يقترب حجم الأوراق والقطع النقدية المتداولة من عتبة 30 مليار دينار، وهو مستوى قياسي، حيث كشفت بيانات البنك المركزي التونسي أن حجم الأوراق والقطع النقدية المتداولة سجّل، في 19 أوت 2026، ارتفاعًا بنسبة 15.8 بالمائة مقارنة بالفترة ذاتها من العام الفارط، إذ انتقل من 25.864 مليار دينار في 19 أوت 2025 إلى نحو 29.970 مليار دينار بتاريخ 19 أوت 2026، أي بزيادة قدرها 4.106 مليار دينار.
وفي هذا الإطار، أرجع المستشار الجبائي والخبير الاقتصادي أنيس بن سعيد، في تصريح لـ"الصباح"، أسباب تطوّر السيولة النقدية في السوق المحلية إلى الانخفاض الملحوظ في اعتماد الشيكات واستعمالها، وذلك منذ دخول قانون الشيكات الجديد، المعروف بالقانون عدد 41 لسنة 2024 المؤرخ في 2 أوت 2024 والمتعلّق بتنقيح بعض أحكام المجلة التجارية وإتمامها، حيّز التطبيق في فيفري 2025.
وأشار إلى أن الشيك لم يعد، بذلك، وسيلة دفع مؤجّل، فتراجعت مكانته ضمن قائمة وسائل الدفع، في ظل تراجع إقبال عدد من المواطنين والتجار وأصحاب المؤسسات وحتى وكالات الأسفار على التعامل به، بالتوازي مع تغيّر طرق الدفع.
ارتفاع الاستهلاك
كما أكد محدثنا أن ارتفاع الاستهلاك يُعدّ من بين الأسباب التي أدت إلى ارتفاع منظومة الدفع الفوري "الكاش"، بالنظر إلى أن وتيرة الاستهلاك لدى التونسي شهدت تغيّرا لافتا خلال السنوات الأخيرة، وبات يتجه إلى اقتناء ليس فقط الضروريات، بل أيضًا الكماليات، وخاصة خلال فصل الصيف، حيث يتزايد الاستهلاك لأغراض الترفيه.
ويُعدّ تحقيق قفزة في الاستهلاك مؤشرا بارزا على تعزيز قدرات الإنفاق لدى الأسر من خلال توفّر السيولة لديها.
ضرورة تكثيف الإقبال على منظومة الدفع الإلكتروني
وفي ظل تسارع توسّع حجم الأوراق والقطع النقدية المتداولة، يرى المستشار الجبائي والخبير الاقتصادي ضرورة إجراء تقييم دقيق لقانون الشيكات الجديد، للوقوف على نتائجه على أرض الواقع، خاصة بعد مرور نحو سنة ونصف على دخوله حيّز النفاذ. وعلى ضوء هذا التقييم، يمكن إدخال بعض المراجعات عليه.
كما دعا إلى ضرورة تكثيف الإقبال على منظومة الدفع الإلكتروني، باعتبارها الخيار الأفضل لتعويض انخفاض استعمال الشيكات وتقليص حجم السيولة المتداولة، والانفتاح على طرق من شأنها أن تدعم بقوة مسار التحول الرقمي في المنظومة المالية ومنظومة الدفع، وذلك عبر التحسيس والتوعية بأهمية تقليص المعاملات النقدية، خاصة لدى فئة التجار.
تطوّر النشاط الاقتصادي
من جهته، أفاد نائب رئيس لجنة المالية والميزانية في مجلس نواب الشعب، ظافر الصغيري، في تصريح لـ"الصباح"، أنه من الطبيعي تسجيل ارتفاع كبير في حجم الأوراق والقطع النقدية المتداولة، بالنظر إلى تطوّر النشاط الاقتصادي، لافتًا إلى أنه كلما عرف النشاط الاقتصادي تطورًا انعكس ذلك على حجم السيولة النقدية.
واستعرض المتحدث ذاته جملة من المؤشرات الاقتصادية الإيجابية التي كان لها دور فاعل في صعود حجم السيولة المتداولة، مثل نمو الناتج المحلي الثلاثي بنسبة 2.3 بالمائة خلال الثلاثي الثاني لسنة 2026، وتحسّن النشاط الاقتصادي خلال الثلاثي الثاني من السنة الجارية مقارنة بالثلاثي الأول، حيث تطوّر الناتج المحلي بنسبة 1.4 بالمائة، بالإضافة إلى تطور الناتج المحلي الإجمالي بنسبة 2.4 بالمائة خلال السداسي الأول من سنة 2026، وتراجع نسبة البطالة في تونس إلى 14.9 بالمائة خلال الثلاثي الثاني من سنة 2026، مقابل 15 بالمائة خلال الثلاثي الأول من هذا العام.
كما قال محدثنا إن أغلبية أعوان الدولة والجماعات المحلية والمؤسسات العمومية ذات الصبغة الإدارية يقومون بسحب أجورهم كاملة من حساباتهم البنكية عند بداية كل شهر، ولا يتركون منها أي جزء في حساباتهم، مما كان له أثر على الكتلة النقدية المتداولة.
وفي السياق ذاته، أورد ظافر الصغيري أن التونسيين بالخارج، ورغم أهمية تحويلاتهم التي تعرف ارتفاعًا مطردًا، فإن عائلاتهم القاطنة بتونس، والتي تنتفع بهذه التحويلات، لا تقوم بسحبها عن طريق الحسابات البنكية، بل عن طريق خدمات تحويل الأموال التي توفّرها البنوك والبريد التونسي، مثل خدمة "ويسترن يونيون"، مما يجعل هذه التحويلات تتحول إلى كتلة نقدية متداولة تساهم في تنشيط الاستهلاك والدورة الاقتصادية والرفع من القدرة الشرائية.
أهمية تحسين أداء المنظومة البنكية
بالمقابل، شدّد نائب رئيس لجنة المالية والميزانية في مجلس نواب الشعب على ضرورة السعي إلى تحسين المنظومة البنكية في جملة من الخدمات، حتى يقع التشجيع أكثر على فتح حسابات بنكية من قبل مختلف شرائح المواطنين، ومن بينهم الفاعلون الاقتصاديون، ومن أجل مزيد رفع الثقة في المنظومة البنكية.
كما دعا إلى المضيّ بخطوات حثيثة نحو تحسين البنية التحتية المرتبطة بالدفع الإلكتروني، وإطلاق حملات تحفيزية بشأنها.
وبحسب معطيات أكدها البنك المركزي التونسي مؤخرا، سجلت معاملات الدفع عبر الهاتف الجوال تطورا لافتا، حيث بلغت 512 مليون معاملة مالية بقيمة إجمالية ناهزت 914.2 مليون دينار خلال السداسي الأول من سنة 2026.
وهو ما يعني أن نمو عدد من آليات الدفع الإلكتروني، ورغم أنه نمو متواصل، فإنه يبقى أقل من نسق تطور الكتلة النقدية المتداولة في السوق النقدية التونسية، وهو ما جعل بلادنا تبادر إلى إطلاق العديد من المبادرات المعنية بتسريع اللجوء إلى طرق دفع أكثر حداثة، إيمانًا بأن هذه الوسائل الجديدة أقل تكلفة ولا تتطلب جهدًا مقارنة بوسائل الدفع التقليدية.
ومن هذا المنطلق، فإن من بين أبرز المحاور التي سيُركّز عليها مشروع الميزان الاقتصادي لسنة 2027، التسريع في التحول التكنولوجي والرقمي الشامل، ودعم البحث والابتكار بما يساهم في تطوير مجالات جديدة ذات قيمة مضافة عالية.
كما يُعدّ العمل على تخفيض حجم الأوراق النقدية والمسكوكات المتداولة أحد الحلول التي بإمكانها أن تساهم في معاضدة جهود الدولة لمحاربة الاقتصاد الموازي ودمجه صلب الاقتصاد المنظم، خاصة وأن تونس قد وضعت ضمن خططها الاقتصادية تخفيف وطأة الاقتصاد غير المنظم، عبر السعي إلى إدراج جملة من التحفيزات التي تهم التشجيع على الإدماج الاقتصادي والاجتماعي، في إطار تحقيق نجاعة السياسات النقدية.
درصاف اللموشي
تونس- الصباح
يقترب حجم الأوراق والقطع النقدية المتداولة من عتبة 30 مليار دينار، وهو مستوى قياسي، حيث كشفت بيانات البنك المركزي التونسي أن حجم الأوراق والقطع النقدية المتداولة سجّل، في 19 أوت 2026، ارتفاعًا بنسبة 15.8 بالمائة مقارنة بالفترة ذاتها من العام الفارط، إذ انتقل من 25.864 مليار دينار في 19 أوت 2025 إلى نحو 29.970 مليار دينار بتاريخ 19 أوت 2026، أي بزيادة قدرها 4.106 مليار دينار.
وفي هذا الإطار، أرجع المستشار الجبائي والخبير الاقتصادي أنيس بن سعيد، في تصريح لـ"الصباح"، أسباب تطوّر السيولة النقدية في السوق المحلية إلى الانخفاض الملحوظ في اعتماد الشيكات واستعمالها، وذلك منذ دخول قانون الشيكات الجديد، المعروف بالقانون عدد 41 لسنة 2024 المؤرخ في 2 أوت 2024 والمتعلّق بتنقيح بعض أحكام المجلة التجارية وإتمامها، حيّز التطبيق في فيفري 2025.
وأشار إلى أن الشيك لم يعد، بذلك، وسيلة دفع مؤجّل، فتراجعت مكانته ضمن قائمة وسائل الدفع، في ظل تراجع إقبال عدد من المواطنين والتجار وأصحاب المؤسسات وحتى وكالات الأسفار على التعامل به، بالتوازي مع تغيّر طرق الدفع.
ارتفاع الاستهلاك
كما أكد محدثنا أن ارتفاع الاستهلاك يُعدّ من بين الأسباب التي أدت إلى ارتفاع منظومة الدفع الفوري "الكاش"، بالنظر إلى أن وتيرة الاستهلاك لدى التونسي شهدت تغيّرا لافتا خلال السنوات الأخيرة، وبات يتجه إلى اقتناء ليس فقط الضروريات، بل أيضًا الكماليات، وخاصة خلال فصل الصيف، حيث يتزايد الاستهلاك لأغراض الترفيه.
ويُعدّ تحقيق قفزة في الاستهلاك مؤشرا بارزا على تعزيز قدرات الإنفاق لدى الأسر من خلال توفّر السيولة لديها.
ضرورة تكثيف الإقبال على منظومة الدفع الإلكتروني
وفي ظل تسارع توسّع حجم الأوراق والقطع النقدية المتداولة، يرى المستشار الجبائي والخبير الاقتصادي ضرورة إجراء تقييم دقيق لقانون الشيكات الجديد، للوقوف على نتائجه على أرض الواقع، خاصة بعد مرور نحو سنة ونصف على دخوله حيّز النفاذ. وعلى ضوء هذا التقييم، يمكن إدخال بعض المراجعات عليه.
كما دعا إلى ضرورة تكثيف الإقبال على منظومة الدفع الإلكتروني، باعتبارها الخيار الأفضل لتعويض انخفاض استعمال الشيكات وتقليص حجم السيولة المتداولة، والانفتاح على طرق من شأنها أن تدعم بقوة مسار التحول الرقمي في المنظومة المالية ومنظومة الدفع، وذلك عبر التحسيس والتوعية بأهمية تقليص المعاملات النقدية، خاصة لدى فئة التجار.
تطوّر النشاط الاقتصادي
من جهته، أفاد نائب رئيس لجنة المالية والميزانية في مجلس نواب الشعب، ظافر الصغيري، في تصريح لـ"الصباح"، أنه من الطبيعي تسجيل ارتفاع كبير في حجم الأوراق والقطع النقدية المتداولة، بالنظر إلى تطوّر النشاط الاقتصادي، لافتًا إلى أنه كلما عرف النشاط الاقتصادي تطورًا انعكس ذلك على حجم السيولة النقدية.
واستعرض المتحدث ذاته جملة من المؤشرات الاقتصادية الإيجابية التي كان لها دور فاعل في صعود حجم السيولة المتداولة، مثل نمو الناتج المحلي الثلاثي بنسبة 2.3 بالمائة خلال الثلاثي الثاني لسنة 2026، وتحسّن النشاط الاقتصادي خلال الثلاثي الثاني من السنة الجارية مقارنة بالثلاثي الأول، حيث تطوّر الناتج المحلي بنسبة 1.4 بالمائة، بالإضافة إلى تطور الناتج المحلي الإجمالي بنسبة 2.4 بالمائة خلال السداسي الأول من سنة 2026، وتراجع نسبة البطالة في تونس إلى 14.9 بالمائة خلال الثلاثي الثاني من سنة 2026، مقابل 15 بالمائة خلال الثلاثي الأول من هذا العام.
كما قال محدثنا إن أغلبية أعوان الدولة والجماعات المحلية والمؤسسات العمومية ذات الصبغة الإدارية يقومون بسحب أجورهم كاملة من حساباتهم البنكية عند بداية كل شهر، ولا يتركون منها أي جزء في حساباتهم، مما كان له أثر على الكتلة النقدية المتداولة.
وفي السياق ذاته، أورد ظافر الصغيري أن التونسيين بالخارج، ورغم أهمية تحويلاتهم التي تعرف ارتفاعًا مطردًا، فإن عائلاتهم القاطنة بتونس، والتي تنتفع بهذه التحويلات، لا تقوم بسحبها عن طريق الحسابات البنكية، بل عن طريق خدمات تحويل الأموال التي توفّرها البنوك والبريد التونسي، مثل خدمة "ويسترن يونيون"، مما يجعل هذه التحويلات تتحول إلى كتلة نقدية متداولة تساهم في تنشيط الاستهلاك والدورة الاقتصادية والرفع من القدرة الشرائية.
أهمية تحسين أداء المنظومة البنكية
بالمقابل، شدّد نائب رئيس لجنة المالية والميزانية في مجلس نواب الشعب على ضرورة السعي إلى تحسين المنظومة البنكية في جملة من الخدمات، حتى يقع التشجيع أكثر على فتح حسابات بنكية من قبل مختلف شرائح المواطنين، ومن بينهم الفاعلون الاقتصاديون، ومن أجل مزيد رفع الثقة في المنظومة البنكية.
كما دعا إلى المضيّ بخطوات حثيثة نحو تحسين البنية التحتية المرتبطة بالدفع الإلكتروني، وإطلاق حملات تحفيزية بشأنها.
وبحسب معطيات أكدها البنك المركزي التونسي مؤخرا، سجلت معاملات الدفع عبر الهاتف الجوال تطورا لافتا، حيث بلغت 512 مليون معاملة مالية بقيمة إجمالية ناهزت 914.2 مليون دينار خلال السداسي الأول من سنة 2026.
وهو ما يعني أن نمو عدد من آليات الدفع الإلكتروني، ورغم أنه نمو متواصل، فإنه يبقى أقل من نسق تطور الكتلة النقدية المتداولة في السوق النقدية التونسية، وهو ما جعل بلادنا تبادر إلى إطلاق العديد من المبادرات المعنية بتسريع اللجوء إلى طرق دفع أكثر حداثة، إيمانًا بأن هذه الوسائل الجديدة أقل تكلفة ولا تتطلب جهدًا مقارنة بوسائل الدفع التقليدية.
ومن هذا المنطلق، فإن من بين أبرز المحاور التي سيُركّز عليها مشروع الميزان الاقتصادي لسنة 2027، التسريع في التحول التكنولوجي والرقمي الشامل، ودعم البحث والابتكار بما يساهم في تطوير مجالات جديدة ذات قيمة مضافة عالية.
كما يُعدّ العمل على تخفيض حجم الأوراق النقدية والمسكوكات المتداولة أحد الحلول التي بإمكانها أن تساهم في معاضدة جهود الدولة لمحاربة الاقتصاد الموازي ودمجه صلب الاقتصاد المنظم، خاصة وأن تونس قد وضعت ضمن خططها الاقتصادية تخفيف وطأة الاقتصاد غير المنظم، عبر السعي إلى إدراج جملة من التحفيزات التي تهم التشجيع على الإدماج الاقتصادي والاجتماعي، في إطار تحقيق نجاعة السياسات النقدية.