إشترك في النسخة الرقمية لجريدة الصباح و LE TEMPS

من النشاط الثقافي إلى صناعة المشاريع..  هل تستطيع دور الثقافة والمركبات الثقافية التحول إلى "فضاءات إبداعية"؟

 

-أمام المبدعين، وخاصة الشباب، من خلال برنامج "الفضاءات الإبداعية" فرصا للتعلم والإنتاج وربما الاندماج الاقتصادي

-استدامة المشروع مسألة جوهرية، بل تعتبر اختبارا حقيقيا لمدى قدرته على الاستمرار والتطور

تونس - الصباح

فتحت وزارة الشؤون الثقافية، عبر الإدارة العامة للعمل الثقافي، باب الترشح لبرنامج "الفضاءات الإبداعية – Hubs Créatifs" الموجه إلى دور الثقافة والمركبات الثقافية، في مبادرة تتجاوز في دلالاتها مجرد إطلاق برنامج جديد، لتطرح تصورا مختلفا لوظيفة المؤسسة الثقافية العمومية. فالمشروع يقترح الانتقال من مؤسسة تتركز مهمتها أساسا على تنظيم الأنشطة والعروض والتظاهرات إلى فضاء قادر على احتضان الأفكار والمواهب ومرافقة أصحابها وتحويل مشاريعهم إلى تجارب قابلة للتطوير والاستمرار. وبعبارة أخرى، لم تعد دار الثقافة أو المركب الثقافي مطالبا فقط باستقبال نشاط جاهز وبرمجته، وإنما بأن يكون طرفا في صناعة النشاط نفسه، وأن يتحول إلى فضاء للإنتاج والتجريب والابتكار والانفتاح على محيطه.

ويستند البرنامج إلى مقاربة تقوم على تثمين الموارد والمواهب المحلية، واحترام خصوصيات الجهات، وتشجيع المشاريع الثقافية ذات البعد الاجتماعي والتنموي، بما يجعل الثقافة جزءا من الحياة اليومية للجهة وليس مجرد محطة ظرفية للفرجة أو التنشيط. وهي مقاربة تكتسب أهميتها في ظل التحولات التي عرفها مفهوم العمل الثقافي، خاصة مع توسع حضور التكنولوجيا والصناعات الإبداعية والرقمنة، وتزايد الحاجة إلى فضاءات تساعد أصحاب الأفكار على تطوير مشاريعهم بدل الاكتفاء بتقديمها للجمهور في شكل أنشطة محدودة زمنيا.

وتتنوع المجالات التي يمكن أن تشملها المشاريع المقترحة، من المختبرات الرقمية والتكنولوجية والواقع الافتراضي والواقع المعزز والذكاء الاصطناعي وإنتاج البودكاست، إلى التصميم والصناعات الثقافية والفنون التجريبية والمعاصرة، فضلا عن المبادرات الاجتماعية والبيئية والاقتصاد التضامني والوساطة الثقافية ورقمنة التراث المحلي. وهذا التنوع يكشف عن رغبة في توسيع مفهوم الثقافة وفي ربطها بمجالات جديدة يمكن أن تفتح أمام المبدعين، وخاصة الشباب، فرصا للتعلم والإنتاج وربما الاندماج الاقتصادي. لكن كلما اتسعت طموحات البرنامج، برز سؤال لا يمكن تجاوزه: هل تستطيع البنية التحتية الثقافية الحالية أن تستجيب فعلا لهذه المشاريع؟ فالمختبر الرقمي، مثلا، يحتاج إلى تجهيزات واتصال ووسائل تقنية، ومشروع إنتاج البودكاست يحتاج إلى معدات وخبرة، والمشاريع المرتبطة بالذكاء الاصطناعي أو الواقع الافتراضي تحتاج إلى إمكانات مختلفة عن تلك التي يتطلبها النشاط الثقافي التقليدي. لذلك فإن نجاح "Hubs Créatifs" لن يرتبط فقط بجودة الأفكار المقدمة، وإنما أيضا بمدى استعداد المؤسسات التي ستحتضنها. وهنا لا يتعلق الأمر بالمبنى والفضاء فقط، وإنما أيضا بالموارد البشرية القادرة على إدارة المشاريع ومرافقة أصحابها. فالبرنامج يفرض على المؤسسة المشاركة تعيين مسؤول مباشر عن المشروع، وتخصيص فضاء ملائم للمختبر، وإشراك شركاء ميدانيين من المبدعين والمؤسسات التربوية والجامعية والمجتمع المدني والجماعات المحلية، إلى جانب متابعة سير العمل ورفع تقارير دورية. وهذه مسؤوليات تتطلب طريقة عمل مختلفة عن تنظيم نشاط ثقافي عابر، لأنها تفترض التخطيط والمتابعة والتنسيق والتقييم وبناء الشراكات. ومن هنا يصبح السؤال مطروحا حول مدى جاهزية الإطارات العاملة داخل المؤسسات الثقافية لهذه الوظائف الجديدة، وحول حاجتها إلى التكوين والمرافقة حتى لا يتحول المشروع إلى مهمة إدارية إضافية من دون أدوات كافية لتنفيذه. وفي هذا الجانب، أعلنت الوزارة عن حزمة من آليات الدعم تشمل المساهمة المالية في حدود الاعتمادات المتاحة لتمويل التجهيزات والأنشطة، والمرافقة الفنية والمنهجية في إعداد المشاريع، وتكوين الفرق المشرفة، فضلا عن الدعم الاتصالي والترويجي والتشبيك بين الفضاءات الإبداعية والخبراء. وهي عناصر يمكن أن تساعد على إنجاح التجربة، لكن يبقى السؤال حول مدى قدرتها على الاستجابة إلى واقع مختلف من مؤسسة إلى أخرى ومن جهة إلى أخرى. فليست كل دور الثقافة والمركبات الثقافية مجهزة بالدرجة نفسها، كما أن حاجات الجهات ليست متطابقة. وقد تكون بعض المؤسسات في حاجة أولا إلى تجهيزات أساسية، بينما تحتاج أخرى إلى الخبرات والتكوين أو إلى شبكة من الشركاء القادرين على دعم مشاريعها. ولذلك فإن الحديث عن احترام خصوصيات الجهات يجب أن يظهر أيضا في طبيعة المشاريع التي سيتم اختيارها وفي طريقة مرافقتها، حتى لا تتحول "Hubs Créatifs" إلى نموذج موحد يطبق بالآليات نفسها في جميع المناطق. وإذا كان البرنامج يريد أن يجعل من المؤسسات الثقافية حاضنات تجريبية قادرة على إنتاج نماذج أولية في الفنون والرقمنة والصناعات الثقافية، فإن ذلك يطرح أيضا سؤالا حول العلاقة بين الثقافة والتنمية المحلية.

فمشروع رقمنة التراث المحلي، أو إنتاج محتوى رقمي، أو تطوير منتج في مجال التصميم والصناعات الثقافية، يمكن أن يتجاوز حدود النشاط الثقافي ليصبح جزءا من اقتصاد الجهة ومن فرصها الجديدة. كما أن إشراك البلديات والجامعات والجمعيات والقطاع الخاص يمكن أن يمنح المؤسسة الثقافية قدرة أكبر على الخروج من عزلتها وبناء مشاريع مرتبطة بمحيطها. لكن ذلك يفترض شراكات حقيقية وليست فقط أسماء تضاف إلى ملفات الترشح. فهل ستتمكن المؤسسات الثقافية من بناء هذه الشراكات؟ وهل سيكون شركاؤها مستعدين للمساهمة الفعلية في تنفيذ المشاريع وتمويلها أو الترويج لها؟ ثم هناك مسألة الشباب والمواهب المحلية، إذ يراهن البرنامج على تطوير المهارات الفنية والريادية وتسهيل الاندماج الاقتصادي. وهذا هدف مهم، لكن تحويل الموهبة إلى مشروع لا يتم بمجرد توفير فضاء، بل يحتاج إلى تكوين ومرافقة وتمويل وتوجيه وفرص للوصول إلى الجمهور والسوق. ومن هنا تبرز كلمة أخرى أساسية في البرنامج وهي "الاستدامة". فالمشروع الثقافي لا يكتسب قيمته فقط لأنه نجح خلال فترة الاحتضان، وإنما لأنه يستطيع مواصلة حياته بعد انتهاء الدعم الأول. وهنا تحديدا سيكون الاختبار الحقيقي: ماذا سيحدث للمشاريع التي سيتم اختيارها بعد انتهاء البرنامج؟ هل ستواصل المؤسسات الثقافية احتضانها؟ هل سيجد أصحابها مصادر تمويل جديدة؟ هل ستساعدهم الوزارة أو الشركاء على تطويرها؟ وهل يمكن أن تتحول بعض التجارب إلى مشاريع دائمة توفر فرصا للمبدعين وتخدم الجهة والجمهور؟ وهذه الأسئلة تقود أيضا إلى ضرورة إعادة النظر في طريقة تقييم نجاح المؤسسة الثقافية. فإذا كانت المعايير التقليدية تقوم أساسا على عدد الأنشطة والعروض والتظاهرات، فإن منطق "فضاءات إبداعية" يفترض معايير أخرى تقيس ما تم إنتاجه من مشاريع، وما تم توفيره من فرص للمواهب، وما تم بناؤه من شراكات، وما تحقق من أثر اجتماعي وثقافي وتنموي. لذلك يمكن للبرنامج، إذا توفرت له شروط النجاح، أن يكون فرصة لإعادة التفكير في وظيفة المؤسسة الثقافية العمومية، لا من خلال إلغاء دورها التقليدي، وإنما عبر توسيعه. فدار الثقافة يمكن أن تظل فضاء للعروض والأنشطة، لكنها في الوقت نفسه تصبح مكانا تولد فيه الأفكار وتتطور فيه المواهب وتبنى فيه المشاريع. غير أن هذا التحول يحتاج إلى أكثر من الرغبة في تغيير طريقة العمل، يحتاج إلى بنية تحتية ملائمة، وتجهيزات، وموارد بشرية مؤهلة، وتمويل ومرافقة مستمرة، وشراكات حقيقية مع المحيط. لذلك فإن السؤال المطروح اليوم ليس فقط: كم مشروعا سيشارك في البرنامج؟ وإنما أيضا: هل المؤسسات الثقافية جاهزة لهذه الوظيفة الجديدة؟ هل تملك المعدات والخبرات الضرورية؟ هل تستطيع مواكبة المشاريع من الفكرة إلى التنفيذ؟ وهل يمكنها بناء شراكات فعالة مع الجامعات والجمعيات والبلديات والقطاع الخاص؟ والأهم، هل ستجد هذه المشاريع طريقها إلى الاستمرار بعد انتهاء مرحلة الدعم؟ فالإجابة عن هذه الأسئلة ستكون أكثر أهمية من عدد الملفات التي ستصل إلى الوزارة قبل غلق باب الترشحات في 10 سبتمبر 2026، لأنها ستحدد ما إذا كانت "Hubs Créatifs" ستشكل بالفعل خطوة نحو مؤسسة ثقافية جديدة، أم ستبقى مجرد برنامج إضافي ضمن قائمة البرامج الثقافية. والتحدي في النهاية ليس تغيير اسم الفضاء، وإنما تغيير وظيفته وقدرته على إنتاج أثر حقيقي في محيطه. فإذا استطاعت هذه التجربة أن تجعل من دور الثقافة والمركبات الثقافية فضاءات لصناعة المشاريع واكتشاف المواهب وربط الثقافة بالتنمية المحلية، فإنها قد تفتح مسارا جديدا في العمل الثقافي العمومي. أما إذا لم تواكبها البنية والتجهيزات والموارد البشرية وآليات الاستمرار، فقد يصعب على الفكرة، مهما كانت طموحة، أن تتحول إلى ممارسة دائمة.

إيمان عبد اللطيف

 

من النشاط الثقافي إلى صناعة المشاريع..   هل تستطيع دور الثقافة والمركبات الثقافية التحول إلى "فضاءات إبداعية"؟

 

-أمام المبدعين، وخاصة الشباب، من خلال برنامج "الفضاءات الإبداعية" فرصا للتعلم والإنتاج وربما الاندماج الاقتصادي

-استدامة المشروع مسألة جوهرية، بل تعتبر اختبارا حقيقيا لمدى قدرته على الاستمرار والتطور

تونس - الصباح

فتحت وزارة الشؤون الثقافية، عبر الإدارة العامة للعمل الثقافي، باب الترشح لبرنامج "الفضاءات الإبداعية – Hubs Créatifs" الموجه إلى دور الثقافة والمركبات الثقافية، في مبادرة تتجاوز في دلالاتها مجرد إطلاق برنامج جديد، لتطرح تصورا مختلفا لوظيفة المؤسسة الثقافية العمومية. فالمشروع يقترح الانتقال من مؤسسة تتركز مهمتها أساسا على تنظيم الأنشطة والعروض والتظاهرات إلى فضاء قادر على احتضان الأفكار والمواهب ومرافقة أصحابها وتحويل مشاريعهم إلى تجارب قابلة للتطوير والاستمرار. وبعبارة أخرى، لم تعد دار الثقافة أو المركب الثقافي مطالبا فقط باستقبال نشاط جاهز وبرمجته، وإنما بأن يكون طرفا في صناعة النشاط نفسه، وأن يتحول إلى فضاء للإنتاج والتجريب والابتكار والانفتاح على محيطه.

ويستند البرنامج إلى مقاربة تقوم على تثمين الموارد والمواهب المحلية، واحترام خصوصيات الجهات، وتشجيع المشاريع الثقافية ذات البعد الاجتماعي والتنموي، بما يجعل الثقافة جزءا من الحياة اليومية للجهة وليس مجرد محطة ظرفية للفرجة أو التنشيط. وهي مقاربة تكتسب أهميتها في ظل التحولات التي عرفها مفهوم العمل الثقافي، خاصة مع توسع حضور التكنولوجيا والصناعات الإبداعية والرقمنة، وتزايد الحاجة إلى فضاءات تساعد أصحاب الأفكار على تطوير مشاريعهم بدل الاكتفاء بتقديمها للجمهور في شكل أنشطة محدودة زمنيا.

وتتنوع المجالات التي يمكن أن تشملها المشاريع المقترحة، من المختبرات الرقمية والتكنولوجية والواقع الافتراضي والواقع المعزز والذكاء الاصطناعي وإنتاج البودكاست، إلى التصميم والصناعات الثقافية والفنون التجريبية والمعاصرة، فضلا عن المبادرات الاجتماعية والبيئية والاقتصاد التضامني والوساطة الثقافية ورقمنة التراث المحلي. وهذا التنوع يكشف عن رغبة في توسيع مفهوم الثقافة وفي ربطها بمجالات جديدة يمكن أن تفتح أمام المبدعين، وخاصة الشباب، فرصا للتعلم والإنتاج وربما الاندماج الاقتصادي. لكن كلما اتسعت طموحات البرنامج، برز سؤال لا يمكن تجاوزه: هل تستطيع البنية التحتية الثقافية الحالية أن تستجيب فعلا لهذه المشاريع؟ فالمختبر الرقمي، مثلا، يحتاج إلى تجهيزات واتصال ووسائل تقنية، ومشروع إنتاج البودكاست يحتاج إلى معدات وخبرة، والمشاريع المرتبطة بالذكاء الاصطناعي أو الواقع الافتراضي تحتاج إلى إمكانات مختلفة عن تلك التي يتطلبها النشاط الثقافي التقليدي. لذلك فإن نجاح "Hubs Créatifs" لن يرتبط فقط بجودة الأفكار المقدمة، وإنما أيضا بمدى استعداد المؤسسات التي ستحتضنها. وهنا لا يتعلق الأمر بالمبنى والفضاء فقط، وإنما أيضا بالموارد البشرية القادرة على إدارة المشاريع ومرافقة أصحابها. فالبرنامج يفرض على المؤسسة المشاركة تعيين مسؤول مباشر عن المشروع، وتخصيص فضاء ملائم للمختبر، وإشراك شركاء ميدانيين من المبدعين والمؤسسات التربوية والجامعية والمجتمع المدني والجماعات المحلية، إلى جانب متابعة سير العمل ورفع تقارير دورية. وهذه مسؤوليات تتطلب طريقة عمل مختلفة عن تنظيم نشاط ثقافي عابر، لأنها تفترض التخطيط والمتابعة والتنسيق والتقييم وبناء الشراكات. ومن هنا يصبح السؤال مطروحا حول مدى جاهزية الإطارات العاملة داخل المؤسسات الثقافية لهذه الوظائف الجديدة، وحول حاجتها إلى التكوين والمرافقة حتى لا يتحول المشروع إلى مهمة إدارية إضافية من دون أدوات كافية لتنفيذه. وفي هذا الجانب، أعلنت الوزارة عن حزمة من آليات الدعم تشمل المساهمة المالية في حدود الاعتمادات المتاحة لتمويل التجهيزات والأنشطة، والمرافقة الفنية والمنهجية في إعداد المشاريع، وتكوين الفرق المشرفة، فضلا عن الدعم الاتصالي والترويجي والتشبيك بين الفضاءات الإبداعية والخبراء. وهي عناصر يمكن أن تساعد على إنجاح التجربة، لكن يبقى السؤال حول مدى قدرتها على الاستجابة إلى واقع مختلف من مؤسسة إلى أخرى ومن جهة إلى أخرى. فليست كل دور الثقافة والمركبات الثقافية مجهزة بالدرجة نفسها، كما أن حاجات الجهات ليست متطابقة. وقد تكون بعض المؤسسات في حاجة أولا إلى تجهيزات أساسية، بينما تحتاج أخرى إلى الخبرات والتكوين أو إلى شبكة من الشركاء القادرين على دعم مشاريعها. ولذلك فإن الحديث عن احترام خصوصيات الجهات يجب أن يظهر أيضا في طبيعة المشاريع التي سيتم اختيارها وفي طريقة مرافقتها، حتى لا تتحول "Hubs Créatifs" إلى نموذج موحد يطبق بالآليات نفسها في جميع المناطق. وإذا كان البرنامج يريد أن يجعل من المؤسسات الثقافية حاضنات تجريبية قادرة على إنتاج نماذج أولية في الفنون والرقمنة والصناعات الثقافية، فإن ذلك يطرح أيضا سؤالا حول العلاقة بين الثقافة والتنمية المحلية.

فمشروع رقمنة التراث المحلي، أو إنتاج محتوى رقمي، أو تطوير منتج في مجال التصميم والصناعات الثقافية، يمكن أن يتجاوز حدود النشاط الثقافي ليصبح جزءا من اقتصاد الجهة ومن فرصها الجديدة. كما أن إشراك البلديات والجامعات والجمعيات والقطاع الخاص يمكن أن يمنح المؤسسة الثقافية قدرة أكبر على الخروج من عزلتها وبناء مشاريع مرتبطة بمحيطها. لكن ذلك يفترض شراكات حقيقية وليست فقط أسماء تضاف إلى ملفات الترشح. فهل ستتمكن المؤسسات الثقافية من بناء هذه الشراكات؟ وهل سيكون شركاؤها مستعدين للمساهمة الفعلية في تنفيذ المشاريع وتمويلها أو الترويج لها؟ ثم هناك مسألة الشباب والمواهب المحلية، إذ يراهن البرنامج على تطوير المهارات الفنية والريادية وتسهيل الاندماج الاقتصادي. وهذا هدف مهم، لكن تحويل الموهبة إلى مشروع لا يتم بمجرد توفير فضاء، بل يحتاج إلى تكوين ومرافقة وتمويل وتوجيه وفرص للوصول إلى الجمهور والسوق. ومن هنا تبرز كلمة أخرى أساسية في البرنامج وهي "الاستدامة". فالمشروع الثقافي لا يكتسب قيمته فقط لأنه نجح خلال فترة الاحتضان، وإنما لأنه يستطيع مواصلة حياته بعد انتهاء الدعم الأول. وهنا تحديدا سيكون الاختبار الحقيقي: ماذا سيحدث للمشاريع التي سيتم اختيارها بعد انتهاء البرنامج؟ هل ستواصل المؤسسات الثقافية احتضانها؟ هل سيجد أصحابها مصادر تمويل جديدة؟ هل ستساعدهم الوزارة أو الشركاء على تطويرها؟ وهل يمكن أن تتحول بعض التجارب إلى مشاريع دائمة توفر فرصا للمبدعين وتخدم الجهة والجمهور؟ وهذه الأسئلة تقود أيضا إلى ضرورة إعادة النظر في طريقة تقييم نجاح المؤسسة الثقافية. فإذا كانت المعايير التقليدية تقوم أساسا على عدد الأنشطة والعروض والتظاهرات، فإن منطق "فضاءات إبداعية" يفترض معايير أخرى تقيس ما تم إنتاجه من مشاريع، وما تم توفيره من فرص للمواهب، وما تم بناؤه من شراكات، وما تحقق من أثر اجتماعي وثقافي وتنموي. لذلك يمكن للبرنامج، إذا توفرت له شروط النجاح، أن يكون فرصة لإعادة التفكير في وظيفة المؤسسة الثقافية العمومية، لا من خلال إلغاء دورها التقليدي، وإنما عبر توسيعه. فدار الثقافة يمكن أن تظل فضاء للعروض والأنشطة، لكنها في الوقت نفسه تصبح مكانا تولد فيه الأفكار وتتطور فيه المواهب وتبنى فيه المشاريع. غير أن هذا التحول يحتاج إلى أكثر من الرغبة في تغيير طريقة العمل، يحتاج إلى بنية تحتية ملائمة، وتجهيزات، وموارد بشرية مؤهلة، وتمويل ومرافقة مستمرة، وشراكات حقيقية مع المحيط. لذلك فإن السؤال المطروح اليوم ليس فقط: كم مشروعا سيشارك في البرنامج؟ وإنما أيضا: هل المؤسسات الثقافية جاهزة لهذه الوظيفة الجديدة؟ هل تملك المعدات والخبرات الضرورية؟ هل تستطيع مواكبة المشاريع من الفكرة إلى التنفيذ؟ وهل يمكنها بناء شراكات فعالة مع الجامعات والجمعيات والبلديات والقطاع الخاص؟ والأهم، هل ستجد هذه المشاريع طريقها إلى الاستمرار بعد انتهاء مرحلة الدعم؟ فالإجابة عن هذه الأسئلة ستكون أكثر أهمية من عدد الملفات التي ستصل إلى الوزارة قبل غلق باب الترشحات في 10 سبتمبر 2026، لأنها ستحدد ما إذا كانت "Hubs Créatifs" ستشكل بالفعل خطوة نحو مؤسسة ثقافية جديدة، أم ستبقى مجرد برنامج إضافي ضمن قائمة البرامج الثقافية. والتحدي في النهاية ليس تغيير اسم الفضاء، وإنما تغيير وظيفته وقدرته على إنتاج أثر حقيقي في محيطه. فإذا استطاعت هذه التجربة أن تجعل من دور الثقافة والمركبات الثقافية فضاءات لصناعة المشاريع واكتشاف المواهب وربط الثقافة بالتنمية المحلية، فإنها قد تفتح مسارا جديدا في العمل الثقافي العمومي. أما إذا لم تواكبها البنية والتجهيزات والموارد البشرية وآليات الاستمرار، فقد يصعب على الفكرة، مهما كانت طموحة، أن تتحول إلى ممارسة دائمة.

إيمان عبد اللطيف