تواصل الأسماء التونسية تسجيل حضور لافت في عدد من المهرجانات العربية والدولية، سواء من خلال التتويج والجوائز أو عبر المشاركة في لجان التحكيم والبرامج الفكرية والنقدية، بما يعكس اتساع مساحة الحضور التونسي خارج الحدود في مجالي المسرح والسينما.
وفي هذا السياق، حمل اختتام الدورة الثالثة والثلاثين لمهرجان القاهرة الدولي للمسرح التجريبي، التي انتظمت من 1 إلى 8 سبتمبر الجاري، تتويجين تونسيين مهمين.
فقد تحصّل المخرج والممثل المسرحي التونسي الطاهر عيسى بن عربي على جائزة أفضل مخرج عن مسرحيته "لا موضة Show off »، فيما حاز الفنان أمير الدريدي، أحد أبطال العمل، جائزة أفضل ممثل مناصفة مع الروسي ألكيسيتيتكوف عن عرض "ليزا المسكينة". ولم يكن الحضور التونسي في القاهرة مقتصرا على منصة التتويج، إذ شارك المسرحي محمد منير العرقي، المدير السابق لأيام قرطاج المسرحية، ضمن لجنة تحكيم المسابقة الرسمية، في حين كان للفنان حمادي الوهايبي حضور ضمن البرنامج الثقافي للمهرجان من خلال مداخلة تناولت التحولات التي طرأت على مفهوم المتفرج أو المتلقي في المسرح التجريبي، مستندا إلى تجربتين إخراجيتين خاصتين بمسرحيتيه "جويف" التي أنجزها سنة 2018 و"عطيل وبعد" سنة 2024. ويكتسب التتويج التونسي في القاهرة دلالة إضافية بالنظر إلى خصوصية المهرجان الذي يراهن على التجريب بوصفه مساحة مفتوحة للبحث في الأشكال واللغات المسرحية، كما أن جائزة أفضل مخرج لم تكن الأولى التي تعود إلى تونس في هذا المهرجان، إذ سبق للمخرج التونسي معز العاشوري أن نال الجائزة نفسها خلال الدورة الثانية والثلاثين عن مسرحية "روضة العشاق"، وهو ما يجعل التتويج التونسي متواصلا من دورة إلى أخرى ويضع التجربة المسرحية التونسية في موقع متقدم ضمن المنافسة العربية والدولية.
وتقوم مسرحية "لا موضة Show off »، التي مثّلت تونس في هذه الدورة، على مقاربة نقدية لعالم الموضة وما يحيط به من عوامل وتداخلات، ولا سيما ما يتصل بمنطق الربح وصناعة الصورة وآليات تقديم الذات والبحث عن الظهور، لتتخذ من هذا العالم مدخلا إلى مساءلة منظومة أوسع تتقاطع فيها الاعتبارات الجمالية مع الاقتصادية والاجتماعية والإعلامية.
ويشارك في العمل أمير الدريدي ومريم ريزا وعبير الصميدي ومنار طنقور وشيماء فتحي الخميري وسارة الركباني وصندرو الماطري وصالح بلقون ويزن أبو مارسيل، في تجربة جماعية وجدت طريقها إلى منصة التتويج في واحد من أبرز المواعيد العربية المتخصصة في المسرح التجريبي.
وفي المقابل، آلت الجائزة الكبرى للدورة إلى العرض الروسي من روسيا البيضاء "زينيا + تانيا = حب"، الذي تحصل أيضا على جائزة أفضل ممثلة، التي عادت إلى بطلة العرض كاتسريناكريلوفا، فيما منحت لجنة التحكيم جائزة خاصة للعرض البريطاني "لعبة ليلية ».
وبين الجوائز والمشاركات النقدية والتحكيمية، تكشف المشاركة التونسية في القاهرة عن تعدد أدوار الفنان والمسرحي التونسي داخل التظاهرات الدولية، فلم يعد حضوره مرتبطا فقط بتقديم عرض والمنافسة على جائزة، وإنما يمتد، كما هو الحال في عدة دورات ومهرجانات اخرى، إلى لجان التحكيم والندوات الفكرية والنقاشات المتعلقة بتحولات الفن المسرحي ومفاهيمه، وهو حضور يضع التجربة التونسية داخل النقاشات التي تشغل المسرح العربي والعالمي اليوم، خاصة في ما يتعلق بعلاقة العرض بالمتلقي وبحث المسرح عن صيغ جديدة للتفاعل معه.
وإذا كان المسرح قد حمل هذه المرة الحضور التونسي إلى القاهرة، فإن السينما التونسية تستعد بدورها لحضور جديد في مهرجان السليمانية السينمائي الدولي، حيث يشارك المخرج التونسي محمود الجمني ضمن لجنة تحكيم الدورة السادسة للمهرجان التي تنتظم بإقليم كردستان العراق من 9 إلى 15 سبتمبر الجاري. وتأتي هذه المشاركة لتؤكد بدورها أن الحضور التونسي في المهرجانات لا يقتصر على التنافس بالأعمال السينمائية، بل يشمل أيضا المشاركة في تقييم التجارب واختيار الأعمال المتوجة، وهو موقع يعكس ما راكمه عدد من السينمائيين التونسيين من تجارب جعلتهم حاضرين في المشهد المهرجاني العربي.
ويعرف محمود الجمني خصوصا بتجربته في مجال الفيلم الوثائقي، التي من أبرز عناوينها ثلاثية "حنظل" سنة 2012 و"وردة بعبق الحياة" سنة 2015 و"نعم/لا" سنة 2020، كما سبق أن تحصل على جائزة لجنة التحكيم الخاصة ضمن الدورة الخامسة لمهرجان القدس السينمائي الدولي التي انتظمت من 29 نوفمبر إلى 6 ديسمبر 2020 عن فيلمه "لا/نعم ».
ولا تأتي مشاركته في لجنة تحكيم مهرجان السليمانية من فراغ، إذ سبق له أن شارك في لجان تحكيم عدد من المهرجانات العربية، من بينها رئاسته لجنة تحكيم مهرجان نواكشوط السينمائي في نسخته الثانية سنة 2024، فضلا عن إشرافه على إدارة المهرجان الدولي للفيلم العربي بقابس، الذي تأسس سنة 2015.
وبين القاهرة والسليمانية، تبدو الخريطة الحالية للحضور التونسي في المهرجانات العربية أكثر اتساعا من مجرد تسجيل أسماء في قوائم المشاركين، إذ يتعلق الأمر بمخرجين وممثلين ونقاد وفنانين يتوزعون بين المنافسة والتحكيم والمشاركة في الندوات وإدارة المهرجانات، بما يمنح التجربة التونسية قدرة أكبر على الحضور في دوائر صناعة القرار الثقافي والفني خارج البلاد. ولعل اللافت في هذا المسار أن المسرح والسينما يلتقيان في هذه المشاركات عند مسألة أساسية تتمثل في انتقال الفنان التونسي من موقع المشارك إلى موقع الفاعل في المهرجان، سواء عبر جائزة أو عضوية لجنة تحكيم أو مساهمة في نقاش فكري أو إدارة تظاهرة، وهي مواقع لا تمنح فقط اعترافا فرديا بأسماء وتجارب محددة، وإنما تفتح أيضا المجال أمام التعريف بالتجربة الفنية التونسية وبخصوصياتها وتنوعها. وبين تتويج الطاهر عيسى بن عربي وأمير الدريدي في القاهرة، ومشاركة محمد منير العرقي وحمادي الوهايبي في فعاليات المهرجان نفسه، ثم حضور محمود الجمني في لجنة تحكيم مهرجان السليمانية، تتأكد صورة مشهد فني تونسي لا يزال قادرا على إنتاج الأسماء والأعمال وعلى تصدير الخبرات، رغم ما يحيط بالقطاعين المسرحي والسينمائي من تحديات. كما أن تواصل التتويجات التونسية في مهرجان القاهرة، بعد جائزة معز العاشوري في الدورة الماضية، يطرح في المقابل مسؤولية الحفاظ على هذا الحضور وتحويله من نجاحات فردية ومتفرقة إلى مسار أكثر استمرارية، تكون فيه المشاركة الدولية جزءا من استراتيجية للتعريف بالإبداع التونسي ودعم انتشاره، لا مجرد محطات احتفالية عابرة.
إيمان عبد اللطيف
تونس – الصباح
تواصل الأسماء التونسية تسجيل حضور لافت في عدد من المهرجانات العربية والدولية، سواء من خلال التتويج والجوائز أو عبر المشاركة في لجان التحكيم والبرامج الفكرية والنقدية، بما يعكس اتساع مساحة الحضور التونسي خارج الحدود في مجالي المسرح والسينما.
وفي هذا السياق، حمل اختتام الدورة الثالثة والثلاثين لمهرجان القاهرة الدولي للمسرح التجريبي، التي انتظمت من 1 إلى 8 سبتمبر الجاري، تتويجين تونسيين مهمين.
فقد تحصّل المخرج والممثل المسرحي التونسي الطاهر عيسى بن عربي على جائزة أفضل مخرج عن مسرحيته "لا موضة Show off »، فيما حاز الفنان أمير الدريدي، أحد أبطال العمل، جائزة أفضل ممثل مناصفة مع الروسي ألكيسيتيتكوف عن عرض "ليزا المسكينة". ولم يكن الحضور التونسي في القاهرة مقتصرا على منصة التتويج، إذ شارك المسرحي محمد منير العرقي، المدير السابق لأيام قرطاج المسرحية، ضمن لجنة تحكيم المسابقة الرسمية، في حين كان للفنان حمادي الوهايبي حضور ضمن البرنامج الثقافي للمهرجان من خلال مداخلة تناولت التحولات التي طرأت على مفهوم المتفرج أو المتلقي في المسرح التجريبي، مستندا إلى تجربتين إخراجيتين خاصتين بمسرحيتيه "جويف" التي أنجزها سنة 2018 و"عطيل وبعد" سنة 2024. ويكتسب التتويج التونسي في القاهرة دلالة إضافية بالنظر إلى خصوصية المهرجان الذي يراهن على التجريب بوصفه مساحة مفتوحة للبحث في الأشكال واللغات المسرحية، كما أن جائزة أفضل مخرج لم تكن الأولى التي تعود إلى تونس في هذا المهرجان، إذ سبق للمخرج التونسي معز العاشوري أن نال الجائزة نفسها خلال الدورة الثانية والثلاثين عن مسرحية "روضة العشاق"، وهو ما يجعل التتويج التونسي متواصلا من دورة إلى أخرى ويضع التجربة المسرحية التونسية في موقع متقدم ضمن المنافسة العربية والدولية.
وتقوم مسرحية "لا موضة Show off »، التي مثّلت تونس في هذه الدورة، على مقاربة نقدية لعالم الموضة وما يحيط به من عوامل وتداخلات، ولا سيما ما يتصل بمنطق الربح وصناعة الصورة وآليات تقديم الذات والبحث عن الظهور، لتتخذ من هذا العالم مدخلا إلى مساءلة منظومة أوسع تتقاطع فيها الاعتبارات الجمالية مع الاقتصادية والاجتماعية والإعلامية.
ويشارك في العمل أمير الدريدي ومريم ريزا وعبير الصميدي ومنار طنقور وشيماء فتحي الخميري وسارة الركباني وصندرو الماطري وصالح بلقون ويزن أبو مارسيل، في تجربة جماعية وجدت طريقها إلى منصة التتويج في واحد من أبرز المواعيد العربية المتخصصة في المسرح التجريبي.
وفي المقابل، آلت الجائزة الكبرى للدورة إلى العرض الروسي من روسيا البيضاء "زينيا + تانيا = حب"، الذي تحصل أيضا على جائزة أفضل ممثلة، التي عادت إلى بطلة العرض كاتسريناكريلوفا، فيما منحت لجنة التحكيم جائزة خاصة للعرض البريطاني "لعبة ليلية ».
وبين الجوائز والمشاركات النقدية والتحكيمية، تكشف المشاركة التونسية في القاهرة عن تعدد أدوار الفنان والمسرحي التونسي داخل التظاهرات الدولية، فلم يعد حضوره مرتبطا فقط بتقديم عرض والمنافسة على جائزة، وإنما يمتد، كما هو الحال في عدة دورات ومهرجانات اخرى، إلى لجان التحكيم والندوات الفكرية والنقاشات المتعلقة بتحولات الفن المسرحي ومفاهيمه، وهو حضور يضع التجربة التونسية داخل النقاشات التي تشغل المسرح العربي والعالمي اليوم، خاصة في ما يتعلق بعلاقة العرض بالمتلقي وبحث المسرح عن صيغ جديدة للتفاعل معه.
وإذا كان المسرح قد حمل هذه المرة الحضور التونسي إلى القاهرة، فإن السينما التونسية تستعد بدورها لحضور جديد في مهرجان السليمانية السينمائي الدولي، حيث يشارك المخرج التونسي محمود الجمني ضمن لجنة تحكيم الدورة السادسة للمهرجان التي تنتظم بإقليم كردستان العراق من 9 إلى 15 سبتمبر الجاري. وتأتي هذه المشاركة لتؤكد بدورها أن الحضور التونسي في المهرجانات لا يقتصر على التنافس بالأعمال السينمائية، بل يشمل أيضا المشاركة في تقييم التجارب واختيار الأعمال المتوجة، وهو موقع يعكس ما راكمه عدد من السينمائيين التونسيين من تجارب جعلتهم حاضرين في المشهد المهرجاني العربي.
ويعرف محمود الجمني خصوصا بتجربته في مجال الفيلم الوثائقي، التي من أبرز عناوينها ثلاثية "حنظل" سنة 2012 و"وردة بعبق الحياة" سنة 2015 و"نعم/لا" سنة 2020، كما سبق أن تحصل على جائزة لجنة التحكيم الخاصة ضمن الدورة الخامسة لمهرجان القدس السينمائي الدولي التي انتظمت من 29 نوفمبر إلى 6 ديسمبر 2020 عن فيلمه "لا/نعم ».
ولا تأتي مشاركته في لجنة تحكيم مهرجان السليمانية من فراغ، إذ سبق له أن شارك في لجان تحكيم عدد من المهرجانات العربية، من بينها رئاسته لجنة تحكيم مهرجان نواكشوط السينمائي في نسخته الثانية سنة 2024، فضلا عن إشرافه على إدارة المهرجان الدولي للفيلم العربي بقابس، الذي تأسس سنة 2015.
وبين القاهرة والسليمانية، تبدو الخريطة الحالية للحضور التونسي في المهرجانات العربية أكثر اتساعا من مجرد تسجيل أسماء في قوائم المشاركين، إذ يتعلق الأمر بمخرجين وممثلين ونقاد وفنانين يتوزعون بين المنافسة والتحكيم والمشاركة في الندوات وإدارة المهرجانات، بما يمنح التجربة التونسية قدرة أكبر على الحضور في دوائر صناعة القرار الثقافي والفني خارج البلاد. ولعل اللافت في هذا المسار أن المسرح والسينما يلتقيان في هذه المشاركات عند مسألة أساسية تتمثل في انتقال الفنان التونسي من موقع المشارك إلى موقع الفاعل في المهرجان، سواء عبر جائزة أو عضوية لجنة تحكيم أو مساهمة في نقاش فكري أو إدارة تظاهرة، وهي مواقع لا تمنح فقط اعترافا فرديا بأسماء وتجارب محددة، وإنما تفتح أيضا المجال أمام التعريف بالتجربة الفنية التونسية وبخصوصياتها وتنوعها. وبين تتويج الطاهر عيسى بن عربي وأمير الدريدي في القاهرة، ومشاركة محمد منير العرقي وحمادي الوهايبي في فعاليات المهرجان نفسه، ثم حضور محمود الجمني في لجنة تحكيم مهرجان السليمانية، تتأكد صورة مشهد فني تونسي لا يزال قادرا على إنتاج الأسماء والأعمال وعلى تصدير الخبرات، رغم ما يحيط بالقطاعين المسرحي والسينمائي من تحديات. كما أن تواصل التتويجات التونسية في مهرجان القاهرة، بعد جائزة معز العاشوري في الدورة الماضية، يطرح في المقابل مسؤولية الحفاظ على هذا الحضور وتحويله من نجاحات فردية ومتفرقة إلى مسار أكثر استمرارية، تكون فيه المشاركة الدولية جزءا من استراتيجية للتعريف بالإبداع التونسي ودعم انتشاره، لا مجرد محطات احتفالية عابرة.