قال عضو مجلس نواب الشعب عن كتلة الخط الوطني السيادي الطاهر بن منصور إن المبادرة التشريعية المتعلقة بدعم الإعلام الجمعياتي التي تم تقديمها قبل العطلة البرلمانية تنص على عديد الإجراءات والحوافز. وأشار إلى أنه بمناسبة النظر في مشاريع قوانين المالية سبق لمجموعة من النواب أن اقترحوا فصولا إضافية تنص على إعفاءات من معاليم جبائية لكن لم يقع إقرارها ولهذا السبب تم التفكير في تقديم مبادرة في شكل مقترح قانون يتضمن أحكاما عديدة تهدف إلى دعم الإعلام الجمعياتي.
وبالإطلاع على مضامين هذه المبادرة يمكن الإشارة إلى أنها تنص على ثلاثة فصول، وتم في الفصل الأول تعريف الإعلام الجمعياتي ويقصد به كل نشاط إعلامي سمعي أو بصري أو رقمي يمارس من قبل جمعية محدثة طبقا للتشاريع الجاري بها العمل. ولا يهدف إلى تحقيق الربح، ويستند بصفة أساسية على خدمة المصلحة العامة وتعزيز الحق في النفاذ إلى المعلومة ودعم التعددية الإعلامية والمشاركة المواطنة. وتعد إذاعة جمعياتية كل مؤسسة إعلامية سمعية تدار من قبل جمعية، وتتحصل على ترخيص قانوني أي إجازة استغلال وبعث مؤسسة إعلامية جمعياتية لممارسة نشاط البث. وتلتزم في تمويلها وتسييرها ومضامينها بالمبادئ غير الربحية وبالشفافية والاستقلالية التحريرية.
وتعفى الإذاعات الجمعياتية المرخص لها قانونا، وفق ما جاء في الفصل الثاني من المبادرة، من معاليم استغلال الترددات ومعاليم البث المستوجبة لفائدة الدولة أو لفائدة الهياكل العمومية المختصة وذلك طيلة مدة استغلالها للرخصة. ويشترط للانتفاع بهذا الإعفاء المحافظة على الصبغة الجمعياتية غير الربحية، احترام التشريعات والتراتيب الجاري بها العمل في المجال السمعي البصري، مسك محاسبة شفافة وخاضعة للرقابة طبقا للنصوص القانونية المعمول بها، توظيف الموارد المالية حصريا لتحقيق الأهداف الجمعياتية الإعلامية.
ونص الفصل الثالث والأخير على أنه بصفة استثنائية يتم تمتيع الإذاعات الجمعياتية المتخلدة بذمتها ديون لدى الديوان الوطني للإرسال الإذاعي والتلفزي بالإجراءات التالية: الإعفاء الكلي من الفوائض وخطايا التأخير، جدولة أصل الدين على فترة أدناها عشر سنوات من دخول هذا القانون حيز النفاذ. وتتم معالجة الملفات حالة بحالة، ويترتب عن قبول مطلب إعادة الجدولة تعليق جميع التتبعات الإدارية والمالية طيلة فترة الالتزام بجدول سداد الديون. كما يترتب عن ذلك إرجاع البث فورا إن كان قد تم قطعه عن الإذاعة المعنية.
وتم تقديم المبادرة التشريعية المتعلقة بدعم الإعلام الجمعياتي المعروضة على أنظار لجنة التشريع العام بمجلس نواب الشعب من قبل النواب الطاهر بن منصور ولطفي الهمامي وبوبكر بن يحي وفوزي دعاس وعز الدين التايب ونجيب عكرمي وحاتم لباوي ومحمد علي ومختار عيفاوي وبثينة الغانمي وفيصل الصغير ومعز الرياحي ويوسف التومي وعبد الرزاق عويدات وعبد الجليل الهاني وطارق الربعي ومحمود شلغاف وظافر الصغيري وثامر مزهود وريم الصغير. وبين أصحاب المبادرة في وثيقة شرح الأسباب أنه منذ إرساء الإطار التعديلي للاتصال السمعي البصري بعد سنة 2011 أثبتت التجربة أن الإعلام الجمعياتي لم يعد ظاهرة هامشية بل أضحى مكونا فعليا من مكونات المشهد الإعلامي الوطني خاص على المستوى الجهوي والمحلي إذ يناهز عدد الإذاعات الجمعياتية الناشطة والمرخص لها قانونا اليوم نحو 15 إذاعة موزعة على مختلف ولايات الجمهورية مع حضور لافت في الجهات الداخلية والمناطق ذات التغطية الإعلامية الضعيفة وهو ما مكن من تحقيق تغطية إعلامية محلية لم تكن متوفرة من قبل عبر الإعلام العمومي أو الخاص، وساهمت هذه الإذاعات بحكم طبيعتها المتمثلة في إعلام القرب في تنويع المضامين الإعلامية وإبراز الخصوصيات الجهوية ونقل مشاغل المواطنين اليومية وإتاحة فضاءات مفتوحة للتعبير والحوار حول الشأن المحلي مما عزز التعددية الإعلامية بشكل فعلي، أما على المستوى الاقتصادي والتنموي فقد اضطلعت الإذاعات الجمعياتية بدور هام كرافد من روافد التنمية المحلية من خلال إحداث مواطن شغل مباشرة وغير مباشرة خاصة لفائدة الشباب وحاملي الشهادات في مجالات الإعلام والتنشيط والتقنيات السمعية إلى جانب تنمية الكفاءات المحلية ومرافقة المبادرات الاقتصادية الصغرى والتعريف بالمشاريع المحلية والتعاضديات ومشاريع الاقتصاد الاجتماعي والتضامني ودعم السياحة الثقافية والبيئية المحلية عبر التعريف بالمورث الجهوي والأنشطة الثقافية وتنشيط الدورة الاقتصادية المحلية من خلال الشراكات والخدمات والتعامل مع مزودين محليين.
وبين أصحاب المبادرة أن دور الإعلام الجمعياتي لا يقتصر على بعده الاتصالي بل يتجاوز ذلك ليشكل أداة تنموية تسهم في تعزيز التماسك الاجتماعي وتحفيز المبادرة وتقريب السياسات العمومية من المواطن ومن ما يجعل من دعمه استثمارا في التنمية المحلية وليس بعبء على المالية العمومية، ولاحظوا أن تهديد استمرارية هذا القطاع نتيجة الأعباء المالية غير المتناسبة مع طبيعته غير الربحية من شأنه أن يؤدي إلى فقدان هذا الرصيد الإعلامي والتنموي وإلى إعادة تكريس الفوارق الجهوية في النفاذ إلى الإعلام والمعلومة.
أسباب المبادرة
ويندرج مقترح القانون المتعلق بدعم الإعلام الجمعياتي حسب ما ورد في وثيقة شرح الأسباب في إطار استكمال البناء القانوني الضامن لحرية التعبير والإعلام وتعزيز التعددية الإعلامية وضمان النفاذ الفعلي للمعلومة خاصة على المستوى المحلي والجهوي من خلال دعم الإعلام الجمعياتي باعتباره إعلام قرب غير ربحي يدار من قبل المجتمع المدني، ويسند بصفة أساسية لخدمة المصلحة العامة.
وأفرز تطور المشهد الإعلامي في تونس خاصة بعد سنة 2011 بروز الإعلام الجمعياتي كفاعل محوري في نقل المعلومة المحلية وإبراز انشغالات المواطنين وفتح فضاءات للنقاش العمومي حول الشأن العام المحلي والمساهمة في ترسيخ المشاركة المواطنة خاصة في الجهات الداخلية والمناطق التي لا تحظى بتغطية كافية من قبل الإعلام العمومي أو الخاص. غير أن هذا الصنف من الإعلام ظل يشتغل في غياب إطار تشريعي خاص يعرف طبيعته ويضبط خصوصياته مما أدى إلى إخضاعه لمنظومة قانونية ومالية وضعت أسسا للإعلام التجاري دون مراعاة لاختلاف الأهداف والموارد وهو ما أفرز صعوبات هيكلية تهدد استمراريته وتحد من قدرته على الاضطلاع بدوره كإعلام قرب.
وأدى غياب إطار تشريعي خاص بالإعلام الجمعياتي إلى تحميل الإذاعات الجمعياتية معاليم استغلال الترددات ومعاليم البث شأنها شأن المؤسسات الإعلامية التجارية وهو ما أفضى إلى هشاشة مالية مزمنة ومساس فعلي بالتعديدة الإعلامية وبحق المواطنين في إعلام محلي مستقل وتراكم الديون لفائدة الدولة والمنشآت العمومية كما تعرضت عدد من الإذاعات إلى تتبعات إدارية ومالية تهدد استمراريتها، وأثبتت التجربة أن معالجة هذه الوضعيات الآليات القانونية العامة لا يراعي خصوصية الإعلام الجمعياتي ولا يحقق التوازن المطلوب بين حماية المال العام وضمان استمرارية مرفق إعلامي غير رحبي يخدم المصلحة العامة.
وفي علاقة بالأسس الدستورية للمبادرة التشريعية المتعلقة بدعم الإعلام الجمعياتي فقد بين أصحاب المبادرة أنهم استندوا إلى جملة من الواجبات المحمولة على الدولة المنصوص عليها بالدستور والتي تفرض التزامات ايجابية لا تقتصر على الامتناع عن التقييد بل تشمل التمكين والدعم، إذ كفل الدستور حرية الرأي والفكر والتعبير والإعلام والنشر وهو ما يقتضي توفير بيئة إعلامية تعددية تمكن مختلف الأصوات من النفاذ إلى الفضاء العام خاصة الأصوات المحلية والمجتمعية كما أقر الدستور التزام الدولة بضمان الحق في الإعلام والحق في النفاذ إلى المعلومة وهو التزام لا يمكن تحقيقه فعليا دون دعم إعلام القرب القادر على نقل المعلومة المحلية ومرافقة السياسات العمومية الجهوية وتعزيز الشفافية والمساءلة. وأشارت جهة المبادرة إلى أن الدستور نص أيضا على أنه على الدولة دعم الجمعيات باعتبارها مكونا أساسيا من مكونات المجتمع المدني وهو ما يشمل الأنشطة الجمعياتية ذات الطابع الإعلامي التي تسند مباشرة إلى خدمة المصلحة العامة. كما يندرج الإعلام الجمعياتي ضمن آليات الديمقراطية التشاركية المرتبطة باللامركزية باعتباره وسيلة عملية لتمكين المواطنين من متابعة الشأن العام المحلي والمشاركة في النقاش العمومي.
وبالنسبة إلى الأسس القانونية للمبادرة فقد جاء في وثيقة شرح الأسباب أن دعم الإعلام الجمعياتي يتنزل ضمن المنظومة القانونية الوطنية المنظمة للجمعيات وللقطاع الإعلامي، إذ أقر المرسوم المتعلق بتنظيم الجمعيات حرية تكوين الجمعيات واعترف بدورها في خدمة المصلحة العامة وتعزيز المواطنة والديمقراطية وهو ما يجعل الإعلام الجمعياتي امتدادا طبيعيا للوظيفة الجمعياتية ذات الطابع العام، أما الإطار القانوني المنظم للاتصال السمعي البصري فقد كرس مبدأ التعديدية الإعلامية واعترف بوجود أنماط إعلامية غير تجارية غير أنه لم يقرّ نظاما ماليا خاصا بها مما أدى عمليا إلى تحميل الإذاعات الجمعياتية أعباء لا تتناسب مع طبيعتها غير الربحية. وإضافة إلى ذلك فقد جعل القانون المتعلق بالحق في النفاذ إلى المعلومة من وسائل الإعلام شريكا أساسيا في تكريس الشفافية والحوكمة الرشيدة وهو دور يضطلع به الإعلام الجمعياتي بصفة مباشرة على المستوى المحلي بالنظر إلى قربه من المواطن ومن مصادر المعلومة الجهوية.
التزامات دولية
ويرى أصحاب مقترح القانون المتعلق بدعم الإعلام الجمعياتي أن مبادرتهم التشريعية تنسجم مع التزامات الدولة التونسية الدولية في مجال حقوق الإنسان وحرية التعبير وذلك لأن العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية ضمن الحق في حرية التعبير وتلقي المعلومات ونقلها وهو ما تم تفسيره من قبل اللجنة المعنية بحقوق الإنسان في التعليق العام عدد 34 المتعلق بالمادة 19 من العهد الدولي المذكور حيث أكد التعليق أن التزامات الدول لا تقتصر على الامتناع عن التدخل غير المشروع بل تشمل واجب تعزيز بيئة إعلامية تعددية وضمان تنوع مصادر ووسائل الإعلام ودعم وسائل الإعلام غير التجارية بما فيها الإعلام المجتمعي والمحلي وتفادي الأطر القانونية أو المالية التي تؤدي عمليا إلى إقصاء هذا الصنف من الإعلام أو تهدد استمراريته. كما تنسجم المبادرة مع الالتزامات الناشئة عن اتفاقيات حماية التنوع الثقافي والإعلامي التي تعتبر الإعلام المجتمعي ركيزة من ركائز التعددية والتنوع وتدعو الدول إلى تهيئة أطر قانونية ومالية ملائمة لدعمه.
ولاحظت جهة المبادرة أن مجلس نواب الشعب يضطلع في إطار وظيفته التشريعية بمسؤوليته الدستورية في تفعيل الحقوق والحريات واحترام التزامات الدولة الوطنية والدولية وسد الفراغ التشريعي القائم وذلك من خلال سن إطار قانوني خاص يراعي طبيعة الإعلام الجمعياتي ويضمن استمراريته. وتهدف المبادرة التشريعية المتعلقة بدعم الإعلام الجمعياتي إلى الاعتراف بهذا الإعلام كإعلام قرب غير ربحي ودعم استمراريته وتمكينه من الاضطلاع بدوره المجتمعي ومعالجة الوضعيات المالية العالقة في إطار قانوني واضح وتكريس التعديدية الإعلامية وضمان الحق في إعلام محلي مستقل وقريب من المواطن. وأكد النواب الذين تقدموا بمقترح القانون المذكور من خلال وثيقة شرح الأسباب على أن مبادرتهم التشريعية لا تهدف إلى إقرار امتيازات لفائدة فئة معينة بل ترمي إلى تفعيل مقتضيات دستورية والتزامات دولية محمولة على الدولة وإلى دعم إعلام القرب باعتباره أحد مقومات الديمقراطية الفعلية وأداة أساسية للتنمية المحلية المتوازنة وضمانا لحق المواطنين في إعلام تعددي ومستقل.
سعيدة بوهلال
تونس- الصباح
قال عضو مجلس نواب الشعب عن كتلة الخط الوطني السيادي الطاهر بن منصور إن المبادرة التشريعية المتعلقة بدعم الإعلام الجمعياتي التي تم تقديمها قبل العطلة البرلمانية تنص على عديد الإجراءات والحوافز. وأشار إلى أنه بمناسبة النظر في مشاريع قوانين المالية سبق لمجموعة من النواب أن اقترحوا فصولا إضافية تنص على إعفاءات من معاليم جبائية لكن لم يقع إقرارها ولهذا السبب تم التفكير في تقديم مبادرة في شكل مقترح قانون يتضمن أحكاما عديدة تهدف إلى دعم الإعلام الجمعياتي.
وبالإطلاع على مضامين هذه المبادرة يمكن الإشارة إلى أنها تنص على ثلاثة فصول، وتم في الفصل الأول تعريف الإعلام الجمعياتي ويقصد به كل نشاط إعلامي سمعي أو بصري أو رقمي يمارس من قبل جمعية محدثة طبقا للتشاريع الجاري بها العمل. ولا يهدف إلى تحقيق الربح، ويستند بصفة أساسية على خدمة المصلحة العامة وتعزيز الحق في النفاذ إلى المعلومة ودعم التعددية الإعلامية والمشاركة المواطنة. وتعد إذاعة جمعياتية كل مؤسسة إعلامية سمعية تدار من قبل جمعية، وتتحصل على ترخيص قانوني أي إجازة استغلال وبعث مؤسسة إعلامية جمعياتية لممارسة نشاط البث. وتلتزم في تمويلها وتسييرها ومضامينها بالمبادئ غير الربحية وبالشفافية والاستقلالية التحريرية.
وتعفى الإذاعات الجمعياتية المرخص لها قانونا، وفق ما جاء في الفصل الثاني من المبادرة، من معاليم استغلال الترددات ومعاليم البث المستوجبة لفائدة الدولة أو لفائدة الهياكل العمومية المختصة وذلك طيلة مدة استغلالها للرخصة. ويشترط للانتفاع بهذا الإعفاء المحافظة على الصبغة الجمعياتية غير الربحية، احترام التشريعات والتراتيب الجاري بها العمل في المجال السمعي البصري، مسك محاسبة شفافة وخاضعة للرقابة طبقا للنصوص القانونية المعمول بها، توظيف الموارد المالية حصريا لتحقيق الأهداف الجمعياتية الإعلامية.
ونص الفصل الثالث والأخير على أنه بصفة استثنائية يتم تمتيع الإذاعات الجمعياتية المتخلدة بذمتها ديون لدى الديوان الوطني للإرسال الإذاعي والتلفزي بالإجراءات التالية: الإعفاء الكلي من الفوائض وخطايا التأخير، جدولة أصل الدين على فترة أدناها عشر سنوات من دخول هذا القانون حيز النفاذ. وتتم معالجة الملفات حالة بحالة، ويترتب عن قبول مطلب إعادة الجدولة تعليق جميع التتبعات الإدارية والمالية طيلة فترة الالتزام بجدول سداد الديون. كما يترتب عن ذلك إرجاع البث فورا إن كان قد تم قطعه عن الإذاعة المعنية.
وتم تقديم المبادرة التشريعية المتعلقة بدعم الإعلام الجمعياتي المعروضة على أنظار لجنة التشريع العام بمجلس نواب الشعب من قبل النواب الطاهر بن منصور ولطفي الهمامي وبوبكر بن يحي وفوزي دعاس وعز الدين التايب ونجيب عكرمي وحاتم لباوي ومحمد علي ومختار عيفاوي وبثينة الغانمي وفيصل الصغير ومعز الرياحي ويوسف التومي وعبد الرزاق عويدات وعبد الجليل الهاني وطارق الربعي ومحمود شلغاف وظافر الصغيري وثامر مزهود وريم الصغير. وبين أصحاب المبادرة في وثيقة شرح الأسباب أنه منذ إرساء الإطار التعديلي للاتصال السمعي البصري بعد سنة 2011 أثبتت التجربة أن الإعلام الجمعياتي لم يعد ظاهرة هامشية بل أضحى مكونا فعليا من مكونات المشهد الإعلامي الوطني خاص على المستوى الجهوي والمحلي إذ يناهز عدد الإذاعات الجمعياتية الناشطة والمرخص لها قانونا اليوم نحو 15 إذاعة موزعة على مختلف ولايات الجمهورية مع حضور لافت في الجهات الداخلية والمناطق ذات التغطية الإعلامية الضعيفة وهو ما مكن من تحقيق تغطية إعلامية محلية لم تكن متوفرة من قبل عبر الإعلام العمومي أو الخاص، وساهمت هذه الإذاعات بحكم طبيعتها المتمثلة في إعلام القرب في تنويع المضامين الإعلامية وإبراز الخصوصيات الجهوية ونقل مشاغل المواطنين اليومية وإتاحة فضاءات مفتوحة للتعبير والحوار حول الشأن المحلي مما عزز التعددية الإعلامية بشكل فعلي، أما على المستوى الاقتصادي والتنموي فقد اضطلعت الإذاعات الجمعياتية بدور هام كرافد من روافد التنمية المحلية من خلال إحداث مواطن شغل مباشرة وغير مباشرة خاصة لفائدة الشباب وحاملي الشهادات في مجالات الإعلام والتنشيط والتقنيات السمعية إلى جانب تنمية الكفاءات المحلية ومرافقة المبادرات الاقتصادية الصغرى والتعريف بالمشاريع المحلية والتعاضديات ومشاريع الاقتصاد الاجتماعي والتضامني ودعم السياحة الثقافية والبيئية المحلية عبر التعريف بالمورث الجهوي والأنشطة الثقافية وتنشيط الدورة الاقتصادية المحلية من خلال الشراكات والخدمات والتعامل مع مزودين محليين.
وبين أصحاب المبادرة أن دور الإعلام الجمعياتي لا يقتصر على بعده الاتصالي بل يتجاوز ذلك ليشكل أداة تنموية تسهم في تعزيز التماسك الاجتماعي وتحفيز المبادرة وتقريب السياسات العمومية من المواطن ومن ما يجعل من دعمه استثمارا في التنمية المحلية وليس بعبء على المالية العمومية، ولاحظوا أن تهديد استمرارية هذا القطاع نتيجة الأعباء المالية غير المتناسبة مع طبيعته غير الربحية من شأنه أن يؤدي إلى فقدان هذا الرصيد الإعلامي والتنموي وإلى إعادة تكريس الفوارق الجهوية في النفاذ إلى الإعلام والمعلومة.
أسباب المبادرة
ويندرج مقترح القانون المتعلق بدعم الإعلام الجمعياتي حسب ما ورد في وثيقة شرح الأسباب في إطار استكمال البناء القانوني الضامن لحرية التعبير والإعلام وتعزيز التعددية الإعلامية وضمان النفاذ الفعلي للمعلومة خاصة على المستوى المحلي والجهوي من خلال دعم الإعلام الجمعياتي باعتباره إعلام قرب غير ربحي يدار من قبل المجتمع المدني، ويسند بصفة أساسية لخدمة المصلحة العامة.
وأفرز تطور المشهد الإعلامي في تونس خاصة بعد سنة 2011 بروز الإعلام الجمعياتي كفاعل محوري في نقل المعلومة المحلية وإبراز انشغالات المواطنين وفتح فضاءات للنقاش العمومي حول الشأن العام المحلي والمساهمة في ترسيخ المشاركة المواطنة خاصة في الجهات الداخلية والمناطق التي لا تحظى بتغطية كافية من قبل الإعلام العمومي أو الخاص. غير أن هذا الصنف من الإعلام ظل يشتغل في غياب إطار تشريعي خاص يعرف طبيعته ويضبط خصوصياته مما أدى إلى إخضاعه لمنظومة قانونية ومالية وضعت أسسا للإعلام التجاري دون مراعاة لاختلاف الأهداف والموارد وهو ما أفرز صعوبات هيكلية تهدد استمراريته وتحد من قدرته على الاضطلاع بدوره كإعلام قرب.
وأدى غياب إطار تشريعي خاص بالإعلام الجمعياتي إلى تحميل الإذاعات الجمعياتية معاليم استغلال الترددات ومعاليم البث شأنها شأن المؤسسات الإعلامية التجارية وهو ما أفضى إلى هشاشة مالية مزمنة ومساس فعلي بالتعديدة الإعلامية وبحق المواطنين في إعلام محلي مستقل وتراكم الديون لفائدة الدولة والمنشآت العمومية كما تعرضت عدد من الإذاعات إلى تتبعات إدارية ومالية تهدد استمراريتها، وأثبتت التجربة أن معالجة هذه الوضعيات الآليات القانونية العامة لا يراعي خصوصية الإعلام الجمعياتي ولا يحقق التوازن المطلوب بين حماية المال العام وضمان استمرارية مرفق إعلامي غير رحبي يخدم المصلحة العامة.
وفي علاقة بالأسس الدستورية للمبادرة التشريعية المتعلقة بدعم الإعلام الجمعياتي فقد بين أصحاب المبادرة أنهم استندوا إلى جملة من الواجبات المحمولة على الدولة المنصوص عليها بالدستور والتي تفرض التزامات ايجابية لا تقتصر على الامتناع عن التقييد بل تشمل التمكين والدعم، إذ كفل الدستور حرية الرأي والفكر والتعبير والإعلام والنشر وهو ما يقتضي توفير بيئة إعلامية تعددية تمكن مختلف الأصوات من النفاذ إلى الفضاء العام خاصة الأصوات المحلية والمجتمعية كما أقر الدستور التزام الدولة بضمان الحق في الإعلام والحق في النفاذ إلى المعلومة وهو التزام لا يمكن تحقيقه فعليا دون دعم إعلام القرب القادر على نقل المعلومة المحلية ومرافقة السياسات العمومية الجهوية وتعزيز الشفافية والمساءلة. وأشارت جهة المبادرة إلى أن الدستور نص أيضا على أنه على الدولة دعم الجمعيات باعتبارها مكونا أساسيا من مكونات المجتمع المدني وهو ما يشمل الأنشطة الجمعياتية ذات الطابع الإعلامي التي تسند مباشرة إلى خدمة المصلحة العامة. كما يندرج الإعلام الجمعياتي ضمن آليات الديمقراطية التشاركية المرتبطة باللامركزية باعتباره وسيلة عملية لتمكين المواطنين من متابعة الشأن العام المحلي والمشاركة في النقاش العمومي.
وبالنسبة إلى الأسس القانونية للمبادرة فقد جاء في وثيقة شرح الأسباب أن دعم الإعلام الجمعياتي يتنزل ضمن المنظومة القانونية الوطنية المنظمة للجمعيات وللقطاع الإعلامي، إذ أقر المرسوم المتعلق بتنظيم الجمعيات حرية تكوين الجمعيات واعترف بدورها في خدمة المصلحة العامة وتعزيز المواطنة والديمقراطية وهو ما يجعل الإعلام الجمعياتي امتدادا طبيعيا للوظيفة الجمعياتية ذات الطابع العام، أما الإطار القانوني المنظم للاتصال السمعي البصري فقد كرس مبدأ التعديدية الإعلامية واعترف بوجود أنماط إعلامية غير تجارية غير أنه لم يقرّ نظاما ماليا خاصا بها مما أدى عمليا إلى تحميل الإذاعات الجمعياتية أعباء لا تتناسب مع طبيعتها غير الربحية. وإضافة إلى ذلك فقد جعل القانون المتعلق بالحق في النفاذ إلى المعلومة من وسائل الإعلام شريكا أساسيا في تكريس الشفافية والحوكمة الرشيدة وهو دور يضطلع به الإعلام الجمعياتي بصفة مباشرة على المستوى المحلي بالنظر إلى قربه من المواطن ومن مصادر المعلومة الجهوية.
التزامات دولية
ويرى أصحاب مقترح القانون المتعلق بدعم الإعلام الجمعياتي أن مبادرتهم التشريعية تنسجم مع التزامات الدولة التونسية الدولية في مجال حقوق الإنسان وحرية التعبير وذلك لأن العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية ضمن الحق في حرية التعبير وتلقي المعلومات ونقلها وهو ما تم تفسيره من قبل اللجنة المعنية بحقوق الإنسان في التعليق العام عدد 34 المتعلق بالمادة 19 من العهد الدولي المذكور حيث أكد التعليق أن التزامات الدول لا تقتصر على الامتناع عن التدخل غير المشروع بل تشمل واجب تعزيز بيئة إعلامية تعددية وضمان تنوع مصادر ووسائل الإعلام ودعم وسائل الإعلام غير التجارية بما فيها الإعلام المجتمعي والمحلي وتفادي الأطر القانونية أو المالية التي تؤدي عمليا إلى إقصاء هذا الصنف من الإعلام أو تهدد استمراريته. كما تنسجم المبادرة مع الالتزامات الناشئة عن اتفاقيات حماية التنوع الثقافي والإعلامي التي تعتبر الإعلام المجتمعي ركيزة من ركائز التعددية والتنوع وتدعو الدول إلى تهيئة أطر قانونية ومالية ملائمة لدعمه.
ولاحظت جهة المبادرة أن مجلس نواب الشعب يضطلع في إطار وظيفته التشريعية بمسؤوليته الدستورية في تفعيل الحقوق والحريات واحترام التزامات الدولة الوطنية والدولية وسد الفراغ التشريعي القائم وذلك من خلال سن إطار قانوني خاص يراعي طبيعة الإعلام الجمعياتي ويضمن استمراريته. وتهدف المبادرة التشريعية المتعلقة بدعم الإعلام الجمعياتي إلى الاعتراف بهذا الإعلام كإعلام قرب غير ربحي ودعم استمراريته وتمكينه من الاضطلاع بدوره المجتمعي ومعالجة الوضعيات المالية العالقة في إطار قانوني واضح وتكريس التعديدية الإعلامية وضمان الحق في إعلام محلي مستقل وقريب من المواطن. وأكد النواب الذين تقدموا بمقترح القانون المذكور من خلال وثيقة شرح الأسباب على أن مبادرتهم التشريعية لا تهدف إلى إقرار امتيازات لفائدة فئة معينة بل ترمي إلى تفعيل مقتضيات دستورية والتزامات دولية محمولة على الدولة وإلى دعم إعلام القرب باعتباره أحد مقومات الديمقراطية الفعلية وأداة أساسية للتنمية المحلية المتوازنة وضمانا لحق المواطنين في إعلام تعددي ومستقل.