إشترك في النسخة الرقمية لجريدة الصباح و LE TEMPS

الطلبة في مواجهة إشكاليات السكن..  أسعار خيالية لشقق الكراء وأسرة المبيتات الخاصة والرقابة غائبة  

 

تونس - الصباح

تبحث الطالبتان "فرح" و"ميساء" منذ أيام عن منزل للكراء يكون قريبًا من محيط الجامعة، يمكنهما عبره ادخار جهد ومصاريف التنقل اليومي، غير أنهما وإلى غاية الآن لم تجدا لا الشقة ولا السعر المناسب، وتعتبران أن أغلب الشقق التي قامتا بزيارتها في منطقة الغزالة قد عرفت قفزات خيالية في أسعارها، أو أن وضعها غير ملائم للسكن وينقصها العديد من المرافق الضرورية. وهذه الوضعية تختزل واقع آلاف من الطلبة التونسيين خلال هذه الفترة في رحلة بحثهم عن السكن.

 

من جانبه، أفاد "إياد"، وهو طالب مرحلة ثالثة بجامعة المنار، أن الشقق في الأحياء المجاورة للجامعة (المنارات والمنازه) لا يقل فيها معلوم شقة مؤثثة تتكون من غرفتين عن ألف دينار، ويصل، في حال كانت من صنف الشقق الراقية، إلى غاية 1500 دينار و2000 دينار.

وحسب معدلات دخل الأسر التونسية، فهو أجر مرتفع للغاية لا يمكنها تحمله، وقلة قليلة من العائلات التونسية التي تكون قادرة على تغطية معلوم كراء منازل لأبنائها يتجاوز 300 دينار شهريًا، ولا يكون إلا من قبل الأسر الميسورة نسبيًا والتي يكون لها دخل عالٍ يمكن عبره تمكين ابنها أو ابنتها في الجامعة من مصروف شهري في حدود 600 دينار. ويكشف إياد أن والديه يعملان في سلك التعليم ويواجهان صعوبات جمة في تغطية تكاليف دراسته الجامعية، وهو بصدد البحث عن عمل حتى يتمكن من تخفيف العبء عليهما، خاصة أن اختصاصه في الهندسة مكلف جدًا.

وتحوّل إيجاد سكن بالنسبة للطلبة خلال السنوات الأخيرة إلى معضلة حقيقية، ولا يقتصر المشكل على جهة بعينها، فيمكن، وبتصفح بسيط لعدد من الصفحات على مواقع التواصل الاجتماعي، أن تكتشف أن هناك قفزة نوعية في كلفة السكن، سواء على مستوى المبيتات الجامعية الخاصة أو الشقق. وهو مشكل قد يحرم عددًا كبيرًا من الطلبة من الالتحاق بمقاعد الدراسة في موعدها. ففضلًا عن الأسعار المشطة التي تحددها المبيتات الجامعية الخاصة بالنسبة للسرير، لا يمكن اليوم تحمل أي عائلة لأسعار الكراءات في مناطق كتونس العاصمة وأريانة ونابل وسوسة والمنستير، ويصبح الأمر أصعب إن كان للعائلة أكثر من طالب استوفى حقه في المبيتات العمومية أو ينتمي إلى أسرة محدودة الدخل.

وتؤكد الأرقام الصادرة عن المعهد الوطني للإحصاء تسجيل ارتفاع في مؤشر أسعار مجموع العقارات المبنية قدره 5.6% خلال الثلاثي الرابع من سنة 2025، مقارنةً بالفترة نفسها من سنة 2024، حيث ارتفع مؤشر أسعار الشقق بنسبة 5.7% ومؤشر المنازل بنسبة 5.6%. كما تبرز نتائج مؤشر أسعار العقارات المبنية حسب المناطق ارتفاعًا في تونس الكبرى بنسبة 2.9%، ومنطقة الساحل (نابل وسوسة والمهدية والمنستير) ارتفاعًا بنسبة 6.9%.

كما تشير المعطيات المنشورة في وثيقة قدمها نواب مجلس نواب الشعب تهم قانونًا يؤطر أسعار العقارات، إلى ارتفاع أسعارها في المدن الكبرى بنحو 29% بين عامي 2020 و2024.

ثم إن نتائج دراسة أنجزها موقع "مبوب" المختص في العقارات في تونس، تكشف أن متوسط السعر الوطني للإيجار طويل الأجل يصل إلى 1650 دينارًا شهريًا في النصف الأول من عام 2023، مقارنة بـ1380 دينارًا في عام 2020. وجاء في ذات الدراسة أنه بالنسبة للشقق الفارغة من صنف 2 + S المعروضة للكراء، يوجد أقل معدل سعر بولاية بن عروس، وتحديدًا في المدينة الجديدة بـ820 دينارًا للشهر، وبومهل بـ900 دينار للشهر. بينما متوسط السعر في الضاحية الشمالية للعاصمة يكون في حدود 2050 دينارًا للشهر في حدائق قرطاج، و2460 دينارًا للشهر في المرسى.

وعادة ما يبدأ الطلاب رحلة البحث عن السكن الجامعي في منتصف شهر أوت، حيث يستعينون بصفحات ومواقع ومجموعات لنشر عروض إيجار المساكن، وأيضًا بوسطاء يساعدونهم للحصول على فرص سكن تلائم إمكانياتهم.

ويعد المرور عبر الوسطاء، أو ما يعرف محليًا بـ"السمسارة"، أمرًا حتميًا للطلبة الباحثين عن السكن، حيث يحكم هؤلاء السيطرة على عروض الإيجار بربط شبكة علاقات مع حراس الإقامات السكنية الذين يزودونهم بالمعلومات عن الشقق الشاغرة مقابل تقاسم العمولات، وهو ما يزيد في ارتفاع كلفة الكراء في بداية الموسم، فالطالب يجد نفسه مطالبًا بدفع أشهر بين الشهرين والثلاثة أشهر، مع عمولة السمسار أو الوكالة العقارية التي تأخذ نسبة 5% من الكراء السنوي، وهو ما يشكل تقريبًا أجر شهر.

ويستغل العاملون في قطاع العقارات (تمليك أو إيجار) غياب كل ضوابط قانونية لتحديد السعر حسب نوعية ومكان العقار، ويكون الأمر أكثر حدة بالنسبة للطلاب، أين يتم معهم الانتقال من مرحلة تأجير السكن إلى تأجير سرير قد يصل إلى نحو 300 دينار شهريًا، والذي يُعادل ثلث معدل الراتب الشهري للموظف التونسي (924 دينارًا حسب آخر مسح أعده المعهد الوطني للإحصاء).

وتشير "فرح" إلى أن الغلاء الفاحش لأسعار الإيجارات المخصصة للسكن الطلابي في جزء منها هو نتيجة لتراجع طاقة إيواء المبيتات الجامعية العمومية التي تمنح الطلبة الذكور فرصة سكن لمدة سنة واحدة غير قابلة للتجديد إلا في حالات خاصة، وبالنسبة إلى الإناث سنتين غير قابلتين للتجديد إلا في حالات خاصة. 

ويخضع الطالب لمجموعة من الشروط من أجل الظفر بالسكن الجماعي في المبيتات، من بينها الحصول على القبول من ديوان الخدمات الجامعية، والتسجيل في مؤسسة تعليم عالٍ عمومي، وألا يقل بُعد مقر إقامة الولي عن 30 كيلومترًا عن مؤسسة التعليم العالي، كما تضع سنًا قصوى للطالب لا يتجاوز 26 عامًا، وتشترط شهادة طبية تثبت خلو الطالب من الأمراض المعدية. في المقابل، لا يتمتع طلاب الجامعات الخاصة بأي فرصة في السكن الجامعي، ما يكبدهم مصاريف مضاعفة ويجعلهم عرضة أكثر فأكثر لاستغلال أصحاب الشقق الذين يعتبرون أن هؤلاء الطلبة لديهم القدرة أكبر على الدفع.

ويقول كاتب عام الاتحاد العام لطلبة تونس، محمد أولاد محمد، إنه مع اقتراب العودة الجامعية للسنة 2026-2027، يعود ملف السكن الجامعي إلى الواجهة، لا باعتباره ملفًا ثانويًا أو مسألة إدارية مرتبطة ببداية السنة، وإنما باعتباره أحد الشروط الأساسية لضمان حق الطالب في التعليم ومواصلة دراسته في ظروف تحفظ كرامته.

ويؤكد في حديثه لـ"الصباح" أن ملف السكن الجامعي ظل من الملفات التي يشتغل عليها الاتحاد العام لطلبة تونس ويدافع عنها باستمرار، وأن مطلبه لم يتغير، وقال: "أن لا يتحول الوضع الاجتماعي للطالب إلى سبب في حرمانه من الدراسة، وأن لا يكون عنوانه أو دخل عائلته أو عدم قدرته على دفع كلفة الكراء عاملًا يحدد قدرته على مواصلة تعليمه".

وأشار أولاد محمد إلى أن الإشكال اليوم يكمن في أن منظومة السكن الجامعي لم تواكب التطور المتواصل في أعداد الطلبة. فالتخطيط لطاقة الإيواء يرتبط بدرجة كبيرة بالمعطيات المتأتية من وزارة التربية وأعداد الناجحين في الباكالوريا، وبالتنسيق مع وزارة التعليم العالي، لكن ارتفاع أعداد الناجحين والطلبة الجدد سنة بعد أخرى لم يواكبه تطور مماثل في عدد الأسرة والمبيتات الجامعية.

وأفاد أنه ووفقًا إلى المعطيات المتوفرة لدى الاتحاد، تبلغ طاقة الإيواء في ديوان الخدمات الجامعية للشمال حوالي 29 ألف سرير، في حين يناهز عدد الطلبة من السنوات الأولى والثانية، باعتبارهم من الفئات ذات الأولوية في الإسناد، حوالي 26 ألف طالب. وهذا يعني عمليًا أن الهامش المتبقي للحالات الاستثنائية والاجتماعية محدود جدًا، ولا يتجاوز 3000 سرير تقريبًا، وهو رقم لا يمكن أن يستوعب الحجم الحقيقي للطلبات الاجتماعية.

وتساءل محمد أولاد محمد عن مصير الطالب الذي لا ينتمي إلى الفئات ذات الأولوية، لكنه يعيش وضعية اجتماعية لا تسمح لعائلته بتوفير مسكن خاص؟ وماذا يفعل الطالب القادم من ولاية داخلية، أو من عائلة محدودة الدخل، عندما يجد نفسه أمام مبيتات بطاقة استيعاب محدودة وسوق كراء يرفع الأسعار بمجرد بداية السنة الجامعية؟

ويشير محدثنا إلى أنه في عدد من الحالات، تتجاوز كلفة كراء المسكن 1200 دينار شهريًا حسب المدينة والموقع والمساحة والتجهيزات. وحتى في صيغة السكن المشترك، التي يلجأ إليها الطلبة لتقليص الكلفة، يمكن أن تتراوح حصة الطالب الواحد تقريبًا بين 350 و500 دينار شهريًا، قبل احتساب تكاليف الماء والكهرباء والإنترنت والنقل وبقية المصاريف.

ونبه إلى أنه بالنسبة إلى عائلة تونسية محدودة الدخل، فإن مبلغًا كهذا لا تكون قادرة على توفيره، وهو في الأصل يمثل جزءًا كبيرًا من دخل الأسرة. لذلك، فإن حرمان الطالب من السكن الجامعي لا يعني فقط حرمانه من سرير؛ بل قد يعني عمليًا دفعه إلى التخلي عن الدراسة أو تحميل عائلته ديونًا وأعباء لا تستطيع مجابهتها.

وكشف محمد أولاد محمد أن بعض الطلبة، تحت ضغط الأسعار وغياب البدائل، يجدون أنفسهم مضطرين إلى قبول مساكن لا تتوفر فيها دائمًا أدنى الظروف المناسبة من حيث المساحة أو التجهيز أو السلامة أو عدد الأشخاص المقيمين، وهو وضع يستوجب مزيدًا من الرقابة والتنظيم في سوق السكن الطلابي الخاص، وحماية الطلبة من كل أشكال الاستغلال.

وتجدر الإشارة إلى أن مجلس نواب الشعب قد قدم بداية السنة الجارية مشروع قانون يقترح ضبط سوق الإيجارات وإرساء علاقة أكثر توازنًا بين المالك والمستأجر عبر فرض إجبارية إبرام عقود الكراء كتابيًا وفق نموذج موحد، مع تسجيلها لدى المصالح البلدية وعدم الاعتداد بأي عقد غير مسجل. كذلك تقترح المبادرة البرلمانية تحديد سقف أقصى للكراء ونسبة زيادة لا تتجاوز 5% من معلوم الإيجار، على ألا تتكرر الزيادة أكثر من خمس مرات طوال مدة التعاقد، وألا تتم إلا بعد مرور سنتين على الأقل.

مع العلم أنه، ووفقًا للمنظمة التونسية لإرشاد المستهلك، تستحوذ نفقات الإيجار على ما يقارب 40% من دخل الأسر التونسية، وهو ما يجعل تحمل كلفة السكن أمرًا بالغ الصعوبة بالنسبة إلى الفئات ذات الدخل المحدود، وتجعل من ثقل تحمل كلفة كراء الطلبة أمرًا أكثر صعوبة على العائلة التونسية.

ريم سوودي

 

الطلبة في مواجهة إشكاليات السكن..   أسعار خيالية لشقق الكراء وأسرة المبيتات الخاصة والرقابة غائبة   

 

تونس - الصباح

تبحث الطالبتان "فرح" و"ميساء" منذ أيام عن منزل للكراء يكون قريبًا من محيط الجامعة، يمكنهما عبره ادخار جهد ومصاريف التنقل اليومي، غير أنهما وإلى غاية الآن لم تجدا لا الشقة ولا السعر المناسب، وتعتبران أن أغلب الشقق التي قامتا بزيارتها في منطقة الغزالة قد عرفت قفزات خيالية في أسعارها، أو أن وضعها غير ملائم للسكن وينقصها العديد من المرافق الضرورية. وهذه الوضعية تختزل واقع آلاف من الطلبة التونسيين خلال هذه الفترة في رحلة بحثهم عن السكن.

 

من جانبه، أفاد "إياد"، وهو طالب مرحلة ثالثة بجامعة المنار، أن الشقق في الأحياء المجاورة للجامعة (المنارات والمنازه) لا يقل فيها معلوم شقة مؤثثة تتكون من غرفتين عن ألف دينار، ويصل، في حال كانت من صنف الشقق الراقية، إلى غاية 1500 دينار و2000 دينار.

وحسب معدلات دخل الأسر التونسية، فهو أجر مرتفع للغاية لا يمكنها تحمله، وقلة قليلة من العائلات التونسية التي تكون قادرة على تغطية معلوم كراء منازل لأبنائها يتجاوز 300 دينار شهريًا، ولا يكون إلا من قبل الأسر الميسورة نسبيًا والتي يكون لها دخل عالٍ يمكن عبره تمكين ابنها أو ابنتها في الجامعة من مصروف شهري في حدود 600 دينار. ويكشف إياد أن والديه يعملان في سلك التعليم ويواجهان صعوبات جمة في تغطية تكاليف دراسته الجامعية، وهو بصدد البحث عن عمل حتى يتمكن من تخفيف العبء عليهما، خاصة أن اختصاصه في الهندسة مكلف جدًا.

وتحوّل إيجاد سكن بالنسبة للطلبة خلال السنوات الأخيرة إلى معضلة حقيقية، ولا يقتصر المشكل على جهة بعينها، فيمكن، وبتصفح بسيط لعدد من الصفحات على مواقع التواصل الاجتماعي، أن تكتشف أن هناك قفزة نوعية في كلفة السكن، سواء على مستوى المبيتات الجامعية الخاصة أو الشقق. وهو مشكل قد يحرم عددًا كبيرًا من الطلبة من الالتحاق بمقاعد الدراسة في موعدها. ففضلًا عن الأسعار المشطة التي تحددها المبيتات الجامعية الخاصة بالنسبة للسرير، لا يمكن اليوم تحمل أي عائلة لأسعار الكراءات في مناطق كتونس العاصمة وأريانة ونابل وسوسة والمنستير، ويصبح الأمر أصعب إن كان للعائلة أكثر من طالب استوفى حقه في المبيتات العمومية أو ينتمي إلى أسرة محدودة الدخل.

وتؤكد الأرقام الصادرة عن المعهد الوطني للإحصاء تسجيل ارتفاع في مؤشر أسعار مجموع العقارات المبنية قدره 5.6% خلال الثلاثي الرابع من سنة 2025، مقارنةً بالفترة نفسها من سنة 2024، حيث ارتفع مؤشر أسعار الشقق بنسبة 5.7% ومؤشر المنازل بنسبة 5.6%. كما تبرز نتائج مؤشر أسعار العقارات المبنية حسب المناطق ارتفاعًا في تونس الكبرى بنسبة 2.9%، ومنطقة الساحل (نابل وسوسة والمهدية والمنستير) ارتفاعًا بنسبة 6.9%.

كما تشير المعطيات المنشورة في وثيقة قدمها نواب مجلس نواب الشعب تهم قانونًا يؤطر أسعار العقارات، إلى ارتفاع أسعارها في المدن الكبرى بنحو 29% بين عامي 2020 و2024.

ثم إن نتائج دراسة أنجزها موقع "مبوب" المختص في العقارات في تونس، تكشف أن متوسط السعر الوطني للإيجار طويل الأجل يصل إلى 1650 دينارًا شهريًا في النصف الأول من عام 2023، مقارنة بـ1380 دينارًا في عام 2020. وجاء في ذات الدراسة أنه بالنسبة للشقق الفارغة من صنف 2 + S المعروضة للكراء، يوجد أقل معدل سعر بولاية بن عروس، وتحديدًا في المدينة الجديدة بـ820 دينارًا للشهر، وبومهل بـ900 دينار للشهر. بينما متوسط السعر في الضاحية الشمالية للعاصمة يكون في حدود 2050 دينارًا للشهر في حدائق قرطاج، و2460 دينارًا للشهر في المرسى.

وعادة ما يبدأ الطلاب رحلة البحث عن السكن الجامعي في منتصف شهر أوت، حيث يستعينون بصفحات ومواقع ومجموعات لنشر عروض إيجار المساكن، وأيضًا بوسطاء يساعدونهم للحصول على فرص سكن تلائم إمكانياتهم.

ويعد المرور عبر الوسطاء، أو ما يعرف محليًا بـ"السمسارة"، أمرًا حتميًا للطلبة الباحثين عن السكن، حيث يحكم هؤلاء السيطرة على عروض الإيجار بربط شبكة علاقات مع حراس الإقامات السكنية الذين يزودونهم بالمعلومات عن الشقق الشاغرة مقابل تقاسم العمولات، وهو ما يزيد في ارتفاع كلفة الكراء في بداية الموسم، فالطالب يجد نفسه مطالبًا بدفع أشهر بين الشهرين والثلاثة أشهر، مع عمولة السمسار أو الوكالة العقارية التي تأخذ نسبة 5% من الكراء السنوي، وهو ما يشكل تقريبًا أجر شهر.

ويستغل العاملون في قطاع العقارات (تمليك أو إيجار) غياب كل ضوابط قانونية لتحديد السعر حسب نوعية ومكان العقار، ويكون الأمر أكثر حدة بالنسبة للطلاب، أين يتم معهم الانتقال من مرحلة تأجير السكن إلى تأجير سرير قد يصل إلى نحو 300 دينار شهريًا، والذي يُعادل ثلث معدل الراتب الشهري للموظف التونسي (924 دينارًا حسب آخر مسح أعده المعهد الوطني للإحصاء).

وتشير "فرح" إلى أن الغلاء الفاحش لأسعار الإيجارات المخصصة للسكن الطلابي في جزء منها هو نتيجة لتراجع طاقة إيواء المبيتات الجامعية العمومية التي تمنح الطلبة الذكور فرصة سكن لمدة سنة واحدة غير قابلة للتجديد إلا في حالات خاصة، وبالنسبة إلى الإناث سنتين غير قابلتين للتجديد إلا في حالات خاصة. 

ويخضع الطالب لمجموعة من الشروط من أجل الظفر بالسكن الجماعي في المبيتات، من بينها الحصول على القبول من ديوان الخدمات الجامعية، والتسجيل في مؤسسة تعليم عالٍ عمومي، وألا يقل بُعد مقر إقامة الولي عن 30 كيلومترًا عن مؤسسة التعليم العالي، كما تضع سنًا قصوى للطالب لا يتجاوز 26 عامًا، وتشترط شهادة طبية تثبت خلو الطالب من الأمراض المعدية. في المقابل، لا يتمتع طلاب الجامعات الخاصة بأي فرصة في السكن الجامعي، ما يكبدهم مصاريف مضاعفة ويجعلهم عرضة أكثر فأكثر لاستغلال أصحاب الشقق الذين يعتبرون أن هؤلاء الطلبة لديهم القدرة أكبر على الدفع.

ويقول كاتب عام الاتحاد العام لطلبة تونس، محمد أولاد محمد، إنه مع اقتراب العودة الجامعية للسنة 2026-2027، يعود ملف السكن الجامعي إلى الواجهة، لا باعتباره ملفًا ثانويًا أو مسألة إدارية مرتبطة ببداية السنة، وإنما باعتباره أحد الشروط الأساسية لضمان حق الطالب في التعليم ومواصلة دراسته في ظروف تحفظ كرامته.

ويؤكد في حديثه لـ"الصباح" أن ملف السكن الجامعي ظل من الملفات التي يشتغل عليها الاتحاد العام لطلبة تونس ويدافع عنها باستمرار، وأن مطلبه لم يتغير، وقال: "أن لا يتحول الوضع الاجتماعي للطالب إلى سبب في حرمانه من الدراسة، وأن لا يكون عنوانه أو دخل عائلته أو عدم قدرته على دفع كلفة الكراء عاملًا يحدد قدرته على مواصلة تعليمه".

وأشار أولاد محمد إلى أن الإشكال اليوم يكمن في أن منظومة السكن الجامعي لم تواكب التطور المتواصل في أعداد الطلبة. فالتخطيط لطاقة الإيواء يرتبط بدرجة كبيرة بالمعطيات المتأتية من وزارة التربية وأعداد الناجحين في الباكالوريا، وبالتنسيق مع وزارة التعليم العالي، لكن ارتفاع أعداد الناجحين والطلبة الجدد سنة بعد أخرى لم يواكبه تطور مماثل في عدد الأسرة والمبيتات الجامعية.

وأفاد أنه ووفقًا إلى المعطيات المتوفرة لدى الاتحاد، تبلغ طاقة الإيواء في ديوان الخدمات الجامعية للشمال حوالي 29 ألف سرير، في حين يناهز عدد الطلبة من السنوات الأولى والثانية، باعتبارهم من الفئات ذات الأولوية في الإسناد، حوالي 26 ألف طالب. وهذا يعني عمليًا أن الهامش المتبقي للحالات الاستثنائية والاجتماعية محدود جدًا، ولا يتجاوز 3000 سرير تقريبًا، وهو رقم لا يمكن أن يستوعب الحجم الحقيقي للطلبات الاجتماعية.

وتساءل محمد أولاد محمد عن مصير الطالب الذي لا ينتمي إلى الفئات ذات الأولوية، لكنه يعيش وضعية اجتماعية لا تسمح لعائلته بتوفير مسكن خاص؟ وماذا يفعل الطالب القادم من ولاية داخلية، أو من عائلة محدودة الدخل، عندما يجد نفسه أمام مبيتات بطاقة استيعاب محدودة وسوق كراء يرفع الأسعار بمجرد بداية السنة الجامعية؟

ويشير محدثنا إلى أنه في عدد من الحالات، تتجاوز كلفة كراء المسكن 1200 دينار شهريًا حسب المدينة والموقع والمساحة والتجهيزات. وحتى في صيغة السكن المشترك، التي يلجأ إليها الطلبة لتقليص الكلفة، يمكن أن تتراوح حصة الطالب الواحد تقريبًا بين 350 و500 دينار شهريًا، قبل احتساب تكاليف الماء والكهرباء والإنترنت والنقل وبقية المصاريف.

ونبه إلى أنه بالنسبة إلى عائلة تونسية محدودة الدخل، فإن مبلغًا كهذا لا تكون قادرة على توفيره، وهو في الأصل يمثل جزءًا كبيرًا من دخل الأسرة. لذلك، فإن حرمان الطالب من السكن الجامعي لا يعني فقط حرمانه من سرير؛ بل قد يعني عمليًا دفعه إلى التخلي عن الدراسة أو تحميل عائلته ديونًا وأعباء لا تستطيع مجابهتها.

وكشف محمد أولاد محمد أن بعض الطلبة، تحت ضغط الأسعار وغياب البدائل، يجدون أنفسهم مضطرين إلى قبول مساكن لا تتوفر فيها دائمًا أدنى الظروف المناسبة من حيث المساحة أو التجهيز أو السلامة أو عدد الأشخاص المقيمين، وهو وضع يستوجب مزيدًا من الرقابة والتنظيم في سوق السكن الطلابي الخاص، وحماية الطلبة من كل أشكال الاستغلال.

وتجدر الإشارة إلى أن مجلس نواب الشعب قد قدم بداية السنة الجارية مشروع قانون يقترح ضبط سوق الإيجارات وإرساء علاقة أكثر توازنًا بين المالك والمستأجر عبر فرض إجبارية إبرام عقود الكراء كتابيًا وفق نموذج موحد، مع تسجيلها لدى المصالح البلدية وعدم الاعتداد بأي عقد غير مسجل. كذلك تقترح المبادرة البرلمانية تحديد سقف أقصى للكراء ونسبة زيادة لا تتجاوز 5% من معلوم الإيجار، على ألا تتكرر الزيادة أكثر من خمس مرات طوال مدة التعاقد، وألا تتم إلا بعد مرور سنتين على الأقل.

مع العلم أنه، ووفقًا للمنظمة التونسية لإرشاد المستهلك، تستحوذ نفقات الإيجار على ما يقارب 40% من دخل الأسر التونسية، وهو ما يجعل تحمل كلفة السكن أمرًا بالغ الصعوبة بالنسبة إلى الفئات ذات الدخل المحدود، وتجعل من ثقل تحمل كلفة كراء الطلبة أمرًا أكثر صعوبة على العائلة التونسية.

ريم سوودي