الارتقاء بالمؤسسات التربوية يمرّ عبر الصيانة الاستباقية والاستثمار في البنية التحتية
تونس-الصباح
تمثل المؤسسات التربوية أحد أهم مكونات المرفق العمومي، باعتبارها الفضاء الذي يقضي فيه التلميذ والإطار التربوي جزءًا كبيرًا من يومهما، وهو ما يجعل جودة الفضاء المدرسي عاملًا أساسيًا في توفير ظروف ملائمة للتعلم والعمل.
ولا يرتبط تحسين وضع المؤسسات التربوية ببناء مؤسسات جديدة فحسب، بل يشمل أيضًا صيانة المؤسسات القائمة وتأهيلها وتجديد تجهيزاتها وتوفير فضاءات آمنة وصحية وجاذبة.
وفي هذا الإطار، يبرز موضوع تهيئة وصيانة المؤسسات التربوية كأحد الملفات التي تتطلب رؤية واضحة وبرامج متواصلة، خاصة في ظل تفاوت وضعية المؤسسات بين الجهات واختلاف حاجياتها من مؤسسة إلى أخرى.
كما يطرح هذا الملف مسألة التمويل والاستثمار في البنية التحتية للتربية، إلى جانب دور مجلس نواب الشعب في التشريع والرقابة ومتابعة تنفيذ المشاريع.
وفي هذا السياق، تحدثت "الصباح" إلى عضو لجنة التربية والتكوين المهني والبحث العلمي والشباب والرياضة بمجلس نواب الشعب، كمال فراح، حول أبرز الخطوات الكفيلة بتحسين الفضاء المدرسي، وسبل تعزيز الاستثمار في المؤسسات التربوية، فضلًا عن الدور الذي يمكن أن يضطلع به المجلس في دعم برامج الدولة في هذا المجال.
وفي ما يلي نص الحوار:
*ما هي أبرز الخطوات التي ترون أنها ستساهم في تحسين تهيئة وصيانة المؤسسات التربوية والارتقاء بجودة الفضاء المدرسي؟
يتجاوز عدد المؤسسات التربوية في تونس 6 آلاف مؤسسة بين ابتدائي وإعدادي وثانوي، نصفها تقريبًا في حاجة إلى التدخل بدرجات متفاوتة. ولا يقتصر تحسين الفضاء المدرسي على بناء مدارس جديدة فقط، بل يقتضي الانتقال من منطق التدخل عند حصول الأعطاب إلى سياسة استباقية للصيانة والتأهيل.
ومن أبرز الخطوات التي يجب اعتمادها:
أولا، إعداد جرد لكل المؤسسات التربوية، ثم ترتيبها حسب درجة التهالك والحاجة إلى التدخل، مع تحديد الأولويات بكل جهة.
ثانيا، وضع برنامج وطني على مراحل لصيانة المؤسسات التربوية، بدل الاقتصار على تدخلات ظرفية مرتبطة ببداية السنة الدراسية.
ثالثا، تخصيص اعتمادات قارة للصيانة الدورية، تشمل الكهرباء والمياه والصرف الصحي والأسقف والنوافذ ودورات المياه والملاعب والمطاعم المدرسية.
ونجاح هذه الخطوات يحتم اعتماد منظومة رقمية لمتابعة صيانة المؤسسات التربوية، تمكّن الإدارة المركزية والجهوية من معرفة وضعية كل مؤسسة وبرنامج التدخل فيها.
كما يجب إدماج معايير النجاعة الطاقية والطاقات المتجددة عند بناء المؤسسات الجديدة أو إعادة تهيئتها، بما يقلص كلفة الطاقة على المدى البعيد.
ولا ينبغي توزيع الاعتمادات بالتساوي بين الجهات، وإنما وفق مؤشرات موضوعية كعدد التلاميذ ونسبة الاكتظاظ وحالة المباني والنمو الديمغرافي والفوارق الجهوية ونقص التجهيزات.
والغاية الأساسية هي أن تصبح المؤسسة التربوية فضاءً آمنًا ونظيفًا وصحيًا وجاذبًا للتلميذ ومحفزًا على التعلم.
*كيف يمكن تعزيز الاستثمار في المؤسسات التربوية بما يضمن توفير ظروف أفضل للتلاميذ والإطار التربوي؟
الاستثمار في التربية هو في الحقيقة استثمار في رأس المال البشري وفي مستقبل البلاد.
وبلغت ميزانية مهمة التربية في قانون المالية لسنة 2026، 8،7 مليار دينار، أي ما يمثل 13،6 % من ميزانية الدولة، لكن 87،6 % منها موجهة لنفقات التأجير، وهو ما يحد من التدخلات في مستوى الصيانة والتعصير.
لذلك لا بد من تدعيم وتعزيز الاستثمار في البنية التحتية من خلال الرفع التدريجي من الاستثمار العمومي... وتنويع مصادر التمويل، وهو ما يمكن الدولة من الاستفادة، ضمن إطار قانوني واضح وشفاف، من برامج التعاون الدولي، ومن الهبات والمساعدات، ومن المؤسسات الاقتصادية في إطار المسؤولية المجتمعية، ومن الشراكة بين القطاعين العام والخاص في بعض المشاريع، مع المحافظة على مبدأ مجانية التعليم العمومي وعدم المساس بدور الدولة.
*أمام حجم الحاجيات المتعلقة بالبنية التحتية والصيانة، هل يمكن أن يساعد تنويع مصادر التمويل في تسريع نسق التدخل في المؤسسات التربوية؟
تنويع مصادر التمويل يمكن أن يمثل أحد العناصر المهمة لدعم الاستثمار في المؤسسات التربوية، خاصة في ظل حجم الحاجيات وتعدد التدخلات المطلوبة. لكن ذلك يجب أن يتم ضمن إطار قانوني واضح وشفاف، مع المحافظة على مبدأ مجانية التعليم العمومي وعدم المساس بدور الدولة.
كما أن الاستثمار في التربية لا يجب أن يُنظر إليه باعتباره مجرد نفقات، بل هو استثمار في رأس المال البشري وفي مستقبل البلاد، وهو ما يفرض البحث عن آليات تمكن من توجيه موارد أكبر نحو البنية التحتية والصيانة.
*أي دور يمكن أن يضطلع به مجلس نواب الشعب في دعم برامج الدولة لتطوير وتهيئة المؤسسات التربوية؟
يمكن لمجلس نواب الشعب أن يضطلع بدور محوري، ليس فقط من خلال المصادقة على الميزانية، وإنما عبر التشريع والرقابة والتقييم واقتراح السياسات العمومية.
وبالنسبة إلى الدور التشريعي، يمكن للمجلس مراجعة التشريعات المتعلقة بالبنية التحتية وتبسيط الإجراءات الخاصة بإنجاز المشاريع، وتطوير الإطار القانوني للشراكة مع القطاع الخاص والمجتمع المدني في دعم المؤسسات التربوية، مع ضمان الشفافية وإقرار حوافز للمؤسسات الاقتصادية التي تساهم في تمويل مشاريع تربوية وفق قواعد واضحة.
أما الدور الرقابي، فيتمثل في متابعة اللجان ذات الاختصاص، كلجنة التربية ولجنة المالية، لجميع مراحل إنجاز مشاريع البنية التحتية في المؤسسات التربوية، من البرمجة إلى التنفيذ، وأسباب التعطيل، إلى احترام المواصفات.
ويمكن لهذا الدور الرقابي أن يساهم في متابعة مدى تقدم المشاريع، والوقوف على الصعوبات التي يمكن أن تعترض إنجازها، بما يساعد على تحسين نسق تنفيذ البرامج الموجهة للمؤسسات التربوية.
كما أن تقييم السياسات العمومية يبقى من الأدوار المهمة التي يمكن أن يضطلع بها المجلس، بما يسمح بالنظر في مدى تحقيق البرامج لأهدافها، ومدى استجابتها للحاجيات الفعلية للمؤسسات التربوية والتلاميذ والإطار التربوي.
وعمومًا، فإن تطوير المؤسسات التربوية وتهيئتها لا يرتبط فقط بتوفير الاعتمادات، وإنما يتطلب أيضًا حسن البرمجة، وتحديد الأولويات، والمتابعة، والرقابة، واعتماد رؤية استباقية للصيانة والتأهيل، حتى تصبح المؤسسة التربوية فضاءً آمنًا ومحفزًا على التعليم.
من جهتها، عبّرت الوفود العربية المشاركة في الاجتماع عن تقديرها لتونس وإشادتها بالدور الذي تضطلع به في دعم العمل العربي المشترك، مجددة ثقتها في رئاستها لمجلس الجامعة على المستوى الوزاري، وتطلعها إلى أن تسهم هذه الرئاسة في دفع مسارات الحوار والتشاور وتقريب وجهات النظر وتعزيز وحدة الصف العربي.
وعلى هامش أشغال الدورة، أجرى الوزير لقاءات مع عدد من نظرائه العرب، تناولت مسيرة العلاقات الثنائية، وسبل تطوير التعاون وآلياته، فضلاً عن الاستعداد للاستحقاقات القادمة..
حاورته: أميرة الدريدي
الارتقاء بالمؤسسات التربوية يمرّ عبر الصيانة الاستباقية والاستثمار في البنية التحتية
تونس-الصباح
تمثل المؤسسات التربوية أحد أهم مكونات المرفق العمومي، باعتبارها الفضاء الذي يقضي فيه التلميذ والإطار التربوي جزءًا كبيرًا من يومهما، وهو ما يجعل جودة الفضاء المدرسي عاملًا أساسيًا في توفير ظروف ملائمة للتعلم والعمل.
ولا يرتبط تحسين وضع المؤسسات التربوية ببناء مؤسسات جديدة فحسب، بل يشمل أيضًا صيانة المؤسسات القائمة وتأهيلها وتجديد تجهيزاتها وتوفير فضاءات آمنة وصحية وجاذبة.
وفي هذا الإطار، يبرز موضوع تهيئة وصيانة المؤسسات التربوية كأحد الملفات التي تتطلب رؤية واضحة وبرامج متواصلة، خاصة في ظل تفاوت وضعية المؤسسات بين الجهات واختلاف حاجياتها من مؤسسة إلى أخرى.
كما يطرح هذا الملف مسألة التمويل والاستثمار في البنية التحتية للتربية، إلى جانب دور مجلس نواب الشعب في التشريع والرقابة ومتابعة تنفيذ المشاريع.
وفي هذا السياق، تحدثت "الصباح" إلى عضو لجنة التربية والتكوين المهني والبحث العلمي والشباب والرياضة بمجلس نواب الشعب، كمال فراح، حول أبرز الخطوات الكفيلة بتحسين الفضاء المدرسي، وسبل تعزيز الاستثمار في المؤسسات التربوية، فضلًا عن الدور الذي يمكن أن يضطلع به المجلس في دعم برامج الدولة في هذا المجال.
وفي ما يلي نص الحوار:
*ما هي أبرز الخطوات التي ترون أنها ستساهم في تحسين تهيئة وصيانة المؤسسات التربوية والارتقاء بجودة الفضاء المدرسي؟
يتجاوز عدد المؤسسات التربوية في تونس 6 آلاف مؤسسة بين ابتدائي وإعدادي وثانوي، نصفها تقريبًا في حاجة إلى التدخل بدرجات متفاوتة. ولا يقتصر تحسين الفضاء المدرسي على بناء مدارس جديدة فقط، بل يقتضي الانتقال من منطق التدخل عند حصول الأعطاب إلى سياسة استباقية للصيانة والتأهيل.
ومن أبرز الخطوات التي يجب اعتمادها:
أولا، إعداد جرد لكل المؤسسات التربوية، ثم ترتيبها حسب درجة التهالك والحاجة إلى التدخل، مع تحديد الأولويات بكل جهة.
ثانيا، وضع برنامج وطني على مراحل لصيانة المؤسسات التربوية، بدل الاقتصار على تدخلات ظرفية مرتبطة ببداية السنة الدراسية.
ثالثا، تخصيص اعتمادات قارة للصيانة الدورية، تشمل الكهرباء والمياه والصرف الصحي والأسقف والنوافذ ودورات المياه والملاعب والمطاعم المدرسية.
ونجاح هذه الخطوات يحتم اعتماد منظومة رقمية لمتابعة صيانة المؤسسات التربوية، تمكّن الإدارة المركزية والجهوية من معرفة وضعية كل مؤسسة وبرنامج التدخل فيها.
كما يجب إدماج معايير النجاعة الطاقية والطاقات المتجددة عند بناء المؤسسات الجديدة أو إعادة تهيئتها، بما يقلص كلفة الطاقة على المدى البعيد.
ولا ينبغي توزيع الاعتمادات بالتساوي بين الجهات، وإنما وفق مؤشرات موضوعية كعدد التلاميذ ونسبة الاكتظاظ وحالة المباني والنمو الديمغرافي والفوارق الجهوية ونقص التجهيزات.
والغاية الأساسية هي أن تصبح المؤسسة التربوية فضاءً آمنًا ونظيفًا وصحيًا وجاذبًا للتلميذ ومحفزًا على التعلم.
*كيف يمكن تعزيز الاستثمار في المؤسسات التربوية بما يضمن توفير ظروف أفضل للتلاميذ والإطار التربوي؟
الاستثمار في التربية هو في الحقيقة استثمار في رأس المال البشري وفي مستقبل البلاد.
وبلغت ميزانية مهمة التربية في قانون المالية لسنة 2026، 8،7 مليار دينار، أي ما يمثل 13،6 % من ميزانية الدولة، لكن 87،6 % منها موجهة لنفقات التأجير، وهو ما يحد من التدخلات في مستوى الصيانة والتعصير.
لذلك لا بد من تدعيم وتعزيز الاستثمار في البنية التحتية من خلال الرفع التدريجي من الاستثمار العمومي... وتنويع مصادر التمويل، وهو ما يمكن الدولة من الاستفادة، ضمن إطار قانوني واضح وشفاف، من برامج التعاون الدولي، ومن الهبات والمساعدات، ومن المؤسسات الاقتصادية في إطار المسؤولية المجتمعية، ومن الشراكة بين القطاعين العام والخاص في بعض المشاريع، مع المحافظة على مبدأ مجانية التعليم العمومي وعدم المساس بدور الدولة.
*أمام حجم الحاجيات المتعلقة بالبنية التحتية والصيانة، هل يمكن أن يساعد تنويع مصادر التمويل في تسريع نسق التدخل في المؤسسات التربوية؟
تنويع مصادر التمويل يمكن أن يمثل أحد العناصر المهمة لدعم الاستثمار في المؤسسات التربوية، خاصة في ظل حجم الحاجيات وتعدد التدخلات المطلوبة. لكن ذلك يجب أن يتم ضمن إطار قانوني واضح وشفاف، مع المحافظة على مبدأ مجانية التعليم العمومي وعدم المساس بدور الدولة.
كما أن الاستثمار في التربية لا يجب أن يُنظر إليه باعتباره مجرد نفقات، بل هو استثمار في رأس المال البشري وفي مستقبل البلاد، وهو ما يفرض البحث عن آليات تمكن من توجيه موارد أكبر نحو البنية التحتية والصيانة.
*أي دور يمكن أن يضطلع به مجلس نواب الشعب في دعم برامج الدولة لتطوير وتهيئة المؤسسات التربوية؟
يمكن لمجلس نواب الشعب أن يضطلع بدور محوري، ليس فقط من خلال المصادقة على الميزانية، وإنما عبر التشريع والرقابة والتقييم واقتراح السياسات العمومية.
وبالنسبة إلى الدور التشريعي، يمكن للمجلس مراجعة التشريعات المتعلقة بالبنية التحتية وتبسيط الإجراءات الخاصة بإنجاز المشاريع، وتطوير الإطار القانوني للشراكة مع القطاع الخاص والمجتمع المدني في دعم المؤسسات التربوية، مع ضمان الشفافية وإقرار حوافز للمؤسسات الاقتصادية التي تساهم في تمويل مشاريع تربوية وفق قواعد واضحة.
أما الدور الرقابي، فيتمثل في متابعة اللجان ذات الاختصاص، كلجنة التربية ولجنة المالية، لجميع مراحل إنجاز مشاريع البنية التحتية في المؤسسات التربوية، من البرمجة إلى التنفيذ، وأسباب التعطيل، إلى احترام المواصفات.
ويمكن لهذا الدور الرقابي أن يساهم في متابعة مدى تقدم المشاريع، والوقوف على الصعوبات التي يمكن أن تعترض إنجازها، بما يساعد على تحسين نسق تنفيذ البرامج الموجهة للمؤسسات التربوية.
كما أن تقييم السياسات العمومية يبقى من الأدوار المهمة التي يمكن أن يضطلع بها المجلس، بما يسمح بالنظر في مدى تحقيق البرامج لأهدافها، ومدى استجابتها للحاجيات الفعلية للمؤسسات التربوية والتلاميذ والإطار التربوي.
وعمومًا، فإن تطوير المؤسسات التربوية وتهيئتها لا يرتبط فقط بتوفير الاعتمادات، وإنما يتطلب أيضًا حسن البرمجة، وتحديد الأولويات، والمتابعة، والرقابة، واعتماد رؤية استباقية للصيانة والتأهيل، حتى تصبح المؤسسة التربوية فضاءً آمنًا ومحفزًا على التعليم.
من جهتها، عبّرت الوفود العربية المشاركة في الاجتماع عن تقديرها لتونس وإشادتها بالدور الذي تضطلع به في دعم العمل العربي المشترك، مجددة ثقتها في رئاستها لمجلس الجامعة على المستوى الوزاري، وتطلعها إلى أن تسهم هذه الرئاسة في دفع مسارات الحوار والتشاور وتقريب وجهات النظر وتعزيز وحدة الصف العربي.
وعلى هامش أشغال الدورة، أجرى الوزير لقاءات مع عدد من نظرائه العرب، تناولت مسيرة العلاقات الثنائية، وسبل تطوير التعاون وآلياته، فضلاً عن الاستعداد للاستحقاقات القادمة..