتشغيل والتكوين المهني في الاجتماع يعكس مقاربة تقوم على التنسيق بين مختلف مؤسسات الدولة. وهي مقاربة تكتسي أهمية خاصة، لأن معالجة كل قطاع بمعزل عن الآخر غالبا ما تترك فراغات يدفع التلميذ والطالب ثمنها.

 

طريق آمن.. حق لكل تلميذ

أحد أهم الأبعاد التي تضمنها اجتماع قرطاج هو تأمين التلاميذ والتنصيص على أهمية سلامتهم، سواء في محيط المؤسسات أو في الطريق إليها أو عند مغادرتها. وهي مسألة قد تبدو في ظاهرها أمنية، لكنها في العمق مرتبطة مباشرة بالحق في التعليم.

وتكتسي هذه المسألة أهمية بالغة في بعض المناطق التي تعرف صعوبات في النقل، أو في ابتعاد المؤسسات التربوية عن التجمعات السكنية، أو في وجود طرق تفتقر إلى شروط السلامة الكافية. كما أن محيط المؤسسات التربوية يحتاج بدوره إلى متابعة مستمرة، لأن توفير فضاء آمن يساعد على الحد من عدد من الظواهر التي قد تؤثر سلبا على سير الحياة المدرسية.

ومن خلال هذا الاجتماع، ربط رئيس الجمهورية قيس سعيّد بين مختلف مراحل تنقل التلميذ: من الطريق إلى المؤسسة، ومحيطها، وصولا إلى الطريق عند المغادرة. وهذه النظرة العامة تضع المسؤولية على عاتق مختلف الأطراف، وتؤكد أن تأمين التلميذ لا يمكن أن يقتصر على إجراءات وقتية أو موسمية.

فالمطلوب هو تنسيق فعلي بين الهياكل المعنية، بما يسمح بتحديد المناطق التي تعرف صعوبات خاصة، ومتابعة وضع النقل، وتكثيف الحضور في محيط المؤسسات عند الحاجة، ومعالجة الإشكاليات وتطويقها قبل أن تتحول إلى أزمات.

من جانب آخر، أكد رئيس الجمهورية قيس سعيّد، على هامش هذا الاجتماع الرفيع المستوى، ضرورة توفير المعدات المدرسية مجانا، فضلا عن الغذاء. ويكشف هذا التوجه عن بُعد اجتماعي واضح في التعامل مع السنة الدراسية الجديدة.

فالمدرسة الوطنية لا يمكن أن تحقق أهدافها كاملة إذا كانت الفوارق الاقتصادية والاجتماعية بين الأسر تنعكس بشكل مباشر على قدرة الأبناء على التعلم.

ومن هنا، فإن توفير المستلزمات المدرسية والغذاء يمثلان جزءا من سياسة واسعة لمقاومة أسباب الانقطاع والفشل الدراسي.

وهذا الطرح ينسجم مع مفهوم التعليم الوطني الذي يتبناه رئيس الدولة قيس سعيّد ويعمل على ترسيخه، أي تعليم متاح للجميع على قدم المساواة، بما يكرّس مبدأ العدالة الاجتماعية على أرض الواقع.

 

تعليم وطني ديمقراطي..

في حديثه عن مستقبل المنظومة، أكد رئيس الجمهورية قيس سعيّد أن تونس قادرة على مزيد الإشعاع بتعليم وطني ديمقراطي دون تمييز، يقضي على كل أشكال الأمية وكل ضروب الاستلاب.

وهذه الرؤية تمنح إصلاح التعليم بُعدا حضاريا وثقافيا. فالمدرسة ليست فضاء لاكتساب المعلومات، وإنما هي أيضا الفضاء الذي تتشكل فيه شخصية المواطن، وتنمو فيه القدرة على التفكير والنقد والفهم.

ومواجهة الأمية، ضمن هذه المقاربة، لا يمكن أن تقتصر على الأمية التقليدية المرتبطة بعدم القراءة والكتابة. فالعالم اليوم يطرح أشكالا جديدة من الأمية، من الأمية الرقمية إلى ضعف القدرة على التحقق من المعلومات وفهم التحولات العلمية والتكنولوجية.

ولذلك، فإن التعليم الوطني الديمقراطي يفترض، في جانب منه، تكوين مواطن قادر على التفكير المستقل، وعلى فهم واقعه، وعلى التعامل مع العالم دون أن يفقد انتماءه أو قدرته على التمييز.

في هذا الخضم، يمثل اجتماع قرطاج رسالة واضحة إلى مختلف أجهزة الدولة بشأن حجم المسؤولية الملقاة على عاتقها مع اقتراب العودة المدرسية والجامعية.

فوجود عدد من الوزراء المعنيين بالملف يعني أن معالجة النقائص لا يجب أن تبقى في إطار تبادل المسؤوليات بين الهياكل. فكل وزارة معنية بجانب من المسار، وكل مؤسسة مطالبة بالقيام بدورها، لأن النتيجة النهائية واحدة: ضمان سنة دراسية وجامعية تسير في أفضل الظروف الممكنة.

وهذا ينسجم مع التوجه الذي يؤكد عليه رئيس الجمهورية قيس سعيّد في عدد من الملفات، والقائم على ضرورة المتابعة وتحمل المسؤوليات وعدم السماح بتعطل الملفات بسبب الإجراءات أو غياب التنسيق.

فالتعليم اليوم يحتل صدارة الرهانات الوطنية.

ومن هذا المنطلق، تكتسب دعوة رئيس الجمهورية قيس سعيّد إلى تعليم وطني ديمقراطي دون تمييز أهمية، لأنها تربط بين الحق الفردي للتلميذ والمصلحة الوطنية العامة.

قد يكون الطريق أمام إصلاح التربية والتعليم ما يزال طويلا، كما أن حجم التحديات المتراكمة قد يفرض الكثير من العمل والدراسة والتنسيق، لكن وجود إرادة سياسية تضع هذا الملف في مستوى الأولويات يمكن أن يشكل نقطة انطلاق أساسية، خاصة عندما يقترن الحديث عن الإصلاح بالمتابعة المباشرة لظروف التلاميذ والطلبة، وبالحرص على ألا يتحول أي عائق اجتماعي أو جغرافي إلى سبب للانقطاع عن التعلم.

فالرهان في النهاية ليس فقط على إنجاح عودة مدرسية وجامعية، وإن كانت هذه الخطوة ضرورية، بل على إعادة بناء منظومة قادرة على منح كل تونسي فرصة حقيقية للتعلم والتقدم.

وتلك ربما تكون الرسالة الأبرز لاجتماع قرطاج الأخير، فإصلاح التعليم يظل مسارا طويلا، لكن حماية حق كل طفل في أن يتعلم يجب أن تنطلق من اللحظة، لأن بناء الأجيال لا يحتمل الخطأ ولا يقبل التأجيل.

منال حرزي

 

خارطة طريق لإصلاح التعليم.. من أجل ضمان عودة مدرسية ناجحة

 

تونس-الصباح

من إصلاح منظومة ستحدد مستقبل الأجيال القادمة، إلى معالجة النقائص المطروحة مع اقتراب انطلاق السنة الدراسية والجامعية، وصولا إلى مساعدة التلاميذ الذين تعترضهم صعوبات في التنقل، فضلا عن أهمية توفير وتأمين كل مستلزمات العودة، جمع الاجتماع الذي أشرف عليه رئيس الجمهورية قيس سعيّد، أمس، بقصر قرطاج، بعدد من أعضاء الحكومة، ملفات متشابكة وضعها رئيس الدولة في إطار رؤية واحدة عنوانها بناء تعليم وطني ديمقراطي دون تمييز.

وهي رؤية تؤكد أن نجاح هذا الرهان لا يمكن أن يكون مسؤولية قطاع واحد، وإنما هي مسؤولية مشتركة بين مختلف أجهزة الدولة، لأن الحق في التعليم لا يقتصر فقط على الالتحاق بمقاعد الدراسة في الآجال، وإنما يشمل أيضا توفير كل الظروف المناسبة التي تضمن للتلميذ والطالب تعليما مستقرا وآمنا وعادلا.

في هذا الخصوص، تؤكد طبيعة الملفات التي طُرحت والقطاعات التي تم التداول فيها أن الدولة، في أعلى هرمها، تعتبر الاستعدادات للسنة الدراسية الجديدة ملفا وطنيا متعدد الأبعاد، يتجاوز حدود المؤسسة التربوية ليشمل النقل والصحة والأمن والشؤون الاجتماعية وطبيعة الظروف اليومية للتلميذ والطالب، حيث وضع الاجتماع الذي أشرف عليه رئيس الدولة قيس سعيّد مسارين متوازيين أمام مختلف أجهزة الدولة: مسار أول يتعلق بالإصلاح العميق لمنظومة التربية والتعليم، ومسار ثانٍ يتعلق بالاستعداد الجيد لتأمين انطلاقة سنة دراسية وجامعية جديدة في أفضل الظروف، وتجاوز النقائص التي يمكن أن تكون حجر عثرة أمام حق التلاميذ والطلبة في تعليم جيد وآمن ومتاح للجميع.

 

انطلاق الإصلاح

من بين أبرز تصريحات رئيس الجمهورية قيس سعيّد خلال هذا الاجتماع، الذي ضمّ كلا من وزراء الداخلية والشؤون الاجتماعية والتربية والتعليم العالي والتشغيل والتكوين المهني، تأكيده أن عملية إصلاح التربية والتعليم قد انطلقت، وأنها ستستغرق من الوقت ما تقتضيه.

وهو تصريح يحمل في طياته إقرارا بأن إصلاح منظومة التعليم لا يُعتبر قرارا ظرفيا يمكن إنجازه في بضعة أشهر قليلة، أو أنه رهين اتخاذ جملة من الإجراءات والقرارات المعزولة التي يمكن أن تعالج بمفردها تراكمات عرفها القطاع على مدار سنوات خلت.

على أن اللافت هو تحذير رئيس الدولة قيس سعيّد من أن أي اختيار غير موفق في هذا المجال قد لا يمكن تداركه إلا بعد ما يناهز العقدين من الزمن. وهذه العبارة تختزل، في الواقع، أحد أهم أبعاد ملف إصلاح التعليم، على اعتبار أن الخطأ في هذا القطاع غير مسموح به، بما أن تداعياته تطال أجيالا كاملة، وقد تمتد إلى سوق الشغل وغيرها من المجالات الاستراتيجية.

ومن هنا، فإن تصريحات رئيس الجمهورية قيس سعيّد عن ضرورة عدم الوقوع في الخطأ تضع إصلاح التعليم في مستوى الرهانات الاستراتيجية للدولة. فالإصلاح الذي طال انتظاره يتجاوز مجرد مراجعة البرامج أو تغيير المناهج، ليطال رؤية متكاملة قوامها: أي مدرسة نريد؟ وأي طالب تريد الجامعة أن تفرزه؟ وأي كفاءات يحتاجها الاقتصاد الوطني؟

وبالتالي، فإن رئيس الدولة قيس سعيّد أراد التأكيد، عبر هذا الاجتماع، أن عملية الإصلاح تحتاج إلى الوقت الكافي والضروري، ولكن هذا لا يعني مطلقا التراخي أو التأجيل، وإنما التمعن في المسارات التي تضمن الاستمرارية والنجاعة.

 

سنة دراسية جديدة... والاستعدادات اللازمة

في انتظار استكمال مسار الإصلاح، أعاد رئيس الجمهورية قيس سعيّد توجيه الاهتمام نحو الاستحقاق الأكثر أهمية في المخيال الشعبي التونسي، وهي العودة المدرسية والجامعية.

فنجاح العودة لا يقتصر على فتح أبواب المؤسسات التربوية والجامعية في موعدها، وإنما يقتضي منظومة كاملة ومترابطة من الاستعدادات.

وفي هذا السياق، أشار رئيس الدولة قيس سعيّد إلى ضرورة تلافي النقائص ومزيد البذل والعطاء على مختلف الأصعدة، من فضاءات التدريس ومحيط المؤسسات إلى النقل والصحة وتأمين التلاميذ في محيط مؤسساتهم وفي الطريق إليها وعند مغادرتها.

فالعودة المدرسية ليست شأنا يخص وزارة التربية وحدها، كما أن العودة الجامعية ليست أيضا مسؤولية وزارة التعليم العالي بمفردها.

ولهذا، فإن حضور وزراء الداخلية والشؤون الاجتماعية والتربية والتعليم العالي والتشغيل والتكوين المهني في الاجتماع يعكس مقاربة تقوم على التنسيق بين مختلف مؤسسات الدولة. وهي مقاربة تكتسي أهمية خاصة، لأن معالجة كل قطاع بمعزل عن الآخر غالبا ما تترك فراغات يدفع التلميذ والطالب ثمنها.

 

طريق آمن.. حق لكل تلميذ

أحد أهم الأبعاد التي تضمنها اجتماع قرطاج هو تأمين التلاميذ والتنصيص على أهمية سلامتهم، سواء في محيط المؤسسات أو في الطريق إليها أو عند مغادرتها. وهي مسألة قد تبدو في ظاهرها أمنية، لكنها في العمق مرتبطة مباشرة بالحق في التعليم.

وتكتسي هذه المسألة أهمية بالغة في بعض المناطق التي تعرف صعوبات في النقل، أو في ابتعاد المؤسسات التربوية عن التجمعات السكنية، أو في وجود طرق تفتقر إلى شروط السلامة الكافية. كما أن محيط المؤسسات التربوية يحتاج بدوره إلى متابعة مستمرة، لأن توفير فضاء آمن يساعد على الحد من عدد من الظواهر التي قد تؤثر سلبا على سير الحياة المدرسية.

ومن خلال هذا الاجتماع، ربط رئيس الجمهورية قيس سعيّد بين مختلف مراحل تنقل التلميذ: من الطريق إلى المؤسسة، ومحيطها، وصولا إلى الطريق عند المغادرة. وهذه النظرة العامة تضع المسؤولية على عاتق مختلف الأطراف، وتؤكد أن تأمين التلميذ لا يمكن أن يقتصر على إجراءات وقتية أو موسمية.

فالمطلوب هو تنسيق فعلي بين الهياكل المعنية، بما يسمح بتحديد المناطق التي تعرف صعوبات خاصة، ومتابعة وضع النقل، وتكثيف الحضور في محيط المؤسسات عند الحاجة، ومعالجة الإشكاليات وتطويقها قبل أن تتحول إلى أزمات.

من جانب آخر، أكد رئيس الجمهورية قيس سعيّد، على هامش هذا الاجتماع الرفيع المستوى، ضرورة توفير المعدات المدرسية مجانا، فضلا عن الغذاء. ويكشف هذا التوجه عن بُعد اجتماعي واضح في التعامل مع السنة الدراسية الجديدة.

فالمدرسة الوطنية لا يمكن أن تحقق أهدافها كاملة إذا كانت الفوارق الاقتصادية والاجتماعية بين الأسر تنعكس بشكل مباشر على قدرة الأبناء على التعلم.

ومن هنا، فإن توفير المستلزمات المدرسية والغذاء يمثلان جزءا من سياسة واسعة لمقاومة أسباب الانقطاع والفشل الدراسي.

وهذا الطرح ينسجم مع مفهوم التعليم الوطني الذي يتبناه رئيس الدولة قيس سعيّد ويعمل على ترسيخه، أي تعليم متاح للجميع على قدم المساواة، بما يكرّس مبدأ العدالة الاجتماعية على أرض الواقع.

 

تعليم وطني ديمقراطي..

في حديثه عن مستقبل المنظومة، أكد رئيس الجمهورية قيس سعيّد أن تونس قادرة على مزيد الإشعاع بتعليم وطني ديمقراطي دون تمييز، يقضي على كل أشكال الأمية وكل ضروب الاستلاب.

وهذه الرؤية تمنح إصلاح التعليم بُعدا حضاريا وثقافيا. فالمدرسة ليست فضاء لاكتساب المعلومات، وإنما هي أيضا الفضاء الذي تتشكل فيه شخصية المواطن، وتنمو فيه القدرة على التفكير والنقد والفهم.

ومواجهة الأمية، ضمن هذه المقاربة، لا يمكن أن تقتصر على الأمية التقليدية المرتبطة بعدم القراءة والكتابة. فالعالم اليوم يطرح أشكالا جديدة من الأمية، من الأمية الرقمية إلى ضعف القدرة على التحقق من المعلومات وفهم التحولات العلمية والتكنولوجية.

ولذلك، فإن التعليم الوطني الديمقراطي يفترض، في جانب منه، تكوين مواطن قادر على التفكير المستقل، وعلى فهم واقعه، وعلى التعامل مع العالم دون أن يفقد انتماءه أو قدرته على التمييز.

في هذا الخضم، يمثل اجتماع قرطاج رسالة واضحة إلى مختلف أجهزة الدولة بشأن حجم المسؤولية الملقاة على عاتقها مع اقتراب العودة المدرسية والجامعية.

فوجود عدد من الوزراء المعنيين بالملف يعني أن معالجة النقائص لا يجب أن تبقى في إطار تبادل المسؤوليات بين الهياكل. فكل وزارة معنية بجانب من المسار، وكل مؤسسة مطالبة بالقيام بدورها، لأن النتيجة النهائية واحدة: ضمان سنة دراسية وجامعية تسير في أفضل الظروف الممكنة.

وهذا ينسجم مع التوجه الذي يؤكد عليه رئيس الجمهورية قيس سعيّد في عدد من الملفات، والقائم على ضرورة المتابعة وتحمل المسؤوليات وعدم السماح بتعطل الملفات بسبب الإجراءات أو غياب التنسيق.

فالتعليم اليوم يحتل صدارة الرهانات الوطنية.

ومن هذا المنطلق، تكتسب دعوة رئيس الجمهورية قيس سعيّد إلى تعليم وطني ديمقراطي دون تمييز أهمية، لأنها تربط بين الحق الفردي للتلميذ والمصلحة الوطنية العامة.

قد يكون الطريق أمام إصلاح التربية والتعليم ما يزال طويلا، كما أن حجم التحديات المتراكمة قد يفرض الكثير من العمل والدراسة والتنسيق، لكن وجود إرادة سياسية تضع هذا الملف في مستوى الأولويات يمكن أن يشكل نقطة انطلاق أساسية، خاصة عندما يقترن الحديث عن الإصلاح بالمتابعة المباشرة لظروف التلاميذ والطلبة، وبالحرص على ألا يتحول أي عائق اجتماعي أو جغرافي إلى سبب للانقطاع عن التعلم.

فالرهان في النهاية ليس فقط على إنجاح عودة مدرسية وجامعية، وإن كانت هذه الخطوة ضرورية، بل على إعادة بناء منظومة قادرة على منح كل تونسي فرصة حقيقية للتعلم والتقدم.

وتلك ربما تكون الرسالة الأبرز لاجتماع قرطاج الأخير، فإصلاح التعليم يظل مسارا طويلا، لكن حماية حق كل طفل في أن يتعلم يجب أن تنطلق من اللحظة، لأن بناء الأجيال لا يحتمل الخطأ ولا يقبل التأجيل.

منال حرزي