إشترك في النسخة الرقمية لجريدة الصباح و LE TEMPS

موسم فلاحي جديد... من الاستعداد المبكر إلى تعزيز الإنتاج الوطني

تونس-الصباح

أيام قليلة فقط تفصلنا عن انطلاق موسم فلاحي جديد، لتعود إلى الواجهة الأسئلة ذاتها حول مدى جاهزية مختلف المتدخلين لمواجهة استحقاقات الأشهر القادمة. فمن توفير البذور والأسمدة ومستلزمات الإنتاج، إلى تأمين مياه الري وصولًا إلى تنظيم مسالك التجميع والتخزين والتسويق، تبدأ معالم موسم جديد تتوقف نتائجه على الاستعدادات والقرارات التي ستُتخذ لتأمين الظروف الملائمة للفلاحين وضمان انطلاقة ناجحة لمختلف المنظومات الزراعية.

 

منال حرزي

 

وبما أن الفلاحة تمثل اليوم أحد أعمدة الاقتصاد الوطني ومصدرًا أساسيًا للأمن، فإن الاستعداد للموسم يعتبر اختبارًا لمدى قدرة مختلف هياكل الدولة على استباق الصعوبات والتدخل سريعًا لمجابهتها، وهو ما يفسر المكانة التي يحتلها القطاع الفلاحي في اهتمامات الدولة في أعلى هرمها، لا سيما وأن رئيس الدولة قيس سعيد أكد في أكثر من مناسبة أهمية توفير الظروف الملائمة التي تمكّن الفلاح من أداء عمله دون إشكاليات تذكر، بما من شأنه أن يعزز قدرة تونس على الاعتماد على إمكانياتها الذاتية.

ومع اقتراب انطلاق موسم الزراعات الكبرى، واستعداد منظومات الزيتون والتمور والقوارص لمراحل حاسمة من نشاطها، تبدو الحاجة ملحة اليوم إلى تعبئة شاملة تجعل من الموسم المقبل محطة لتحسين الإنتاج.

 

ضرورة الاستعداد المبكر...

 

يحتاج الفلاح قبل بداية الموسم إلى رؤية واضحة بشأن توفر البذور والأسمدة والأعلاف والمبيدات، فضلًا عن الخدمات المرتبطة بالتمويل والتأمين والإحاطة الفنية.

ومن هنا تكتسي المتابعة التي توليها الدولة للقطاع أهمية خاصة، باعتبار أن الفلاح لا يستطيع بمفرده مواجهة كل التحولات المرتبطة بالمناخ والأسواق وكلفة الإنتاج. وفي هذا السياق، جدير بالذكر أنه وبتوجيهات مباشرة من رئيس الدولة قيس سعيد، التأمت مؤخرًا بوزارة الفلاحة جلسة تقييم للمواسم الفلاحية بالمركبات الفلاحية ووحدات التصرف، إلى جانب ضبط الاستعدادات للموسم الجديد، على اعتبار أن الاستعداد المبكر من شأنه أن يتيح تدارك النقائص التي أفرزتها المواسم السابقة واستباق الصعوبات المحتملة، فضلًا عن ضمان توفير مختلف مستلزمات الإنتاج في الآجال المناسبة.

 

الزراعات الكبرى.. رهان السيادة الغذائية

 

وضمن هذه المقاربة، تحظى الزراعات الكبرى بمكانة استراتيجية في المنظومة الفلاحية التونسية، بالنظر إلى ارتباطها المباشر بتوفير الحبوب ومختلف المنتجات الأساسية التي تهم الأمن الغذائي للبلاد. ولذلك فإن الاستعداد لموسم الحبوب لا ينفصل عن توجه عام يتعلق بتعزيز الإنتاج الوطني والحد من التبعية للخارج.

وفي هذا الخصوص، شدد رئيس الجمهورية قيس سعيّد في عديد المناسبات على ضرورة تثمين الثروات الوطنية وإحكام استغلال الإمكانيات المتوفرة، في إطار رؤية تجعل من السيادة الغذائية جزءًا من السيادة الوطنية. وهذه المقاربة تضع الزراعات الكبرى أمام مسؤولية مضاعفة، إذ إن الرهان يتجاوز تحقيق أرقام إنتاج مرتفعة ليطال مدى القدرة على توفير جزء أكبر من الحاجيات الأساسية.

ويقتضي هذا التوجه توفير البذور في الآجال المناسبة، ومساعدة الفلاحين على اعتماد الممارسات الزراعية التي ترفع الإنتاجية وتحافظ في الوقت نفسه على خصوبة التربة. كما أن الإرشاد الفلاحي يظل عنصرًا أساسيًا في نقل نتائج البحث العلمي إلى الميدان، خاصة في ظل التغيرات المناخية التي أصبحت تفرض عديد المراجعات في آليات العمل.

وفي هذا الإطار، يرى أهل الاختصاص أنه من الضروري الاعتماد على الأصناف الأكثر قدرة على التأقلم مع التحديات المناخية كأحد الخيارات المستقبلية، إلى جانب حسن إدارة الموارد المائية واستعمال التقنيات التي تمكن من الاقتصاد في المياه.

 

الزيتون.. ثروة تحتاج إلى تثمين أكثر

 

وإذا كانت الزراعات الكبرى تمثل مجالًا هامًا في توفير الغذاء، فإن قطاع الزيتون يعتبر قطاعًا جوهريًا ومتعدد الأبعاد، إذ يجمع بين البعد الاقتصادي والتصديري والتراثي. فتونس تعد من البلدان التي ارتبط اسمها تاريخيًا بزراعة الزيتون وإنتاج زيت الزيتون، وهي منظومة توفر مواطن شغل هامة وتساهم في دعم الصادرات وتعزيز حضور المنتوج التونسي في الأسواق العالمية.

ومع اقتراب مواسم الجني والتسويق، تبرز أهمية الاستعداد المسبق لضمان حسن استغلال الإنتاج، خاصة وأن نجاح موسم الزيتون لا يتوقف عند حجم الصابة، بل يرتبط كذلك بقدرة المنظومة على المحافظة على الجودة وتنظيم عمليات الجني والتحويل والتخزين والترويج.

ومن الضروري، في هذا السياق، دعم الفلاحين ومتابعة وضعياتهم، خاصة صغار المنتجين الذين قد يواجهون صعوبات في تغطية كلفة الإنتاج أو في الوصول إلى الأسواق بشروط عادلة. كما تطرح مسألة تثمين زيت الزيتون التونسي ضرورة الانتقال من تصدير المادة الخام إلى تعزيز المنتجات ذات القيمة المضافة والعلامات التجارية القادرة على المنافسة في الأسواق الدولية.

وفي هذا السياق، جدير بالذكر أن رئيس الدولة قيس سعيد كان قد أقرّ إجراءات لفائدة صغار الفلاحين تضمن لهم مزيدًا من الإحاطة والدعم وتساعدهم على تجاوز الصعوبات التي قد تعترض نشاطهم، باعتبارهم حلقة أساسية في المنظومة الفلاحية الوطنية. أما فيما يتعلق بزيت الزيتون، فقد حظي خلال السنة الماضية بإشعاع دولي بارز، كما حصد مراتب عالمية أولى، حيث عملت مختلف البعثات الدبلوماسية التونسية في الداخل والخارج، بتوجيهات من رئيس الدولة، على الترويج لزيت الزيتون التونسي والتعريف بجودته وخصوصياته، بما ساهم في تعزيز حضوره في الأسواق الدولية وفتح آفاق جديدة أمام هذا المنتوج الاستراتيجي.

 

التمور.. والمحافظة على ريادة المنتوج

 

أما في واحات الجنوب، تستعد منظومة التمور بدورها لمحطات أساسية من الموسم. وتكتسب هذه الزراعة أهمية خاصة لما تمثله من مورد اقتصادي واجتماعي لآلاف العائلات، فضلًا عن المكانة التي تحتلها التمور التونسية، وخاصة "دقلة النور"، في الأسواق الخارجية.

غير أن المحافظة على هذه المكانة تتطلب متابعة مستمرة لمختلف التحديات التي تواجه الواحات، وفي مقدمتها الضغط على الموارد المائية والتغيرات المناخية والمخاطر الصحية التي قد تؤثر على مختلف مراحل الإنتاج. كما أن تطوير المنظومة يقتضي مواصلة الاستثمار في الجودة والتعليب والتخزين، حتى لا تقتصر القيمة المضافة على مرحلة الإنتاج الأولي.

ويمثل حسن إدارة المياه في الواحات أحد أهم الرهانات، باعتبار أن المحافظة على إنتاج التمور ترتبط مباشرة بضمان استدامة المورد المائي. وهنا تبرز الحاجة إلى توسيع استخدام التقنيات الحديثة وترشيد الاستهلاك، بالتوازي مع صيانة الواحات باعتبارها منظومات بيئية واقتصادية ذات خصوصية عالية.

وبالتوازي مع التمور، تمثل منظومة القوارص بدورها أحد مكونات المشهد الفلاحي الوطني، وترتبط بمناطق لها تقاليد عريقة في هذا النشاط. وتطرح هذه المنظومة جملة من التحديات المتصلة بالإنتاج والمياه والأمراض النباتية والتسويق، وهو ما يجعل المتابعة الفنية والاستعداد المبكر عاملين حاسمين في نجاح الموسم.

 

الفلاح في صميم المعادلة

 

وراء كل الأرقام المتعلقة بالإنتاج والصادرات توجد آلاف العائلات التي تظل الفلاحة مصدر رزقها الرئيسي. ولذلك فإن أي سياسة ترمي إلى تطوير القطاع ينبغي أن تضع الفلاح في صلب اهتماماتها، وأن تنظر إلى مشاغله اليومية باعتبارها جزءًا من معركة تطوير الإنتاج، خاصة وأن مسألة كلفة الإنتاج تعتبر من أبرز التحديات.

وفي هذا السياق، أقرت الدولة، بتوجيهات من رئيس الجمهورية قيس سعيّد، جملة من الإجراءات والحوافز، من بينها تيسير النفاذ إلى القروض وغيرها من آليات الدعم، حتى يتمكن الفلاحون، وخاصة صغارهم، من مواصلة نشاطهم في ظروف أفضل ومجابهة الأعباء التي قد تثقل كاهلهم مع انطلاقة كل الموسم، بما يؤشر إلى الحفاظ على ديمومة النشاط الفلاحي وتحفيز المنتجين على الاستثمار في أراضيهم، باعتبار أن دعم الفلاح يمثل في جوهره استثمارًا في الأمن الغذائي الوطني.

 

من التوجيهات إلى نتائج ملموسة

 

وضمن هذه المقاربة، فإن الاهتمام الذي يوليه رئيس الجمهورية قيس سعيّد بالقطاع الفلاحي يندرج ضمن رؤية شاملة تؤكد أهمية استعادة الدولة لدورها في حماية القطاعات الاستراتيجية وضمان حسن استغلال الثروات الوطنية.

وهو ما يقتضي، وفقًا لأهل الاختصاص، مزيدًا من التنسيق بين مختلف الوزارات والهياكل المعنية، وتجاوز المعالجات القطاعية المنفصلة لمختلف الإشكاليات والتحديات. فالفلاحة ترتبط بعديد القطاعات الجوهرية على غرار المياه والطاقة والنقل والتجارة والبحث العلمي والتمويل، ولا يمكن تطويرها من خلال قرارات معزولة عن بقية هذه المجالات.

كما أن المتابعة الميدانية تظل ضرورية لتقييم مدى تنفيذ الإجراءات واتخاذ القرارات التصحيحية في الوقت المناسب.

ومع اقتراب انطلاق الموسم الجديد، تبدو الحاجة ملحة أيضًا إلى أن تتحول مرحلة الاستعداد إلى مناسبة لتضافر الجهود حول هدف واضح: توفير كل الشروط الممكنة للفلاح حتى ينتج، وللمنظومات الفلاحية حتى تتطور بما يخول أن تعزز أمنها الغذائي واقتصادها الوطني.

فالفترة التي تسبق انطلاق الموسم هي بمثابة المعركة الفعلية من أجل بلوغ موسم ناجح. فبين حقل الحبوب وواحات التمور وبساتين الزيتون والقوارص، تتشكل رافعة هامة للاقتصاد التونسي. ومن هنا، وفي ظل الإرادة السياسية لتطوير هذا القطاع الاستراتيجي، فإن الرهان المطروح اليوم هو أن يكون كل موسم فلاحي جديد بمثابة خطوة جديدة نحو إنتاج أقوى، وفلاحة أكثر قدرة على الصمود، وتونس أكثر سيادة على غذائها وثرواتها.

 

موسم فلاحي جديد... من الاستعداد المبكر إلى تعزيز الإنتاج الوطني

تونس-الصباح

أيام قليلة فقط تفصلنا عن انطلاق موسم فلاحي جديد، لتعود إلى الواجهة الأسئلة ذاتها حول مدى جاهزية مختلف المتدخلين لمواجهة استحقاقات الأشهر القادمة. فمن توفير البذور والأسمدة ومستلزمات الإنتاج، إلى تأمين مياه الري وصولًا إلى تنظيم مسالك التجميع والتخزين والتسويق، تبدأ معالم موسم جديد تتوقف نتائجه على الاستعدادات والقرارات التي ستُتخذ لتأمين الظروف الملائمة للفلاحين وضمان انطلاقة ناجحة لمختلف المنظومات الزراعية.

 

منال حرزي

 

وبما أن الفلاحة تمثل اليوم أحد أعمدة الاقتصاد الوطني ومصدرًا أساسيًا للأمن، فإن الاستعداد للموسم يعتبر اختبارًا لمدى قدرة مختلف هياكل الدولة على استباق الصعوبات والتدخل سريعًا لمجابهتها، وهو ما يفسر المكانة التي يحتلها القطاع الفلاحي في اهتمامات الدولة في أعلى هرمها، لا سيما وأن رئيس الدولة قيس سعيد أكد في أكثر من مناسبة أهمية توفير الظروف الملائمة التي تمكّن الفلاح من أداء عمله دون إشكاليات تذكر، بما من شأنه أن يعزز قدرة تونس على الاعتماد على إمكانياتها الذاتية.

ومع اقتراب انطلاق موسم الزراعات الكبرى، واستعداد منظومات الزيتون والتمور والقوارص لمراحل حاسمة من نشاطها، تبدو الحاجة ملحة اليوم إلى تعبئة شاملة تجعل من الموسم المقبل محطة لتحسين الإنتاج.

 

ضرورة الاستعداد المبكر...

 

يحتاج الفلاح قبل بداية الموسم إلى رؤية واضحة بشأن توفر البذور والأسمدة والأعلاف والمبيدات، فضلًا عن الخدمات المرتبطة بالتمويل والتأمين والإحاطة الفنية.

ومن هنا تكتسي المتابعة التي توليها الدولة للقطاع أهمية خاصة، باعتبار أن الفلاح لا يستطيع بمفرده مواجهة كل التحولات المرتبطة بالمناخ والأسواق وكلفة الإنتاج. وفي هذا السياق، جدير بالذكر أنه وبتوجيهات مباشرة من رئيس الدولة قيس سعيد، التأمت مؤخرًا بوزارة الفلاحة جلسة تقييم للمواسم الفلاحية بالمركبات الفلاحية ووحدات التصرف، إلى جانب ضبط الاستعدادات للموسم الجديد، على اعتبار أن الاستعداد المبكر من شأنه أن يتيح تدارك النقائص التي أفرزتها المواسم السابقة واستباق الصعوبات المحتملة، فضلًا عن ضمان توفير مختلف مستلزمات الإنتاج في الآجال المناسبة.

 

الزراعات الكبرى.. رهان السيادة الغذائية

 

وضمن هذه المقاربة، تحظى الزراعات الكبرى بمكانة استراتيجية في المنظومة الفلاحية التونسية، بالنظر إلى ارتباطها المباشر بتوفير الحبوب ومختلف المنتجات الأساسية التي تهم الأمن الغذائي للبلاد. ولذلك فإن الاستعداد لموسم الحبوب لا ينفصل عن توجه عام يتعلق بتعزيز الإنتاج الوطني والحد من التبعية للخارج.

وفي هذا الخصوص، شدد رئيس الجمهورية قيس سعيّد في عديد المناسبات على ضرورة تثمين الثروات الوطنية وإحكام استغلال الإمكانيات المتوفرة، في إطار رؤية تجعل من السيادة الغذائية جزءًا من السيادة الوطنية. وهذه المقاربة تضع الزراعات الكبرى أمام مسؤولية مضاعفة، إذ إن الرهان يتجاوز تحقيق أرقام إنتاج مرتفعة ليطال مدى القدرة على توفير جزء أكبر من الحاجيات الأساسية.

ويقتضي هذا التوجه توفير البذور في الآجال المناسبة، ومساعدة الفلاحين على اعتماد الممارسات الزراعية التي ترفع الإنتاجية وتحافظ في الوقت نفسه على خصوبة التربة. كما أن الإرشاد الفلاحي يظل عنصرًا أساسيًا في نقل نتائج البحث العلمي إلى الميدان، خاصة في ظل التغيرات المناخية التي أصبحت تفرض عديد المراجعات في آليات العمل.

وفي هذا الإطار، يرى أهل الاختصاص أنه من الضروري الاعتماد على الأصناف الأكثر قدرة على التأقلم مع التحديات المناخية كأحد الخيارات المستقبلية، إلى جانب حسن إدارة الموارد المائية واستعمال التقنيات التي تمكن من الاقتصاد في المياه.

 

الزيتون.. ثروة تحتاج إلى تثمين أكثر

 

وإذا كانت الزراعات الكبرى تمثل مجالًا هامًا في توفير الغذاء، فإن قطاع الزيتون يعتبر قطاعًا جوهريًا ومتعدد الأبعاد، إذ يجمع بين البعد الاقتصادي والتصديري والتراثي. فتونس تعد من البلدان التي ارتبط اسمها تاريخيًا بزراعة الزيتون وإنتاج زيت الزيتون، وهي منظومة توفر مواطن شغل هامة وتساهم في دعم الصادرات وتعزيز حضور المنتوج التونسي في الأسواق العالمية.

ومع اقتراب مواسم الجني والتسويق، تبرز أهمية الاستعداد المسبق لضمان حسن استغلال الإنتاج، خاصة وأن نجاح موسم الزيتون لا يتوقف عند حجم الصابة، بل يرتبط كذلك بقدرة المنظومة على المحافظة على الجودة وتنظيم عمليات الجني والتحويل والتخزين والترويج.

ومن الضروري، في هذا السياق، دعم الفلاحين ومتابعة وضعياتهم، خاصة صغار المنتجين الذين قد يواجهون صعوبات في تغطية كلفة الإنتاج أو في الوصول إلى الأسواق بشروط عادلة. كما تطرح مسألة تثمين زيت الزيتون التونسي ضرورة الانتقال من تصدير المادة الخام إلى تعزيز المنتجات ذات القيمة المضافة والعلامات التجارية القادرة على المنافسة في الأسواق الدولية.

وفي هذا السياق، جدير بالذكر أن رئيس الدولة قيس سعيد كان قد أقرّ إجراءات لفائدة صغار الفلاحين تضمن لهم مزيدًا من الإحاطة والدعم وتساعدهم على تجاوز الصعوبات التي قد تعترض نشاطهم، باعتبارهم حلقة أساسية في المنظومة الفلاحية الوطنية. أما فيما يتعلق بزيت الزيتون، فقد حظي خلال السنة الماضية بإشعاع دولي بارز، كما حصد مراتب عالمية أولى، حيث عملت مختلف البعثات الدبلوماسية التونسية في الداخل والخارج، بتوجيهات من رئيس الدولة، على الترويج لزيت الزيتون التونسي والتعريف بجودته وخصوصياته، بما ساهم في تعزيز حضوره في الأسواق الدولية وفتح آفاق جديدة أمام هذا المنتوج الاستراتيجي.

 

التمور.. والمحافظة على ريادة المنتوج

 

أما في واحات الجنوب، تستعد منظومة التمور بدورها لمحطات أساسية من الموسم. وتكتسب هذه الزراعة أهمية خاصة لما تمثله من مورد اقتصادي واجتماعي لآلاف العائلات، فضلًا عن المكانة التي تحتلها التمور التونسية، وخاصة "دقلة النور"، في الأسواق الخارجية.

غير أن المحافظة على هذه المكانة تتطلب متابعة مستمرة لمختلف التحديات التي تواجه الواحات، وفي مقدمتها الضغط على الموارد المائية والتغيرات المناخية والمخاطر الصحية التي قد تؤثر على مختلف مراحل الإنتاج. كما أن تطوير المنظومة يقتضي مواصلة الاستثمار في الجودة والتعليب والتخزين، حتى لا تقتصر القيمة المضافة على مرحلة الإنتاج الأولي.

ويمثل حسن إدارة المياه في الواحات أحد أهم الرهانات، باعتبار أن المحافظة على إنتاج التمور ترتبط مباشرة بضمان استدامة المورد المائي. وهنا تبرز الحاجة إلى توسيع استخدام التقنيات الحديثة وترشيد الاستهلاك، بالتوازي مع صيانة الواحات باعتبارها منظومات بيئية واقتصادية ذات خصوصية عالية.

وبالتوازي مع التمور، تمثل منظومة القوارص بدورها أحد مكونات المشهد الفلاحي الوطني، وترتبط بمناطق لها تقاليد عريقة في هذا النشاط. وتطرح هذه المنظومة جملة من التحديات المتصلة بالإنتاج والمياه والأمراض النباتية والتسويق، وهو ما يجعل المتابعة الفنية والاستعداد المبكر عاملين حاسمين في نجاح الموسم.

 

الفلاح في صميم المعادلة

 

وراء كل الأرقام المتعلقة بالإنتاج والصادرات توجد آلاف العائلات التي تظل الفلاحة مصدر رزقها الرئيسي. ولذلك فإن أي سياسة ترمي إلى تطوير القطاع ينبغي أن تضع الفلاح في صلب اهتماماتها، وأن تنظر إلى مشاغله اليومية باعتبارها جزءًا من معركة تطوير الإنتاج، خاصة وأن مسألة كلفة الإنتاج تعتبر من أبرز التحديات.

وفي هذا السياق، أقرت الدولة، بتوجيهات من رئيس الجمهورية قيس سعيّد، جملة من الإجراءات والحوافز، من بينها تيسير النفاذ إلى القروض وغيرها من آليات الدعم، حتى يتمكن الفلاحون، وخاصة صغارهم، من مواصلة نشاطهم في ظروف أفضل ومجابهة الأعباء التي قد تثقل كاهلهم مع انطلاقة كل الموسم، بما يؤشر إلى الحفاظ على ديمومة النشاط الفلاحي وتحفيز المنتجين على الاستثمار في أراضيهم، باعتبار أن دعم الفلاح يمثل في جوهره استثمارًا في الأمن الغذائي الوطني.

 

من التوجيهات إلى نتائج ملموسة

 

وضمن هذه المقاربة، فإن الاهتمام الذي يوليه رئيس الجمهورية قيس سعيّد بالقطاع الفلاحي يندرج ضمن رؤية شاملة تؤكد أهمية استعادة الدولة لدورها في حماية القطاعات الاستراتيجية وضمان حسن استغلال الثروات الوطنية.

وهو ما يقتضي، وفقًا لأهل الاختصاص، مزيدًا من التنسيق بين مختلف الوزارات والهياكل المعنية، وتجاوز المعالجات القطاعية المنفصلة لمختلف الإشكاليات والتحديات. فالفلاحة ترتبط بعديد القطاعات الجوهرية على غرار المياه والطاقة والنقل والتجارة والبحث العلمي والتمويل، ولا يمكن تطويرها من خلال قرارات معزولة عن بقية هذه المجالات.

كما أن المتابعة الميدانية تظل ضرورية لتقييم مدى تنفيذ الإجراءات واتخاذ القرارات التصحيحية في الوقت المناسب.

ومع اقتراب انطلاق الموسم الجديد، تبدو الحاجة ملحة أيضًا إلى أن تتحول مرحلة الاستعداد إلى مناسبة لتضافر الجهود حول هدف واضح: توفير كل الشروط الممكنة للفلاح حتى ينتج، وللمنظومات الفلاحية حتى تتطور بما يخول أن تعزز أمنها الغذائي واقتصادها الوطني.

فالفترة التي تسبق انطلاق الموسم هي بمثابة المعركة الفعلية من أجل بلوغ موسم ناجح. فبين حقل الحبوب وواحات التمور وبساتين الزيتون والقوارص، تتشكل رافعة هامة للاقتصاد التونسي. ومن هنا، وفي ظل الإرادة السياسية لتطوير هذا القطاع الاستراتيجي، فإن الرهان المطروح اليوم هو أن يكون كل موسم فلاحي جديد بمثابة خطوة جديدة نحو إنتاج أقوى، وفلاحة أكثر قدرة على الصمود، وتونس أكثر سيادة على غذائها وثرواتها.