أشرفت رئيسة الحكومة، سارة الزعفراني الزنزري، يوم الثلاثاء الماضي، على جلسة عمل وزارية تم تخصيصها للنظر في التوجهات الكبرى لإصلاح منظومة الضمان الاجتماعي، وذلك في إطار العمل على تطوير أداء المنظومة والارتقاء بخدماتها وتعزيز قدرتها على مواكبة التحولات الديموغرافية والاجتماعية والاقتصادية والاستجابة لتطور سوق الشغل وتنوّع المسارات المهنية وتغيّر حاجيات المضمونين الاجتماعيّين، وفق بلاغ لرئاسة الحكومة.
منية العرفاوي
وفي السنوات الأخيرة، أصبحت الصناديق الاجتماعية، وأساسًا الصندوق الوطني للتقاعد والحيطة الاجتماعية والصندوق الوطني للضمان الاجتماعي، تعاني من أزمات حادة وخانقة، حيث تواجه عجزًا ماليًا هيكليًا وديونًا متراكمة، بما أثّر سلبًا عن بعض الخدمات الأساسية، مثل خدمات الصحة العمومية ونقص الأدوية.. وقد شدّدت رئيسة الحكومة في الاجتماع الوزاري الأخير على أن إصلاح منظومة الضمان الاجتماعي والمنظومة الصحية والتغطية الصحية يمثل أولوية للدولة، وأنه يجري العمل حاليًا على المراجعة الجذرية والشاملة والمتناغمة لمختلف مكونات المنظومة، بما يضمن العدالة الصحية والإنصاف في النفاذ إلى الخدمات.
وفي مستهلّ الجلسة الوزارية، أشارت رئيسة الحكومة إلى ضرورة أن ينطلق الإصلاح الهيكلي لمنظومة الضمان الاجتماعي من الواقع الوطني بمختلف أبعاده الاجتماعية والاقتصادية، وذلك ضمن مقاربة وطنية شاملة ومتكاملة تقطع مع الحلول الظرفية أو الجزئية وتكرّس مبدأ العدالة الاجتماعية.
خطة الحكومة لتطوير منظومة الضمان الاجتماعي
خلال المجلس الوزاري، تم التأكيد على أهمية المراجعة الشاملة والهيكلية لأنظمة التقاعد وأنظمة الضمان الاجتماعي بصفة عامة على المدى الطويل، بإرساء منظومة حماية اجتماعية متعددة الركائز تراعي خصوصية السياق الوطني ومبادئ التضامن والإنصاف وقدرة المضمونين على المساهمة. كما تم تقديم الإجراءات العاجلة والإصلاحات المقترحة على المدى القريب والمتوسط.
حيث قرّرت الجلسة الوزارية الانطلاق الفوري في إعداد النصوص المتعلقة بالإصلاحات الهيكلية لمنظومة الضمان الاجتماعي، مع ضرورة ملاءمة أنظمة التقاعد مع التحولات الديموغرافية والاقتصادية والاجتماعية وتطور سوق الشغل وتنوع القطاعات والأنشطة، بالاستناد إلى التقييم والتشخيص والدراسات التي تم إنجازها في الغرض، مع تنفيذ الإصلاحات بالتدرّج.
وذلك إلى جانب تحسين التغطية الاجتماعية الفعلية لفائدة الفئات التي لا تنتفع بصورة كافية بالحماية الاجتماعية، ولاسيما العاملين في القطاع غير المنظم، والعاملين في القطاع الفلاحي والصيد البحري والعاملين لحسابهم الخاص، وأصحاب المهن الجديدة والعاملين في اقتصاد المنصات، وذلك من خلال تطوير صيغ حماية ملائمة لطبيعة الأنشطة وتبسيط إجراءات الانخراط، وتقريب الخدمات، مع تطوير حوكمة الصناديق والهياكل الاجتماعية والارتقاء بجودة التصرف، من خلال تعزيز الشفافية والرقابة والنجاعة.
كما اقترح المجلس الوزاري، بالنسبة للمنظومة الصحية، ضرورة تحسين التكامل بين الضمان الاجتماعي والتغطية الصحية وتعزيز التنسيق بين الصناديق والهياكل الصحية ومسديي الخدمات، وتطوير مسالك التكفل والعلاج والارتقاء بجودة الخدمات الصحية والاجتماعية المقدمة للمضمونين، وذلك من خلال تحسين تنظيم التكفل بالأدوية والخدمات الصحية وتطوير أنظمة التتبع الدوائي والمستلزمات الطبية وتيسير النفاذ إلى الخدمات وتحسين جودتها، مع ضرورة تحسين مسالك التكفل بالأدوية الخصوصية واعتماد مرجعيات وبروتوكولات علاجية واضحة..
المجلس الوزاري أقرّ أيضًا ضرورة دعم الصناعة الصيدلية المحلية وتشجيع الإنتاج الوطني للأدوية الأساسية واللقاحات والتكنولوجيات الصحية، بما يعزز الأمن الدوائي ويدعم قدرات البلاد في هذا المجال، بالإضافة إلى تسريع التحول الرقمي للخدمات الاجتماعية والصحية وتحديث المنظومات الإعلامية وإرساء منظومات مندمجة ومترابطة، بما يعزز التبادل الحيني للبيانات بين الصناديق والهياكل الصحية والمضمونين الاجتماعيين، وذلك من خلال تأهيل منظومة المعرّف الاجتماعي ورقمنة بطاقات وخدمات الضمان الاجتماعي ومواصلة رقمنة الملف الطبي.
وفي ختام المجلس الوزاري، أكدت رئيسة الحكومة على ضرورة بناء منظومة ضمان اجتماعي قادرة على الاستجابة لتطور حاجيات المضمونين الاجتماعيين وتحسين جودة الخدمات، وتوسيع مجالات الحماية الاجتماعية، وتطوير أداء الصناديق والهياكل الاجتماعية والصحية..
أزمة الصناديق الاجتماعية في تونس
وتتمظهر أزمة الصناديق الاجتماعية على أكثر من مستوى، مثل انخفاض عدد المساهمين، حيث تراجع مؤشر التغطية بشكل حاد من نحو 7 أجراء يمولون جراية متقاعد واحد في العقود السابقة، إلى حوالي 2.7 مساهم فقط لكل متقاعد في الوقت الحالي، بالإضافة إلى ما يواجهه المجتمع من تحوّل ديمغرافي يتجه نحو التهرّم مع ارتفاع معدل الأمل في الحياة، كما ساهمت الدولة في منع الانتدابات بالقطاع العام في الحد من تدفق مساهمين جدد لتمويل أنظمة التقاعد، بالإضافة إلى التهرّب الاجتماعي، حيث تعاني المنظومة من ضعف استخلاص المساهمات وتلكؤ العديد من الشركات في دفع مستحقات الصناديق نتيجة للصعوبات الاقتصادية.
ومن أهم الأسباب التي راكمت أزمة الصناديق الاجتماعية، هو استيعاب الاقتصاد غير المنظم نسبة هائلة من اليد العاملة التي تشتغل خارج المظلة القانونية، مما يحرم الصناديق من موارد مالية ضخمة كانت لتنعش الخزينة، كما أدى تراجع الاستثمار وتدهور مناخ الأعمال إلى فقدان مواطن الشغل، وبالتالي تراجع المداخيل الدورية المتأتية من الاقتطاعات المباشرة. بالإضافة إلى سوء الحوكمة، حيث اختارت الدولة منذ سبعينيات وثمانينيات القرن الماضي عدم الفصل بين ميزانيتها وأموال الصناديق الفائضة، واستخدمت تلك الفوائض لتغطية عجز الميزانية دون استثمارها في مشاريع ذات مردودية عالية، كما تم تحميل الصناديق الاجتماعية أعباء مالية لا تندرج ضمن اختصاصاتها الأصلية، مثل إدارة صندوق النفقة للمطلقات، وصرف تعويضات الأجراء المطرودين تعسفيًا.
وفي تصريحات إعلامية سابقة، قال أستاذ قانون الشغل والحماية الاجتماعية حافظ العموري إن من أبرز أسباب العجز الذي تعانيه الصناديق الاجتماعية اضطلاعها بمهام لا تدخل ضمن اختصاصها، وأوضح أن من بين هذه المهام تمويل شركة النهوض بالمساكن الاجتماعية، إلى جانب امتلاكها لعمارات قامت بتشييدها دون التفويت فيها، وهو ما تسبب في ضغط مالي متواصل، كما أشار إلى أن الدولة كانت تنتفع بأموال الصندوق الوطني للضمان الاجتماعي دون إرجاعها، ما فاقم من صعوبات السيولة. وقد شدّد حافظ العموري على ضرورة الانطلاق الفوري في مسار إصلاح الصناديق الاجتماعية، محذّرًا من أن كل يوم تأخير من شأنه أن يزيد في تعقيد الوضعية المالية ويُنقلها من مرحلة الإصلاح إلى مرحلة الإنقاذ، مشيرًا إلى أن الإجراءات التي تم اعتمادها سابقًا كانت ذات طابع ترقيعي ولم ترتقِ إلى إصلاحات هيكلية عميقة قادرة على معالجة جذور الأزمة وضمان استدامة هذه الصناديق.
وزارة الشؤون الاجتماعية على خط الأزمة
خلال افتتاحه لأشغال المؤتمر العربي الثامن للتقاعد والتأمينات الاجتماعية، في جويلية الماضي، الذي استضافته تونس تحت شعار "رحلة الإصلاحات نحو الأمن التقاعدي"، أكد وزير الشؤون الاجتماعية عصام الأحمر، أنّ تونس راهنت على إرساء سياسة اجتماعية تقوم على تحسين مستوى عيش الأفراد والأسر والمحافظة على الاستقرار الاجتماعي، تجسيمًا للمبادئ الأساسية لحقوق الإنسان الاجتماعية والاقتصادية، وفقًا للمواثيق والاتفاقيات الدولية وتطبيقًا لأحكام الدستور، وقد استعرض بالمناسبة أهمّ المبادئ التي يقوم عليها الضمان الاجتماعي في تونس، لاسيما توسيع التغطية الاجتماعيّة تدريجيًا وتحسين المنافع المسداة والحفاظ على ديمومة الأنظمة بتحقيق توازناتها المالية وإرساء منظومة حوكمة لإدارة الصناديق الاجتماعية بناءً على نظرة استشرافية للتحديات التي تشهدها أنظمة التقاعد.
كما أشار وزير الشؤون الاجتماعية إلى أن الأنماط الجديدة للعمل، كاقتصاد المنصات والعمل عن بعد، أصبح يستقطب العديد من النشيطين دون وجوبية دفع المساهمات في تمويل أنظمة الضمان الاجتماعي، في حين أن الدولة تعمل على تمويل العديد من البرامج ومنح الامتيازات وتحسين جودة المنافع المقدمة، حتى تصبح الحماية الاجتماعية خيارًا جاذبًا وليس مجرد التزام مفروض على المواطن للتمتع بحقه في التغطية الصحية والاجتماعية، كما ينص عليه الدستور التونسي، وهو ما يستوجب إقرار الآليات الكفيلة بتغطية هذه الشرائح المهنية وتوفير موارد مالية إضافية لأنظمة التقاعد.
الوزير أشار كذلك إلى أن ظاهرة القطاع غير المنظم تعد من أبرز التحديات التي تواجهها أنظمة الضمان الاجتماعي، إذ يترتب عنها تقلص قاعدة المنخرطين وتراجع موارد الصناديق الاجتماعية، بما يؤثر على توازناتها واستدامتها المالية، ويحرم فئات واسعة من العاملين من التمتع بحقوقهم في الحماية الاجتماعية، وهو ما يزيد من مخاطر الهشاشة والفقر. ويرى وزير الشؤون الاجتماعية أن إدماج الفئات العاملة في القطاع غير المنظم ليس عملية توسيع تقنية لنظام قائم، بل هو تحوّل نوعي في مقاربة الحماية الاجتماعية من منطق انتقائي محدود إلى منطق شمولي قائم على الحقوق، وذلك بوضع الأطر القانونية الملائمة له والتي تستجيب لنوعية النشاط المعتمد، وأن إصلاح منظومة الضمان الاجتماعي لا ينبغي أن يُختزل في البحث عن حلول مالية ظرفية أو معالجة اختلالات آنية، بل يجب أن يُنظر إليه باعتباره مشروعًا وطنيًا لتحديث أحد أهم مؤسسات الدولة الاجتماعية.
تونس - الصباح
أشرفت رئيسة الحكومة، سارة الزعفراني الزنزري، يوم الثلاثاء الماضي، على جلسة عمل وزارية تم تخصيصها للنظر في التوجهات الكبرى لإصلاح منظومة الضمان الاجتماعي، وذلك في إطار العمل على تطوير أداء المنظومة والارتقاء بخدماتها وتعزيز قدرتها على مواكبة التحولات الديموغرافية والاجتماعية والاقتصادية والاستجابة لتطور سوق الشغل وتنوّع المسارات المهنية وتغيّر حاجيات المضمونين الاجتماعيّين، وفق بلاغ لرئاسة الحكومة.
منية العرفاوي
وفي السنوات الأخيرة، أصبحت الصناديق الاجتماعية، وأساسًا الصندوق الوطني للتقاعد والحيطة الاجتماعية والصندوق الوطني للضمان الاجتماعي، تعاني من أزمات حادة وخانقة، حيث تواجه عجزًا ماليًا هيكليًا وديونًا متراكمة، بما أثّر سلبًا عن بعض الخدمات الأساسية، مثل خدمات الصحة العمومية ونقص الأدوية.. وقد شدّدت رئيسة الحكومة في الاجتماع الوزاري الأخير على أن إصلاح منظومة الضمان الاجتماعي والمنظومة الصحية والتغطية الصحية يمثل أولوية للدولة، وأنه يجري العمل حاليًا على المراجعة الجذرية والشاملة والمتناغمة لمختلف مكونات المنظومة، بما يضمن العدالة الصحية والإنصاف في النفاذ إلى الخدمات.
وفي مستهلّ الجلسة الوزارية، أشارت رئيسة الحكومة إلى ضرورة أن ينطلق الإصلاح الهيكلي لمنظومة الضمان الاجتماعي من الواقع الوطني بمختلف أبعاده الاجتماعية والاقتصادية، وذلك ضمن مقاربة وطنية شاملة ومتكاملة تقطع مع الحلول الظرفية أو الجزئية وتكرّس مبدأ العدالة الاجتماعية.
خطة الحكومة لتطوير منظومة الضمان الاجتماعي
خلال المجلس الوزاري، تم التأكيد على أهمية المراجعة الشاملة والهيكلية لأنظمة التقاعد وأنظمة الضمان الاجتماعي بصفة عامة على المدى الطويل، بإرساء منظومة حماية اجتماعية متعددة الركائز تراعي خصوصية السياق الوطني ومبادئ التضامن والإنصاف وقدرة المضمونين على المساهمة. كما تم تقديم الإجراءات العاجلة والإصلاحات المقترحة على المدى القريب والمتوسط.
حيث قرّرت الجلسة الوزارية الانطلاق الفوري في إعداد النصوص المتعلقة بالإصلاحات الهيكلية لمنظومة الضمان الاجتماعي، مع ضرورة ملاءمة أنظمة التقاعد مع التحولات الديموغرافية والاقتصادية والاجتماعية وتطور سوق الشغل وتنوع القطاعات والأنشطة، بالاستناد إلى التقييم والتشخيص والدراسات التي تم إنجازها في الغرض، مع تنفيذ الإصلاحات بالتدرّج.
وذلك إلى جانب تحسين التغطية الاجتماعية الفعلية لفائدة الفئات التي لا تنتفع بصورة كافية بالحماية الاجتماعية، ولاسيما العاملين في القطاع غير المنظم، والعاملين في القطاع الفلاحي والصيد البحري والعاملين لحسابهم الخاص، وأصحاب المهن الجديدة والعاملين في اقتصاد المنصات، وذلك من خلال تطوير صيغ حماية ملائمة لطبيعة الأنشطة وتبسيط إجراءات الانخراط، وتقريب الخدمات، مع تطوير حوكمة الصناديق والهياكل الاجتماعية والارتقاء بجودة التصرف، من خلال تعزيز الشفافية والرقابة والنجاعة.
كما اقترح المجلس الوزاري، بالنسبة للمنظومة الصحية، ضرورة تحسين التكامل بين الضمان الاجتماعي والتغطية الصحية وتعزيز التنسيق بين الصناديق والهياكل الصحية ومسديي الخدمات، وتطوير مسالك التكفل والعلاج والارتقاء بجودة الخدمات الصحية والاجتماعية المقدمة للمضمونين، وذلك من خلال تحسين تنظيم التكفل بالأدوية والخدمات الصحية وتطوير أنظمة التتبع الدوائي والمستلزمات الطبية وتيسير النفاذ إلى الخدمات وتحسين جودتها، مع ضرورة تحسين مسالك التكفل بالأدوية الخصوصية واعتماد مرجعيات وبروتوكولات علاجية واضحة..
المجلس الوزاري أقرّ أيضًا ضرورة دعم الصناعة الصيدلية المحلية وتشجيع الإنتاج الوطني للأدوية الأساسية واللقاحات والتكنولوجيات الصحية، بما يعزز الأمن الدوائي ويدعم قدرات البلاد في هذا المجال، بالإضافة إلى تسريع التحول الرقمي للخدمات الاجتماعية والصحية وتحديث المنظومات الإعلامية وإرساء منظومات مندمجة ومترابطة، بما يعزز التبادل الحيني للبيانات بين الصناديق والهياكل الصحية والمضمونين الاجتماعيين، وذلك من خلال تأهيل منظومة المعرّف الاجتماعي ورقمنة بطاقات وخدمات الضمان الاجتماعي ومواصلة رقمنة الملف الطبي.
وفي ختام المجلس الوزاري، أكدت رئيسة الحكومة على ضرورة بناء منظومة ضمان اجتماعي قادرة على الاستجابة لتطور حاجيات المضمونين الاجتماعيين وتحسين جودة الخدمات، وتوسيع مجالات الحماية الاجتماعية، وتطوير أداء الصناديق والهياكل الاجتماعية والصحية..
أزمة الصناديق الاجتماعية في تونس
وتتمظهر أزمة الصناديق الاجتماعية على أكثر من مستوى، مثل انخفاض عدد المساهمين، حيث تراجع مؤشر التغطية بشكل حاد من نحو 7 أجراء يمولون جراية متقاعد واحد في العقود السابقة، إلى حوالي 2.7 مساهم فقط لكل متقاعد في الوقت الحالي، بالإضافة إلى ما يواجهه المجتمع من تحوّل ديمغرافي يتجه نحو التهرّم مع ارتفاع معدل الأمل في الحياة، كما ساهمت الدولة في منع الانتدابات بالقطاع العام في الحد من تدفق مساهمين جدد لتمويل أنظمة التقاعد، بالإضافة إلى التهرّب الاجتماعي، حيث تعاني المنظومة من ضعف استخلاص المساهمات وتلكؤ العديد من الشركات في دفع مستحقات الصناديق نتيجة للصعوبات الاقتصادية.
ومن أهم الأسباب التي راكمت أزمة الصناديق الاجتماعية، هو استيعاب الاقتصاد غير المنظم نسبة هائلة من اليد العاملة التي تشتغل خارج المظلة القانونية، مما يحرم الصناديق من موارد مالية ضخمة كانت لتنعش الخزينة، كما أدى تراجع الاستثمار وتدهور مناخ الأعمال إلى فقدان مواطن الشغل، وبالتالي تراجع المداخيل الدورية المتأتية من الاقتطاعات المباشرة. بالإضافة إلى سوء الحوكمة، حيث اختارت الدولة منذ سبعينيات وثمانينيات القرن الماضي عدم الفصل بين ميزانيتها وأموال الصناديق الفائضة، واستخدمت تلك الفوائض لتغطية عجز الميزانية دون استثمارها في مشاريع ذات مردودية عالية، كما تم تحميل الصناديق الاجتماعية أعباء مالية لا تندرج ضمن اختصاصاتها الأصلية، مثل إدارة صندوق النفقة للمطلقات، وصرف تعويضات الأجراء المطرودين تعسفيًا.
وفي تصريحات إعلامية سابقة، قال أستاذ قانون الشغل والحماية الاجتماعية حافظ العموري إن من أبرز أسباب العجز الذي تعانيه الصناديق الاجتماعية اضطلاعها بمهام لا تدخل ضمن اختصاصها، وأوضح أن من بين هذه المهام تمويل شركة النهوض بالمساكن الاجتماعية، إلى جانب امتلاكها لعمارات قامت بتشييدها دون التفويت فيها، وهو ما تسبب في ضغط مالي متواصل، كما أشار إلى أن الدولة كانت تنتفع بأموال الصندوق الوطني للضمان الاجتماعي دون إرجاعها، ما فاقم من صعوبات السيولة. وقد شدّد حافظ العموري على ضرورة الانطلاق الفوري في مسار إصلاح الصناديق الاجتماعية، محذّرًا من أن كل يوم تأخير من شأنه أن يزيد في تعقيد الوضعية المالية ويُنقلها من مرحلة الإصلاح إلى مرحلة الإنقاذ، مشيرًا إلى أن الإجراءات التي تم اعتمادها سابقًا كانت ذات طابع ترقيعي ولم ترتقِ إلى إصلاحات هيكلية عميقة قادرة على معالجة جذور الأزمة وضمان استدامة هذه الصناديق.
وزارة الشؤون الاجتماعية على خط الأزمة
خلال افتتاحه لأشغال المؤتمر العربي الثامن للتقاعد والتأمينات الاجتماعية، في جويلية الماضي، الذي استضافته تونس تحت شعار "رحلة الإصلاحات نحو الأمن التقاعدي"، أكد وزير الشؤون الاجتماعية عصام الأحمر، أنّ تونس راهنت على إرساء سياسة اجتماعية تقوم على تحسين مستوى عيش الأفراد والأسر والمحافظة على الاستقرار الاجتماعي، تجسيمًا للمبادئ الأساسية لحقوق الإنسان الاجتماعية والاقتصادية، وفقًا للمواثيق والاتفاقيات الدولية وتطبيقًا لأحكام الدستور، وقد استعرض بالمناسبة أهمّ المبادئ التي يقوم عليها الضمان الاجتماعي في تونس، لاسيما توسيع التغطية الاجتماعيّة تدريجيًا وتحسين المنافع المسداة والحفاظ على ديمومة الأنظمة بتحقيق توازناتها المالية وإرساء منظومة حوكمة لإدارة الصناديق الاجتماعية بناءً على نظرة استشرافية للتحديات التي تشهدها أنظمة التقاعد.
كما أشار وزير الشؤون الاجتماعية إلى أن الأنماط الجديدة للعمل، كاقتصاد المنصات والعمل عن بعد، أصبح يستقطب العديد من النشيطين دون وجوبية دفع المساهمات في تمويل أنظمة الضمان الاجتماعي، في حين أن الدولة تعمل على تمويل العديد من البرامج ومنح الامتيازات وتحسين جودة المنافع المقدمة، حتى تصبح الحماية الاجتماعية خيارًا جاذبًا وليس مجرد التزام مفروض على المواطن للتمتع بحقه في التغطية الصحية والاجتماعية، كما ينص عليه الدستور التونسي، وهو ما يستوجب إقرار الآليات الكفيلة بتغطية هذه الشرائح المهنية وتوفير موارد مالية إضافية لأنظمة التقاعد.
الوزير أشار كذلك إلى أن ظاهرة القطاع غير المنظم تعد من أبرز التحديات التي تواجهها أنظمة الضمان الاجتماعي، إذ يترتب عنها تقلص قاعدة المنخرطين وتراجع موارد الصناديق الاجتماعية، بما يؤثر على توازناتها واستدامتها المالية، ويحرم فئات واسعة من العاملين من التمتع بحقوقهم في الحماية الاجتماعية، وهو ما يزيد من مخاطر الهشاشة والفقر. ويرى وزير الشؤون الاجتماعية أن إدماج الفئات العاملة في القطاع غير المنظم ليس عملية توسيع تقنية لنظام قائم، بل هو تحوّل نوعي في مقاربة الحماية الاجتماعية من منطق انتقائي محدود إلى منطق شمولي قائم على الحقوق، وذلك بوضع الأطر القانونية الملائمة له والتي تستجيب لنوعية النشاط المعتمد، وأن إصلاح منظومة الضمان الاجتماعي لا ينبغي أن يُختزل في البحث عن حلول مالية ظرفية أو معالجة اختلالات آنية، بل يجب أن يُنظر إليه باعتباره مشروعًا وطنيًا لتحديث أحد أهم مؤسسات الدولة الاجتماعية.