المشاركة كضيف شرف في معارض الكتاب هي أيضا محاولة لجعل الكتاب قابلا للعبور إلى قارئ جديد
الرهان كذلك تقديم ثقافة حية ومتجددة، ومنفتحة على الآخر
تونس - الصباح
تستعد تونس لتسجيل حضور جديد في المشهد الثقافي الدولي، من خلال حلولها ضيف شرف على الدورة التاسعة والستين لمعرض بلغراد الدولي للكتاب الذي ينتظم من 23 إلى 31 أكتوبر المقبل بجمهورية صربيا، وهي مشاركة تضع الكتاب والثقافة التونسية في واجهة تظاهرة دولية كبرى، وتفتح في الوقت نفسه بابا للنظر فيما يمكن أن تنتجه هذه الاستضافة خارج حدود المعرض وأيامه. وفي هذا السياق، أشرفت وزيرة الشؤون الثقافية أمينة الصرارفي يوم الثلاثاء غرة سبتمبر 2026 على اجتماع خصص لمتابعة الاستعدادات للمشاركة التونسية، بحضور ممثلات وممثلي مختلف الإدارات والهياكل المعنية، حيث تم تقديم البرنامج الثقافي الذي أعدته الوزارة ومناقشة فقراته، إلى جانب التطرق إلى مختلف الجوانب المتعلقة بجناح تونس.
إيمان عبد اللطيف
ووفق البلاغ الصادر عن الوزارة، يتضمن البرنامج ندوات ومحاضرات ولقاءات فكرية وأدبية وورشات، إلى جانب فقرات تهدف إلى التعريف بالمشهد الثقافي التونسي وإبراز ثراء التجربة الإبداعية الوطنية وتنوعها، فيما سيكون الجناح التونسي فضاء للتعريف بالكتاب والإبداع التونسي والترويج للثقافة الوطنية، وقد تم خلال الاجتماع تقديم فيديو يتضمن التصور المقترح لتصميمه وديكوره بما يعكس خصوصية تونس وهويتها الثقافية والحضارية ويتيح للزائر اكتشاف جوانب من الذاكرة والإبداع التونسي.
وتأتي هذه الاستعدادات بعد تسلم تونس في ختام الدورة الثامنة والستين للمعرض في 2 نوفمبر 2025 رمز "الكتاب المفتوح"، في تقليد يرمز إلى انتقال صفة ضيف الشرف، لتكون مشاركة أكتوبر المقبل الخامسة في سجل مشاركات تونس بهذه الصفة في معارض دولية كبرى، بعد القاهرة سنة 2012، وجينيف سنة 2016 وعمان سنة 2019، والرياض سنة 2022. وهذا التراكم تحديدا يجعل من بلغراد أكثر من محطة جديدة في رزنامة المشاركات الخارجية، إذ يتيح النظر في التجربة من زاوية أخرى: ماذا يعني أن تكون تونس ضيف شرف للمرة الخامسة منذ سنة 2011؟ والأهم، كيف يمكن أن تستفيد من هذه الصفة بحيث لا تبقى قيمتها محصورة في الحضور الرسمي والجناح والفعاليات المصاحبة؟
فصفة ضيف الشرف تمنح البلد مساحة أكبر للتعريف بثقافته، لكنها في المقابل ترفع سقف الانتظارات منه، لأن المشاركة لا تعود مجرد فرصة لعرض عدد من الإصدارات أو تنظيم لقاءات ثقافية، وإنما تصبح مناسبة لتقديم صورة متكاملة عن المشهد الثقافي، وبناء علاقات يمكن أن تستمر بعد مغادرة المعرض.
ولعل العودة إلى التجارب السابقة تساعد على فهم حجم هذه الفرصة. ففي معرض القاهرة الدولي للكتاب سنة 2012، ارتبطت المشاركة بمسار تعاون في مجال النشر والطبع والتوزيع، بما وفر للكتاب التونسي إمكانات أكبر للوصول إلى السوق المشرقية وتجاوز جزء من إشكالات الشحن والتوزيع، وساهمت مشاركة تونس كضيف شرف في معرض جينيف الدولي سنة 2016 في توفير فرصة للفاعلين الثقافيين والكتاب التونسيين للالتقاء بنظراء من أوروبا والانفتاح على تجارب النشر الحديثة، وأفضت مشاركة عمان سنة 2019 إلى تسهيلات لفائدة الناشرين التونسيين وتفعيل مبدأ المعاملة بالمثل، بينما فتحت مشاركة الرياض سنة 2022 مسارات تعاون مع هيئة الأدب والنشر والترجمة السعودية، شملت تسهيلات للناشرين التونسيين وإمكانات لوصول عدد من الإصدارات التونسية إلى المكتبات والجامعات الخليجية. ومهما اختلفت طبيعة هذه المكاسب من تجربة إلى أخرى، فإنها تؤكد أن المشاركة بصفة ضيف شرف يمكن أن تتحول إلى فرصة عملية عندما تتجاوز حدود المناسبة وتنتج ترتيبات أو علاقات تستمر بعد انتهائها. وفي المقابل، تطرح هذه التجارب سؤالا ضروريا في كل مشاركة جديدة: هل نكتفي بما يحدث داخل المعرض، أم ننظر منذ البداية إلى ما يمكن أن يحدث بعده؟ ذلك أن القيمة الفعلية لأي حضور ثقافي دولي لا تقاس فقط بعدد الندوات واللقاءات أو بجمالية الجناح، وإنما بما يفتح من مسارات أمام الكتاب والمبدعين والناشرين.
ومن هذه الزاوية تبدو مشاركة بلغراد فرصة مختلفة، لأنها تضع تونس أمام فضاء ثقافي جديد نسبيا بالنسبة إلى حركة الكتاب التونسي، وتمنحها إمكانية الاقتراب أكثر من أسواق وجمهور ومؤسسات ثقافية في منطقة البلقان وشرق أوروبا. كما أن إشارة وزارة الشؤون الثقافية إلى مجالات النشر والترجمة والتبادل الثقافي تضع أمام المشاركة رهانا يتجاوز التعريف بالكتاب التونسي إلى محاولة جعله قابلا للعبور إلى قارئ جديد. فالكتاب الذي يبقى داخل الجناح التونسي طوال أيام المعرض يكون قد حقق حضورا مؤقتا، أما الكتاب الذي يجد مترجما أو ناشرا أو طريقا إلى مكتبة أو جامعة أجنبية، فيكون قد بدأ حياة أخرى خارج الحدود. وهنا تحديدا تبرز أهمية الترجمة، التي لا يمكن أن تكون مجرد فقرة ضمن برنامج ثقافي، بل إحدى الأدوات الأساسية لتحويل الإشعاع الثقافي إلى حضور فعلي. وإذا كانت الوزارة قد أعلنت أن المشاركة تندرج ضمن جهودها لفتح آفاق جديدة للتعاون والتبادل في مجالات الكتاب والنشر والترجمة، فإن بلغراد توفر مجالا لاختبار هذه الأهداف على أرض الواقع، خاصة أن الانتقال إلى فضاء ثقافي غير عربي يفرض البحث عن آليات جديدة للتعريف بالأدب التونسي والفكر والإبداع التونسيين.
وفي هذا السياق، يمكن أن تكون المشاركة مناسبة أيضا لإعادة النظر في مفهوم "الترويج للثقافة الوطنية". فالترويج لا يعني فقط تقديم تونس من خلال ذاكرتها وتراثها وهويتها، وهي عناصر حاضرة بوضوح في تصور جناح تونس، وإنما يعني كذلك تقديم ثقافة حية ومتجددة، فيها أدب معاصر وتجارب فكرية وإبداعية جديدة وناشرون ومترجمون ومبدعون قادرون على التواصل مع الخارج. وبين الذاكرة والإبداع المعاصر، وبين ما هو رمزي وما هو عملي، تتحدد صورة تونس التي سيحملها الزائر معه بعد انتهاء المعرض. لذلك فإن السؤال لا يتعلق فقط بما إذا كان جناح تونس سيكون جذابا أو ما إذا كان البرنامج الثقافي متنوعا، وإنما بمدى قدرة هذه العناصر مجتمعة على بناء اهتمام يستمر بعد انتهاء التظاهرة. فالمعرض، مهما كانت أهميته، يظل حدثا مؤقتا، بينما العلاقات التي يمكن أن تنشأ خلاله قابلة للاستمرار. وهنا تبرز أهمية المتابعة بعد المعرض، وهي المرحلة التي قد تكون أكثر أهمية من المشاركة نفسها: متابعة الاتصالات مع الناشرين، ومواصلة التفاوض حول الترجمة، وتحويل اللقاءات إلى مشاريع، وربط المبدعين التونسيين بمؤسسات ثقافية أجنبية، وعدم ترك الاتفاقات أو الوعود رهينة انتهاء الحدث.
ولعل التجارب السابقة لتونس كضيف شرف تمنحها اليوم رصيدا يمكن البناء عليه، لا فقط على مستوى الخبرة التنظيمية، وإنما أيضا على مستوى معرفة ما الذي يمكن أن تنتجه هذه المشاركات عندما تقترن بأهداف واضحة.
ومن هنا فإن بلغراد يمكن أن تكون مناسبة للانتقال من منطق "المشاركة" إلى منطق "الاستثمار الثقافي في المشاركة". فوجود تونس في معرض دولي بهذا الحجم يمثل مكسبا في حد ذاته، لكن المكسب الأكبر هو أن تتحول الأيام التسعة للمعرض إلى بداية لعلاقات جديدة في النشر والترجمة والتبادل، وأن يجد الكتاب التونسي بعد ذلك طريقا إلى قارئ لم يكن يصل إليه من قبل.
وفي النهاية، لا يبدو الرهان الحقيقي في أن تكون تونس حاضرة بقوة لمعرض بلغراد، خلال الفترة الممتدة من 23 إلى 31 أكتوبر فقط، وإنما في أن يكون لهذا الحضور أثر يتجاوز موعد اختتام المعرض. فصفة "ضيف الشرف" تمنح تونس واجهة، لكنها لا تضمن وحدها حضورا مستداما. وهذا الحضور يحتاج إلى متابعة وتراكم واستثمار لما تتيحه المناسبة من فرص. ومن بلغراد إلى ما بعد بلغراد، يصبح التحدي إذن واضحا: ألا تنتهي قصة المشاركة بمجرد إغلاق أبواب المعرض، بل أن تبدأ بعدها مرحلة أخرى يكون فيها الكتاب التونسي أكثر قدرة على السفر، ويكون فيها المبدع التونسي أكثر حضورا في شبكات الثقافة الدولية، وتتحول فيها صفة "ضيف الشرف" من لحظة احتفالية إلى رصيد ثقافي قابل للبناء عليه.
المشاركة كضيف شرف في معارض الكتاب هي أيضا محاولة لجعل الكتاب قابلا للعبور إلى قارئ جديد
الرهان كذلك تقديم ثقافة حية ومتجددة، ومنفتحة على الآخر
تونس - الصباح
تستعد تونس لتسجيل حضور جديد في المشهد الثقافي الدولي، من خلال حلولها ضيف شرف على الدورة التاسعة والستين لمعرض بلغراد الدولي للكتاب الذي ينتظم من 23 إلى 31 أكتوبر المقبل بجمهورية صربيا، وهي مشاركة تضع الكتاب والثقافة التونسية في واجهة تظاهرة دولية كبرى، وتفتح في الوقت نفسه بابا للنظر فيما يمكن أن تنتجه هذه الاستضافة خارج حدود المعرض وأيامه. وفي هذا السياق، أشرفت وزيرة الشؤون الثقافية أمينة الصرارفي يوم الثلاثاء غرة سبتمبر 2026 على اجتماع خصص لمتابعة الاستعدادات للمشاركة التونسية، بحضور ممثلات وممثلي مختلف الإدارات والهياكل المعنية، حيث تم تقديم البرنامج الثقافي الذي أعدته الوزارة ومناقشة فقراته، إلى جانب التطرق إلى مختلف الجوانب المتعلقة بجناح تونس.
إيمان عبد اللطيف
ووفق البلاغ الصادر عن الوزارة، يتضمن البرنامج ندوات ومحاضرات ولقاءات فكرية وأدبية وورشات، إلى جانب فقرات تهدف إلى التعريف بالمشهد الثقافي التونسي وإبراز ثراء التجربة الإبداعية الوطنية وتنوعها، فيما سيكون الجناح التونسي فضاء للتعريف بالكتاب والإبداع التونسي والترويج للثقافة الوطنية، وقد تم خلال الاجتماع تقديم فيديو يتضمن التصور المقترح لتصميمه وديكوره بما يعكس خصوصية تونس وهويتها الثقافية والحضارية ويتيح للزائر اكتشاف جوانب من الذاكرة والإبداع التونسي.
وتأتي هذه الاستعدادات بعد تسلم تونس في ختام الدورة الثامنة والستين للمعرض في 2 نوفمبر 2025 رمز "الكتاب المفتوح"، في تقليد يرمز إلى انتقال صفة ضيف الشرف، لتكون مشاركة أكتوبر المقبل الخامسة في سجل مشاركات تونس بهذه الصفة في معارض دولية كبرى، بعد القاهرة سنة 2012، وجينيف سنة 2016 وعمان سنة 2019، والرياض سنة 2022. وهذا التراكم تحديدا يجعل من بلغراد أكثر من محطة جديدة في رزنامة المشاركات الخارجية، إذ يتيح النظر في التجربة من زاوية أخرى: ماذا يعني أن تكون تونس ضيف شرف للمرة الخامسة منذ سنة 2011؟ والأهم، كيف يمكن أن تستفيد من هذه الصفة بحيث لا تبقى قيمتها محصورة في الحضور الرسمي والجناح والفعاليات المصاحبة؟
فصفة ضيف الشرف تمنح البلد مساحة أكبر للتعريف بثقافته، لكنها في المقابل ترفع سقف الانتظارات منه، لأن المشاركة لا تعود مجرد فرصة لعرض عدد من الإصدارات أو تنظيم لقاءات ثقافية، وإنما تصبح مناسبة لتقديم صورة متكاملة عن المشهد الثقافي، وبناء علاقات يمكن أن تستمر بعد مغادرة المعرض.
ولعل العودة إلى التجارب السابقة تساعد على فهم حجم هذه الفرصة. ففي معرض القاهرة الدولي للكتاب سنة 2012، ارتبطت المشاركة بمسار تعاون في مجال النشر والطبع والتوزيع، بما وفر للكتاب التونسي إمكانات أكبر للوصول إلى السوق المشرقية وتجاوز جزء من إشكالات الشحن والتوزيع، وساهمت مشاركة تونس كضيف شرف في معرض جينيف الدولي سنة 2016 في توفير فرصة للفاعلين الثقافيين والكتاب التونسيين للالتقاء بنظراء من أوروبا والانفتاح على تجارب النشر الحديثة، وأفضت مشاركة عمان سنة 2019 إلى تسهيلات لفائدة الناشرين التونسيين وتفعيل مبدأ المعاملة بالمثل، بينما فتحت مشاركة الرياض سنة 2022 مسارات تعاون مع هيئة الأدب والنشر والترجمة السعودية، شملت تسهيلات للناشرين التونسيين وإمكانات لوصول عدد من الإصدارات التونسية إلى المكتبات والجامعات الخليجية. ومهما اختلفت طبيعة هذه المكاسب من تجربة إلى أخرى، فإنها تؤكد أن المشاركة بصفة ضيف شرف يمكن أن تتحول إلى فرصة عملية عندما تتجاوز حدود المناسبة وتنتج ترتيبات أو علاقات تستمر بعد انتهائها. وفي المقابل، تطرح هذه التجارب سؤالا ضروريا في كل مشاركة جديدة: هل نكتفي بما يحدث داخل المعرض، أم ننظر منذ البداية إلى ما يمكن أن يحدث بعده؟ ذلك أن القيمة الفعلية لأي حضور ثقافي دولي لا تقاس فقط بعدد الندوات واللقاءات أو بجمالية الجناح، وإنما بما يفتح من مسارات أمام الكتاب والمبدعين والناشرين.
ومن هذه الزاوية تبدو مشاركة بلغراد فرصة مختلفة، لأنها تضع تونس أمام فضاء ثقافي جديد نسبيا بالنسبة إلى حركة الكتاب التونسي، وتمنحها إمكانية الاقتراب أكثر من أسواق وجمهور ومؤسسات ثقافية في منطقة البلقان وشرق أوروبا. كما أن إشارة وزارة الشؤون الثقافية إلى مجالات النشر والترجمة والتبادل الثقافي تضع أمام المشاركة رهانا يتجاوز التعريف بالكتاب التونسي إلى محاولة جعله قابلا للعبور إلى قارئ جديد. فالكتاب الذي يبقى داخل الجناح التونسي طوال أيام المعرض يكون قد حقق حضورا مؤقتا، أما الكتاب الذي يجد مترجما أو ناشرا أو طريقا إلى مكتبة أو جامعة أجنبية، فيكون قد بدأ حياة أخرى خارج الحدود. وهنا تحديدا تبرز أهمية الترجمة، التي لا يمكن أن تكون مجرد فقرة ضمن برنامج ثقافي، بل إحدى الأدوات الأساسية لتحويل الإشعاع الثقافي إلى حضور فعلي. وإذا كانت الوزارة قد أعلنت أن المشاركة تندرج ضمن جهودها لفتح آفاق جديدة للتعاون والتبادل في مجالات الكتاب والنشر والترجمة، فإن بلغراد توفر مجالا لاختبار هذه الأهداف على أرض الواقع، خاصة أن الانتقال إلى فضاء ثقافي غير عربي يفرض البحث عن آليات جديدة للتعريف بالأدب التونسي والفكر والإبداع التونسيين.
وفي هذا السياق، يمكن أن تكون المشاركة مناسبة أيضا لإعادة النظر في مفهوم "الترويج للثقافة الوطنية". فالترويج لا يعني فقط تقديم تونس من خلال ذاكرتها وتراثها وهويتها، وهي عناصر حاضرة بوضوح في تصور جناح تونس، وإنما يعني كذلك تقديم ثقافة حية ومتجددة، فيها أدب معاصر وتجارب فكرية وإبداعية جديدة وناشرون ومترجمون ومبدعون قادرون على التواصل مع الخارج. وبين الذاكرة والإبداع المعاصر، وبين ما هو رمزي وما هو عملي، تتحدد صورة تونس التي سيحملها الزائر معه بعد انتهاء المعرض. لذلك فإن السؤال لا يتعلق فقط بما إذا كان جناح تونس سيكون جذابا أو ما إذا كان البرنامج الثقافي متنوعا، وإنما بمدى قدرة هذه العناصر مجتمعة على بناء اهتمام يستمر بعد انتهاء التظاهرة. فالمعرض، مهما كانت أهميته، يظل حدثا مؤقتا، بينما العلاقات التي يمكن أن تنشأ خلاله قابلة للاستمرار. وهنا تبرز أهمية المتابعة بعد المعرض، وهي المرحلة التي قد تكون أكثر أهمية من المشاركة نفسها: متابعة الاتصالات مع الناشرين، ومواصلة التفاوض حول الترجمة، وتحويل اللقاءات إلى مشاريع، وربط المبدعين التونسيين بمؤسسات ثقافية أجنبية، وعدم ترك الاتفاقات أو الوعود رهينة انتهاء الحدث.
ولعل التجارب السابقة لتونس كضيف شرف تمنحها اليوم رصيدا يمكن البناء عليه، لا فقط على مستوى الخبرة التنظيمية، وإنما أيضا على مستوى معرفة ما الذي يمكن أن تنتجه هذه المشاركات عندما تقترن بأهداف واضحة.
ومن هنا فإن بلغراد يمكن أن تكون مناسبة للانتقال من منطق "المشاركة" إلى منطق "الاستثمار الثقافي في المشاركة". فوجود تونس في معرض دولي بهذا الحجم يمثل مكسبا في حد ذاته، لكن المكسب الأكبر هو أن تتحول الأيام التسعة للمعرض إلى بداية لعلاقات جديدة في النشر والترجمة والتبادل، وأن يجد الكتاب التونسي بعد ذلك طريقا إلى قارئ لم يكن يصل إليه من قبل.
وفي النهاية، لا يبدو الرهان الحقيقي في أن تكون تونس حاضرة بقوة لمعرض بلغراد، خلال الفترة الممتدة من 23 إلى 31 أكتوبر فقط، وإنما في أن يكون لهذا الحضور أثر يتجاوز موعد اختتام المعرض. فصفة "ضيف الشرف" تمنح تونس واجهة، لكنها لا تضمن وحدها حضورا مستداما. وهذا الحضور يحتاج إلى متابعة وتراكم واستثمار لما تتيحه المناسبة من فرص. ومن بلغراد إلى ما بعد بلغراد، يصبح التحدي إذن واضحا: ألا تنتهي قصة المشاركة بمجرد إغلاق أبواب المعرض، بل أن تبدأ بعدها مرحلة أخرى يكون فيها الكتاب التونسي أكثر قدرة على السفر، ويكون فيها المبدع التونسي أكثر حضورا في شبكات الثقافة الدولية، وتتحول فيها صفة "ضيف الشرف" من لحظة احتفالية إلى رصيد ثقافي قابل للبناء عليه.