إشترك في النسخة الرقمية لجريدة الصباح و LE TEMPS

من تسليم المساكن إلى تيسير التملك.. السكن الاجتماعي لإرساء العدالة الاجتماعية وتعزيز كرامة المواطن

تونس-الصباح

تتواصل ترجمة التوجهات الاجتماعية للدولة في مجال السكن الاجتماعي إلى إجراءات ملموسة، مع دخول مشاريع سكنية جديدة مرحلة التسليم الفعلي لفائدة مستحقيها، بعد أن تسلمت 310 عائلات من ولاية منوبة مفاتيح مساكنها الفردية الجاهزة ضمن القسط الخامس «رياض 5» من مشروع السكن الاجتماعي «الرياض» بالفجة، في خطوة تعكس تصدّر ملف السكن الاجتماعي أجندة الأولويات العملية للدولة، في أعلى هرمها، لا سيما فيما يتعلق بتوفير السكن للفئات محدودة الدخل وتيسير شروط التملك.

ويأتي هذا التطور بالتوازي مع جهود أخرى تُبذل اليوم على مستوى التصرف في الرصيد السكني المتوفر، من خلال شروع لجنة خاصة ببلدية تونس في النظر في وضعية المساكن البلدية الشاغرة ومطالب إسناد مساكن لفائدة طالبي السكن الاجتماعي، بما يفتح المجال أمام حسن استغلال الممتلكات العمومية وتوجيهها إلى مستحقيها.

وتتنزل هذه الجهود ضمن رؤية شاملة لرئيس الجمهورية قيس سعيد، تقوم على تكريس الدور الاجتماعي للدولة في مجال السكن، باعتبار السكن اللائق جزءا من كرامة المواطن والعدالة الاجتماعية، وعلى البحث عن حلول تتجاوز سياسة الحلول الظرفية والترقيعية نحو التمليك الميسّر، سواء عبر الكراء المملّك أو البيع بالتقسيط، إلى جانب توفير رصيد عقاري بأسعار تفاضلية، وإعادة تفعيل دور المؤسسات العمومية، وضمان شفافية إسناد المساكن والمقاسم الاجتماعية وفق مقاييس واضحة وموضوعية.

 

من الانتفاع إلى التمليك

اللافت في مشروع الفجة أن فلسفة الانتفاع لا تقف عند حدود توفير سكن لائق للمواطن، وإنما تتجه نحو تمكينه من الملكية. فقد تم إسناد المساكن الاجتماعية في شكل عقود تمليك عن طريق الكراء المملّك، حيث يدفع المنتفعون أقساطًا شهرية تعتبر مساهمة في تسديد كلفة المسكن، على أن تؤول الملكية إليهم بصفة نهائية بعد استكمال فترة التسديد.

وهنا تتجلى مقاربة رئيس الجمهورية قيس سعيّد في مجال السكن الاجتماعي، والمتمثلة في الانتقال من منطق الإعانة الظرفية إلى منطق التمليك المستدام. فالسكن، وفقا لهذه المقاربة، يتحول إلى ملكية مستقرة تمنح العائلة شعورا أكبر بالأمان والاستقرار، وتفتح أمامها إمكانية تحسين ظروف عيشها مستقبلا.

وتكتسب هذه الرؤية أهمية خاصة بالنسبة إلى الفئات محدودة ومتوسطة الدخل التي تواجه صعوبة متزايدة في النفاذ إلى السوق العقارية، في ظل ارتفاع كلفة الأراضي ومواد البناء وأسعار المساكن. ولذلك، فإن اعتماد صيغ مثل الكراء المملّك أو البيع بالتقسيط بأسعار مدروسة يمكن أن يمثل بديلا عمليا يخفف نسبيا من العبء المالي، ويجعل الملكية ممكنة بالنسبة إلى شرائح واسعة لا تستطيع توفير ثمن المسكن دفعة واحدة.

وضمن هذا التمشي، فإن التركيز على التمليك في السياسة السكنية للدولة يحمل في طياته بعدا اجتماعيا يندرج ضمن مسار العدالة الاجتماعية الذي يروم رئيس الدولة قيس سعيد تكريسه في أكثر من مجال، على اعتبار أن التمليك بالنسبة إلى عائلة ما يعني، في جوهره، تأسيس أصل مادي يمكن أن يشكل ضمانة للاستقرار، كما يكرس شعورًا بالانتماء إلى المجال وبالاستقرار داخل الحي أو الجهة. ومن هذا المنطلق، فإن رؤية رئيس الدولة قيس سعيد للسكن الاجتماعي تتعلق بمفهوم شامل يقوم على حفظ الكرامة والعدالة الاجتماعية.

كما أن اعتماد مساكن قابلة للتوسعة، مثل عدد من المساكن الجاهزة في مشروع الفجة، يضيف بعدا آخر لهذه السياسة. فقد تم تصميم عينة من المساكن الفردية بمساحات مختلفة وقابلة للتوسعة، بما يسمح للمنتفعين بتطوير مساكنهم مستقبلا وفقا لحاجياتهم وإمكانياتهم. وهذه المرونة تجعل المسكن أكثر قدرة على الاستجابة للتحولات الاجتماعية والديمغرافية للأسرة.

 

رصيد عقاري بأسعار تفاضلية

وفي صميم السياسة السكنية الاجتماعية التي تدفع إليها الدولة في أعلى هرمها، يبرز أيضًا ملف الرصيد العقاري باعتباره إحدى أهم حلقات المعادلة السكنية. فارتفاع أسعار الأراضي يمثل عاملا أساسيا في ارتفاع كلفة البناء، ولذلك، فإن توفير أراضٍ من ملك الدولة أو الجماعات المحلية بأسعار منخفضة يمكن أن يساعد على خلق مقاسم اجتماعية مهيأة لفائدة الفئات المستهدفة.

وفي هذا الإطار، تم العمل على تفعيل قرارات تتيح للوكالة العقارية للسكنى اقتناء أراضٍ من ملك الدولة أو الجماعات المحلية بأسعار تفاضلية، بما يسمح بتكوين رصيد عقاري يمكن توجيهه إلى مشاريع اجتماعية. وهذه الخطوة تعكس توجها نحو معالجة أصل الإشكال، على اعتبار أنه لا يمكن الخوض في مسألة سكن ميسّر دون معالجة كلفة الأرض التي تمثل جزءا مهما من السعر النهائي للمسكن.

وفي هذا السياق، وبتوجيهات مباشرة من رئيس الدولة قيس سعيد، تعمل مختلف الهياكل والمؤسسات المعنية على حسن توظيف أملاك الدولة والجماعات المحلية، بما يمكن أن يفتح المجال أمام سياسة أكثر نجاعة في توزيع المشاريع السكنية، خصوصًا في المناطق التي تتوفر فيها أراضٍ قابلة للتهيئة، بما يسمح بتقريب السكن من المواطنين وتجنب التوسع العمراني العشوائي.

 

إعادة الاعتبار للمؤسسات العمومية

وتتصل هذه المقاربة كذلك بإعادة تفعيل دور المؤسسات العمومية المتدخلة في المجال السكني، وفي مقدمتها الوكالة العقارية للسكنى، وشركة النهوض بالمساكن الاجتماعية، والشركة الوطنية العقارية للبلاد التونسية.

فهذه المؤسسات تمتلك خبرة تراكمية وهياكل وآليات تمكنها من لعب دور أكبر في تنفيذ السياسة السكنية للدولة.

وفي هذا الإطار، يراهن رئيس الدولة قيس سعيد على ضرورة أن تقوم هذه المؤسسات بوظيفتها الاجتماعية، بما يجعلها آليات تنفيذ لمختلف السياسات العمومية، لا سيما أن الرهان اليوم يتلخص في توفير مساكن ومقاسم تستجيب للمقدرة الشرائية للمواطن، مع الحفاظ في الوقت نفسه على جودة البناء وملاءمة المشاريع للحاجيات الفعلية.

 

تكريس للشفافية

تكشف الأرقام المتعلقة بمشروع الفجة عن حجم الطلب على السكن الاجتماعي، فقد بلغ عدد المطالب المقدمة في إطار الآجال التي ضبطتها وزارة التجهيز والإسكان بعنوان سنتي 2012 و2016 نحو 11 ألفا و102 مطلب، وبعد دراسة الملفات، تبين أن أصحاب 5248 مطلبًا يستجيبون للشروط المطلوبة للانتفاع بالبرنامج.

وتبرز هذه الأرقام بوضوح أن حجم الطلب على السكن الاجتماعي يفوق بكثير عدد المساكن المتاحة، وهو ما يجعل التحدي لا يتعلق فقط بتسريع نسق إنجاز المشاريع، وإنما أيضًا بتطوير آليات دقيقة لتحديد الأولويات وتوجيه المساكن إلى الفئات الأكثر استحقاقًا.

وضمن هذه المقاربة، تأتي توجيهات رئيس الدولة قيس سعيد بضرورة اعتماد مقاييس موضوعية وشفافة في دراسة المطالب وإسناد المساكن والمقاسم الاجتماعية، انطلاقًا من قناعة راسخة بأن العدالة الاجتماعية لا تتحقق بمجرد توفير سكن اجتماعي، وإنما أيضا بضمان أن ينتفع به مستحقوه في كنف الشفافية والوضوح.

 

المساكن الشاغرة في صلب المعادلة السكنية

من جهة أخرى، وفي السياق ذاته، يبرز ملف المساكن البلدية الشاغرة باعتباره جزءًا من الحل الممكن لمعالجة الطلب الاجتماعي على السكن. فقد نظرت اللجنة الخاصة بالتصرف في الملك البلدي، خلال اجتماعها الأول بقصر البلدية بالقصبة أول أمس، في ملفات تتعلق بالتصرف في المساكن البلدية الشاغرة ومطالب إسناد مساكن بلدية لفائدة طالبي السكن الاجتماعي.

وخصص الاجتماع لعرض المطالب ودراستها والبت فيها وفق مقاربة تراعي الجوانب القانونية والاجتماعية والإنسانية، طبقًا للتشريع والتراتيب الجاري بها العمل، بما يضمن حسن التصرف في الملك البلدي وتوجيهه لفائدة مستحقيه.

وتكتسي هذه الخطوة أهمية خاصة، لأنها تفتح ملفًا آخر لا يقل أهمية عن بناء مساكن جديدة، وهو إعادة توظيف المساكن الموجودة.

فالمساكن الشاغرة تمثل رصيدًا قائمًا يمكن أن يساهم، متى تمت معالجة وضعياته القانونية والإدارية، في الاستجابة لجزء من الحاجيات الاجتماعية، دون انتظار إنجاز مشاريع سكنية جديدة يمكن أن يستغرق تشييدها سنوات.

كما أن تركيز لجنة خاصة للنظر في هذه الملفات يعكس توجهًا نحو مزيد من التنظيم والتنسيق بين مختلف المتدخلين، بما يعكس توجهًا نحو إرساء مقاربة تقودها الدولة في أعلى هرمها، تكون أكثر نجاعة وشفافية في التصرف في المساكن البلدية وتوجيهها إلى مستحقيها، على أساس معايير اجتماعية واضحة تراعي الوضعيات الإنسانية والحاجة الفعلية إلى السكن.

كما من شأن هذا التنسيق أن يحد من بقاء المساكن الشاغرة خارج دائرة الاستغلال، وأن يحول جزءا من الرصيد العقاري العمومي إلى رافد إضافي للسياسة الاجتماعية للدولة في مجال السكن. وهي ذات المقاربة التي يطرحها رئيس الدولة قيس سعيد، والتي تقوم على حسن توظيف إمكانيات الدولة وممتلكاتها وتوجيهها لخدمة المواطن، بما يضمن توفير حلول سكنية فعلية للفئات المستحقة، ويكرّس الدور الاجتماعي للدولة على أرض الواقع.

 

الرقمنة وعدالة الإسناد

وفي هذا الاتجاه، تحتل الشفافية موقعا محوريا في الرؤية الجديدة للسكن الاجتماعي، خصوصا بالنظر إلى حجم المطالب وتعدد المتدخلين وحساسية الملف ودقته. ولهذا، تم الاتفاق على إحداث لجان متابعة ومنصة إعلامية رقمية لضبط قائمات الترشحات وإسناد المساكن وفق مقاييس واضحة وموضوعية.

وهنا تبرز الرقمنة كخيار استراتيجي تجلى في مختلف التصريحات واللقاءات الرسمية لرئيس الدولة قيس سعيد، لما لها من أهمية في تطوير أداء الإدارة، وتبسيط الإجراءات، وتعزيز الشفافية والوضوح في معالجة الملفات، بما يضمن توجيه المساكن والمقاسم الاجتماعية إلى مستحقيها وفقًا لمعايير موضوعية قابلة للتثبت والمتابعة.

كما تتيح الرقمنة بناء قاعدة بيانات دقيقة حول طالبي السكن ووضعياتهم الاجتماعية، بما يساعد على تحسين عملية اتخاذ القرار، والحد من التدخلات غير الموضوعية، ويجعل من التكنولوجيا أداة لخدمة العدالة الاجتماعية وترشيد التصرف في الموارد العمومية.

 

نحو سياسة سكنية أكثر تكاملا

تكشف المعطيات سالفة الذكر أن السياسة السكنية التي يدافع عنها رئيس الجمهورية قيس سعيد لا تتوقف عند إنجاز وحدات سكنية جديدة، وإنما تتجه تدريجيا نحو بناء منظومة متكاملة تبدأ بتوفير الرصيد العقاري، وتمر عبر إنجاز المساكن والمقاسم، وتصل إلى تسليمها وفق معايير موضوعية، ثم تمكين المنتفع من ملكيتها.

وفي هذا الخضم، تبدو استعادة الدولة لدورها الاجتماعي في قطاع السكن مرتبطة أيضا بمدى قدرتها على التنسيق بين مختلف المؤسسات والهياكل المتداخلة، من الوزارات والمؤسسات العمومية إلى البلديات والإدارات الجهوية والباعثين العقاريين. فنجاح السياسة السكنية التي تراهن عليها الدولة اليوم يتطلب أن تتحول هذه الأطراف إلى حلقات متكاملة ضمن رؤية واحدة، بدلا من الجهود المنفردة، وهو ما تعمل الدولة اليوم في أعلى هرمها على تكريسه.

 

السكن.. آلية للاستقرار

في هذا الخضم، ومن خلال الإجراءات المتخذة، سواء تعلق الأمر بالمساكن التي تم تسليمها أو التي قيد التسليم بحلول سنة 2027، أو بمختلف الإجراءات التي تم إقرارها لتنظيم هذه الآلية وفقًا للمعايير المطلوبة، يتضح أن رئيس الجمهورية قيس سعيّد يتجه نحو إعادة تعريف وظيفة الدولة في هذا المجال، لتتجاوز هذه الوظيفة حدود مساعدة المواطن على مواجهة كلفة السكن، وإنما تتدخل في الأرض والتمويل والإنجاز والإسناد والتمليك، بما يجعل السياسة السكنية جزءًا من منظومة العدالة الاجتماعية.

وضمن هذا التوجه، فإن المرحلة المقبلة ستفتح الباب أمام سياسة سكنية أكثر نجاعة، بما يعزز قدرة الدولة على ترجمة بعدها الاجتماعي إلى نتائج ملموسة يلمسها المواطن في تفاصيل يومه.

وفي هذا الإطار، فإن مواصلة تسريع المشاريع، وحسن توظيف الرصيد العقاري العمومي، وتطوير آليات التمليك الميسّر، إلى جانب اعتماد مزيد من الشفافية والرقمنة، من شأنها أن تدعم مسارًا يجعل من السياسة السكنية أداة فعلية لتقليص الفوارق الاجتماعية وتعزيز الاستقرار الاجتماعي. وبذلك، يتجه السكن الاجتماعي إلى أن يكون أكثر من مجرد استجابة لحق أساسي، ليصبح رافعة للكرامة والإنصاف والاستقرار، وتجسيدًا عمليًا للدور الاجتماعي للدولة ورهانها على عدالة اجتماعية يتحسسها المواطن في واقعه اليومي.

منال حرزي

 

من تسليم المساكن إلى تيسير التملك..  السكن الاجتماعي لإرساء العدالة الاجتماعية وتعزيز كرامة المواطن

تونس-الصباح

تتواصل ترجمة التوجهات الاجتماعية للدولة في مجال السكن الاجتماعي إلى إجراءات ملموسة، مع دخول مشاريع سكنية جديدة مرحلة التسليم الفعلي لفائدة مستحقيها، بعد أن تسلمت 310 عائلات من ولاية منوبة مفاتيح مساكنها الفردية الجاهزة ضمن القسط الخامس «رياض 5» من مشروع السكن الاجتماعي «الرياض» بالفجة، في خطوة تعكس تصدّر ملف السكن الاجتماعي أجندة الأولويات العملية للدولة، في أعلى هرمها، لا سيما فيما يتعلق بتوفير السكن للفئات محدودة الدخل وتيسير شروط التملك.

ويأتي هذا التطور بالتوازي مع جهود أخرى تُبذل اليوم على مستوى التصرف في الرصيد السكني المتوفر، من خلال شروع لجنة خاصة ببلدية تونس في النظر في وضعية المساكن البلدية الشاغرة ومطالب إسناد مساكن لفائدة طالبي السكن الاجتماعي، بما يفتح المجال أمام حسن استغلال الممتلكات العمومية وتوجيهها إلى مستحقيها.

وتتنزل هذه الجهود ضمن رؤية شاملة لرئيس الجمهورية قيس سعيد، تقوم على تكريس الدور الاجتماعي للدولة في مجال السكن، باعتبار السكن اللائق جزءا من كرامة المواطن والعدالة الاجتماعية، وعلى البحث عن حلول تتجاوز سياسة الحلول الظرفية والترقيعية نحو التمليك الميسّر، سواء عبر الكراء المملّك أو البيع بالتقسيط، إلى جانب توفير رصيد عقاري بأسعار تفاضلية، وإعادة تفعيل دور المؤسسات العمومية، وضمان شفافية إسناد المساكن والمقاسم الاجتماعية وفق مقاييس واضحة وموضوعية.

 

من الانتفاع إلى التمليك

اللافت في مشروع الفجة أن فلسفة الانتفاع لا تقف عند حدود توفير سكن لائق للمواطن، وإنما تتجه نحو تمكينه من الملكية. فقد تم إسناد المساكن الاجتماعية في شكل عقود تمليك عن طريق الكراء المملّك، حيث يدفع المنتفعون أقساطًا شهرية تعتبر مساهمة في تسديد كلفة المسكن، على أن تؤول الملكية إليهم بصفة نهائية بعد استكمال فترة التسديد.

وهنا تتجلى مقاربة رئيس الجمهورية قيس سعيّد في مجال السكن الاجتماعي، والمتمثلة في الانتقال من منطق الإعانة الظرفية إلى منطق التمليك المستدام. فالسكن، وفقا لهذه المقاربة، يتحول إلى ملكية مستقرة تمنح العائلة شعورا أكبر بالأمان والاستقرار، وتفتح أمامها إمكانية تحسين ظروف عيشها مستقبلا.

وتكتسب هذه الرؤية أهمية خاصة بالنسبة إلى الفئات محدودة ومتوسطة الدخل التي تواجه صعوبة متزايدة في النفاذ إلى السوق العقارية، في ظل ارتفاع كلفة الأراضي ومواد البناء وأسعار المساكن. ولذلك، فإن اعتماد صيغ مثل الكراء المملّك أو البيع بالتقسيط بأسعار مدروسة يمكن أن يمثل بديلا عمليا يخفف نسبيا من العبء المالي، ويجعل الملكية ممكنة بالنسبة إلى شرائح واسعة لا تستطيع توفير ثمن المسكن دفعة واحدة.

وضمن هذا التمشي، فإن التركيز على التمليك في السياسة السكنية للدولة يحمل في طياته بعدا اجتماعيا يندرج ضمن مسار العدالة الاجتماعية الذي يروم رئيس الدولة قيس سعيد تكريسه في أكثر من مجال، على اعتبار أن التمليك بالنسبة إلى عائلة ما يعني، في جوهره، تأسيس أصل مادي يمكن أن يشكل ضمانة للاستقرار، كما يكرس شعورًا بالانتماء إلى المجال وبالاستقرار داخل الحي أو الجهة. ومن هذا المنطلق، فإن رؤية رئيس الدولة قيس سعيد للسكن الاجتماعي تتعلق بمفهوم شامل يقوم على حفظ الكرامة والعدالة الاجتماعية.

كما أن اعتماد مساكن قابلة للتوسعة، مثل عدد من المساكن الجاهزة في مشروع الفجة، يضيف بعدا آخر لهذه السياسة. فقد تم تصميم عينة من المساكن الفردية بمساحات مختلفة وقابلة للتوسعة، بما يسمح للمنتفعين بتطوير مساكنهم مستقبلا وفقا لحاجياتهم وإمكانياتهم. وهذه المرونة تجعل المسكن أكثر قدرة على الاستجابة للتحولات الاجتماعية والديمغرافية للأسرة.

 

رصيد عقاري بأسعار تفاضلية

وفي صميم السياسة السكنية الاجتماعية التي تدفع إليها الدولة في أعلى هرمها، يبرز أيضًا ملف الرصيد العقاري باعتباره إحدى أهم حلقات المعادلة السكنية. فارتفاع أسعار الأراضي يمثل عاملا أساسيا في ارتفاع كلفة البناء، ولذلك، فإن توفير أراضٍ من ملك الدولة أو الجماعات المحلية بأسعار منخفضة يمكن أن يساعد على خلق مقاسم اجتماعية مهيأة لفائدة الفئات المستهدفة.

وفي هذا الإطار، تم العمل على تفعيل قرارات تتيح للوكالة العقارية للسكنى اقتناء أراضٍ من ملك الدولة أو الجماعات المحلية بأسعار تفاضلية، بما يسمح بتكوين رصيد عقاري يمكن توجيهه إلى مشاريع اجتماعية. وهذه الخطوة تعكس توجها نحو معالجة أصل الإشكال، على اعتبار أنه لا يمكن الخوض في مسألة سكن ميسّر دون معالجة كلفة الأرض التي تمثل جزءا مهما من السعر النهائي للمسكن.

وفي هذا السياق، وبتوجيهات مباشرة من رئيس الدولة قيس سعيد، تعمل مختلف الهياكل والمؤسسات المعنية على حسن توظيف أملاك الدولة والجماعات المحلية، بما يمكن أن يفتح المجال أمام سياسة أكثر نجاعة في توزيع المشاريع السكنية، خصوصًا في المناطق التي تتوفر فيها أراضٍ قابلة للتهيئة، بما يسمح بتقريب السكن من المواطنين وتجنب التوسع العمراني العشوائي.

 

إعادة الاعتبار للمؤسسات العمومية

وتتصل هذه المقاربة كذلك بإعادة تفعيل دور المؤسسات العمومية المتدخلة في المجال السكني، وفي مقدمتها الوكالة العقارية للسكنى، وشركة النهوض بالمساكن الاجتماعية، والشركة الوطنية العقارية للبلاد التونسية.

فهذه المؤسسات تمتلك خبرة تراكمية وهياكل وآليات تمكنها من لعب دور أكبر في تنفيذ السياسة السكنية للدولة.

وفي هذا الإطار، يراهن رئيس الدولة قيس سعيد على ضرورة أن تقوم هذه المؤسسات بوظيفتها الاجتماعية، بما يجعلها آليات تنفيذ لمختلف السياسات العمومية، لا سيما أن الرهان اليوم يتلخص في توفير مساكن ومقاسم تستجيب للمقدرة الشرائية للمواطن، مع الحفاظ في الوقت نفسه على جودة البناء وملاءمة المشاريع للحاجيات الفعلية.

 

تكريس للشفافية

تكشف الأرقام المتعلقة بمشروع الفجة عن حجم الطلب على السكن الاجتماعي، فقد بلغ عدد المطالب المقدمة في إطار الآجال التي ضبطتها وزارة التجهيز والإسكان بعنوان سنتي 2012 و2016 نحو 11 ألفا و102 مطلب، وبعد دراسة الملفات، تبين أن أصحاب 5248 مطلبًا يستجيبون للشروط المطلوبة للانتفاع بالبرنامج.

وتبرز هذه الأرقام بوضوح أن حجم الطلب على السكن الاجتماعي يفوق بكثير عدد المساكن المتاحة، وهو ما يجعل التحدي لا يتعلق فقط بتسريع نسق إنجاز المشاريع، وإنما أيضًا بتطوير آليات دقيقة لتحديد الأولويات وتوجيه المساكن إلى الفئات الأكثر استحقاقًا.

وضمن هذه المقاربة، تأتي توجيهات رئيس الدولة قيس سعيد بضرورة اعتماد مقاييس موضوعية وشفافة في دراسة المطالب وإسناد المساكن والمقاسم الاجتماعية، انطلاقًا من قناعة راسخة بأن العدالة الاجتماعية لا تتحقق بمجرد توفير سكن اجتماعي، وإنما أيضا بضمان أن ينتفع به مستحقوه في كنف الشفافية والوضوح.

 

المساكن الشاغرة في صلب المعادلة السكنية

من جهة أخرى، وفي السياق ذاته، يبرز ملف المساكن البلدية الشاغرة باعتباره جزءًا من الحل الممكن لمعالجة الطلب الاجتماعي على السكن. فقد نظرت اللجنة الخاصة بالتصرف في الملك البلدي، خلال اجتماعها الأول بقصر البلدية بالقصبة أول أمس، في ملفات تتعلق بالتصرف في المساكن البلدية الشاغرة ومطالب إسناد مساكن بلدية لفائدة طالبي السكن الاجتماعي.

وخصص الاجتماع لعرض المطالب ودراستها والبت فيها وفق مقاربة تراعي الجوانب القانونية والاجتماعية والإنسانية، طبقًا للتشريع والتراتيب الجاري بها العمل، بما يضمن حسن التصرف في الملك البلدي وتوجيهه لفائدة مستحقيه.

وتكتسي هذه الخطوة أهمية خاصة، لأنها تفتح ملفًا آخر لا يقل أهمية عن بناء مساكن جديدة، وهو إعادة توظيف المساكن الموجودة.

فالمساكن الشاغرة تمثل رصيدًا قائمًا يمكن أن يساهم، متى تمت معالجة وضعياته القانونية والإدارية، في الاستجابة لجزء من الحاجيات الاجتماعية، دون انتظار إنجاز مشاريع سكنية جديدة يمكن أن يستغرق تشييدها سنوات.

كما أن تركيز لجنة خاصة للنظر في هذه الملفات يعكس توجهًا نحو مزيد من التنظيم والتنسيق بين مختلف المتدخلين، بما يعكس توجهًا نحو إرساء مقاربة تقودها الدولة في أعلى هرمها، تكون أكثر نجاعة وشفافية في التصرف في المساكن البلدية وتوجيهها إلى مستحقيها، على أساس معايير اجتماعية واضحة تراعي الوضعيات الإنسانية والحاجة الفعلية إلى السكن.

كما من شأن هذا التنسيق أن يحد من بقاء المساكن الشاغرة خارج دائرة الاستغلال، وأن يحول جزءا من الرصيد العقاري العمومي إلى رافد إضافي للسياسة الاجتماعية للدولة في مجال السكن. وهي ذات المقاربة التي يطرحها رئيس الدولة قيس سعيد، والتي تقوم على حسن توظيف إمكانيات الدولة وممتلكاتها وتوجيهها لخدمة المواطن، بما يضمن توفير حلول سكنية فعلية للفئات المستحقة، ويكرّس الدور الاجتماعي للدولة على أرض الواقع.

 

الرقمنة وعدالة الإسناد

وفي هذا الاتجاه، تحتل الشفافية موقعا محوريا في الرؤية الجديدة للسكن الاجتماعي، خصوصا بالنظر إلى حجم المطالب وتعدد المتدخلين وحساسية الملف ودقته. ولهذا، تم الاتفاق على إحداث لجان متابعة ومنصة إعلامية رقمية لضبط قائمات الترشحات وإسناد المساكن وفق مقاييس واضحة وموضوعية.

وهنا تبرز الرقمنة كخيار استراتيجي تجلى في مختلف التصريحات واللقاءات الرسمية لرئيس الدولة قيس سعيد، لما لها من أهمية في تطوير أداء الإدارة، وتبسيط الإجراءات، وتعزيز الشفافية والوضوح في معالجة الملفات، بما يضمن توجيه المساكن والمقاسم الاجتماعية إلى مستحقيها وفقًا لمعايير موضوعية قابلة للتثبت والمتابعة.

كما تتيح الرقمنة بناء قاعدة بيانات دقيقة حول طالبي السكن ووضعياتهم الاجتماعية، بما يساعد على تحسين عملية اتخاذ القرار، والحد من التدخلات غير الموضوعية، ويجعل من التكنولوجيا أداة لخدمة العدالة الاجتماعية وترشيد التصرف في الموارد العمومية.

 

نحو سياسة سكنية أكثر تكاملا

تكشف المعطيات سالفة الذكر أن السياسة السكنية التي يدافع عنها رئيس الجمهورية قيس سعيد لا تتوقف عند إنجاز وحدات سكنية جديدة، وإنما تتجه تدريجيا نحو بناء منظومة متكاملة تبدأ بتوفير الرصيد العقاري، وتمر عبر إنجاز المساكن والمقاسم، وتصل إلى تسليمها وفق معايير موضوعية، ثم تمكين المنتفع من ملكيتها.

وفي هذا الخضم، تبدو استعادة الدولة لدورها الاجتماعي في قطاع السكن مرتبطة أيضا بمدى قدرتها على التنسيق بين مختلف المؤسسات والهياكل المتداخلة، من الوزارات والمؤسسات العمومية إلى البلديات والإدارات الجهوية والباعثين العقاريين. فنجاح السياسة السكنية التي تراهن عليها الدولة اليوم يتطلب أن تتحول هذه الأطراف إلى حلقات متكاملة ضمن رؤية واحدة، بدلا من الجهود المنفردة، وهو ما تعمل الدولة اليوم في أعلى هرمها على تكريسه.

 

السكن.. آلية للاستقرار

في هذا الخضم، ومن خلال الإجراءات المتخذة، سواء تعلق الأمر بالمساكن التي تم تسليمها أو التي قيد التسليم بحلول سنة 2027، أو بمختلف الإجراءات التي تم إقرارها لتنظيم هذه الآلية وفقًا للمعايير المطلوبة، يتضح أن رئيس الجمهورية قيس سعيّد يتجه نحو إعادة تعريف وظيفة الدولة في هذا المجال، لتتجاوز هذه الوظيفة حدود مساعدة المواطن على مواجهة كلفة السكن، وإنما تتدخل في الأرض والتمويل والإنجاز والإسناد والتمليك، بما يجعل السياسة السكنية جزءًا من منظومة العدالة الاجتماعية.

وضمن هذا التوجه، فإن المرحلة المقبلة ستفتح الباب أمام سياسة سكنية أكثر نجاعة، بما يعزز قدرة الدولة على ترجمة بعدها الاجتماعي إلى نتائج ملموسة يلمسها المواطن في تفاصيل يومه.

وفي هذا الإطار، فإن مواصلة تسريع المشاريع، وحسن توظيف الرصيد العقاري العمومي، وتطوير آليات التمليك الميسّر، إلى جانب اعتماد مزيد من الشفافية والرقمنة، من شأنها أن تدعم مسارًا يجعل من السياسة السكنية أداة فعلية لتقليص الفوارق الاجتماعية وتعزيز الاستقرار الاجتماعي. وبذلك، يتجه السكن الاجتماعي إلى أن يكون أكثر من مجرد استجابة لحق أساسي، ليصبح رافعة للكرامة والإنصاف والاستقرار، وتجسيدًا عمليًا للدور الاجتماعي للدولة ورهانها على عدالة اجتماعية يتحسسها المواطن في واقعه اليومي.

منال حرزي