إشترك في النسخة الرقمية لجريدة الصباح و LE TEMPS

مهرجان قرطاج الدولي في دورته الستين ..قرطاج استعاد بعضا من بريقه في 2026 .. والمعادلة الفنية الجماهيرية تحتاج للمراجعة

3 سهرات من 19 عرضا أمام شبابيك مغلقة ومواجهة بيع التذاكر في "السوق السوداء" ضرورة

*تعيين مدير فني للمهرجان ضرورة قصوى.. ودعم الفنان التونسي في حاجة لمزيد من الدعم

إيقاف نزيف "اجترار" أغاني الكبار بمهرجان في حجم مهرجان قرطاج الدولي

تونس - الصباح

لا شك أن الظروف الاقتصادية والأحداث العالمية والمحلية وضغوطات الحياة أثرت نسبيا على الجانب الثقافي في تونس وخارجها، فالعالم اليوم يشهد تحولات عميقة بعد الأزمات والحروب الأخيرة، لذلك في اعتقادنا يعتبر تنظيم التظاهرات الفنية الكبرى والعروض الحية الضخمة فنيا ولوجستيا تحديا كبيرا لمختلف القائمين على هذه النوعية من المهرجانات، وقد شهدنا تأثير هذه الأحداث الطارئة على عدد من المواعيد العربية التي انطلقت قبل شهر جوان.

في تونس يمكن اعتبار صائفة 2026 قد مرت بخير على مستوى تنظيم المهرجانات وخاصة مهرجان قرطاج الدولي، خاصة في ظل الانقطاع المتواصل للتيار الكهربائي في عدد من المناطق التونسية، كما الحرائق وغيرها من التحديات المعتادة في كل موسم صيفي على مستوى التنظيم.

والمسألة التي تظل في هذا السياق في حاجة لمراجعة مسالك عملها هي بيع تذاكر الحفلات وتجاوز عدد من السهرات لطاقة استيعاب المسرح، الذي قد يهدد بمشاكل، إذ تواصل هذا التهاون في التعامل مع "طاقة الاستيعاب"، فقد شهدت حفلة اليسا على سبيل الذكر مظاهر للتحيل على جماهير النجمة اللبنانية ببيع التذاكر في "السوق السوداء" بأسعار وصلت لأكثر من أربعة أضعاف السعر الحقيقي للتذكرة، مع بيع تذاكر "مزورة"، وذلك بإعادة بيع نفس التذاكر لمرات عديدة عبر نسخة "PDF"، وعند بوابات المسرح لا يسمح إلا لحامل التذكرة الأولى في الصفوف بالدخول، فيما ترفض الأجهزة بقية التذاكر المنسوخة المتبقية، وهذه الأساليب في التحيل تتسبب في إشكاليات تنظيمية للقائمين على مهرجان قرطاج الدولي، وظل الموظفون يحاولون أحيانا حل المسألة لساعات دون جدوى، نظرا للعدد الكبير من الأشخاص الذين تم التحيل عليهم على الانترنت في سهرة الفنانة اللبنانية اليسا، وهذه المظاهر تكررت في حفلات أخرى بنسبة أقل، ومع ذلك لا يمكن إغفال تأثير "السوق السوداء" على مسألة بيع تذاكر على مهرجان قرطاج الدولي، مما قد يضر المهرجان ويتسبب في الإساءة لصيته وصورته.

ومع هذه التحديات التنظيمية تعرض مهرجان قرطاج الدولي في دورته الستين لبعض الانتقادات على مستوى غياب عدد من الفنانين التونسيين، وتحدث عدد منهم على أهمية دعم الفنان "ابن البلد" واستحقاقه "قرطاج" مقارنة بغيره من النجوم العرب - وبعضهم أقل قيمة فنية - ومن بين هذه الأصوات التي طالبت في تصريحات رسمية بدعم الفنان التونسي محمد الجبالي، مقداد السهيلي، أمينة فاخت وغيرهم كثيرون.

وفي اعتقادنا كان من المهم البحث أكثر في تصور فني يعيد البريق للأغنية التونسية وصناعها من الفنانين المنتجين لأعمال غنائية، لا برمجة عروض تقدم سهرات "اجترار" أعمال لعلية ونعمة وصليحة والهادي الجويني وغيرهم من فناني تونس الكبار، دون منح الإنتاج الغنائي الحالي فضاء لتسويقه وانتشاره، وهذا التصور من الضروري أيضا أن ينسحب على كل الفنانين الذي يشاركون في مهرجان قرطاج ويقدمون برمجة غنائية تستعين بالكثير من الإعادات لأغاني مطربي الشرق الكبار أو التونسيين، وقد لاحظنا ذلك مثلا في سهرة الفنانة يسرى محنوش (غنت العمل العراقي الشهير بصوتها "ميحانة" ومن أعمال إيتا جيمس "AT Last" ولأم كلثوم "أنساك" و"حب إيه" ومن أعمال عبد الحليم حافظ "أي دمعة حزن لا"، و"الهوى سلطان" لجورج وسوف و"ابتعد عني" لذكرى محمد إلى جانب فقرة للفلكلور التونسي والإنشاد الصوفي "يافارس بغداد" و"رايس الابحار" و"راكب عالحمراء")

ودعم الفنان التونسي الشاب لا يعني اعتلائه الركح ليعيد غناء أعمال غيره من كبار الفنانين، هذه الخطوة تحتاج لتصور يليق بالمسرح العريق وإن كانت هذه النوعية من سهرات "الحنين" مطلوبة من الجمهور، فمن الضروري أن تتشكل عبر رؤية فنية تثري البرمجة على غرار اختيار رمز من رموز الأغنية التونسية وتقديم عرض موسيقي فرجوي يجمع بين تثمين مشواره الغنائي من خلال أصوات يافعة يسلط قرطاج الضوء على طاقاتها الصوتية، مع رؤية بصرية وجمالية قد توظف الشاشات سينمائيا أو الركح عبر سينوغرافيا ولوحات مسرحية يوقعها ممثلون من شباب الفن الرابع في بلادنا، فهذه النوعية من المشاريع قد يكون من المفيد أن يمنحها مهرجان قرطاج الدولي مساحة في برمجته الوطنية، بالتوازي مع ضرورة حضور نجوم الأغنية التونسية على غرار اختيار لجنة التنظيم أن يكون عرض الافتتاح في الدورة الستين (تحت الياسمين) تونسيا، نجمه صابر الرباعي وضيوفه لطفي بوشناق، الشاب خالد، محمد علي شبيل، أحمد الرباعي، مُلكة الشارني وبثينة نابولي، كما كانت استضافة نبيهة كراولي في حفل عيد المرأة خيارا موفقا فنيا وجماهيريا، وقدم نوردو عرضا متكاملا في عناصره، لتظل سهرة كل من يسرى محنوش وأمينة فاخت من منظورنا الأقل نجاحا على عدة مستويات فنية وبصرية. ولا يمكن أن نغفل في تقييمنا لبرمجة مهرجان قرطاج الدولي عن المستوى الفني الراقي لعرض للاوركستر السمفوني التونسي بقيادة شادي القرفي، وقدم يوم 22 جويلية تحت عنوان " 60 سمفونيات ..ستون سنة من الموسيقى التونسية".

وسجل معز التومي بعرضه "القرهمانة" (من كتابته وإخراجه) الحضور المسرحي الوحيد في هذه الدورة الستين من مهرجان قرطاج الدولي، مع إقبال جماهيري لافت. ويفقد المهرجان الكثير من بريقه بالتخلي عن العروض المسرحية الكبرى والأعمال الفرجوية الدولية في برمجته في السنوات الأخيرة، خاصة وأن التبادل الثقافي يمكن أن يكون مساحة لجذب مثل هذه الانتاجات واكتشاف الأعمال الحديثة للمسارح العالمية على ركح قرطاج.

الدورة الستون لمهرجان قرطاج الدولي - من 16 جويلية إلى 19 أوت 2026 - اقترحت على جمهورها 19 عرضا فنيا منها عروض عربية وأجنبية، وذلك بميزانية رصدت من سلطة الإشراف تقدر بـ 3.5 مليون دينار، مع عائدات الإشهار ورعاة المهرجان وبيع التذاكر بلغت ميزانية المهرجان قرابة 8 ملايين دينار.

عروض مهرجان قرطاج الدولي في الدورة الستين تم انتقاؤها من بين 77 ملفا فنيا ضم عدد من المشاريع والتصورات، بعضها حظي بحماس النقاد والفاعلين في المشهد الثقافي وبعضها الآخر طاله النقد، بينما حظي عدد من هذه العروض "غير المرحب بها" من بعض الأطراف الفنية أو الأصوات الناقدة بإقبال جماهيري كبير، ومنها سهرة اليسا التي تصدرت البرمجة جماهيريا، ولم يتمكن مهرجان قرطاج في دورته الستين من تحقيق "Sold Out" رسميا إلا في ثلاث حفلات، وهي سهرات ماجدة الرومي في الاختتام، وسهرة الشاب خالد في 18 جويلية الماضي، وسهرة اليسا ليلة 15 أوت الحالي.

وفي هذه الدورة الستين اعتلى ليلة السبت 01 أوت الفنان والمؤلف الموسيقي العالمي سامي يوسف ركح مسرح قرطاج الأثري في عرضه الأول خلال مسيرته الفنية، في عرض يعتبر من أهم عروض برمجة هذه النسخة من المهرجان في صائفة 2026، وقدم الفنان الإيراني البريطاني عرضا استثنائيا مع مجموعة موسيقية ضمت ثلاثا وخمسين عازفا من وأهم الموسيقيين قادمون من إيران، أذربيجان، فرنسا، الصين، المملكة المتحدة، إسبانيا، تركيا، سوريا والمغرب.

السهرة السورية مع الفنانة الكبيرة ميادة الحناوي والمطرب محمد خيري في 6 أوت احتفت بالطرب والقدود الحلبية مع لمسة تونسية رافقت خلالها الفرقة الوطنية بقيادة المايسترو يوسف بالهاني الفنانة ميادة الحناوي، ومنحت هذه الحفلة جمهور الطرب مساحة في برمجة قرطاج التي طغت على عروضها الخيارات التجارية مقارنة بالسهرات المخصصة للمشاريع الموسيقية أو الطربية.

ويمكن اعتبار حضور الفرقة الوطنية للموسيقى بقيادة المايسترو يوسف يالهاني في أكثر من سهرة فنية من النقاط المضيئة في عروض قرطاج، حيث عكست مدى حرفية الموسيقي التونسي وتمكنه. ومن بين هذه العروض حفل عيد الجمهورية (25 جويلية) وحمل عنوان "وطن في حب العاشقين" بمشاركة الفنانين التونسيين علياء بالعيد وغازي العيادي وشهرزاد هلال وسفيان الزايدي وملكة الشارني ومريم نور الدين.

من السهرات الأجنبية في برمجة مهرجان قرطاج "النوعية" يمكننا الإشارة لعرض "ذا جاكسونز" في 20 جويلية الماضي، وهي سهرة "الحنين" لإرث آل جاكسون والاستمتاع بإيقاعات البوب والسول وأغاني عائلة غيرت نظرة العالم للموسيقى وأنجبت ملك البوب مايكل جاكسون، وكذلك سهرة يوم 23 جويلية مع الفنانة أنجيليك كيدجو من البينين، "ملكة الموسيقى الإفريقية" التي كانت في اعتقادنا من أهم سهرات عروض مهرجان قرطاج في خانة العروض الأجنبية رغم ضعف الاقبال الجماهيري، فأنجيلك كيدجو صاحبة العشرين ألبوم تملك مسيرة فنية تجاوزت الأربعة عقود، قدمت أشهر أعمالها العالمية في فترة التسعينيات وبداية الألفية الثانية، منها (Djin Djin- Sango - Logozo)، وحازت على خمس جوائز غرامي، وقدمت سهرة راقية فنيا وبصريا عكست ثراء الايقاع الافريقي وانفتاحه على موسيقات العالم، فكانت لوحات انجيلك كيدجو تجمع موسيقى "الفون" واليوربا بايقاعات الروك والبوب والسول والجاز و"الغوسبل" والـ"أفروبوب" مع لمسة من "الروك" والموسيقى الالكترونية الحديثة..

وتابع جمهور قرطاج سهرة متفردة في تصورها وهي عرض " Tierra Bendita" يوم 30 جويلية من تقديم فرقة بالي الفلامينكو الأندلسية، بينما كان يوم 4 أوت من نصيب الأركسترا الإيطالية "روندو فينيزيانو". ومن بين العروض الممثلة لثقافات الشعوب والتي نأمل أن يدعم مهرجان قرطاج الدولي برمجتها أكثر في دوراته القادمة عرض "فولكلور من العالم" الذي قاد الجمهور في رحلة حول العالم عبر طقوس ورقصات وأغاني تقليدية تكشف عن الثراء الحضاري لمجتمعات متفردة في هويتها، من خلال فرق قدمت إلى تونس ومسرح قرطاج الأثري من الصين، اليابان، مالطا، مصر، ليبيا وغيرها من البلدان.

ويعتبر تامر عاشور العرض المصري الوحيد في برمجة مهرجان قرطاج الدولي مقارنة بسنوات سابقة، بينما طغى الحضور اللبناني مع غياب واضح للايقاع الخليجي ونجومه في الدورة الستين، وتمكن النجم المصري تامر عاشور من الاستحواذ على اهتمام الجمهور الذي حضر بكثافة، خاصة من الجيل اليافع، وكانت سهرة شبابية ناجحة فنيا وتنظيميا، وغنى تامر عاشور معظم أعماله في هذا الحفل دون أن يلجأ لأغاني الزمن الجميل، والمفاجأة في هذه السهرة وتحسب لصاحبها غناء الجمهور لأعماله الحديثة الانتاج والتي لم يمر أكثر من أسبوعين على طرحها.

19 عرضا فنيا أثثوا الدورة الستين لمهرجان قرطاج الدولي، مع حفل خيري خارج البرمجة الرسمية كان يوم 2 أوت أحياه الفنان اللبناني ريان، خصصت مداخيله لفائدة مرضى السرطان، ليكون اختتام هذه الحفلات مع الفنانة اللبنانية ماجدة الرومي، والتي حظيت بإشادة واسعة من قبل متابعي المهرجان ونقاده، واعتبر أغلبه خيار ماجدة الرومي موفقا من الهيئة التنظيمية لمهرجان قرطاج الدولي.

وقد حققت عديد العروض لمهرجان قرطاج في صائفة 2026 النجاح الفني، فيما اكتفت أخرى بالنجاح الجماهيري وبعض العروض لم تحقق كلاهما، وتبقى المعادلة صعبة وتحتاج لمدير فني يتحمل مسؤولية خيارات المهرجان، فهي ثغرة كبرى في المهرجان، ومن الضروري تداركها واختيار شخصية فنية تتولى وضع رؤية المهرجان وتشكل هويته للسنوات القادمة، حتى يحافظ على بريقه ومكانته كأعرق مهرجان فني موسيقي في المنطقة.

نجلاء قموع

 

مهرجان قرطاج الدولي في دورته الستين ..قرطاج استعاد بعضا من بريقه في 2026 .. والمعادلة الفنية الجماهيرية تحتاج للمراجعة

3 سهرات من 19 عرضا أمام شبابيك مغلقة ومواجهة بيع التذاكر في "السوق السوداء" ضرورة

*تعيين مدير فني للمهرجان ضرورة قصوى.. ودعم الفنان التونسي في حاجة لمزيد من الدعم

إيقاف نزيف "اجترار" أغاني الكبار بمهرجان في حجم مهرجان قرطاج الدولي

تونس - الصباح

لا شك أن الظروف الاقتصادية والأحداث العالمية والمحلية وضغوطات الحياة أثرت نسبيا على الجانب الثقافي في تونس وخارجها، فالعالم اليوم يشهد تحولات عميقة بعد الأزمات والحروب الأخيرة، لذلك في اعتقادنا يعتبر تنظيم التظاهرات الفنية الكبرى والعروض الحية الضخمة فنيا ولوجستيا تحديا كبيرا لمختلف القائمين على هذه النوعية من المهرجانات، وقد شهدنا تأثير هذه الأحداث الطارئة على عدد من المواعيد العربية التي انطلقت قبل شهر جوان.

في تونس يمكن اعتبار صائفة 2026 قد مرت بخير على مستوى تنظيم المهرجانات وخاصة مهرجان قرطاج الدولي، خاصة في ظل الانقطاع المتواصل للتيار الكهربائي في عدد من المناطق التونسية، كما الحرائق وغيرها من التحديات المعتادة في كل موسم صيفي على مستوى التنظيم.

والمسألة التي تظل في هذا السياق في حاجة لمراجعة مسالك عملها هي بيع تذاكر الحفلات وتجاوز عدد من السهرات لطاقة استيعاب المسرح، الذي قد يهدد بمشاكل، إذ تواصل هذا التهاون في التعامل مع "طاقة الاستيعاب"، فقد شهدت حفلة اليسا على سبيل الذكر مظاهر للتحيل على جماهير النجمة اللبنانية ببيع التذاكر في "السوق السوداء" بأسعار وصلت لأكثر من أربعة أضعاف السعر الحقيقي للتذكرة، مع بيع تذاكر "مزورة"، وذلك بإعادة بيع نفس التذاكر لمرات عديدة عبر نسخة "PDF"، وعند بوابات المسرح لا يسمح إلا لحامل التذكرة الأولى في الصفوف بالدخول، فيما ترفض الأجهزة بقية التذاكر المنسوخة المتبقية، وهذه الأساليب في التحيل تتسبب في إشكاليات تنظيمية للقائمين على مهرجان قرطاج الدولي، وظل الموظفون يحاولون أحيانا حل المسألة لساعات دون جدوى، نظرا للعدد الكبير من الأشخاص الذين تم التحيل عليهم على الانترنت في سهرة الفنانة اللبنانية اليسا، وهذه المظاهر تكررت في حفلات أخرى بنسبة أقل، ومع ذلك لا يمكن إغفال تأثير "السوق السوداء" على مسألة بيع تذاكر على مهرجان قرطاج الدولي، مما قد يضر المهرجان ويتسبب في الإساءة لصيته وصورته.

ومع هذه التحديات التنظيمية تعرض مهرجان قرطاج الدولي في دورته الستين لبعض الانتقادات على مستوى غياب عدد من الفنانين التونسيين، وتحدث عدد منهم على أهمية دعم الفنان "ابن البلد" واستحقاقه "قرطاج" مقارنة بغيره من النجوم العرب - وبعضهم أقل قيمة فنية - ومن بين هذه الأصوات التي طالبت في تصريحات رسمية بدعم الفنان التونسي محمد الجبالي، مقداد السهيلي، أمينة فاخت وغيرهم كثيرون.

وفي اعتقادنا كان من المهم البحث أكثر في تصور فني يعيد البريق للأغنية التونسية وصناعها من الفنانين المنتجين لأعمال غنائية، لا برمجة عروض تقدم سهرات "اجترار" أعمال لعلية ونعمة وصليحة والهادي الجويني وغيرهم من فناني تونس الكبار، دون منح الإنتاج الغنائي الحالي فضاء لتسويقه وانتشاره، وهذا التصور من الضروري أيضا أن ينسحب على كل الفنانين الذي يشاركون في مهرجان قرطاج ويقدمون برمجة غنائية تستعين بالكثير من الإعادات لأغاني مطربي الشرق الكبار أو التونسيين، وقد لاحظنا ذلك مثلا في سهرة الفنانة يسرى محنوش (غنت العمل العراقي الشهير بصوتها "ميحانة" ومن أعمال إيتا جيمس "AT Last" ولأم كلثوم "أنساك" و"حب إيه" ومن أعمال عبد الحليم حافظ "أي دمعة حزن لا"، و"الهوى سلطان" لجورج وسوف و"ابتعد عني" لذكرى محمد إلى جانب فقرة للفلكلور التونسي والإنشاد الصوفي "يافارس بغداد" و"رايس الابحار" و"راكب عالحمراء")

ودعم الفنان التونسي الشاب لا يعني اعتلائه الركح ليعيد غناء أعمال غيره من كبار الفنانين، هذه الخطوة تحتاج لتصور يليق بالمسرح العريق وإن كانت هذه النوعية من سهرات "الحنين" مطلوبة من الجمهور، فمن الضروري أن تتشكل عبر رؤية فنية تثري البرمجة على غرار اختيار رمز من رموز الأغنية التونسية وتقديم عرض موسيقي فرجوي يجمع بين تثمين مشواره الغنائي من خلال أصوات يافعة يسلط قرطاج الضوء على طاقاتها الصوتية، مع رؤية بصرية وجمالية قد توظف الشاشات سينمائيا أو الركح عبر سينوغرافيا ولوحات مسرحية يوقعها ممثلون من شباب الفن الرابع في بلادنا، فهذه النوعية من المشاريع قد يكون من المفيد أن يمنحها مهرجان قرطاج الدولي مساحة في برمجته الوطنية، بالتوازي مع ضرورة حضور نجوم الأغنية التونسية على غرار اختيار لجنة التنظيم أن يكون عرض الافتتاح في الدورة الستين (تحت الياسمين) تونسيا، نجمه صابر الرباعي وضيوفه لطفي بوشناق، الشاب خالد، محمد علي شبيل، أحمد الرباعي، مُلكة الشارني وبثينة نابولي، كما كانت استضافة نبيهة كراولي في حفل عيد المرأة خيارا موفقا فنيا وجماهيريا، وقدم نوردو عرضا متكاملا في عناصره، لتظل سهرة كل من يسرى محنوش وأمينة فاخت من منظورنا الأقل نجاحا على عدة مستويات فنية وبصرية. ولا يمكن أن نغفل في تقييمنا لبرمجة مهرجان قرطاج الدولي عن المستوى الفني الراقي لعرض للاوركستر السمفوني التونسي بقيادة شادي القرفي، وقدم يوم 22 جويلية تحت عنوان " 60 سمفونيات ..ستون سنة من الموسيقى التونسية".

وسجل معز التومي بعرضه "القرهمانة" (من كتابته وإخراجه) الحضور المسرحي الوحيد في هذه الدورة الستين من مهرجان قرطاج الدولي، مع إقبال جماهيري لافت. ويفقد المهرجان الكثير من بريقه بالتخلي عن العروض المسرحية الكبرى والأعمال الفرجوية الدولية في برمجته في السنوات الأخيرة، خاصة وأن التبادل الثقافي يمكن أن يكون مساحة لجذب مثل هذه الانتاجات واكتشاف الأعمال الحديثة للمسارح العالمية على ركح قرطاج.

الدورة الستون لمهرجان قرطاج الدولي - من 16 جويلية إلى 19 أوت 2026 - اقترحت على جمهورها 19 عرضا فنيا منها عروض عربية وأجنبية، وذلك بميزانية رصدت من سلطة الإشراف تقدر بـ 3.5 مليون دينار، مع عائدات الإشهار ورعاة المهرجان وبيع التذاكر بلغت ميزانية المهرجان قرابة 8 ملايين دينار.

عروض مهرجان قرطاج الدولي في الدورة الستين تم انتقاؤها من بين 77 ملفا فنيا ضم عدد من المشاريع والتصورات، بعضها حظي بحماس النقاد والفاعلين في المشهد الثقافي وبعضها الآخر طاله النقد، بينما حظي عدد من هذه العروض "غير المرحب بها" من بعض الأطراف الفنية أو الأصوات الناقدة بإقبال جماهيري كبير، ومنها سهرة اليسا التي تصدرت البرمجة جماهيريا، ولم يتمكن مهرجان قرطاج في دورته الستين من تحقيق "Sold Out" رسميا إلا في ثلاث حفلات، وهي سهرات ماجدة الرومي في الاختتام، وسهرة الشاب خالد في 18 جويلية الماضي، وسهرة اليسا ليلة 15 أوت الحالي.

وفي هذه الدورة الستين اعتلى ليلة السبت 01 أوت الفنان والمؤلف الموسيقي العالمي سامي يوسف ركح مسرح قرطاج الأثري في عرضه الأول خلال مسيرته الفنية، في عرض يعتبر من أهم عروض برمجة هذه النسخة من المهرجان في صائفة 2026، وقدم الفنان الإيراني البريطاني عرضا استثنائيا مع مجموعة موسيقية ضمت ثلاثا وخمسين عازفا من وأهم الموسيقيين قادمون من إيران، أذربيجان، فرنسا، الصين، المملكة المتحدة، إسبانيا، تركيا، سوريا والمغرب.

السهرة السورية مع الفنانة الكبيرة ميادة الحناوي والمطرب محمد خيري في 6 أوت احتفت بالطرب والقدود الحلبية مع لمسة تونسية رافقت خلالها الفرقة الوطنية بقيادة المايسترو يوسف بالهاني الفنانة ميادة الحناوي، ومنحت هذه الحفلة جمهور الطرب مساحة في برمجة قرطاج التي طغت على عروضها الخيارات التجارية مقارنة بالسهرات المخصصة للمشاريع الموسيقية أو الطربية.

ويمكن اعتبار حضور الفرقة الوطنية للموسيقى بقيادة المايسترو يوسف يالهاني في أكثر من سهرة فنية من النقاط المضيئة في عروض قرطاج، حيث عكست مدى حرفية الموسيقي التونسي وتمكنه. ومن بين هذه العروض حفل عيد الجمهورية (25 جويلية) وحمل عنوان "وطن في حب العاشقين" بمشاركة الفنانين التونسيين علياء بالعيد وغازي العيادي وشهرزاد هلال وسفيان الزايدي وملكة الشارني ومريم نور الدين.

من السهرات الأجنبية في برمجة مهرجان قرطاج "النوعية" يمكننا الإشارة لعرض "ذا جاكسونز" في 20 جويلية الماضي، وهي سهرة "الحنين" لإرث آل جاكسون والاستمتاع بإيقاعات البوب والسول وأغاني عائلة غيرت نظرة العالم للموسيقى وأنجبت ملك البوب مايكل جاكسون، وكذلك سهرة يوم 23 جويلية مع الفنانة أنجيليك كيدجو من البينين، "ملكة الموسيقى الإفريقية" التي كانت في اعتقادنا من أهم سهرات عروض مهرجان قرطاج في خانة العروض الأجنبية رغم ضعف الاقبال الجماهيري، فأنجيلك كيدجو صاحبة العشرين ألبوم تملك مسيرة فنية تجاوزت الأربعة عقود، قدمت أشهر أعمالها العالمية في فترة التسعينيات وبداية الألفية الثانية، منها (Djin Djin- Sango - Logozo)، وحازت على خمس جوائز غرامي، وقدمت سهرة راقية فنيا وبصريا عكست ثراء الايقاع الافريقي وانفتاحه على موسيقات العالم، فكانت لوحات انجيلك كيدجو تجمع موسيقى "الفون" واليوربا بايقاعات الروك والبوب والسول والجاز و"الغوسبل" والـ"أفروبوب" مع لمسة من "الروك" والموسيقى الالكترونية الحديثة..

وتابع جمهور قرطاج سهرة متفردة في تصورها وهي عرض " Tierra Bendita" يوم 30 جويلية من تقديم فرقة بالي الفلامينكو الأندلسية، بينما كان يوم 4 أوت من نصيب الأركسترا الإيطالية "روندو فينيزيانو". ومن بين العروض الممثلة لثقافات الشعوب والتي نأمل أن يدعم مهرجان قرطاج الدولي برمجتها أكثر في دوراته القادمة عرض "فولكلور من العالم" الذي قاد الجمهور في رحلة حول العالم عبر طقوس ورقصات وأغاني تقليدية تكشف عن الثراء الحضاري لمجتمعات متفردة في هويتها، من خلال فرق قدمت إلى تونس ومسرح قرطاج الأثري من الصين، اليابان، مالطا، مصر، ليبيا وغيرها من البلدان.

ويعتبر تامر عاشور العرض المصري الوحيد في برمجة مهرجان قرطاج الدولي مقارنة بسنوات سابقة، بينما طغى الحضور اللبناني مع غياب واضح للايقاع الخليجي ونجومه في الدورة الستين، وتمكن النجم المصري تامر عاشور من الاستحواذ على اهتمام الجمهور الذي حضر بكثافة، خاصة من الجيل اليافع، وكانت سهرة شبابية ناجحة فنيا وتنظيميا، وغنى تامر عاشور معظم أعماله في هذا الحفل دون أن يلجأ لأغاني الزمن الجميل، والمفاجأة في هذه السهرة وتحسب لصاحبها غناء الجمهور لأعماله الحديثة الانتاج والتي لم يمر أكثر من أسبوعين على طرحها.

19 عرضا فنيا أثثوا الدورة الستين لمهرجان قرطاج الدولي، مع حفل خيري خارج البرمجة الرسمية كان يوم 2 أوت أحياه الفنان اللبناني ريان، خصصت مداخيله لفائدة مرضى السرطان، ليكون اختتام هذه الحفلات مع الفنانة اللبنانية ماجدة الرومي، والتي حظيت بإشادة واسعة من قبل متابعي المهرجان ونقاده، واعتبر أغلبه خيار ماجدة الرومي موفقا من الهيئة التنظيمية لمهرجان قرطاج الدولي.

وقد حققت عديد العروض لمهرجان قرطاج في صائفة 2026 النجاح الفني، فيما اكتفت أخرى بالنجاح الجماهيري وبعض العروض لم تحقق كلاهما، وتبقى المعادلة صعبة وتحتاج لمدير فني يتحمل مسؤولية خيارات المهرجان، فهي ثغرة كبرى في المهرجان، ومن الضروري تداركها واختيار شخصية فنية تتولى وضع رؤية المهرجان وتشكل هويته للسنوات القادمة، حتى يحافظ على بريقه ومكانته كأعرق مهرجان فني موسيقي في المنطقة.

نجلاء قموع