*ضرورة الانتقال من منطق عدد المؤسسات إلى منطق جودة المؤسسات
*وجوب التحوّل من تصدير الحاوية إلى تصدير العلامة.. ومن تصدير المادة الخام إلى تصدير المنتج النهائي.. ومن بيع المنتج إلى بيع القيمة
تونس- الصباح
تلعب منظومة المؤسسات الصغرى والمتوسطة والحرفيين دورًا فاعلًا في الاقتصاد الوطني، بالنظر إلى العدد والانتشار الواسع في تراب الجمهورية، وقدرتها على النفاذ إلى الأسواق الخارجية، وهي منظومة ما فتئت تشهد تطوّرًا لافتًا، متغلّبة على حزمة من المصاعب الاقتصادية والتمويلية التي كان من شأنها أن تحدّ من تنافسيتها وتزيد من هشاشتها.
وفي هذا الإطار، أفاد رئيس الجامعة التونسية للحرفيين والمؤسسات الصغرى والمتوسطة، مهدي بربوش، لـ"الصباح"، أن عدد المؤسسات الصغرى والمتوسطة في تونس بلغ 824,593 مؤسسة، وهو رقم ضخم، لكن جزءًا كبيرًا جدًا من هذه المؤسسات لا يشغّل أجراء بالعدد الكافي، وبالتالي لا يمكن اعتبارها كلها PME بالمعنى الاقتصادي الكلاسيكي.
وأوضح محدّثنا أن مختلف المؤشرات تشير إلى التوسّع الكبير للنسيج المؤسساتي لهذا الصنف من المؤسسات من حيث العدد، وهو ما يعني أن تونس لا تشكو من نقص في عدد المؤسسات في هذا المجال، لافتًا إلى أن قطاع الصناعات التقليدية لوحده يشغّل أكثر من 300 ألف حرفي، كما يمثّل قطاع الصناعات التقليدية ثروة وطنية واقتصادية واجتماعية كبيرة، على خلفية توفيره الدخل لعدد كبير من العائلات، ومحافظته على الهوية التونسية، ويمكن أن يكون محرّكًا للتنمية في الجهات، مبرزًا أن الحرفي ليس نشاطًا هامشيًا، بل قوة اقتصادية واجتماعية حقيقية يمكن أن تصبح قوة تصديرية بشكل أكبر إذا ما تم توفير التنظيم والتمويل والتسويق والتكوين له.
المؤسسات الصغرى والمتوسطة لا تعني اقتصادا صغيرا
وأوضح أن قطاع المؤسسات الصغرى والمتوسطة والحرفيين يمثّل العمود الفقري للاقتصاد الوطني، فالمؤسسة الصغرى لا تعني اقتصادًا صغيرًا، إذ عندما يوجد مئات الآلاف من المؤسسات الصغيرة، فإن مجموعها يمثّل قوة اقتصادية واجتماعية هائلة، تخلق مواطن الشغل، وتوفّر الدخل للعائلات، وتحرّك التجارة والخدمات، وتستعمل اليد العاملة المحلية، كما تدعم الاقتصاد الجهوي، وتساهم في الجباية.
يجب تحويل المؤسسات متناهية الصغر إلى مؤسسات صغرى والمؤسسات الصغرى إلى مؤسسات متوسطة
مستدركا بأنه يجب العمل على تحويل المؤسسات متناهية الصغر إلى مؤسسات صغرى، والمؤسسات الصغرى إلى مؤسسات متوسطة، لتصبح بدورها مؤسسات مصدّرة وأكثر صلابة، مشيرا إلى أن لهذه المؤسسات إمكانيات كبيرة تخوّل لها إنجاز عمليات تصدير ناجعة، وذلك بفضل الكفاءة والمهارات العالية التي تتمتع بها اليد العاملة، وجودة المنتوجات التي تقدّمها المؤسسات.
إلا أنه يجب معاضدة جهودها عبر تذليل الصعوبات المتعلقة بالشحن والتسويق ودراسة الأسواق والبحث عن موزّعين مثاليين، على اعتبار أن المؤسسات الصغرى والمتوسطة يصعب عليها، بمواردها وإمكانياتها الذاتية، أن تقوم بمفردها بمثل هذه المجهودات.
ومن هذا المنطلق، شدّد على ضرورة إنشاء تجمعات تصديرية Export Hubs، يكون بإمكانها جمع عدد من الحرفيين وأصحاب المؤسسات الصغرى والمتوسطة في جهة واحدة تحت علامة تجارية مشتركة، مع توحيد الجودة والتغليف والتسويق والشحن، فبدل تصدير منتج فردي، يمكن تصدير علامة تونسية متكاملة، وهو ما ينطبق على العديد من المنتوجات، من بينها الزربية، والفخار، والنحاس، والخشب، والحلي، والجلود، والملابس التقليدية، ومستحضرات التجميل الطبيعية وغيرها.
وعبّر عن رغبة الجامعة في أن تصل منتوجات الحرفي التونسي وأصحاب المؤسسات الصغرى إلى المستهلك في الخارج مباشرة، وليس أن تخرج من تونس بثمن منخفض ثم تباع في الخارج بأضعاف ثمنها.
الصناعات الغذائية على رأس القطاعات التصديرية الواعدة للمؤسسات الصغرى والمتوسطة
وبخصوص القطاعات الواعدة التي يمكن أن يُعوّل عليها الحرفي والمؤسسات الصغرى والمتوسطة لمزيد غزو الأسواق الخارجية، قال محدّثنا إن هناك العديد من القطاعات الاستراتيجية، وعلى رأسها الصناعات الغذائية، وخاصة زيت الزيتون والتمور والمنتجات الغذائية المحوّلة والهريسة والكسكسي والمنتجات البيولوجية.
فيما يأتي النسيج والملابس والجلود والأحذية في المرتبة الثانية، بعد أن أثبت صموده أمام جملة من التحديات، وتحتل الصناعات الميكانيكية والكهربائية المرتبة الثالثة، أساسًا صناعة مكونات السيارات والأسلاك الكهربائية وصناعة مكونات الطائرات.
فيما جاء قطاع الصناعات التقليدية في المرتبة الرابعة، بالنظر إلى أنه ذو قيمة مضافة عالية، أما المرتبة الخامسة، فقطاع الخدمات الرقمية والصناعات التكنولوجية، على اعتبار أنه يمثّل فرصة استثنائية، إذ لا نحتاج إلى نقل حاويات حتى نصدرها، مما يقلّل كلفة التصدير، بل نحتاج إلى كفاءات واتصال ومنظومة دفع وبيئة أعمال، وفي تونس مؤهلات عالية.
إذ بالفعل، تملك تونس قاعدة صناعية وتصديرية مهمة في الصناعات الميكانيكية والكهربائية والنسيج والغذاء، وهو ما يؤكد أن المشكلة ليست في قدرة التونسي على الإنتاج، وإنما في توسيع قاعدة المؤسسات القادرة على الوصول إلى الأسواق العالمية.
63.7 مليار دينار صادرات المؤسسات الصغرى والمتوسطة في 2025، وهيمنة أوروبية
وتتميّز القاعدة التصديرية لهذا الصنف من المؤسسات بالتنوّع، وذلك رغم الهيمنة الواضحة للسوق الأوروبية.
وفي هذا السياق، أورد رئيس الجامعة التونسية للحرفيين والمؤسسات الصغرى والمتوسطة أن صادرات تونس من قبل المؤسسات الصغرى والمتوسطة قد بلغت خلال سنة 2025 حوالي 63.7 مليار دينار، فيما تمثّل الصادرات الموجّهة إلى أوروبا 70 بالمائة من إجمالي هذه الصادرات، لافتًا إلى أن أسواق الدول الأوروبية تُعدّ أسواقًا استراتيجية وقريبة جغرافيًا، ولا يمكن التخلي عنها، غير أنه لا يمكن أن تكون تقريبًا السوق الوحيدة التي نعتمد عليها.
مُبرزا الحاجة إلى استراتيجية تصدير وطنية تقوم على الحفاظ على الأسواق التقليدية ورفع القيمة المضافة، بالإضافة إلى بناء شبكات توزيع ومراكز تجارية تونسية، خاصة في غرب إفريقيا، إلى جانب استهداف الأسواق الكبرى الآسيوية بمنتجات ذات قيمة مضافة عالية، مع وجوب الانتقال من تصدير الحاوية إلى تصدير العلامة، ومن تصدير المادة الخام إلى تصدير المنتج النهائي، ومن بيع المنتج إلى بيع القيمة التونسية.
وذكر المتحدّث ذاته أن الأسواق الإفريقية ليست بعيدة جغرافيًا، ويوجد فيها احتياجات متزايدة، إذ، على سبيل الذكر، وصلت صادرات تونس من طرف المؤسسات الصغرى والمتوسطة إلى السنغال حوالي 144 مليون دينار سنة 2025، مع حضور قوي لبعض المنتجات التونسية، خصوصًا التمور وزيت الزيتون والكسكسي.
كما توجد أسواق أخرى نحتاج إلى التوسّع نحوها بشكل أكبر، من ضمنها الجزائر وليبيا والكاميرون والكوت ديفوار ونيجيريا وغانا، وهي أسواق تمكّنا من التصدير إليها بانتظام، لافتا إلى أنه عند التوجّه إلى السوق الإفريقية بطريقة منظمة، وبمنتوج مناسب، وبشبكة توزيع وتمويل وتسويق، يمكن للمنتوج التونسي أن ينافس بقوّة، لذلك يجب أن تتحوّل تونس من مجرد دولة تصدّر إلى أوروبا إلى منصة تصدير نحو إفريقيا.
هذا وشدّد على أهمية أن تكون الدول الآسيوية جزءًا أساسيًا من الاستراتيجية التونسية خلال السنوات القادمة، لتنمية الصادرات، على غرار الصين والهند وإندونيسيا وماليزيا واليابان وكوريا الجنوبية، وهي أسواق ضخمة، من خلال التركيز على دراسة السوق، ومعرفة ذوق المستهلك، واحترام شروط الجودة، وبناء علامات تجارية، وإقامة شراكات مع موزّعين محليين، ولافتًا إلى أن المستقبل ليس في سوق واحدة، بل في شبكة من الأسواق. وفي هذا الإطار، تبرز المساعي حثيثة من أجل التوجّه لغزو الأسواق الآسيوية، إذ أكد مهدي بربوش أن الجامعة التونسية للحرفيين والمؤسسات الصغرى والمتوسطة قد عقدت شراكة مع سفارة إندونيسيا في تونس من أجل المشاركة في الدورة الحادية والأربعين لمعرض التجارة الإندونيسي، الذي يحتضنه مركز إندونيسيا للمعارض والمؤتمرات بجاكرتا، في شهر أكتوبر، مما يمثّل فرصة أمام المؤسسات التونسية للتعريف بمنتوجاتها وتوسيع شبكة علاقاتها التجارية والاقتصادية.
رغبة في أن يكون قانون مالية 2027 قانونا للنموّ
وفي ما يتعلّق بمقترحات الجامعة التونسية للحرفيين والمؤسسات الصغرى والمتوسطة حول قانون مالية 2027، قال محدّثنا إنهم يرغبون في أن يكون قانون مالية للنمو، من خلال تبسيط النظام الجبائي للمؤسسات الصغرى وتقليل التعقيد الإداري، وتحفيز إعادة استثمار الأرباح داخل المؤسسة، مع إرساء حوافز جبائية للمؤسسات التي تخلق مواطن شغل جديدة، وحوافز خاصة للمؤسسات التي تدخل إلى التصدير.
إلى جانب إحداث آليات ضمان حقيقية لفائدة المؤسسات الصغرى التي لا تملك ضمانات عقارية كافية، وإنشاء صندوق نمو المؤسسات الصغرى والمتوسطة، لا يموّل فقط إنشاء المؤسسة، وإنما يساعد المؤسسة الموجودة على التوسّع، مع دعم الرقمنة والتجارة الإلكترونية، ودعم التجمعات المهنية والتصديرية، ووضع برنامج وطني خاص بتدويل المؤسسات الصغرى والحرفيين.
إمكانية استهداف نمو سنوي في عدد المؤسسات النشيطة بـ4%
وأبدى المتحدّث ذاته تفاؤلًا بخصوص آفاق القطاع سنة، متوقّعًا تسجيل زيادة في عدد المؤسسات والحرفيين، إلا أن النجاح ليس مجرّد ارتفاع عدد المؤسسات المسجّلة، بل أن يرتبط أيضًا بالمؤسسات النشيطة والمؤسسات المشغّلة، وجعل الهدف الانتقال من منطق عدد المؤسسات إلى منطق جودة المؤسسات.
ويمكن للقطاع، إذا تم اعتماد إجراءات جدية للتمويل والاستثمار والتصدير، أن يحقّق نموًا سنويًا في عدد المؤسسات النشيطة في حدود 2 إلى 4 %.
وطالب مهدي بربوش بجباية عادلة والتبسيط الإداري، والحماية من المنافسة غير المشروعة، مع تسهيل التصدير، وتحسين اللوجستيك، مع ضرورة ارتباط التمويل بالنمو وليس فقط بالضمانات، في ظلّ أهمية تقييم المؤسسة من خلال مشروعها وقدرتها على السداد والمنافسة في السوق والحوكمة والتدفقات المالية.
وتابع بالقول: "نحتاج إلى الانتقال من اقتصاد البقاء إلى اقتصاد النمو، ومن السوق المحلية إلى السوق العالمية، ومن "صنع في تونس" إلى "علامة تونسية تنافس أكثر في العالم".
وتطرّق مهدي بربوش إلى التنوّع الجغرافي للمؤسسات الصغرى والمتوسطة في بلادنا، إذ تضم منطقة الوسط الشرقي حوالي 215,154 مؤسسة، منها صفاقس 82,704، وسوسة 63,310، والمنستير 42,896، والمهدية 26,244.
في المقابل، تضم منطقة الوسط الغربي حوالي 60,919 مؤسسة، مثل القيروان 25,890، وسيدي بوزيد 17,814، والقصرين 16,915.
أما الجنوب الغربي، فيضم حوالي 28,625 مؤسسة، لافتًا إلى أن هناك تركّزًا واضحًا في الأقطاب الاقتصادية الكبرى.
درصاف اللموشي
*ضرورة الانتقال من منطق عدد المؤسسات إلى منطق جودة المؤسسات
*وجوب التحوّل من تصدير الحاوية إلى تصدير العلامة.. ومن تصدير المادة الخام إلى تصدير المنتج النهائي.. ومن بيع المنتج إلى بيع القيمة
تونس- الصباح
تلعب منظومة المؤسسات الصغرى والمتوسطة والحرفيين دورًا فاعلًا في الاقتصاد الوطني، بالنظر إلى العدد والانتشار الواسع في تراب الجمهورية، وقدرتها على النفاذ إلى الأسواق الخارجية، وهي منظومة ما فتئت تشهد تطوّرًا لافتًا، متغلّبة على حزمة من المصاعب الاقتصادية والتمويلية التي كان من شأنها أن تحدّ من تنافسيتها وتزيد من هشاشتها.
وفي هذا الإطار، أفاد رئيس الجامعة التونسية للحرفيين والمؤسسات الصغرى والمتوسطة، مهدي بربوش، لـ"الصباح"، أن عدد المؤسسات الصغرى والمتوسطة في تونس بلغ 824,593 مؤسسة، وهو رقم ضخم، لكن جزءًا كبيرًا جدًا من هذه المؤسسات لا يشغّل أجراء بالعدد الكافي، وبالتالي لا يمكن اعتبارها كلها PME بالمعنى الاقتصادي الكلاسيكي.
وأوضح محدّثنا أن مختلف المؤشرات تشير إلى التوسّع الكبير للنسيج المؤسساتي لهذا الصنف من المؤسسات من حيث العدد، وهو ما يعني أن تونس لا تشكو من نقص في عدد المؤسسات في هذا المجال، لافتًا إلى أن قطاع الصناعات التقليدية لوحده يشغّل أكثر من 300 ألف حرفي، كما يمثّل قطاع الصناعات التقليدية ثروة وطنية واقتصادية واجتماعية كبيرة، على خلفية توفيره الدخل لعدد كبير من العائلات، ومحافظته على الهوية التونسية، ويمكن أن يكون محرّكًا للتنمية في الجهات، مبرزًا أن الحرفي ليس نشاطًا هامشيًا، بل قوة اقتصادية واجتماعية حقيقية يمكن أن تصبح قوة تصديرية بشكل أكبر إذا ما تم توفير التنظيم والتمويل والتسويق والتكوين له.
المؤسسات الصغرى والمتوسطة لا تعني اقتصادا صغيرا
وأوضح أن قطاع المؤسسات الصغرى والمتوسطة والحرفيين يمثّل العمود الفقري للاقتصاد الوطني، فالمؤسسة الصغرى لا تعني اقتصادًا صغيرًا، إذ عندما يوجد مئات الآلاف من المؤسسات الصغيرة، فإن مجموعها يمثّل قوة اقتصادية واجتماعية هائلة، تخلق مواطن الشغل، وتوفّر الدخل للعائلات، وتحرّك التجارة والخدمات، وتستعمل اليد العاملة المحلية، كما تدعم الاقتصاد الجهوي، وتساهم في الجباية.
يجب تحويل المؤسسات متناهية الصغر إلى مؤسسات صغرى والمؤسسات الصغرى إلى مؤسسات متوسطة
مستدركا بأنه يجب العمل على تحويل المؤسسات متناهية الصغر إلى مؤسسات صغرى، والمؤسسات الصغرى إلى مؤسسات متوسطة، لتصبح بدورها مؤسسات مصدّرة وأكثر صلابة، مشيرا إلى أن لهذه المؤسسات إمكانيات كبيرة تخوّل لها إنجاز عمليات تصدير ناجعة، وذلك بفضل الكفاءة والمهارات العالية التي تتمتع بها اليد العاملة، وجودة المنتوجات التي تقدّمها المؤسسات.
إلا أنه يجب معاضدة جهودها عبر تذليل الصعوبات المتعلقة بالشحن والتسويق ودراسة الأسواق والبحث عن موزّعين مثاليين، على اعتبار أن المؤسسات الصغرى والمتوسطة يصعب عليها، بمواردها وإمكانياتها الذاتية، أن تقوم بمفردها بمثل هذه المجهودات.
ومن هذا المنطلق، شدّد على ضرورة إنشاء تجمعات تصديرية Export Hubs، يكون بإمكانها جمع عدد من الحرفيين وأصحاب المؤسسات الصغرى والمتوسطة في جهة واحدة تحت علامة تجارية مشتركة، مع توحيد الجودة والتغليف والتسويق والشحن، فبدل تصدير منتج فردي، يمكن تصدير علامة تونسية متكاملة، وهو ما ينطبق على العديد من المنتوجات، من بينها الزربية، والفخار، والنحاس، والخشب، والحلي، والجلود، والملابس التقليدية، ومستحضرات التجميل الطبيعية وغيرها.
وعبّر عن رغبة الجامعة في أن تصل منتوجات الحرفي التونسي وأصحاب المؤسسات الصغرى إلى المستهلك في الخارج مباشرة، وليس أن تخرج من تونس بثمن منخفض ثم تباع في الخارج بأضعاف ثمنها.
الصناعات الغذائية على رأس القطاعات التصديرية الواعدة للمؤسسات الصغرى والمتوسطة
وبخصوص القطاعات الواعدة التي يمكن أن يُعوّل عليها الحرفي والمؤسسات الصغرى والمتوسطة لمزيد غزو الأسواق الخارجية، قال محدّثنا إن هناك العديد من القطاعات الاستراتيجية، وعلى رأسها الصناعات الغذائية، وخاصة زيت الزيتون والتمور والمنتجات الغذائية المحوّلة والهريسة والكسكسي والمنتجات البيولوجية.
فيما يأتي النسيج والملابس والجلود والأحذية في المرتبة الثانية، بعد أن أثبت صموده أمام جملة من التحديات، وتحتل الصناعات الميكانيكية والكهربائية المرتبة الثالثة، أساسًا صناعة مكونات السيارات والأسلاك الكهربائية وصناعة مكونات الطائرات.
فيما جاء قطاع الصناعات التقليدية في المرتبة الرابعة، بالنظر إلى أنه ذو قيمة مضافة عالية، أما المرتبة الخامسة، فقطاع الخدمات الرقمية والصناعات التكنولوجية، على اعتبار أنه يمثّل فرصة استثنائية، إذ لا نحتاج إلى نقل حاويات حتى نصدرها، مما يقلّل كلفة التصدير، بل نحتاج إلى كفاءات واتصال ومنظومة دفع وبيئة أعمال، وفي تونس مؤهلات عالية.
إذ بالفعل، تملك تونس قاعدة صناعية وتصديرية مهمة في الصناعات الميكانيكية والكهربائية والنسيج والغذاء، وهو ما يؤكد أن المشكلة ليست في قدرة التونسي على الإنتاج، وإنما في توسيع قاعدة المؤسسات القادرة على الوصول إلى الأسواق العالمية.
63.7 مليار دينار صادرات المؤسسات الصغرى والمتوسطة في 2025، وهيمنة أوروبية
وتتميّز القاعدة التصديرية لهذا الصنف من المؤسسات بالتنوّع، وذلك رغم الهيمنة الواضحة للسوق الأوروبية.
وفي هذا السياق، أورد رئيس الجامعة التونسية للحرفيين والمؤسسات الصغرى والمتوسطة أن صادرات تونس من قبل المؤسسات الصغرى والمتوسطة قد بلغت خلال سنة 2025 حوالي 63.7 مليار دينار، فيما تمثّل الصادرات الموجّهة إلى أوروبا 70 بالمائة من إجمالي هذه الصادرات، لافتًا إلى أن أسواق الدول الأوروبية تُعدّ أسواقًا استراتيجية وقريبة جغرافيًا، ولا يمكن التخلي عنها، غير أنه لا يمكن أن تكون تقريبًا السوق الوحيدة التي نعتمد عليها.
مُبرزا الحاجة إلى استراتيجية تصدير وطنية تقوم على الحفاظ على الأسواق التقليدية ورفع القيمة المضافة، بالإضافة إلى بناء شبكات توزيع ومراكز تجارية تونسية، خاصة في غرب إفريقيا، إلى جانب استهداف الأسواق الكبرى الآسيوية بمنتجات ذات قيمة مضافة عالية، مع وجوب الانتقال من تصدير الحاوية إلى تصدير العلامة، ومن تصدير المادة الخام إلى تصدير المنتج النهائي، ومن بيع المنتج إلى بيع القيمة التونسية.
وذكر المتحدّث ذاته أن الأسواق الإفريقية ليست بعيدة جغرافيًا، ويوجد فيها احتياجات متزايدة، إذ، على سبيل الذكر، وصلت صادرات تونس من طرف المؤسسات الصغرى والمتوسطة إلى السنغال حوالي 144 مليون دينار سنة 2025، مع حضور قوي لبعض المنتجات التونسية، خصوصًا التمور وزيت الزيتون والكسكسي.
كما توجد أسواق أخرى نحتاج إلى التوسّع نحوها بشكل أكبر، من ضمنها الجزائر وليبيا والكاميرون والكوت ديفوار ونيجيريا وغانا، وهي أسواق تمكّنا من التصدير إليها بانتظام، لافتا إلى أنه عند التوجّه إلى السوق الإفريقية بطريقة منظمة، وبمنتوج مناسب، وبشبكة توزيع وتمويل وتسويق، يمكن للمنتوج التونسي أن ينافس بقوّة، لذلك يجب أن تتحوّل تونس من مجرد دولة تصدّر إلى أوروبا إلى منصة تصدير نحو إفريقيا.
هذا وشدّد على أهمية أن تكون الدول الآسيوية جزءًا أساسيًا من الاستراتيجية التونسية خلال السنوات القادمة، لتنمية الصادرات، على غرار الصين والهند وإندونيسيا وماليزيا واليابان وكوريا الجنوبية، وهي أسواق ضخمة، من خلال التركيز على دراسة السوق، ومعرفة ذوق المستهلك، واحترام شروط الجودة، وبناء علامات تجارية، وإقامة شراكات مع موزّعين محليين، ولافتًا إلى أن المستقبل ليس في سوق واحدة، بل في شبكة من الأسواق. وفي هذا الإطار، تبرز المساعي حثيثة من أجل التوجّه لغزو الأسواق الآسيوية، إذ أكد مهدي بربوش أن الجامعة التونسية للحرفيين والمؤسسات الصغرى والمتوسطة قد عقدت شراكة مع سفارة إندونيسيا في تونس من أجل المشاركة في الدورة الحادية والأربعين لمعرض التجارة الإندونيسي، الذي يحتضنه مركز إندونيسيا للمعارض والمؤتمرات بجاكرتا، في شهر أكتوبر، مما يمثّل فرصة أمام المؤسسات التونسية للتعريف بمنتوجاتها وتوسيع شبكة علاقاتها التجارية والاقتصادية.
رغبة في أن يكون قانون مالية 2027 قانونا للنموّ
وفي ما يتعلّق بمقترحات الجامعة التونسية للحرفيين والمؤسسات الصغرى والمتوسطة حول قانون مالية 2027، قال محدّثنا إنهم يرغبون في أن يكون قانون مالية للنمو، من خلال تبسيط النظام الجبائي للمؤسسات الصغرى وتقليل التعقيد الإداري، وتحفيز إعادة استثمار الأرباح داخل المؤسسة، مع إرساء حوافز جبائية للمؤسسات التي تخلق مواطن شغل جديدة، وحوافز خاصة للمؤسسات التي تدخل إلى التصدير.
إلى جانب إحداث آليات ضمان حقيقية لفائدة المؤسسات الصغرى التي لا تملك ضمانات عقارية كافية، وإنشاء صندوق نمو المؤسسات الصغرى والمتوسطة، لا يموّل فقط إنشاء المؤسسة، وإنما يساعد المؤسسة الموجودة على التوسّع، مع دعم الرقمنة والتجارة الإلكترونية، ودعم التجمعات المهنية والتصديرية، ووضع برنامج وطني خاص بتدويل المؤسسات الصغرى والحرفيين.
إمكانية استهداف نمو سنوي في عدد المؤسسات النشيطة بـ4%
وأبدى المتحدّث ذاته تفاؤلًا بخصوص آفاق القطاع سنة، متوقّعًا تسجيل زيادة في عدد المؤسسات والحرفيين، إلا أن النجاح ليس مجرّد ارتفاع عدد المؤسسات المسجّلة، بل أن يرتبط أيضًا بالمؤسسات النشيطة والمؤسسات المشغّلة، وجعل الهدف الانتقال من منطق عدد المؤسسات إلى منطق جودة المؤسسات.
ويمكن للقطاع، إذا تم اعتماد إجراءات جدية للتمويل والاستثمار والتصدير، أن يحقّق نموًا سنويًا في عدد المؤسسات النشيطة في حدود 2 إلى 4 %.
وطالب مهدي بربوش بجباية عادلة والتبسيط الإداري، والحماية من المنافسة غير المشروعة، مع تسهيل التصدير، وتحسين اللوجستيك، مع ضرورة ارتباط التمويل بالنمو وليس فقط بالضمانات، في ظلّ أهمية تقييم المؤسسة من خلال مشروعها وقدرتها على السداد والمنافسة في السوق والحوكمة والتدفقات المالية.
وتابع بالقول: "نحتاج إلى الانتقال من اقتصاد البقاء إلى اقتصاد النمو، ومن السوق المحلية إلى السوق العالمية، ومن "صنع في تونس" إلى "علامة تونسية تنافس أكثر في العالم".
وتطرّق مهدي بربوش إلى التنوّع الجغرافي للمؤسسات الصغرى والمتوسطة في بلادنا، إذ تضم منطقة الوسط الشرقي حوالي 215,154 مؤسسة، منها صفاقس 82,704، وسوسة 63,310، والمنستير 42,896، والمهدية 26,244.
في المقابل، تضم منطقة الوسط الغربي حوالي 60,919 مؤسسة، مثل القيروان 25,890، وسيدي بوزيد 17,814، والقصرين 16,915.
أما الجنوب الغربي، فيضم حوالي 28,625 مؤسسة، لافتًا إلى أن هناك تركّزًا واضحًا في الأقطاب الاقتصادية الكبرى.