تعود اليوم مسألة وحدة الصف العربي إلى الواجهة كواحدة من أبرز الركائز الاستراتيجية لمواجهة واقع إقليمي ودولي معقد، بما يحمله من تحولات متسارعة وتحديات متشابكة لم تعد تداعياتها تقف عند حدود دولة بعينها. وفي خضم هذا المشهد، تعكس الاتصالات التي أجراها مؤخرًا رئيس الجمهورية قيس سعيّد مع عدد من القادة العرب إيمانًا راسخًا بأن مواجهة التحديات المشتركة تقتضي إرادة جماعية وتنسيقًا أوثق بين الدول العربية.
منال حرزي
وبين المكالمتين الأخيرتين مع الرئيسين الجزائري عبد المجيد تبون والمصري عبد الفتاح السيسي، تتجدد الدعوة إلى تجاوز منطق المواقف المتفرقة وبناء رؤية مشتركة قادرة على مواجهة استحقاقات المرحلة والدفاع عن مصالح الشعوب العربية.
تدرك اليوم كل من تونس والجزائر ومصر أن ما يجمعها من علاقات تاريخية وروابط مشتركة يمكن أن يشكل أرضية صلبة للتشاور والتنسيق حول قضايا تتجاوز حدود كل دولة على حدة. فالمنطقة تواجه جملة من التحولات المتسارعة، في مقدمتها الوضع المتأزم في ليبيا، يقابله تنافس وصراع دولي حاد، إلى جانب ضغوطات اقتصادية واجتماعية متزايدة، فضلًا عن محاولات لإعادة تشكيل موازين القوى والنفوذ. وإزاء هذا المشهد المعقد، يبرز التنسيق بين الدول المتقاربة في رؤاها ومصالحها كخيار مهم لتعزيز الاستقرار الإقليمي والتعامل بشكل مشترك مع التحديات التي تفرضها المرحلة.
ومن هذا المنطلق، يعكس تأكيد رئيس الجمهورية قيس سعيّد ونظيره الجزائري عبد المجيد تبون على "العزم الموحد" لمجابهة مختلف التحديات الراهنة وعيًا مشتركًا بأن طبيعة المرحلة تستوجب البحث عن مقاربات وإجابات مشتركة، لا سيما وأن تونس والجزائر تجمعهما روابط تاريخية ومجال جغرافي مشترك، إلى جانب رهانات أمنية واقتصادية متداخلة، تجعل من التنسيق والتعاون ضرورة حتمية لمواجهة مختلف التحولات. فتعزيز التشاور وتوحيد الجهود من شأنه أن يدعم قدرة البلدين على التعامل مع التحديات المشتركة، بما يعزز الاستقرار ويخدم مصالح الشعبين الشقيقين.
أما التواصل مع مصر، فيؤكد بدوره أن تونس تنظر إلى أمن المنطقة العربية باعتباره منظومة مترابطة، وهو ما عبّر عنه رئيس الدولة قيس سعيّد عندما أكد أن أمن مصر جزء من الأمن القومي العربي. وتختزل هذه العبارة تصورًا واسعًا لمفهوم الأمن، يقوم على مقاربة تتجاوز الحدود الوطنية الضيقة، انطلاقًا من قناعة بأن إضعاف أي دولة عربية أو زعزعة استقرارها يمكن أن يسفر عن تداعيات تمتد إلى محيطها، بما من شأنه أن يؤثر على أمن المنطقة برمتها.
وفي هذا الخصوص، يعكس تأكيد رئيس الجمهورية قيس سعيّد خلال اتصاله مع الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي أن "ما دمنا على قلب رجل واحد قادرون على رفع كل التحديات" قناعة واضحة بأهمية توحيد الإرادة العربية في مواجهة الاستحقاقات الراهنة.
وهذا الطرح لا يقف عند حدود التضامن أو وحدة المواقف، وإنما يفتح المجال أمام بلورة تنسيق عربي أكثر فاعلية وقدرة على تحويل وحدة المصير إلى عمل مشترك ومواقف متقاربة إزاء القضايا التي تمس أمن المنطقة واستقرارها، لا سيما وأن التحديات الكبرى لا تعترف بالحدود. فالإرهاب، والهجرة غير النظامية، والجريمة المنظمة، وغيرها، جميعها قضايا تتطلب درجات متفاوتة من التعاون والتنسيق.
ولذلك، فإن توحيد الجهود لا يعني بالضرورة تطابق المواقف في جميع الملفات، فلكل دولة خصوصياتها وحساباتها ومصالحها الوطنية، لكنه يعني وجود حد أدنى من الرؤية المشتركة حول القضايا المصيرية، والقدرة على التشاور قبل اتخاذ القرارات التي يمكن أن يكون لها تأثير على واقع المنطقة.
ليبيا.. الاستقرار يكون من الداخل
وضمن هذه المقاربة التي تقوم على أهمية توحيد الجهود والرؤى لمواجهة استحقاقات المرحلة، يبرز الملف الليبي كواحد من أهم الملفات الإقليمية التي تفرض قدرًا أكبر من التنسيق بين دول الجوار، بالنظر إلى تداعيات الوضع الليبي على أمن المنطقة واستقرارها. ومن هذا المنطلق، يكتسي تأكيد كل من رئيس الجمهورية قيس سعيّد ونظيره المصري على أن الحل لا يمكن أن يكون إلا ليبيًا-ليبيًا أهمية خاصة، باعتباره مدخلًا يحترم سيادة الدولة الليبية ووحدة أراضيها، ويمنح الشعب الليبي وحده حق تحديد مصيره بعيدًا عن التدخلات أو الإملاءات الخارجية.
ويعكس هذا الموقف مبدأ أساسيًا في السياسة الخارجية التونسية يقوم على احترام سيادة الدول ورفض التدخل في شؤونها الداخلية. لكنه يطرح في الوقت نفسه وعيًا بأن استمرار الأزمة الليبية لا يهم الليبيين وحدهم، وإنما يؤثر بشكل مباشر في استقرار شمال إفريقيا والمنطقة المتوسطية.
وفي هذا السياق، يمكن أن يشكل التنسيق بين تونس والجزائر ومصر، باعتبارها دولًا من المحيط المباشر لليبيا، عاملًا مساعدًا على دعم الحل السياسي والحفاظ على وحدة الدولة الليبية. فالمصلحة المشتركة تقوم على أن تكون ليبيا مستقرة وموحدة وقادرة على إدارة شؤونها بعيدًا عن منطق التقسيم والصراعات المفتوحة.
الجغرافيا والمسؤولية المشتركة
تدرك تونس، بحكم موقعها الجغرافي وعلاقاتها التاريخية، أن استقرار جوارها المباشر جزء من استقرارها الوطني. ولذلك حافظت على علاقات وثيقة مع الجزائر وليبيا، كما حرصت على تعزيز التشاور مع مصر حول القضايا الإقليمية الكبرى.
وفي هذا السياق، تكتسي العلاقات التونسية الجزائرية مكانة خاصة باعتبارها نموذجًا لعلاقات تقوم على الثقة والاحترام المتبادل والتنسيق المستمر، حيث يصفها رئيس الدولة بالمتميزة والراسخة، بالنظر إلى ما يجمع البلدين من روابط أخوة تاريخية وتضامن متواصل. وقد شهد مسار العلاقات الثنائية خلال السنوات الماضية زخمًا لافتًا على أكثر من صعيد، تجسّد في تكثيف التشاور والتنسيق السياسي والأمني، كما تُرجم في عديد الاتفاقيات التي تدفع التعاون في المجالات الاقتصادية والتنموية، بما يعكس إرادة مشتركة للارتقاء بالعلاقات الثنائية إلى مستويات أكثر تكاملًا. ويأتي هذا الحراك في إطار قناعة مشتركة بأهمية توحيد الرؤى وتنسيق المواقف إزاء التحديات الإقليمية، بما يعزز قدرة البلدين على حماية مصالحهما المشتركة ودعم استقرار المنطقة، مع التمسك في المقابل بمبدأ احترام سيادة كل دولة وخياراتها الوطنية وعدم التدخل في شؤونها الداخلية.
أما فيما يهم مصر، فإن عمقها التاريخي والثقافي يمنحها بعدًا عربيًا شاملًا، خصوصًا في ظل الدور المحوري الذي تضطلع به القاهرة في عدد من الملفات الإقليمية. وفي هذا الإطار، يمثل تجديد رئيس الجمهورية قيس سعيّد دعوته للرئيس عبد الفتاح السيسي لزيارة تونس أهمية مواصلة الحوار المباشر وتطوير العلاقات بين البلدين، على اعتبار أن الدبلوماسية اليوم أصبحت مطالبة بالمساهمة في استباق الأزمات وبناء جسور التشاور حول الملفات التي يمكن أن تهدد أو تزعزع الاستقرار. وهو ما يجعل من التواصل بين مختلف القادة آلية أساسية من شأنها أن تفضي إلى صياغة رؤى مشتركة قبل أن تتحول الأزمات إلى وقائع يصعب التحكم فيها.
وضوح المواقف والتمسك بالثوابت
في هذا الخضم، تكشف الاتصالات الأخيرة لرئيس الجمهورية قيس سعيّد عن سعي إلى تكثيف التشاور مع القادة العرب في مرحلة دقيقة. وهي تحركات تعكس قناعة بأن تونس، رغم محدودية إمكانياتها مقارنة بالقوى الكبرى، فإنها قادرة على أن تكون فاعلة في محيطها من خلال وضوح مواقفها وتمسكها بثوابتها.
فالخطاب السياسي الذي يطرحه رئيس الدولة قيس سعيّد يقوم على فكرة أن الشعوب العربية ليست عاجزة عن مواجهة التحديات، متى توفرت الإرادة السياسية ووُضعت المصلحة المشتركة فوق الحسابات الضيقة. وهي رسالة ثقة في قدرة المنطقة على الدفاع عن مصالحها.
وهذا الطرح يستمد شرعيته من كون طبيعة الأحداث المتسارعة تفرض على الدول العربية أن تكون أكثر استعدادًا لاستشراف التحولات وبناء مواقف استباقية. وهذا ما يجعل الحوار السياسي المستمر بين الدول ضرورة استراتيجية، خاصة في منطقة تتقاطع فيها مصالح قوى دولية وإقليمية عديدة.
وبين مكالمة تونس والجزائر ومكالمة تونس ومصر، تتشكل صورة لحراك دبلوماسي يرتكز إلى قناعة واضحة مردّها أن المرحلة الراهنة لا تحتمل مزيدًا من التشتت. فالتحديات التي تواجه المنطقة تفرض البحث عن مساحات أوسع للتفاهم والعمل المشترك.
فالتاريخ والجغرافيا والروابط المشتركة بين الشعوب، إلى جانب وحدة المصير، جميعها عوامل يمكن أن تكون منطلقًا لرؤية أكثر تكاملًا للمستقبل.
ومن هذا المنطلق، تبدو دعوة رئيس الجمهورية قيس سعيّد إلى توحيد الإرادة والجهود كدعوة إلى استعادة الثقة في القدرة الجماعية على الفعل والإنجاز، وإلى بناء علاقات عربية تقوم على التشاور والاحترام المتبادل والدفاع عن سيادة الدول وحق الشعوب في تقرير مصيرها، على أن الرسالة الأبرز التي تحملها اتصالات رئيس الدولة في هذه المرحلة هي أن مواجهة التحديات الإقليمية لا تبدأ من البحث عن حلول خارج الحدود، بل من إدراك أن ما يجمع الدول العربية من مصير ومصالح قادر على رسم طريق أكثر أمنًا واستقرارًا للمنطقة برمتها.
تونس-الصباح
تعود اليوم مسألة وحدة الصف العربي إلى الواجهة كواحدة من أبرز الركائز الاستراتيجية لمواجهة واقع إقليمي ودولي معقد، بما يحمله من تحولات متسارعة وتحديات متشابكة لم تعد تداعياتها تقف عند حدود دولة بعينها. وفي خضم هذا المشهد، تعكس الاتصالات التي أجراها مؤخرًا رئيس الجمهورية قيس سعيّد مع عدد من القادة العرب إيمانًا راسخًا بأن مواجهة التحديات المشتركة تقتضي إرادة جماعية وتنسيقًا أوثق بين الدول العربية.
منال حرزي
وبين المكالمتين الأخيرتين مع الرئيسين الجزائري عبد المجيد تبون والمصري عبد الفتاح السيسي، تتجدد الدعوة إلى تجاوز منطق المواقف المتفرقة وبناء رؤية مشتركة قادرة على مواجهة استحقاقات المرحلة والدفاع عن مصالح الشعوب العربية.
تدرك اليوم كل من تونس والجزائر ومصر أن ما يجمعها من علاقات تاريخية وروابط مشتركة يمكن أن يشكل أرضية صلبة للتشاور والتنسيق حول قضايا تتجاوز حدود كل دولة على حدة. فالمنطقة تواجه جملة من التحولات المتسارعة، في مقدمتها الوضع المتأزم في ليبيا، يقابله تنافس وصراع دولي حاد، إلى جانب ضغوطات اقتصادية واجتماعية متزايدة، فضلًا عن محاولات لإعادة تشكيل موازين القوى والنفوذ. وإزاء هذا المشهد المعقد، يبرز التنسيق بين الدول المتقاربة في رؤاها ومصالحها كخيار مهم لتعزيز الاستقرار الإقليمي والتعامل بشكل مشترك مع التحديات التي تفرضها المرحلة.
ومن هذا المنطلق، يعكس تأكيد رئيس الجمهورية قيس سعيّد ونظيره الجزائري عبد المجيد تبون على "العزم الموحد" لمجابهة مختلف التحديات الراهنة وعيًا مشتركًا بأن طبيعة المرحلة تستوجب البحث عن مقاربات وإجابات مشتركة، لا سيما وأن تونس والجزائر تجمعهما روابط تاريخية ومجال جغرافي مشترك، إلى جانب رهانات أمنية واقتصادية متداخلة، تجعل من التنسيق والتعاون ضرورة حتمية لمواجهة مختلف التحولات. فتعزيز التشاور وتوحيد الجهود من شأنه أن يدعم قدرة البلدين على التعامل مع التحديات المشتركة، بما يعزز الاستقرار ويخدم مصالح الشعبين الشقيقين.
أما التواصل مع مصر، فيؤكد بدوره أن تونس تنظر إلى أمن المنطقة العربية باعتباره منظومة مترابطة، وهو ما عبّر عنه رئيس الدولة قيس سعيّد عندما أكد أن أمن مصر جزء من الأمن القومي العربي. وتختزل هذه العبارة تصورًا واسعًا لمفهوم الأمن، يقوم على مقاربة تتجاوز الحدود الوطنية الضيقة، انطلاقًا من قناعة بأن إضعاف أي دولة عربية أو زعزعة استقرارها يمكن أن يسفر عن تداعيات تمتد إلى محيطها، بما من شأنه أن يؤثر على أمن المنطقة برمتها.
وفي هذا الخصوص، يعكس تأكيد رئيس الجمهورية قيس سعيّد خلال اتصاله مع الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي أن "ما دمنا على قلب رجل واحد قادرون على رفع كل التحديات" قناعة واضحة بأهمية توحيد الإرادة العربية في مواجهة الاستحقاقات الراهنة.
وهذا الطرح لا يقف عند حدود التضامن أو وحدة المواقف، وإنما يفتح المجال أمام بلورة تنسيق عربي أكثر فاعلية وقدرة على تحويل وحدة المصير إلى عمل مشترك ومواقف متقاربة إزاء القضايا التي تمس أمن المنطقة واستقرارها، لا سيما وأن التحديات الكبرى لا تعترف بالحدود. فالإرهاب، والهجرة غير النظامية، والجريمة المنظمة، وغيرها، جميعها قضايا تتطلب درجات متفاوتة من التعاون والتنسيق.
ولذلك، فإن توحيد الجهود لا يعني بالضرورة تطابق المواقف في جميع الملفات، فلكل دولة خصوصياتها وحساباتها ومصالحها الوطنية، لكنه يعني وجود حد أدنى من الرؤية المشتركة حول القضايا المصيرية، والقدرة على التشاور قبل اتخاذ القرارات التي يمكن أن يكون لها تأثير على واقع المنطقة.
ليبيا.. الاستقرار يكون من الداخل
وضمن هذه المقاربة التي تقوم على أهمية توحيد الجهود والرؤى لمواجهة استحقاقات المرحلة، يبرز الملف الليبي كواحد من أهم الملفات الإقليمية التي تفرض قدرًا أكبر من التنسيق بين دول الجوار، بالنظر إلى تداعيات الوضع الليبي على أمن المنطقة واستقرارها. ومن هذا المنطلق، يكتسي تأكيد كل من رئيس الجمهورية قيس سعيّد ونظيره المصري على أن الحل لا يمكن أن يكون إلا ليبيًا-ليبيًا أهمية خاصة، باعتباره مدخلًا يحترم سيادة الدولة الليبية ووحدة أراضيها، ويمنح الشعب الليبي وحده حق تحديد مصيره بعيدًا عن التدخلات أو الإملاءات الخارجية.
ويعكس هذا الموقف مبدأ أساسيًا في السياسة الخارجية التونسية يقوم على احترام سيادة الدول ورفض التدخل في شؤونها الداخلية. لكنه يطرح في الوقت نفسه وعيًا بأن استمرار الأزمة الليبية لا يهم الليبيين وحدهم، وإنما يؤثر بشكل مباشر في استقرار شمال إفريقيا والمنطقة المتوسطية.
وفي هذا السياق، يمكن أن يشكل التنسيق بين تونس والجزائر ومصر، باعتبارها دولًا من المحيط المباشر لليبيا، عاملًا مساعدًا على دعم الحل السياسي والحفاظ على وحدة الدولة الليبية. فالمصلحة المشتركة تقوم على أن تكون ليبيا مستقرة وموحدة وقادرة على إدارة شؤونها بعيدًا عن منطق التقسيم والصراعات المفتوحة.
الجغرافيا والمسؤولية المشتركة
تدرك تونس، بحكم موقعها الجغرافي وعلاقاتها التاريخية، أن استقرار جوارها المباشر جزء من استقرارها الوطني. ولذلك حافظت على علاقات وثيقة مع الجزائر وليبيا، كما حرصت على تعزيز التشاور مع مصر حول القضايا الإقليمية الكبرى.
وفي هذا السياق، تكتسي العلاقات التونسية الجزائرية مكانة خاصة باعتبارها نموذجًا لعلاقات تقوم على الثقة والاحترام المتبادل والتنسيق المستمر، حيث يصفها رئيس الدولة بالمتميزة والراسخة، بالنظر إلى ما يجمع البلدين من روابط أخوة تاريخية وتضامن متواصل. وقد شهد مسار العلاقات الثنائية خلال السنوات الماضية زخمًا لافتًا على أكثر من صعيد، تجسّد في تكثيف التشاور والتنسيق السياسي والأمني، كما تُرجم في عديد الاتفاقيات التي تدفع التعاون في المجالات الاقتصادية والتنموية، بما يعكس إرادة مشتركة للارتقاء بالعلاقات الثنائية إلى مستويات أكثر تكاملًا. ويأتي هذا الحراك في إطار قناعة مشتركة بأهمية توحيد الرؤى وتنسيق المواقف إزاء التحديات الإقليمية، بما يعزز قدرة البلدين على حماية مصالحهما المشتركة ودعم استقرار المنطقة، مع التمسك في المقابل بمبدأ احترام سيادة كل دولة وخياراتها الوطنية وعدم التدخل في شؤونها الداخلية.
أما فيما يهم مصر، فإن عمقها التاريخي والثقافي يمنحها بعدًا عربيًا شاملًا، خصوصًا في ظل الدور المحوري الذي تضطلع به القاهرة في عدد من الملفات الإقليمية. وفي هذا الإطار، يمثل تجديد رئيس الجمهورية قيس سعيّد دعوته للرئيس عبد الفتاح السيسي لزيارة تونس أهمية مواصلة الحوار المباشر وتطوير العلاقات بين البلدين، على اعتبار أن الدبلوماسية اليوم أصبحت مطالبة بالمساهمة في استباق الأزمات وبناء جسور التشاور حول الملفات التي يمكن أن تهدد أو تزعزع الاستقرار. وهو ما يجعل من التواصل بين مختلف القادة آلية أساسية من شأنها أن تفضي إلى صياغة رؤى مشتركة قبل أن تتحول الأزمات إلى وقائع يصعب التحكم فيها.
وضوح المواقف والتمسك بالثوابت
في هذا الخضم، تكشف الاتصالات الأخيرة لرئيس الجمهورية قيس سعيّد عن سعي إلى تكثيف التشاور مع القادة العرب في مرحلة دقيقة. وهي تحركات تعكس قناعة بأن تونس، رغم محدودية إمكانياتها مقارنة بالقوى الكبرى، فإنها قادرة على أن تكون فاعلة في محيطها من خلال وضوح مواقفها وتمسكها بثوابتها.
فالخطاب السياسي الذي يطرحه رئيس الدولة قيس سعيّد يقوم على فكرة أن الشعوب العربية ليست عاجزة عن مواجهة التحديات، متى توفرت الإرادة السياسية ووُضعت المصلحة المشتركة فوق الحسابات الضيقة. وهي رسالة ثقة في قدرة المنطقة على الدفاع عن مصالحها.
وهذا الطرح يستمد شرعيته من كون طبيعة الأحداث المتسارعة تفرض على الدول العربية أن تكون أكثر استعدادًا لاستشراف التحولات وبناء مواقف استباقية. وهذا ما يجعل الحوار السياسي المستمر بين الدول ضرورة استراتيجية، خاصة في منطقة تتقاطع فيها مصالح قوى دولية وإقليمية عديدة.
وبين مكالمة تونس والجزائر ومكالمة تونس ومصر، تتشكل صورة لحراك دبلوماسي يرتكز إلى قناعة واضحة مردّها أن المرحلة الراهنة لا تحتمل مزيدًا من التشتت. فالتحديات التي تواجه المنطقة تفرض البحث عن مساحات أوسع للتفاهم والعمل المشترك.
فالتاريخ والجغرافيا والروابط المشتركة بين الشعوب، إلى جانب وحدة المصير، جميعها عوامل يمكن أن تكون منطلقًا لرؤية أكثر تكاملًا للمستقبل.
ومن هذا المنطلق، تبدو دعوة رئيس الجمهورية قيس سعيّد إلى توحيد الإرادة والجهود كدعوة إلى استعادة الثقة في القدرة الجماعية على الفعل والإنجاز، وإلى بناء علاقات عربية تقوم على التشاور والاحترام المتبادل والدفاع عن سيادة الدول وحق الشعوب في تقرير مصيرها، على أن الرسالة الأبرز التي تحملها اتصالات رئيس الدولة في هذه المرحلة هي أن مواجهة التحديات الإقليمية لا تبدأ من البحث عن حلول خارج الحدود، بل من إدراك أن ما يجمع الدول العربية من مصير ومصالح قادر على رسم طريق أكثر أمنًا واستقرارًا للمنطقة برمتها.