الدعوة إلى بعث هيكل يجمع كل المصالح المختصة في هيكل له صبغة غير إدارية دعوة قديمة متجددة تفرضها عوامل موضوعية
تونس غنية بمعالمها الأثرية وبتراثها المتنوع، لكن تشتت المجهود يحد من نجاعة التصرف ويقلل من المردودية
العمل يبقى منقوصا رغم الجهود المبذولة ورغم بعض النجاحات على غرار تسجيل قرية سيدي بوسعيد هذا العام على لائحة التراث العالمي
تونس - الصباح
كانت وزيرة الشؤون الثقافية، أمينة الصرارفي، قد وعدت خلال ردودها على النواب إثر مناقشتهم منذ أشهر لميزانية الوزارة للعام الحالي بتأسيس ديوان خاص بقطاع التراث، وقد استقبل الموضوع بحفاوة لأن تعدد الهياكل المختصة يعيق عملية النهوض بالقطاع لسبب بسيط، وهو تداخل الصلاحيات وما يرافقه من ثقل في اتخاذ القرار مع تكريس للبيروقراطية في قطاع يتطلب التدخل بسرعة وبنجاعة.
لكن ونحن نقترب من نهاية العام، لم يتغير شيء وما زال القطاع يدار بنفس الطريقة، وما زالت الصلاحيات موزعة بين وكالة إحياء التراث ومعهد التراث وإدارة التراث بوزارة الشؤون الثقافية.
وقد يكون من المفيد في هذا السياق التذكير بأن قطاع التراث حظي بمساحة هامة من اهتمام الوزارة هذا العام، وقد أشرفت الوزيرة على عدد من الاجتماعات حول القطاع.
وقد رفعت الهياكل المختصة من جهتها منسق التدخل والعمل، ولاحظنا حملات نظافة مكثفة انتظمت بمبادرة من وكالة إحياء التراث بمواقع أثرية عديدة، كما أن وزارة الإشراف عددت المبادرات التي تهدف لتوظيف التراث وتثمينه، وشجعت التظاهرات الفنية التي تقام في مواقع أثرية، من بينها مثلا موقع أوذنة من ولاية بن عروس أو الحنايا بباردو بالعاصمة.
ومن جهته، كثف المعهد الوطني للتراث من المبادرات التي تهدف لتثمين التراث الوطني، ومن أبرزها المساهمة في إعداد الملف العلمي الخاص بتسجيل قرية سيدي بوسعيد على لائحة التراث العالمي، إلى جانب عقده لأيام دراسية وورشات تكوين متخصصة ومشاركته في حملات الصيانة للمواقع والمعالم الأثرية.
ولكن العمل يبقى منقوصا على أهميته، لأن قطاع التراث لوحده يستنزف طاقة كبيرة ويحتاج خاصة إلى الاستقلالية في التصرف التي تمكن من ربح الوقت وتزيد في النجاعة والمردودية، كما أنها تسمح بتوفير موارد أكثر وعقد اتفاقيات تعاون تساعد على تثمين التراث وتوظيفه واستغلاله في الدورة الاقتصادية.
ولنا أن نذكر بأن الدعوة إلى توحيد الجهود وجمع الهياكل المتدخلة في القطاع في ديوان أو إحداث كتابة دولة للتراث هو مطلب قديم، وقد نادى به العديد من الخبراء والمختصين بهدف توحيد الجهود لخدمة قطاع هام جدا في تونس ولتوفير النجاعة اللازمة.
فوزارة الشؤون الثقافية، ومهما كثفت من مجهوداتها، فإن هذه الجهود تظل غير كافية لتعدد مجالات التدخل بالنسبة للوزارة، وأيضا لأن قطاع التراث شاسع، إذ لدينا في بلادنا أكثر من أربعين ألف موقع ومعلم أثري، دون أن ننسى التراث اللامادي، مما يجعل من الضروري بعث هيكل جامعي يشرف على القطاع ويتمتع باستقلالية التصرف.
صحيح، أن كثرة المواقع والمعالم الأثرية في تونس يعتبر مصدر فخر لبلادنا، فهو دليل على عراقتها وعلى تجذرها في التاريخ وعلى تعاقب الحضارات على أرضنا، وقد نجحت بلادنا في السنوات الأخيرة في تسجيل مجموعة من عناصر التراث على لائحة التراث العالمي لمنظمة اليونسكو، وآخرها قرية سيدي بوسعيد التي ضمت إلى القائمة هذا العام، وقبلها تم تسجيل جزيرة جربة، إلى جانب تسجيل عناصر من التراث اللامادي من بينها الهريسة والصيد التقليدي بالشرفية وفنون طوائف غبتن، وتونس تبقى عموما من أهم البلدان الغنية بآثارها وبمعالمها التاريخية وبمهاراتها التقليدية وفنونها القديمة، لكن وفرة هذا الإرث التاريخي والحضاري تطرح عدة إشكاليات، ومن بينها ما يتعلق بحماية التراث وصونه وتعهده وتثمينه والتعريف به.
وقد لا نكون في حاجة إلى التذكير بأن العناية بالمواقع والآثار جهد يومي يتطلب إمكانيات بشرية ومادية هامة.
وإن كانت بعض المواقع خاصة بتونس العاصمة تحظى بعناية مستمرة، فإن هناك العديد من المواقع الهامة داخل البلاد لا تحظى بما تستحقه من إحاطة وتعهد، مما يجعلها هدفا للسرقة والنهب.
ولنا أن نذكر بأن وعد وزارة الثقافة بإحداث ديوان لقطاع التراث لم يأت من فراغ، وإنما جاء نتيجة إلحاح من أهل الاختصاص، وأيضا نتيجة عوامل موضوعية من أبرزها عدم قدرة سلطة الإشراف على الإيفاء بالتزاماتها مع كل القطاعات لكثرتها، ولأن تعدد المشاغل ينتج عنه تشتيت للجهد.
وبالعودة للمواقع الأثرية في تونس العاصمة التي تعتبر محظوظة مقارنة بالمواقع والمعالم الأثرية بداخل البلاد، فإننا نشير إلى أن موقع قرطاج الأثري قد تعرض للعديد من المشاكل والإخلالات قبل الثورة، من ذلك أن أراضي تابعة للموقع المصنف على لائحة التراث العالمي تم تحويلها إلى أرض صالحة للبناء، وذلك رغم صبغتها التراثية، وما زال لم يحسم في شأن هذه الأراضي التي شيدت فوقها في الأثناء بناءات سكنية، كما لم يحسم بعد في مثال التصرف في الموقع رغم وجود مثال جاهز منذ التسعينات.
وللتذكير، كان الموقع قد أدرج لفترة على لائحة المواقع المعرضة للخطر نتيجة للإهمال الذي طاله في السنوات الأولى التي تلت الثورة، قبل أن يتم تدارك الأمر فيما بعد، في انتظار الحسم نهائيا حول مثال التهيئة داخل الموقع وحوله.
وقد يكون من المفيد الإشارة إلى أن أسلوب تونس في إدارة المتاحف الوطنية يتطلب بدوره مراجعة، ولما لا منح بعض المتاحف الكبرى، وخاصة المتحف الوطني بباردو، وضعية المؤسسة ذات الصبغة غير الإدارية، الأمر الذي يمكنه من استقلالية التصرف ومن تطوير أسلوب التصرف والعمل على أن يكسب مزيدا من الإشعاع.
فالمتحف الوطني بباردو يمكنه أن يتحول إلى قطب ثقافي حقيقي إذا ما حظي بالاهتمام الضروري وتم استثمار صيته كما ينبغي.
وإذ نجدد التذكير بأن قطاع التراث قد حظي باهتمام أكبر هذا العام، وكان في أكثر من مرة موضوع اجتماع بإشراف وزيرة الشؤون الثقافية، لكن جهود الوزارة الموزعة على عدة مجالات تحد من النجاعة والمردودية، خاصة أن بعض مجالات اهتمام الوزارة لوحدها تستنزف طاقة كبيرة وموارد هامة، على غرار المهرجانات مثلا والتظاهرات الثقافية الدولية التي تنتظم تحت إشرافها.
وقطاع التراث بكل مكوناته المادية واللامادية يحتاج لوحده لجهد يومي وطاقة جبارة، لأن في ذلك خدمة لتراثنا ولبلادنا أيضا.
فتونس وهي تتعهد تراثها وتقوم بصيانته وتثمينه، إنما تحفظ ذاكرتها وتاريخها وتحقق أيضا مكاسب اقتصادية هامة، لأن التراث له مردودية مهمة أيضا، وهي مردودية مزدوجة، أي على مستوى الحفاظ على رأسمالنا الرمزي وعلى مستوى المداخيل المتأتية من القطاع إذا ما تم إدماجه بطريقة ناجعة في الدورة الاقتصادية، وخاصة في السياحة الثقافية.
حياة السايب
الدعوة إلى بعث هيكل يجمع كل المصالح المختصة في هيكل له صبغة غير إدارية دعوة قديمة متجددة تفرضها عوامل موضوعية
تونس غنية بمعالمها الأثرية وبتراثها المتنوع، لكن تشتت المجهود يحد من نجاعة التصرف ويقلل من المردودية
العمل يبقى منقوصا رغم الجهود المبذولة ورغم بعض النجاحات على غرار تسجيل قرية سيدي بوسعيد هذا العام على لائحة التراث العالمي
تونس - الصباح
كانت وزيرة الشؤون الثقافية، أمينة الصرارفي، قد وعدت خلال ردودها على النواب إثر مناقشتهم منذ أشهر لميزانية الوزارة للعام الحالي بتأسيس ديوان خاص بقطاع التراث، وقد استقبل الموضوع بحفاوة لأن تعدد الهياكل المختصة يعيق عملية النهوض بالقطاع لسبب بسيط، وهو تداخل الصلاحيات وما يرافقه من ثقل في اتخاذ القرار مع تكريس للبيروقراطية في قطاع يتطلب التدخل بسرعة وبنجاعة.
لكن ونحن نقترب من نهاية العام، لم يتغير شيء وما زال القطاع يدار بنفس الطريقة، وما زالت الصلاحيات موزعة بين وكالة إحياء التراث ومعهد التراث وإدارة التراث بوزارة الشؤون الثقافية.
وقد يكون من المفيد في هذا السياق التذكير بأن قطاع التراث حظي بمساحة هامة من اهتمام الوزارة هذا العام، وقد أشرفت الوزيرة على عدد من الاجتماعات حول القطاع.
وقد رفعت الهياكل المختصة من جهتها منسق التدخل والعمل، ولاحظنا حملات نظافة مكثفة انتظمت بمبادرة من وكالة إحياء التراث بمواقع أثرية عديدة، كما أن وزارة الإشراف عددت المبادرات التي تهدف لتوظيف التراث وتثمينه، وشجعت التظاهرات الفنية التي تقام في مواقع أثرية، من بينها مثلا موقع أوذنة من ولاية بن عروس أو الحنايا بباردو بالعاصمة.
ومن جهته، كثف المعهد الوطني للتراث من المبادرات التي تهدف لتثمين التراث الوطني، ومن أبرزها المساهمة في إعداد الملف العلمي الخاص بتسجيل قرية سيدي بوسعيد على لائحة التراث العالمي، إلى جانب عقده لأيام دراسية وورشات تكوين متخصصة ومشاركته في حملات الصيانة للمواقع والمعالم الأثرية.
ولكن العمل يبقى منقوصا على أهميته، لأن قطاع التراث لوحده يستنزف طاقة كبيرة ويحتاج خاصة إلى الاستقلالية في التصرف التي تمكن من ربح الوقت وتزيد في النجاعة والمردودية، كما أنها تسمح بتوفير موارد أكثر وعقد اتفاقيات تعاون تساعد على تثمين التراث وتوظيفه واستغلاله في الدورة الاقتصادية.
ولنا أن نذكر بأن الدعوة إلى توحيد الجهود وجمع الهياكل المتدخلة في القطاع في ديوان أو إحداث كتابة دولة للتراث هو مطلب قديم، وقد نادى به العديد من الخبراء والمختصين بهدف توحيد الجهود لخدمة قطاع هام جدا في تونس ولتوفير النجاعة اللازمة.
فوزارة الشؤون الثقافية، ومهما كثفت من مجهوداتها، فإن هذه الجهود تظل غير كافية لتعدد مجالات التدخل بالنسبة للوزارة، وأيضا لأن قطاع التراث شاسع، إذ لدينا في بلادنا أكثر من أربعين ألف موقع ومعلم أثري، دون أن ننسى التراث اللامادي، مما يجعل من الضروري بعث هيكل جامعي يشرف على القطاع ويتمتع باستقلالية التصرف.
صحيح، أن كثرة المواقع والمعالم الأثرية في تونس يعتبر مصدر فخر لبلادنا، فهو دليل على عراقتها وعلى تجذرها في التاريخ وعلى تعاقب الحضارات على أرضنا، وقد نجحت بلادنا في السنوات الأخيرة في تسجيل مجموعة من عناصر التراث على لائحة التراث العالمي لمنظمة اليونسكو، وآخرها قرية سيدي بوسعيد التي ضمت إلى القائمة هذا العام، وقبلها تم تسجيل جزيرة جربة، إلى جانب تسجيل عناصر من التراث اللامادي من بينها الهريسة والصيد التقليدي بالشرفية وفنون طوائف غبتن، وتونس تبقى عموما من أهم البلدان الغنية بآثارها وبمعالمها التاريخية وبمهاراتها التقليدية وفنونها القديمة، لكن وفرة هذا الإرث التاريخي والحضاري تطرح عدة إشكاليات، ومن بينها ما يتعلق بحماية التراث وصونه وتعهده وتثمينه والتعريف به.
وقد لا نكون في حاجة إلى التذكير بأن العناية بالمواقع والآثار جهد يومي يتطلب إمكانيات بشرية ومادية هامة.
وإن كانت بعض المواقع خاصة بتونس العاصمة تحظى بعناية مستمرة، فإن هناك العديد من المواقع الهامة داخل البلاد لا تحظى بما تستحقه من إحاطة وتعهد، مما يجعلها هدفا للسرقة والنهب.
ولنا أن نذكر بأن وعد وزارة الثقافة بإحداث ديوان لقطاع التراث لم يأت من فراغ، وإنما جاء نتيجة إلحاح من أهل الاختصاص، وأيضا نتيجة عوامل موضوعية من أبرزها عدم قدرة سلطة الإشراف على الإيفاء بالتزاماتها مع كل القطاعات لكثرتها، ولأن تعدد المشاغل ينتج عنه تشتيت للجهد.
وبالعودة للمواقع الأثرية في تونس العاصمة التي تعتبر محظوظة مقارنة بالمواقع والمعالم الأثرية بداخل البلاد، فإننا نشير إلى أن موقع قرطاج الأثري قد تعرض للعديد من المشاكل والإخلالات قبل الثورة، من ذلك أن أراضي تابعة للموقع المصنف على لائحة التراث العالمي تم تحويلها إلى أرض صالحة للبناء، وذلك رغم صبغتها التراثية، وما زال لم يحسم في شأن هذه الأراضي التي شيدت فوقها في الأثناء بناءات سكنية، كما لم يحسم بعد في مثال التصرف في الموقع رغم وجود مثال جاهز منذ التسعينات.
وللتذكير، كان الموقع قد أدرج لفترة على لائحة المواقع المعرضة للخطر نتيجة للإهمال الذي طاله في السنوات الأولى التي تلت الثورة، قبل أن يتم تدارك الأمر فيما بعد، في انتظار الحسم نهائيا حول مثال التهيئة داخل الموقع وحوله.
وقد يكون من المفيد الإشارة إلى أن أسلوب تونس في إدارة المتاحف الوطنية يتطلب بدوره مراجعة، ولما لا منح بعض المتاحف الكبرى، وخاصة المتحف الوطني بباردو، وضعية المؤسسة ذات الصبغة غير الإدارية، الأمر الذي يمكنه من استقلالية التصرف ومن تطوير أسلوب التصرف والعمل على أن يكسب مزيدا من الإشعاع.
فالمتحف الوطني بباردو يمكنه أن يتحول إلى قطب ثقافي حقيقي إذا ما حظي بالاهتمام الضروري وتم استثمار صيته كما ينبغي.
وإذ نجدد التذكير بأن قطاع التراث قد حظي باهتمام أكبر هذا العام، وكان في أكثر من مرة موضوع اجتماع بإشراف وزيرة الشؤون الثقافية، لكن جهود الوزارة الموزعة على عدة مجالات تحد من النجاعة والمردودية، خاصة أن بعض مجالات اهتمام الوزارة لوحدها تستنزف طاقة كبيرة وموارد هامة، على غرار المهرجانات مثلا والتظاهرات الثقافية الدولية التي تنتظم تحت إشرافها.
وقطاع التراث بكل مكوناته المادية واللامادية يحتاج لوحده لجهد يومي وطاقة جبارة، لأن في ذلك خدمة لتراثنا ولبلادنا أيضا.
فتونس وهي تتعهد تراثها وتقوم بصيانته وتثمينه، إنما تحفظ ذاكرتها وتاريخها وتحقق أيضا مكاسب اقتصادية هامة، لأن التراث له مردودية مهمة أيضا، وهي مردودية مزدوجة، أي على مستوى الحفاظ على رأسمالنا الرمزي وعلى مستوى المداخيل المتأتية من القطاع إذا ما تم إدماجه بطريقة ناجعة في الدورة الاقتصادية، وخاصة في السياحة الثقافية.